أمنية وعسكريةتقدير موقف

الاستراتيجية الإسرائيلية في الشرق الأوسط

مقدمة 
الهجوم الصاروخي الإيراني الأخير على "أرامكو" في شهر سبتمبر/ أيلول، والذي أدّى إلى تعطيل نصف الطاقة النفطية للملكة العربية السعودية (من عشرة ملايين إلى خمسة ملايين برميل يومياً)، استحضر في ذهن المتابعين مؤتمر الأمن القومي الثلاثي الذي عُقد في تل أبيب في أواخر شهر يونيو/ حزيران الماضي، في أعقاب إسقاط الطائرة الأمريكية في الخليج العربي، والهجمات على السفن التجارية فيه. هذا الاجتماع الذي جمع مستشاري الأمن القومي لكلّ من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جزءاً منه، أكّد على أنّ الهدف النهائي طويل المدى للحليفين الأمريكي والإسرائيلي هو إخراج القوات الإيرانية من سوريا، لأنّ إيران بحسب المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين باتت مصدر الخطر الأوّل على إسرائيل، بعد نجاحها في وصل الحدود البرية من طهران إلى بيروت من دون أي عائق، وأصبحت لاعباً جيو-سياسياً يهدّد بشكلٍ حقيقي حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين بوصفها "منبع التطرّف والإرهاب والعنف في العالم"، كما جاء على لسان جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي المُقال حديثاً من منصبه. 
 تسعى تل أبيب إلى ضمان حرية أعمالها العسكرية ضدّ الأهداف الإيرانية في سوريا على الرّغم من إصرار روسيا الدّائم على أخذ مصالح "بقية الأطراف" بالحسبان، وتصريح أمين مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف بـ "أنّ أي محاولة لعرض إيران على أنّها تهديد لأمن العالم غير مقبولة"، وأنّ هدف لقاء الأمن القومي الثلاثي هو البحث عن سبل وخطوات مشتركة لتسوية الأزمة في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها، وذلك باستخدام صيغ جديدة لضمان السّلام والاستقرار في هذه المنطقة، من دون استبدال صيغتي الآستانة وسوتشي. وفي نهاية الأمر حصلت إسرائيل على اعتراف روسيّ بحقّها في ضرب المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا، وبدور روسيّ أكبر في تعزيز الرقابة على الحدود لتقليص حجم الأسلحة المنقولة إلى "حزب الله"، مقابل تعهّد أمريكي-إسرائيلي بإعادة تأهيل النظام السوري دولياً، لأنّ هذا هو المخرج الوحيد لترجمة المكاسب الميدانية الروسية إلى نصرٍ سياسيّ، بالإضافة إلى المساعدة في جذب الاستثمارات من أجل إعادة الإعمار في سوريا، وربّما في لعب روسيا لدور الوساطة السياسية بين إسرائيل وسوريا، باتجاه عقد اتفاقية سلامٍ بين الجارتين العدوتين.
طريقة عمل الدبلوماسية الإسرائيلية في التحضير للمؤتمر المذكور وتنسيق اجتماعاته، وما نجم عنه من نتائج، يوضح لنا طبيعة التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي على ضوء مجريات العشرية الأخيرة، فهذا التفكير يتوزّع بين رؤيتين: براغماتية عملية مرنة وعسكرية إلى حدّ كبير تعتمد سياسة الردع، وأيديولوجية تعكس خطاب الطبقة السياسية التي بدأت تبتعد قليلاً عن النخبة العسكرية (ولعلّ نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة توضّح بشكلٍ جلّي اصطفاف المجتمع الإسرائيلي بين المدنيين والعسكر). لكن بالرغم من هذا الانقسام الظاهر فإنّ الاستراتيجيين الإسرائيليين، على اختلاف رؤيتهم، يعلمون أنّ عليهم ألاّ يتردّدوا في إظهار القوّة كي يتمّ احترام "القلعة المحاصرة" في الشّرق الأوسط. والحرب، أو العمليات العسكرية للدقة، ليست سوى سعيٍ من أجل السياسة. وبالنظر إلى العزلة المتزايدة، والأوضاع الجيو-سياسية الجديدة بعد استنقاع الوضع في سوريا واليمن، وتغيّر طبيعة التحالفات على إثر صفقة القرن، فإنّ إسرائيل تعلم أنّه يجب عليها الحفاظ على علاقتها الخاصّة بواشنطن وبرلين بأيّ ثمن، ذلك أنّ الدعم الدبلوماسي والعسكري الحيوي لهاتين العاصمتين هو الأكثر إخلاصاً لتل أبيب. 



زر الذهاب إلى الأعلى