دراسات وبحوث

سيناريوهات مسار اللجنة الدستورية

مقدمة: 
بعد نحو عامين من مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في سوتشي في مطلع عام 2018، بدأت اللجنة الدستورية أعمالها في جنيف، بعد أن تمّ تذليل عقبة الاتفاق على أسماء اللجنة، من قبل الأطراف الثلاث الضامنة، روسيا، وتركيا، وإيران، وقد اعتبر غير بيدرسون، المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، أن اتفاق جميع الأطراف على إقرار التشكيلة النهائية للجنة هو "إنجاز، مع أنها لن تحل الصراع السوري، إلا أنه يعوّل عليها كجزء من العملية السياسية". 
وعلى الرغم من وجود مرجعية أممية للجنة الدستورية في القرار 2254، واتفاق الدول الثلاث الضامنة على حل العقد التي كانت تشكّل عقبة أمام أعمالها، إلا أن السؤال الأساسي هو: هل ستكون أعمال اللجنة الدستورية، أو ما يمكن أن تتوصل إليه من نتائج، مقدمة حقيقية لحل سياسي؟
متغيّرات في شمال شرق سوريا
وفي خلفية مشهد بدء انطلاقة أعمال اللجنة الدستورية، كانت العديد من التطورات الكبيرة قد حدثت في ميدان الصراع السوري، والتي تغيّرت في إثرها معادلات كانت قائمة خلال العامين الأخيرين، في الجزيرة السورية، حيث كانت "قسد" الجهة الأكثر نفوذاً هناك، بالإضافة إلى "مسد" (مجلس سوريا الديمقراطية)، التي تدير الشؤون المدنية في المجالات كافة، بعد الانسحاب الأمريكي، واجتياح القوات التركية، وما يسمى "الجيش الوطني السوري"، للأراضي السورية، على غرار ما حدث في عفرين ومناطق "درع الفرات".
متغيرات الواقع الميداني في الجزيرة السورية كانت هي الأبرز، وفي مغزاها المباشر تثبيت دور تركيا في شمال شرق سوريا، ووضع الإدارة الأمريكية يدها على النفط السوري، بعد أن أعلن الرئيس ترامب أن اهتمامه الراهن منصب على استثمار هذا النفط، عبر شركات أمريكية. 
هذا المتغيّر الكبير في الجزيرة السورية منح تركيا حالة من الرضا عن تراجع مكانة "قسد"، ليس فقط في مناطق نفوذها، بل في مجمل العملية السياسية في سوريا، فقد كانت أنقرة خلال العامين الماضيين قد وضعت فيتو على مشاركة "قسد" في اللجنة الدستورية، وهو الموقف ذاته الذي اتخذته روسيا، وكان السند السياسي والعسكري الأمريكي-إلى حدّ بعيد-هو عامل الطمأنينة لدى "قسد" لتلعب دوراً مهماً في التسوية السياسية، وهو الأمر الذي تغيّر بشكل كبير، قبيل انطلاق أعمال اللجنة الدستورية. 
موقف النظام السوري:
على الرغم من أن انطلاق أعمال اللجنة الدستورية يعني، وبشكل واضح، موافقة الحكومة السورية على نتائج عمل اللجنة، وبالتالي الإقرار بما سيصدر عنها، لكن المقابلة التي أجراها الرئيس الأسد مع الإخبارية السورية، جاءت لتنفي أي صلاحيات عن وفد الحكومة في اللجنة الدستورية، كما نفت شرعية القرار الدولي 2254، ورفض الأسد الاعتراف بالأطراف الأخرى المشاركة، معتبراً أن "الطرف الآخر يمثل الإرهاب".
تستند تصريحات رئيس النظام إلى معادلات القوة العسكرية التي نشأت خلال العامين الأخيرين، والتي أعادت هيمنة قواته، بدعم أساسي روسي وإيراني، على مناطق كانت خارجة عن سيطرته، وانحسار القوى العسكرية المناهضة له في محافظة إدلب، والتي من المرجّح أن تكون عملية تفكيك ما تحتويه من عقد رهناً بصفقة روسية تركية، مشابهة إلى حد بعيد بالمقايضة بين الغوطة الشرقية وعفرين، والتي سمحت لتركيا بالهيمنة على عفرين، مقابل السماح لروسيا والنظام استعادة الغوطة الشرقية.
من جهته، فإن النظام يعتبر أن مهمة اللجنة الدستورية ليست إنجاز التفاوض على السلطة، أو بالأحرى ليست مقدمة لإنشاء هيئة حكم انتقالي، فقد تغيّرت معادلات القوة على الأرض، فالنظام في أوج أزمته، وانحسار هيمنته عن جزء كبير من الجغرافيا السورية، كما في عام 2015، لم يكن جدّياً في التفاوض على السلطة، ولم يقبل بمناقشة المرحلة الانتقالية، وظلّ متمسكاً ببند الإرهاب، بوصفه المدخل الرئيسي للحل السياسي، فما الذي سيجعله اليوم مجبراً على تقديم تنازلات كبيرة، وهو في موقع قوة، لم يقدمها سابقاً، وهو في موقف ضعف.  

مواقف الدول الثلاث الضامنة:
تشترك الدول الثلاث الضامنة في عدد من المصالح في الميدان السوري، لكنها تفترق أيضاً في عدد آخر من المصالح، ولم يكن ممكنا إعطاء هذه الدول الضوء الأخضر لانطلاقة أعمال اللجنة الدستورية لولا أن كل واحدة منها لم تكن مقتنعة بأنها قد حققت المصالح الأساسية لها في الميدان السوري.
كانت العقبة الكبرى موجودة أمام تركيا، فموافقتها على بدء أعمال اللجنة الدستورية لم تكن واردة، من دون تحقيق مصلحتها الكبرى في إضعاف نفوذ "قسد"، في شمال شرق سوريا، وهو ما تمكّنت من تأمينه عبر العملية العسكرية الأخيرة المسماة "نبع السلام"، كما أنها من الناحية العملية وسّعت نفوذها العسكري المباشر ضمن الأراضي السورية.
بالنسبة لروسيا، فإن التعجيل بتفكيك الميدان العسكري هو خطوة نحو الدفع قدماً بمشاريع إعادة الإعمار، والبدء بالاستثمار الاقتصادي، بالإضافة إلى أن وضع يدها على ميناء طرطوس، وضمان حمايته عبر قاعدتها العسكرية في مطار حميميم، سيساعدها في الحصول على مكانة استراتيجية في مشروع "الحزام والطريق" الصيني، بالإضافة إلى تمتين علاقاتها بدول الخليج العربي، خصوصاً السعودية والإمارات.
لا ترى موسكو مانعاً من حل سياسي شكلي، يفتح الباب أمام تعاون اقتصادي متعدد الأبعاد، مع أوروبا والخليج في قضايا إعادة الإعمار، ومع الصين في تطوير مرفأ حيوي في المتوسط، ليأخذ مكانته في عمليات الاستيراد وإعادة التصدير، والتي أصبحت قطاعاً حيوياً في الاقتصاد المعولم.
الموقف الإيراني، ومن منطق المحاصصة مع روسيا وتركيا، مهتمٌّ بربط طهران بالمتوسط، وهو ما تعتبره طهران بأنه أصبح أمراً ناجزاً، بعد تراجع القوى المسلحة في سوريا، وبعد أن هيمنت على جزء واسع من القرار العسكري والأمني في سوريا، تجد بأن حلّاً سياسياً مقبلاً سيكون بالضرورة متوافقاً مع مصالحها، وإلا فإنه لن يكون، ولكن هذه القناعة اليوم هي محلّ شكّ كبير بعد ثورتي لبنان والعراق.
الموقف الأمريكي:
أوضحت المواقف الأمريكية الأخيرة أن إدارة ترامب حدّدت أهدافها النهائية من الميدان السوري، فهي معنية إلى جانب حقول النفط، ببقاء قاعدتها في منطقة التنف، والعمل على توسيعها، وجعلها قاعدة أمريكية حيوية في المنطقة، ليس فقط للضغط على الخط البري الإيراني من طهران إلى بيروت، مروراً ببغداد ودمشق، بل ولإحداث ضغط على تركيا، بإمكانية أن تكون قاعدة التنف مستقبلاً منافساً مهمّاً لقاعدة إنجرليك التركية. 
لا تختلف مواقف ترامب الأخيرة عن مواقف سلفه باراك أوباما، الذي ترك لروسيا الدور الأكبر في سوريا، مع بقاء موقف البنتاغون ثابتاً في أهمية بقاء قوات أمريكية في سوريا، ضمن رؤيا أوسع للدور الأمريكي في مجمل الشرق الأوسط، ورفض الانكفاء السريع عن المنطقة وقضاياها.

السيناريوهات المحتملة لعمل اللجنة الدستورية: 
بناء على المعطيات والتطورات الميدانية الأخيرة في شمال شرق سوريا، ووضوح الموقف الأمريكي، ومواقف الدول الثلاث الضامنة، توجد ثلاثة سيناريوهات:
أولاً-سيناريو الوصول إلى توافق على دستور لسوريا: 
يعني هذا السيناريو بأن كل الأطراف التي تقف خلف إنجاز تشكيل اللجنة قد اتفقت على ترتيبات المصالح فيما بينها، كما أنها اتفقت على أن يكون المدخل للحل السياسي هو إنجاز دستور جديد، أو إعلان دستوري مؤقت، يكون الهدف منه التمهيد لانتخابات مقبلة، تضمن وصول ممثلي تلك الدول إلى قيادة مؤسسات الحكم الجديدة، مع الإبقاء على بنية النظام الأساسية، 
إن تحقيق هذا السيناريو سيتطلب حلّاً نهائياً لعقدة إدلب، وتفكيك الجماعات الجهادية فيها، وفي مقدمتها "هيئة تحرير الشام"، و"تنظيم حرّاس الدين"، ودخول القوات الحكومية إليها.
كما سيتطلّب هذا السيناريو توافقات بخصوص "قسد" من الناحية العسكرية، وبخصوص إدارتها للمناطق التي توجد فيها، وهو الأمر الذي ستتوضح معالمه أكثر في الأسابيع المقبلة. 
ثانياً-وضع عراقيل دائمة أمام اللجنة من قبل النظام، وبتنسيق مع إيران بشكل رئيس، من أجل نسف أي إمكانية لوصول اللجنة إلى أي توافقات حقيقية، وهو أمر سيكون مرجّحاً في ظل التصعيد ضد إيران في العراق ولبنان.
ثالثاً-إبطاء عمل اللجنة، وبموازاة ذلك، تتم بلورة وقائع جديدة، تسمح بتقاسم النفوذ، والذي قد يضمن شكلاً من أشكال التقسيم، بحيث لا يعود عمل اللجنة مجدياً من أساسه.
قد تكون فرصة تحقّق هذا السيناريو هي الأقل، لكن تبقى حظوظه قائمة في خضم إمكانية بروز عوامل جديدة.
خلاصة:
إن عمل اللجنة الدستورية يبقى بشكل أساسي رهن الدول الثلاث الضامنة، وتغيب عنه إرادة السوريين بأدنى درجات سيادتها، حيث أنه وفقاً للمعطيات القائمة في الميدان السوري، فإن أعضاء اللجنة الدستورية هم بشكل أو بآخر وكلاء للدول الثلاث الضامنة، ولن يكون بإمكانهم العمل بمعزل عن إرادات وتوجيهات الجهة التي تقف وراء كل منهم.
إن المطلوب من اللجنة الدستورية، في حال تمّ تسهيل عملها، هو وضع مقدمات حلّ سياسي يضمن مصالح القوى الرئيسية، وينتج مؤسسات حكم وإدارة قائمة على المحاصصة، من دون أن يكون هناك عقد اجتماعي جديد بين السوريين.  
 



زر الذهاب إلى الأعلى