دراسات وبحوثسوريا

العشائر في الجزيرة السورية: أدوار وتحالفات واستقطابات متناقضة

عبد الناصر حسو
مقدمة
من الصعوبة بمكان رسم تخوم فاصلة بين مناطق تواجد العشائر البدوية في الجزيرة، المترامية الأطراف، والمرتبطة في ذات الوقت بمثيلاتها خارج الحدود، في الدول العربية المجاورة، لتشكل وحدة جغرافية وديموغرافية، فقد استوطنت هذه العشائر، القادمة من شبه الجزيرة العربية، إلى جانب قبائل وأعراق وهويات وأديان متعددة، في قوس جغرافي خصيب شرقي الفرات. 
تعالت معظم أبناء العشائر والقبائل عن الخلافات العشائرية والمناطقية إلى حدّ كبير، وشكّلت هويات كثيرة لانتماءات عشائرية وعرقية محلية، بحيث تجمع الطوائف المختلفة في نسيج اجتماعي متآلف، وتعايشت مع بعضها البعض على شكل مجموعات بشرية غير متجانسة ثقافياً وغير متقاربة لغوياً، وإن كانت متفاعلة اجتماعياً على مساحات جغرافية واسعة، يجمع بينها نمط الحياة الزراعي الرعوي، لكن هذه العلاقات شهدت تحولات كثيرة أمام مخاوف أبناء المنطقة بعد الانتفاضة السورية في عام 2011. 
الأدوار العشائرية المتبدّلة
لعب النظام دوراً بارزاً في خلق حالة التنافس والصراع بين العشائر، فـقد "لجأ إلى استراتيجية مزدوجة في تعامله مع العشائر، تقوم هذه الاستراتيجية على إظهار الرفض الكامل للعشائرية بوصفها رمزاً من رموز الرجعية والتخلف، ثم التعاون غير المباشر مع تلك العشائر، بغية الاستفادة منها، باعتبارها مكوناً تقليدياً في التسويق لنظام لا ديمقراطي، يبحث عن أي شرعية لا ديمقراطية يمكن أن تخدمه، وتسدّ النقص الهائل في شرعيته العقلانية، وتخفي شرعيته الاستقوائية، وتساعد في بقائه أكبر مدة ممكنة)1. 
وعلى الرغم من الخطاب الأيديولوجي القومي لحزب البعث، والذي انطوى على إدانة للهويات المجتمعية الفرعية، إلا أن الممارسة العملية له تؤكد عملية التواطىء مع العشائر، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة تطبيق الأعراف العشائرية، حيث "سمح بتدخل الأعراف لحل النزاعات بين العشائر في دير الزور، كما يمليه العرف، وهو مايدل على اعتراف الأسد بالقوة المحتملة لسلطة العشائر البدوية)2، والخوف من أن تخرج سلطة عشائر البدو عن السيطرة بوصفهم خصوماً محتملين، كذلك تعامل النظام مع شيوخ من الدرجات الدنيا في التراتبية العشائرية، خصوصاً عشائر درعا ودير الزور، والتي شكل الكثير من أبنائها ركناً قوياً من أركان المؤسستين العسكرية والأمنية، حيث تمّ الاعتماد عليهم في بعض اللحظات الحرجة لمواجهة المعارضين، كما حدث في السويداء مع بديات حكم بشار الأسد، وفي مواجهة الانتفاضة الكردية في عام 2004،  ومن ثمّ خلال الانتفاضة الأخيرة، عبر منحهم مناصب مهمة في مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى زيادة تمثيلهم في مجلس الشعب، والذي وصل إلى 12%، لضمان ولائهم.  
ازدادت إشارات الاستفهام منذ بداية التظاهرات السلمية حول موقف العشائر السورية من الثورة، فأعلنت التنسيقيات (جمعة العشائر)، فيما دعا النظام، العشائر إلى مؤتمر (المجلس التأسيسي لمؤتمر العشائر والقبائل السوري)، لضمان سيطرته على هذه الشريحة من المجتمع وضمان ولائها له، وأشار السفيرالأميركي السابق في سوريا روبرت فورد للمعارضة، إلى ضرورة الاستعانة بالعشائر السورية، لا سيما في شرق الفرات، بعد فشل فصائل الجيش الحر في مواجهة النظام، ودخول الفصائل الاسلامية الراديكالية كطرف في الصراع، ورغم المحاولات المتكررة لجرّ العشائر العربية إلى المقتلة السورية ككتلة متراصة موحدة، إلا أن العشيرة الواحدة قد تفتت وتعددت ولاءاتها، ومع ذلك فقد بقي السعي إلى كسب ودّ العشائر جزءاً من استراتيجية العمل العسكري والسياسي في شرق الفرات.  
 



زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa