الرئيسيالعالمدراسات وبحوث

من اجتثاث الأوروبية إلى الشعبوية المعادية للغرب: السياسة الخارجية التركية في حالة تغيّر مستمر

ألبير كاليبر وإسراء كاليبر

 الشعبوية

نبذة مختصرة

شهدت السياسة الخارجية التركية الأخيرة في ظلّ حكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقبة تحوُّلات شعبوّية مختلفة. ويمكن التمييز بوضوح بين الشعبوّية الضعيفة والكثيفة للسياسة الخارجية التركية بناءً على وضع الغرب. كان العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية، عندما كانت السياسة الخارجية شعبوّية بشكل خفيف، يتميَّز باجتثاث الأوربية بثبات، وزيادة الارتباط بالقضايا الإقليمية وإزاحة التوجّه الغربي لتركيا. واتّسَمَ التحوُّل نحو الشعبوية الكثيفة بالخطابات المعادِية للغرب التي تقديم الغرب باعتباره “الآخر” بالنسبة للهوية السياسية التركية.

تعرَّضت السياسة الخارجية التركية (TFP) لتغييرات جذرية في ظلّ الحكومات المتعاقِبة لحزب العدالة والتنمية (AKP)، الذي لا يزال في السلطة منذ العام 2002. وبغضّ النظر عن محتواها وأهدافها وصياغتها، فإنه لطالما تمَّ تدجين السياسة الخارجية من قبل قادة حزب العدالة والتنمية كقضية ذات أهمية حاسمة لتعزيز موقفهم داخل سياسات القوّة الداخلية في تركيا. ونظراً لأن الميول الشعبوية قد ميَّزت بشكل متزايد حكْم حزب العدالة والتنمية، فقد أصبحت السياسة الخارجية واحدة من المجالات الخطابية الرئيسية التي نشبتْ فيها صراعات على السلطة المحلّية وأصبح ماضي البلاد الكمالي مشكلة بشكل متزايد. وأصبحَ هذا الاتجاه في نهاية المطاف جزءاً لا يتجزَّأ من جهود الهندسة الاجتماعية المحافِظة لحزب العدالة والتنمية، والسّمة الرئيسية لشعبويّته، مع مجموعة من الآثار السياسية والاقتصادية الهامة.

كان هناك كما يجادل بعض المراقبين، على عكس بعض البلدان مثل الهند، “تحوُّل واضح من شخص غير شعبوي إلى زعيم شعبوي” ((284-2018 Plagemann and Destradi)، فإن هذا الانتقال قد حدث تدريجياً في تركيا في مسار حكم حزب العدالة والتنمية. وبالمثل، فقد حدَثَ التحوُّل الشعبويّ في السياسة الخارجية بمرور الوقت، وربما يتم فحصه في عصرين متميّزين: الشعبويّة الرقيقة والسميكة.[1] وفي حين لا يمكن ملاحظة الخطاب الشعبويّ في الحقبة الأولى إلا كعنصر عَرَضي وهامشي، أصبحَ في الحقبة الثانية العنصر الأساسي، إن لم يكن العنصر المُحَدِّد في صنع السياسة الخارجية في تركيا.

تجلّى الدور الشعبوي الضعيف نفسه على أنه إقليمي حازم، وفي كثير من الأحيان يضفي شرعية، وشاع من خلال الخطابات والصور “العثمانية الجديدة”. اتّخذت المصالح الأمنية وتصوُّرات التهديد طوال العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية، طابعاً إقليمياً متزايداً في تركيا، وعرَّفت تركيا نفسها كقوّة إقليمية ناشطة. تعود آثار الهيكلة الإقليمية في السياسة الخارجية التركية كما تمَّت مناقشته سابقاً في مكان آخر ((Kaliber 2013 إلى بداية التسعينيات، عندما تغيَّر هيكل الأمن في الحرب الباردة بشكل كبير. وقد وفَّرَتْ نهاية التنافس العالمي الثنائي القطب، بعض المجال للقوى الإقليمية متوسطة الحجم، بما في ذلك تركيا، للمشاركة بشكل أكثر نشاطاً في المؤسَّسات الأمنية الإقليمية والقضايا والتحدّيات. ومن جهة ثانية، أرادت تركيا بعد أن تحرَّرت من القيود الكامنة من كونها عضواً مخلصاً في أحد الأقطاب، فتح مساحات جديدة لإعادة تحديد أجندة السياسة الخارجية التي تمّ إعادة تعريفها وتوسيع نطاقها ((Kaliber 2013.

ومع ذلك، أصبح النشاط الإقليمي، في السنوات الأولى لحكومات حزب العدالة والتنمية في بداية الألفية الجديدة، المكوِّن الرئيسي للسياسة الخارجية والأمنية التركية. تُجادِل هذه الدراسة بأن الخطابات الإقليمية لبرنامج السياسة الخارجية التركية التي نشأت في ذلك العقد، قد أصبحت مهيمِنَة بشكل متزايد بالتوازي مع تبلوُر الخط الشعبوي في السياسة الخارجية. استندَ نشاط تركيا الذي يُركّز على المنطقة في العقد الأول من القرن العشرين، على بناء هوية خاصة للسياسة الخارجية عرَّفت تركيا بأنها قوّة ناعمة تروِّج للسلام وتتحمَّل القدرة على “تأسيس النظام” ((Davutoğlu 2009) في المناطق المحيطة بها، أي الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز.

“يمكن ملاحظة هذا الركود في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا وخيبة الأمل المتزايدة من كلا الجانبين” (Aydın-Düzgit and Kaliber 2016, 1)، وقد تميَّزت هذه الحقبة أيضاً بإزالة ثابتة للأوربية[2] من السياسة الخارجية التركية، وإشكالية صناعة السياسة الخارجية والهوية الكمالية التقليدية الراسخة.[3]

ومع ذلك، وكنتيجة للعملية التي بدأت باحتجاجات “منتزه جيزي” Gezi Park لعام 2013 والتي تمَّ إعلانها بشكل خاص فور محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/يوليو 2016، خضعت السياسة الخارجية التركية لعملية إعادة ضبط جذرية تتميَّز بشكل رئيسي بإعادة تجسيد الغرب على أنه “الآخر” بالنسبة لتركيا. في الواقع، إن الانتقال الخطير والحاسِم من الشعبويّة الضعيفة إلى الشعبويّة الكثيفة قد يُعزى إلى انتصار حزب العدالة والتنمية الساحق في الانتخابات البرلمانية التركية في عام 2011، وبداية الأحداث التي أطلق عليها “الربيع العربي” في نفس العام. ومع ذلك، فقد تمَّ في فترة ما بعد عام 2013 استبدال الديناميات اللاأوروبية في خطاب السياسة الخارجية التركية بشكل منهجي بمناهضة النزعة الغربية الشديدة، والتي أصبحت المبدأ الأساسي لعصر الشعوبية الكثيفة في السياسة الخارجية التركية.

لقد وضع خطاب السياسة الخارجية هذا “خطاباً إسلامياً مختلفاً تماماً وأعلى أخلاقاً”، الذات التركية ضد الأدنى أساساً وضد تهديدات الغربي “الآخر”. (Alaranta 2015, 31)

يُمثِّل الغرب في هذا الخطاب الذي تمَّ نشره على نطاق واسع من قبل صانعي السياسة الأتراك الحاليين وأبرزهم الرئيس رجب طيب أردوغان، بالإضافة إلى المُعَلِّقين المؤيِّدين للحكومة والأكاديميين والناشطين، بشكل أساسي، الجانب الآخر المُعاكِس للشرق في الصراع العالمي المعاصِر على السلطة. كانت تركيا، التي تنتمي إلى الحضارة الشرقية، “تشنُّ حرباً ثانية من الاستقلال ضد الغرب” (Gül 2016; TRT Haber 2016). يؤمِن خطاب السياسة الخارجية أنه تمَّ تطويق تركيا من قبل “مجموعات إرهابية متنوّعة تدعمها الدول الغربية” (Al Jazeera 2016; Karagül 2016) وصُنّفَ[4] الغرب إمّا كقوّة غير ودّية أو معادية تهدِّد سيادة البلاد والسلامة الإقليمية.

يعتمد هذا البحث من الناحية المنهجية، بشكلٍ أساسي على تحليل الخطاب التقليدي للبيانات الصادرة عن مجموعة متنوِّعة من النُّخَبْ السياسية في تركيا، وأبرزها الرئيس أردوغان، في فترة ما بعد عام 2013 وذلك بهدف معالجة قضيتين: أولاً، الطرُق التي يدركوها ويبنون علاقات تركيا مع الدول الأوروبية أو الغربية، وثانياً، إلى أي مدى شكَّلت معاداة الغرب أنماطاً من الشعبويّة في السياسة الخارجية التركيّة. لقد تم اختيار الخطب والبيانات والنشرات الصحفية وإعلانات كوادر حزب العدالة والتنمية بعناية لتمثيل بعض المواضيع الجَّدلية الشائعة التي تشكل الأنماط الشعبويّة في السياسة الخارجية التركية.

تسير هذه الدراسة على النحو التالي: إنها تتعامل أولاً بشكل حاسم ونقدي مع الأدبيات المتنامية مؤخَّراً حول الشعبويّة والسياسة الخارجية بهدف استيعاب إمكاناتها وحدودها. ثمَّ تتوسّع الدراسة بعد ذلك للتمييز بين الشعبويّة الضعيفة والكثيفة للسياسة الخارجية في تركيا.

كما سيتم التركيز عند دراسة الحقبة الشعبوية، على دور الحكومات التركية في تفعيل سياسات القوّة المحلية، ضد المعارضة التي تُتهم بأنها تمثل “تركيا القديمة”. ويركِّز الجزء اللاحق من المقال على الشعبويّة الكثيفة للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية والتي تتميز بحزم ضد الغرب، والتي يتم من خلالها بناء الذات التركية الإسلامية “العليا” ضد الآخر الغربي “الأدنى”.

 

الشعبويّة في السياسة الخارجية

الشعبويّة كحركة سياسية “مناهضة للنخبوية ومعادية للتعدُّدية” ذات ميول استبدادية ووطنية (Mudde 2007)، والشعبويّة ليس فقط لم تظهر وتتطوَّر في الديمقراطيات الغربية القائمة فحسب، ولكن ظهرتْ أيضاً في الأنظمة الهجينة والسلطوية مثل تركيا والهند وتايلاند والفلبين وفنزويلا Moffitt 2016; Mudde 2004 and 2007; Mudde and Kaltwasser 2012). أصبحت الشعبويّة بالترادف مع تآكُل الديمقراطية الليبرالية، وإحياء حالة الأمن القومي في فترة ما بعد 11 أيلول/سبتمبر، وصعود ممارسات الطوارئ من قبل الدول، تتشكَّل من “واقع سياسي عالمي جديد أوسع نطاقاً ويتخطّى الجغرافيا والحدود الاقتصادية والسياسية” (Aydın-Düzgit and Keyman 2017, 5).

القواسم المشتركة في الحركات الشعبويّة في كلّ من الديمقراطيات الراسخة والأنظمة الهجينة أو الاستبدادية أنها تستند إلى صورة للمجتمع تتكوَّن من كتلتين متجانستين ومستقطبتين: “الشعب النقي” و”النخبة الفاسدة”. هذه ضرورية باعتبارها فئات متعارِضة بالضرورة وحتى منافِسة، ويقدِّم الشعبويون أنفسهم على أنهم يمثلون الأول ضد الأخير. تتشكّل سياساتهم وخطاباتهم حول قضايا السياسة الداخلية والدولية من خلال كيفية تعريف هذه الفئات -من الذي سيتم إدراجه في كل فئة أو الإجراءات السياسية الداخلية والخارجية التي سَتُعتبَر مؤيِّدة أو ضد الإرادة الوطنية.

وكما يقترح تاغّارت (Taggart 2000)، فإن تعريف الأحزاب الشعبويّة للأشخاص المُراد حمايتهم، غالباً ما تختلف النُّخب أو المؤسَّسات الفاسدة التي يجب معارضتها وفقاً للظروف المحدِّدة للسياقات المحلية والأيديولوجيات الأكثر كثافة التي يلتزم بها هؤلاء الشعبويون، أي الاشتراكية أو الليبرالية. ولتوضيح ذلك، في أمريكا اللاتينية “الشعبويّون اليساريون مثل موراليس يُحدِّدون الناس النقيين من خلال السكان الأصليين ومن خلال استبعاد أي صلات من هويتهم مع القوى الاستعمارية (الأوروبية) القديمة أو الإمبريالية الجديدة للولايات المتحدة” (Verbeek and Zaslove 2017, 393). وبالمثل، بالنسبة للتقليد الشافيزي (نسبة للرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز)، فإن شرائح المجتمع الفنزويلي الموالية للحركة الثورية البوليفارية تشكّل الشعب النقي، بينما يُزعم أن النخبة تخدُم المصالح الأمريكية (Thies 2017).

من المُعترَف به على نطاق واسع أن عودة الشعبوية تؤثر تأثيراً عميقاً وتتأثر بدورها بنتائج وعمليات السياسة الدولية. ولكن، ومع ذلك، غالباً ما كانت الأدبيات حول الشعبوية تميل إلى رؤية القضية بشكل أساسي “كظاهرة في السياسة الداخلية” (Chryssogelos 2017, 2). تظلّ الأسئلة الأساسية مثل ما إذا كان هناك أي شيء مثل السياسة الخارجية الشعبوية، وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يشكل خيوطها المشتركة وغير المتباينة في السياقات الغربية وغير الغربية، غير مستكشفة إلى حدٍ كبير.

يلتقي العلماء الذين يدرسون الشعبوية بفكرة أن الحكومات الشعبوية “لا تتبع سياسات خارجية متطابقة” (Verbeek and Zaslove 2017, 384; انظر أيضًا Verbeek وZaslove 2019، 14). سيختلف محتوى السياسة الشعبوية اعتماداً على أيديولوجيات الأحزاب الشعبويّة وقدرتها على التأثير في عمليات صنع السياسة الخارجية: “التباين الإيديولوجي للأحزاب والحركات الشعبويّة أكبر من اللازم وقدرتها على التأثير في السياسة الخارجية تختلف أيضاً بين الدول” (Chryssogelos 2017-14 ). وبالتالي، فإن الأدبيات ذات الصلة حول القضية ليس لها تعريف ثابت لما يجعل السياسية الخارجية شعبوية، الأمر الذي يشير إلى الحاجة إلى معالجة منهجية لآثار الشعبويّة على السياسات الخارجية للدّول وكذلك على العلاقات بين هذه الدّول.

يعتمد السّرد المزدهر حول الشعبويّة والسياسة الخارجية في الغالب على “الأفكار المُستقاة من دراسات الحالة الفردية، كما أنه يتميَّز بوضوح بالتحيُّز الأوروبي أو الغربي” (Plagemann and Destradi 2018, 286)، مع بعض الاستثناءات البارزة (Dodson and Dorraj 2008; Phongpaichit and Baker 2008; Fraser 2017; Verbeek and Zaslove 2017; Chryssogelos 2017; Aytaç and Öniş 2014). وغالباً ما يركِّز على مواقف السياسة الخارجية الحزبية ويشير إلى أن الأحزاب الشعبويّة اليمينية تؤيِّد المذهب القومي والرقابة الصارمة على الهجرة وتوطيد السيادة الوطنية ورفض العولمة من الناحيتين الاقتصادية والثقافية. تتعاطف الأحزاب الشعبويّة اليسارية من ناحية أخرى، مع المعارَضة الليبرالية الجديدة والأسواق المفتوحة، وكذلك معاداة أمريكا والشك تجاه مؤسَّسات الحكم العالمي (Chryssogelos 2017, 1). وفي حين أن هذا ينطبق على الحالات الأوروبية في دراسة الشعبويّة، إلا أن هناك حاجة إلى نهج أكثر دقة وشمولية في دراسة السياسات الخارجية الشعبويّة في الحالات غير الغربية. يبدو أن الافتقار إلى الدراسات العابرة للوطنية يؤدّي فقط إلى التفسيرات المرتبطة بالسياق و”النظريات المُخصَّصة على أساس دراسات الحالة الفردية” (Kaltwasser et al. 2017, 2). وبالتالي، هناك حاجة ملحّة لمزيد من المنهجية، يحرّكها نظرية وتحليل مقارَن لأنماط السياسة الخارجية الشعبويّة في السياقات الغربية وغير الغربية.

تعتمد الأدبيات المتعلقة بالشعبويّة في السياسة الخارجية غالباً على تقاليد العلاقات الدولية الواقعية ونهجها في السياسة الخارجية، حيث تصوِّر التمييز القاطع بين العوالم المحلية والدولية للسياسة. تشير السياسة الخارجية في هذا المفهوم إلى الاستجابة الداخلية للدول “للوضع الناجم عن التهديدات الأيديولوجية والعسكرية والاقتصادية” (Campbell 1998, 36 ومع ذلك، فقد أظهرت مجموعة متنوِّعة من الأعمال النقدية الهامة، لما بعد الوضعية في العلاقات الدولية على وجه الخصوص، أن هذه العوالم “مترابطة تماماً وتتشكَّل بشكل متبادل” (Hobson 2002, 16). يعترف بعض طلاب الشعبويّة بأن التمييز المحلّي/الدولي أصبح غير واضح بشكل لا معنى له حيثُ: ” تمتدُ الأحداث المحلية إلى السياقات الدولية، بينما تؤثر الأحداث الدولية على الشؤون الداخلية” (Verbeek and Zaslove 2017, 384). ومع ذلك، لا يزال يتم بناء المحلية والدولية في هذا المفهوم، على أنها تتعايش وتتفاعل، ولكن في عوالم سياسية منفصلة. ويُقترَح أن تتبع الأحزاب والقادة الشعبويّون سياسة خارجية محدَّدة تعكس هويتهم المحلّية و”التفضيلات والقِيَمْ” (Chryssogelos 2017, 14). فعلى سبيل المثال، يشرح Özkeçeci-Taner (2009)) مواقف السياسة الخارجية لمختلف الأحزاب السياسية في تركيا باعتبارها امتداداً لهوياتهم السياسية الداخلية الخاصّة والمحدَّدة، مثل القومية والإسلاموية.

ومع ذلك، تتجاهل هذه السلسلة من الأدبيات وإلى حدٍ كبير، الدور التأسيسي للسياسة الخارجية في المجال المحلي، خاصّة فيما يتعلق بتداعياتها في علاقات القوّة/الهيمنة الداخلية. وتُعَدْ الخطابات الشعبويّة في السياسة الخارجية متأصِّلة في إعادة إنتاج الهويات المحلّية. لديهم دور أساسي وتأسيسي في إعادة إنتاج التمييز بيننا وبينهم، الشعب النقي والنخبة الفاسدة، الشرعية واللا شرعية، الوطنية واللا وطنية. وبالتالي، يجب أن يتطرَّق البحث العلمي حول السياسة الخارجية والشعبويّة إلى حسابات ما بعد الوضعية للسياسة الخارجية باعتبارها “منتجة للحدود” (Campbell 1998, 62)، وتُعتبر الممارسات الصارمة والمناصرين جزءاً لا يتجزّأ من دستور وإعادة إنتاج الهويات الوطنية المحلية وغيرها.[5]

 

الشعبويّة في السياسة الخارجية التركية في ظل حزب العدالة والتنمية

لا يزال التفكير العلمي الأخير في السياسة الخارجية الشعبويّة، على الرغم من بعض القيود، يقدِّم رؤى قيِّمة من أجل فهم الأنماط ذات الصِّلة (Chryssogelos 2017, 1).

غالباً ما تُظهِر الأنظمة الشعبويّة سِمَات مماثلة في صياغة وسرد وتوصيل سياساتها الخارجية، التي يمكننا من خلالها تحديد بعض الخصائص المشترَكة على الأقل. في الواقع، تُظهر تركيا بعض أوجه التشابُه مع حالات من دول الجنوب، بما في ذلك الهند وفنزويلا. فعلى سبيل المثال، غالباً ما يستهدف القادة الشعبويون صراحة، بيروقراطيات السياسة الخارجية الراسخة باعتبارها هياكل نخبوية ترمز إلى النظام القديم. هذا ما حدث في كل من تركيا والهند بعد وصول الحكومات الشعبويّة إلى السلطة (Plagemann and Destradi 2018). أمّا على المستوى الخطابي، فإن أوجه التشابه بين الخط الشعوبي في السياسة الخارجية التركية والحالات الأخرى من الجنوب أصبحت أكثر وضوحاً. التأكيد القوي على الإرادة الشعبية والسيادة الوطنية، ومعاداة الغرب بشدّة تحت ستار المعاداة للإمبريالية أو معاداة الولايات المتحدة، وعدم الثقة تجاه المؤسَّسات الدولية كتهديد للأمن القومي وإعادة اكتشاف الماضي المجيد، بهدف تبرير مكانة القوة العظمى الموعودة في السياسة العالمية، يمكن اعتبارها بعضاً من الموضوعات الشائعة لخطابات السياسة الخارجية الشعوبية في مختلف الحالات، لا سيَّما من غير الغرب.

تميِّز هذه الدراسة بين عصرين شعوبيين في السياسة الخارجية الأخيرة لتركيا. في عصر الشعبويّة الأول أو الضعيف، كانت بعض هذه الخطابات إما غائبة أو مترابطة باتساق ضعيف تحت ستار النشاط الإقليمي. لقد تم استخدام خطابات السياسة الخارجية الشعبويّة لإظهار صورة لتركيا كلاعب متعدِّد الأقاليم أمام الجماهير المحلية والدولية، وبالتالي غالباً ما طغَت عليها النزعة الإقليمية الحازمة. تميَّزت أوروبا من بين هذه المناطق المختلفة، ومع تعزيز تأثير الشعبويّة، بضعف تأثير الأوربية على السياسة الخارجية التركيّة. لكن مؤسّسة السياسة الخارجية آنذاك دافعت عن فكرة أن تركيا نأت بنفسها ليس عن الغرب، ولكن عن الوسط الغربي. تمَّ تحديد الغرب أو الأوروبي على أنه مكمِّل للهوية التركية، ولكن ليس كآخر له.

سيطرت الخطابات والإجراءات الشعبويّة في الفترة الثانية، على الطرق التي يتم بها صياغة السياسات الخارجية وتأطيرها الخطابي والتواصُل في تركيا.

تمَّ في حقبة الشعبويّة الكثيفة هذه، استبدال صورة تركيا التي تربطها علاقات قوية بعدّة مناطق في وقت واحد ودمج هوياتها الإسلامية والحديثة بمظهر مناهِض للغربية باعتباره السِّمة المميِّزة لشعبويّة السياسة الخارجية. كما تمَّت إعادة تعريف الذات التركية الإسلاموية فيما يتعلق باختلافها عن الغرب، والذي تمَّ اعتبارها أساساً في تركيا. وتحوَّلت الشعبويّة بدلاً من العمل كوسيلة للسياسة الخارجية، لتكون الفرضية الرئيسية لبرنامج السياسة الخارجية التركية في هذه الفترة.

سيكون من المفيد، نظراً لوجود استمرارية وانقطاع بين هاتين الفترتين، قبل دراسة الشعبويّة الحالية المعادية للغربيين في السياسة الخارجية التركية، توضيح كيف وما هي الطرق التي تمَّ وضْع الغرب في موقع معيَّن في فترة الشعبويّة الضعيفة الأولى للسياسة الخارجية التركية.

الشعبويّة الضعيفة في السياسة الخارجية التركية

تبنّت حكومات حزب العدالة والتنمية في الحقبة الشعبية الرقيقة الأولى من السياسة الخارجية التركية، نشاطاً يركز على المنطقة في صنع السياسة الخارجية والخطاب، مستندين إلى مفاهيم مثل “العثمانية الجديدة”، والدبلوماسية متعدّدة الاتجاهات، و”استراتيجية القوة الناعمة”. ومن المُتَوَقَّع أن تكون تركيا، كقائد إقليمي معياري لتعزيز السلام، تتحمل القدرة على “إقامة النظام” في المناطق المحيطة بها، والتي تمتد من البلقان والقوقاز وحوض بحر قزوين والبحر الأسود وشرق البحر المتوسط، وعلى الأخص الشرق الأوسط، إلى الخليج وشمال إفريقيا ((Davutoğlu 2009).

تحوَّلت السياسة الخارجية التركية بشكل جذري في هذه الجدال الذي تمَّ التعبير عنه على نطاق واسع “بعد عقود من السلبية والإهمال” (Larrabee 2007, 103)، من “موقف سلبي وانعزالي راسخ إلى موقف المشاركة النشِطة” (Aras and Görener 2010, 73). بالنسبة إلى داود أوغلو (2001)، لم تكن حالة كون تركيا جسراً بين الشرق والغرب سوى حالة ركود، حيثُ كان لا بدَّ من استبدالها بنشاط جديد قائم على الإقليمية الحازمة. وبالتالي، كان على تركيا أن ترفض دور ومكانة الدولة المحيطية التي تفرضها السياسة الأمنية للحرب الباردة. إن الجغرافيا الخاصة لتركيا وعلاقاتها التاريخية/الثقافية الفريدة مع البلدان المجاورة والإقليمية دفعتها إلى اعتماد هوية جديدة ك “دولة مركزية” (Davutoğlu 2008 , 77) أو “دولة محورية” (Radikal 2004) في المناطق المحيطة بها.

شكَّل الشرق الأوسط في حقبة الشعبويّة الضعيفة هذه، موضع النشاط الإقليمي، حيث أعادت تركيا اكتشاف المنطقة وأعادت تشكيل علاقاتها مع دول المنطقة التي أدارت لها ظهرها عن عمد خلال عدّة عقود من الحرب الباردة. لطالما أهملت تركيا من وجهة نظر قادة حزب العدالة والتنمية دول ومجتمعات الشرق الأوسط إما بسبب الوسطية الغربية أو بسبب البُعْد الأحادي لسياستها الخارجية التقليدية أو التوجهات الإيديولوجية لنخب الدولة الكمالية، التي كانت غريبة عن القيم الحقيقية لشعوبها. وقد تمَّ كما سيتضح أدناه، التعبير عن هذا بالتأكيد على الأصالة بصوت عالٍ خلال الحقبة الشعبويّة المعادية للغرب في السياسة الخارجية التركية. بالنسبة لداود أوغلو وأتباعه، كانت خطاباتهم وتفضيلاتهم في السياسة الخارجية جزءاً لا يتجزَّأ من صِراع القوى المحلّي، الأمر الذي يعكس رؤية “تركيا الجديدة”، في سلام مع القيم الإسلامية المحافِظة التي كانت، في أحسن الأحوال، ومُهمَلة ومنبوذة، في أسوأ الأحوال، وقد تهمَّشت وتدهورت بسبب التقليد الكمالي في البلاد. كانت تركيا في هذا التقليد، تسعى بلا شكّ إلى أن تكون غربية، لتأخذ مكانها في الصدارة في الحضارة الغربية.

كانت الجمهورية العلمانية والقومية الكمالية بمثابة الإنذارات النهائية للسياسة الخارجية والأمنية التركية وكان لا بدَّ من الدفاع عنها في إطار السياسة الدولية المزدهرة للغاية (Kaliber 2005). ومع ذلك، في خطاب السياسة الخارجية الشعبويّ لحكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقبة، فإن العناصر الإسلامية والشرق أوسطية لهوية تركيا إضافة إلى تراثها العثماني، والتي تمَّ تهميشها جميعاً في “تركيا القديمة”، تزوِّد “تركيا الجديدة” بـ عمق جغرافي فريد. وعلى هذا النحو، فإن هذا التشديد على العثمانية -أو العثمانية الجديدة للبعض (انظر Murinson 2006) -جاء ضد الكمالية ونهج سياستها الخارجية.

وكدليل آخر على هذه المواجهة، يتم توضيح تميُّز نشاط السياسة الخارجية في ظلّ حزب العدالة والتنمية من خلال بعض المعارضات الثنائية التي تعيّن حدود “القديم” من الفترات “الجديدة” للسياسة الخارجية التركية. وفي حين يرتبط النموذج القديم أو الكمالي بالحرب الباردة، والوسطية الغربية، والبعد الأحادي، وازدهار السياسة الخارجية، وقضايا الأمن الصعب، والطبقة البيروقراطية الضيقة والنخبوية، يتم تحديد النموذج الليبرالي الجديد مع مقتضيات العولمة ودبلوماسية متعدِّدة الأبعاد ومتعدّدة المسارات، من القوة الناعمة وتنويع الجهات الفاعلة المحلية التي تؤثر على السياسة الخارجية، إلى جميع العناصر التي تصوِّر تحوُّل تركيا من “محارب ما بعد الحرب الباردة” أو “قوة إقليمية قسرية” (Öniş 2003)  إلى “القوة الإقليمية الحميدة “(Kirişçi 2006 ,11). وهكذا، تمّتَ الإشادة بالنشاط الإقليمي لحكومات حزب العدالة والتنمية في عصر الشعبويّة الضعيف، من قبل العديد من علماء السياسة التركية كتحوُّل نموذجي عن السياسات التقليدية. ومع ذلك، وكما لاحظ Özel and Özcan (2011) “اتّسمت السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية على عكس ما جادل به الكثيرون، ببضعة تغييرات مفاجِئة وبقدَرٍ كبيرٍ من الاستمرارية مع مقاربات الحكومات التركية السابقة”.

تمَّ تعريف طُموح تركيا في أن تكون قوة إقليمية حازمة من قبل صانِعي السياسة الأتراك في أوائل عام 2000 بأنها مكمِّلة أو حتى ميِّزة في علاقات تركيا مع الكتلة الغربية والعكس صحيح (Kut 1998, 54). على سبيل المثال، ذكَرَ أردوغان أنه “إذا كانت (تركيا) أكثر نفوذاً في الشرق الأوسط، فإنها تعد ميِّزة لتقدُّم تركيا في أوروبا، فهي مصدَر قوّة في الناتو”.

وبالتالي، لم يُنظر إلى ارتباطات تركيا في فترة الشعبويّة الضعيفة للسياسة الخارجية التركية، بمناطق أخرى، كبديل لمكانها داخل المجتمعات الغربية. وتمَّ بدلاً من ذلك، تعريف نشاط تركيا باعتباره نتيجة طبيعية لتكاثر مصالحها الأمنية و “أدوارها ووظائفها المتعدِّدة” (Aras and Görener 2010-85) كانت الرسالة التي نُقِلت إلى الجمهور المحلّي في السياسة الإقليمية والعالمية، هي أنه وفقاً لرؤية السياسة الخارجية الجديدة لحزب العدالة والتنمية، تحَوَّل الغرب من كونه التوجّه الوحيد لـلسياسة الخارجية التركية إلى واحدة من عدّة نقاط مرجعية.

وقد لوحظ نهج مماثل في نهج تركيا للحوار الحضاري بين الشرق والغرب طوال أوائل العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبحت تركيا عام 2005، رائدة في مبادرة تحالف الحضارات جنباً إلى جنب مع إسبانيا. لعِبت تركيا، باعتبارها الدولة الوحيدة التي “حققت ما قاله الناس أنه لا يمكن أن تحقق أبداً -التوازن بين الإسلام والديمقراطية والعلمانية والحداثة” (Matthews 2008)، دوراً لا يُقدَّر بثمن في تطوير الحوار الثقافي والحضاري بين الشرق والغرب. كان لدى النخبة في السياسة الخارجية التركية في فترة الشعبويّة الضعيفة، تصوُّر للحضارات الشرقية والغربية على أنها كيانات مختلفة تمامًاً، ولكن قابلة للتصالح، يمكنها أن تتعايش بسلام. ساهَمَت تركيا بشكلٍ كبيرٍ في الحوار بين الحضارات والتعايش كمجتمع يضم عدّة عناصر، وهي فكرة قد تتغيّر جذرياً في الفترة الشعبويّة الكثيفة.

 

التأرجُح الشعبويّ: معاداة الغرب في السياسة الخارجية التركية

يُمكِن كما ذُكِرَ سابقًا، إرجاع بداية الحقبة الشعبويّة الثانية أو الكثيفة من السياسة الخارجية التركية إلى مظاهرات “منتزه جيزي” Gezi Park في صيف 2013،[6] عندما تميَّز خطاب أردوغان حول القضية بانعدام ثقة عميق في الدول والمؤسَّسات الغربية. ومع ذلك، فإن الانتقال من الشعبويّة الضعيفة إلى السميكة قد حدثَ تدريجياً ووطِّدَ في إطار عملية شكّلها التأثير المتداخِل لعدد من التطوُّرات المحلّية والدولية. صرَّح أردوغان فيما يتعلّق في السياسة الداخلية، عندما فاز حزب العدالة والتنمية في انتخاباته البرلمانية الثالثة عام 2011، أن النتيجة تعني أنه “فازت آمال الضحايا والمظلومين في جميع الدول الصديقة والشقيقة من بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة وسراييفو وباكو ونيقوسيا، لقد فازت بيروت بقدر فوز ازمير. لقد فازت الضفة الغربية وغزّة ورام الله والقدس بنفس مقدر فوز ديار بكر. فاز الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان، تماماً كما فازت تركيا” (Hürriyet Daily News 2011).

كانت الرسالة التي نُقِلت إلى الجمهور المحلّي والدولي واضحة: كان فوز حزب العدالة والتنمية بمثابة بداية حقبة جديدة لجميع المجتمعات ذات الغالبية المسلمة المتورِّطة في الحروب الأهلية والصراعات والفقر بسبب المؤامرات الغربية.

على المستوى الدولي، عزَّزت موجة الاحتجاجات والانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي بالنسبة للنخب الحاكمة التركية، (Özel and Özcan 2011, 134) في العام نفسه، مكانة تركيا كزعيم جديد للأمة الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.[7] كان قادة حزب العدالة والتنمية يميلون إلى “اغتنام الأحداث كفرصة ذهبية لتوسيع دور تركيا ونفوذها في المنطقة” (Ayata 2015, 95) لأنهم كانوا يأملون في أن تؤدّي الانتفاضات العربية ضد الأنظمة الفاسدة إلى تمكين أحزاب الإخوان المسلمين المؤيِّدة للإسلام والأقرب إلى أيديولوجيا حزب العدالة والتنمية. ومع ذلك، تبيَّن أن آثار ما يُسمَّى بالربيع العربي كانت مختلفة تماماً عمَّا توقعه صانِعو السياسة الأتراك. لم تتحقق التوقعات بأن يكون لتركيا حلفاء مُقرَّبون في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدعم طموحاتها القيادية على المستوى الإقليمي.

كانت القدرة التركية مع تصاعد الطائفية والتنافس الجيواستراتيجي السائد، على توجيه مسار نظرية السلام الديمقراطيّ أمر صعب للغاية. وكان على تركيا بدلاً من ذلك، أن تواجه تهديديّ اللاجئين والإرهاب المزدوجين، وهو ما قوَّض الأهداف الإقليمية التركية (Aras 2017, 10).

تجسَّدت معاداة الغرب كعلامة تجارية للعصر الشعبوي الكثيف بشكل أساسي على المستوى الخطابي، لكنها أصبحت واضحة في الهيكل المؤسَّسي وصياغة السياسة الخارجية التركية أيضاً. إن تعزيز السلطة التنفيذية (سواء الحكومة أو الرئيس) من الناحية المؤسَّسية، يجعل الشعبوية حالة سائدة، وفي بعض الحالات وربما المؤثر الصوت الوحيد في السياسة الخارجية، ويُعتبر ذلك بمثابة سِمة مشتركة للأنظمة الشعبويّة، لا سيَّما في الدول غير الغربية. وبهذا المعنى، فإن تركيا ليست استثناء، وقد رأينا ذلك في حالات الهند وفنزويلا (Plagemann and Destradi 2018; Hawkins 2016 respectively).

يُنظر إلى السياسة الخارجية في تركيا منذ فترة طويلة على أنها مجال متخصِّص ولا يُمكِن أن يُعهَدْ به إلا لأولئك الذين يدركون قواعدها وأساليبها الخاصة (Kaliber 2005). كانت الطبقة البيروقراطية الحديثة أو نخبة الدولة، بدءاً من القرن التاسع عشر وما بعده، تَعتبر نفسها “أولياء الأمور” للدولة وتحديثها (Heper 1985). ولكن بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، أصبحت هذه الطبقة البيروقراطية هي القوة المُهيمِنة في البلاد. وقد انتظمَ جزء كبير من تلك الفئة داخل وزارة الخارجية. وبرَزت بهذه الأليات النخبة والأيديولوجية المميِّزة للسياسة الخارجية (Hariciye)، والمعروفة بولائها المطلق لمبادئ الكمالية والمبادئ العلمانية والغربية.

كثيراً ما يستخدِم أردوغان المصطلح الفرنسي “mon chers” للإشارة إلى السياسيين والبيروقراطيين وخصوصاً الدبلوماسيين الذين يَتَّسمون بالغرور والاستكبار والنخبوية. مكّنته هذه الفئة الإزدرائية من إذلال وتشويه سمعة الكوادر السياسية والدبلوماسية التي أقيمت في تركيا قبل تولّي حزب العدالة والتنمية السلطة، ومن ثم تصوير نفسه والكوادر الجديدة على أنها أصيلة ومتواضعة وجزءاً لا يتجزَّأ من الثقافة والمجتمع في تركيا. لقد جادلَ أردوغان في عدّة مناسبات (Milliyet 2009؛ Sabah 2014) بأن “هؤلاء النخبويين القدامى لن يكونوا قادرين على فهم ما نطمح إلى فعله بصفتنا خدم للشعب التركي. إنهم غريبون على مجتمعهم وسيبقون كذلك”.

يُجادل أردوغان وغيره من صانِعي السياسة باستمرار بأن الطبيعة المتغيِّرة لعلاقات تركيا مع الغرب، تحتاج إلى النظر إليها كدليل واضح على الفرق بين تركيا القديمة وتركيا الجديدة.

ويلخِّص الاقتباس أدناه من إحدى خطب أردوغان التي ألقاها خلال حملته الانتخابية للرئاسة في 6 آذار/مارس 2014 بإيجاز هذا الجدل: ” تركيا الآن بلد لا أحد يحدِّد أجندتها، لكن من يحدِّد أجندتها الخاصّة، هذا هو الفرق الذي لدينا. لقد انحنوا لسنوات طويلة أمام الغرب، وهذا ما فعلوه. ماذا فعل الغرب؟ أعطى أوامر، وأطاعوا تلك الأوامر. ولكن الآن لا يوجد مثل هذا الموقف. نجلس ونتحدَّث ونتّخذ قراراتنا، لكننا نتخذ القرارات، هذه هي تركيا التي توجد الآن (Aydın-Düzgit 2016, 51)

أُضعِفَ دور وزارة الخارجية في تركيا كما هو الحال في حالة ناريندرا مودي (سياسي هندي، يشغل منصب رئيس وزراء الهند الحالي منذ 26 أيار/مايو 2014 وهو رئيس وزراء الهند ال 14، وهو عضوٌ في حزب بهاراتيا جاناتا)، في عمليات صنع القرار بشكل كبير من أجل سياسة خارجية مركزية وشخصية أكثر (Plagemann and Destradi 2018, 288) في الشعبويّة الكثيفة للسياسة الخارجية التركية. وأصبح أردوغان بشكل متزايد السلطة الوحيدة التي تحدِّد المبادئ التوجيهية الاستراتيجية والمحتوى واتجاه السياسة الخارجية التركية. وكان أردوغان نفسه يصدر بدلاً من وزير الشؤون الخارجية، إعلانات سياسية خارجية أساسية، حيث أجرى مفاوضات ثنائية حاسمة ومتعدّدة الأطراف، ويمثل تركيا في المنظمات والمؤتمرات الدولية رفيعة المستوى. كما طوُّر “علاقات شخصية مع قادة العالم، وانخرط في دبلوماسية هاتفية شبه يومية، وقام أيضاً بتكثيف الزيارات الخارجية الرسمية” (Aras 2017, 5). كان هذا هو الحال خاصّةً منذ أن أصبحت تركيا نظاماً رئاسياً عام 2017، حيثُ تمَّ إضفاء الشرعية عليه من قبل مؤيِّديه على أساس الكفاءة و “القيادة القوية” (Altun 2018). يبدو أن تخفيض مستوى النخبة في السياسة الخارجية التقليدية، التي “تمسِك بقوّة بموقف السياسة الخارجية ذات المنحى الغربي والانعزال والسلبية، مع استبعاد المجتمع الجماهيري فعلياً من بناء مفاهيم الأدوار البديلة” (Aras and Görener 2010,78)، وقد أشاد بها العديد من طلاب السياسة التركية كذلك.

من السمات الأخرى الشائعة للسياسة الخارجية الشعبويّة ميل الزعماء الشعبويين للتعبير عن عدم ثقتهم في المنظمات الدولية والمؤسَّسات العابرة للوطنية للحكم العالمي، وتصويرهم على أنهم تهديد للسيادة الوطنية و “الشعب”. ويُنظر إلى المنظمات الدولية (لا سيّما المنظمات المالية، مثل صندوق النقد الدولي) على أنها تقوِّض قدرتهم على الحكم بنجاح كممثلين شرعيين لـ “أناس حقيقيين وفاضلين”.

كان الخطاب الرئيسي في “وصف زعيم حزب العدالة والتنمية” لاحتجاجات منتزه جيزي، هو وجود لوبي دولي لأسعار الفائدة، لا سيّما وكالات التصنيف الائتماني الدولية، يهدف إلى الإطاحة بالحكومة الشرعية، واقتناعاً منه بأن الاقتصاد التركي تعرَّض لهجوم مستمر من المؤسسات المالية والّلوبيات التي تتّخذ من الغرب مقرَّاً لها، وصرَّح أردوغان بأن تورُّط الغرب في التحريض على احتجاجات منتزه جيزي كان واضحاً: “(عندما وصلنا إلى السلطة) كان معدَّل الفائدة في تركيا 63 في المائة بينما كان معدّل التضخُّم 30 في المائة. قاتلنا بقوّة وأنزلناه إلى 4,6 في المائة. قادَ هذا الأمر الغرب إلى الجنون. وبالتالي اندلعت أحداث منتزه جيزي. ارتفعت أسعار الفائدة والتضخّم إلى ضعفين في أعقاب هذه الأحداث” (Hürriyet 2018).

ومع ذلك، فإن تصنيف الغرب باعتباره الآخر الذي يهدِّد تركيا هو أمر واضح في خطاب قادة حزب العدالة والتنمية فيما يتعلّق بالسيادة الوطنية والإرهاب. ووفقاً لقناعة واسعة الانتشار، فإن الغرب “يؤوي الإرهابيين لأنه “لا” يريد أن تصبح تركيا قوية وفعّالة” (Zürcher 2018). وبالتوازي مع ذلك، صرَّح إبراهيم كالين، المتحدِّث الرسمي باسم الرئاسة التركية والمستشار الخاص للرئيس، أن “الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تُعَد ملاذاً آمناً لحزب العمال الكردستاني ومنظمة فتح الله غولن[8] الإرهابية، حيث يمكن لهذه المنظّمات أن تزدهر وتناور” (Star 2017). وبالمثل، صدرت العديد من التصريحات من قبل نخبة سياسية مختلفة اتهمت الغرب صراحة بممارسة ازدواجية المعايير تجاه تركيا ومكافحتها للإرهاب (Daily Sabah 2019).

انخرطت القوى الغربية بشكل متزايد بالنسبة لقادة حزب العدالة والتنمية في الشؤون الداخلية لتركيا منذ احتجاجات منتزه جيزي بهدف إضعاف تركيا وطموحاتها الإقليمية/العالمية. ويَزعم إبراهيم كالين، على سبيل المثال أنه: “كانت محاولتهم الأولى (التحريض) على أحداث “جيزي”. في وقت لاحق جاءت محاولتهم من خلال الانقلاب القضائي في 17 و25 كانون الثاني/ديسمبر. بعد ذلك مباشرة قاموا بتنشيط الهجمات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني. كل هذه المحاولات فشلت في تحقيق أهدافها وفي النهاية حرَّضت على الانقلاب في 15 تموز/يوليو لأن تركيا في وضع يمكّنها من تحدَّي النظام الدولي والقول بأن هذا النظام بعيد عن أن يكون نظام عادل (Star 2017).

اتّجه زعماء حزب العدالة والتنمية إلى اتّهام المعارضة في تركيا بشكل متكرِّر بالتعاون مع الدول والمؤسَّسات الغربية، على طريقة الأنظمة الشعبويّة الأخرى في الجنوب مثل فنزويلا (Dodson and Dorraj 2008). ويُقَدَّم قادة المعارَضة كأعضاء في النخبة المنحطّة والفاسدة التي تعمل على حساب المجتمع والدولة. كان الرئيس أردوغان صارماً بشكلٍ خاصٍ في مساواة المعارضة بـ “قوى الشر”.

تجمّعَ أحزاب المعارضة الرئيسية الأربعة (حزب الشعب الجمهوري، حزب الشعوب الديمقراطي، حزب السعادة، وحزب الخير) خلال تجمُّع حاشد في أنقرة في الفترة التي سبقت الانتخابات المحلّية في 20 شباط/فبراير 2019، معاً ك “تحالف رباعي” والذي “يأخذ توجيهاته من قنديل وحزب العمال الكردستاني pkk” و “المتعاونين معه” في الغرب”. يشكِّل حزب الشعب الجمهوري حجر الزاوية في هذا التحالف من خلال محاولته “تقويض المصالح الوطنية”. على سبيل المثال، في أزمة التنقيب عن الغاز التي أعُيد تنشيطها مؤخراً قبالة قبرص، اتهم قادة حزب الشعب الجمهوري باستخدام نفس الخطاب الذي استخدمه القبارصة اليونانيون (Sabah 2019). ويوضّح البيان التالي لفريتين ألتون، مدير الاتصالات في الرئاسة، هذا الجِدال: “تشنُّ المنصّات الإعلامية في الغرب، والتي تنشر المواد المرئية والمطبوعة المُلفّقة من قبل المنظمات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني ومنظّمة فتح الله غولن الإرهابية، حرباً على تركيا. […] إنهم لا يريدون رؤية تركيا التي تحدِّد مصيرها وتنمو يوماً بعد يوم. إنهم يرغبون في رؤية تركيا التي تعتمد على الغرب وتحكمها النخب الغربية التي هي غريبة على ثقافتهم، وهو ما كان عليه الحال منذ 15 عام. كانوا يحاولون تشويه سمعة الرئيس أردوغان والتشكيك في شرعيته وهو مهندس تحوُّل تركيا، من أجل إعادة تركيا إلى تلك الفترة. تقدِّم المعارَضة غير الوطنية في تركيا دعمها لهذه الجهود وتعكس أصداء ما تتوقعه بشأن تركيا” (2017, 9).

تعمل السياسة الخارجية كما تكشف نظرية السياسة الدولية في مرحلة ما بعد البنيوية، باعتبارها “منتجة للحدود” (Campbell 1998, 62) وممارسة تشكيل الهوية. إنها تميِّز بشكل واضح بيننا وبينهم، وبين الوطني وغير الوطني، الشرعي وغير الشرعي. ويتم دمج الآخرين الأعداء للأمة داخل وخارج البلاد مع بعضهم البعض من خلال خطابات الخطر التي عبَّرت عنها السياسة الخارجية (Campbell 1998). من العدل أن نقترح أن الأنظمة الشعبويّة تميل أكثر إلى تدجين قضايا السياسة الخارجية كقضايا الذات الوطنية والبقاء. بالنسبة لشعب تركيا الجديدة، فإن المعارضة بصفتها المتعاوِن المحلّي والوكيل للقوى المعادِية في الخارج، وعلى الأخصّ الغرب أو أوروبا، لا تُعتَبَر جزءاً من الذات، ولكن تُعتبَر من الجهة الأخرى. وغالباً ما يُصوَّر قادة المعارضة على أنهم يخدمون مصالح الدول الأجنبية والمؤسَّسات الدولية والنخب العابرة للحدود الوطنية بدلاً من مصالح أمّتهم ودولتهم.

من الممارسات الشائعة لزعماء حزب العدالة والتنمية رفيعي المستوى استخدام مفاهيم “نحن” مقابل “هم”. وغالباً ما يُفَضِّلون في كثير من الأحيان وبشكل خطابي، النظر للغرب ككيان متجانس ويمثل كل شيء “معارض بكل ما في الكلمة من معنى لتركيا”. إن “استخدام المعارِضين الثنائيين” لتركيا “و” الغرب “كما اقترح أيدين دوزجيت (2016، 51)، لا يؤدّي فقط إلى فصل واضح لتركيا عن الغرب، ولكن أيضاً يؤسِّس علاقة قوّة مؤقتة أولاً لصالح الغرب، ثم (حكم ما بعد حزب العدالة والتنمية) لصالح تركيا نفسها “. ويكمن هنا فرْق حاسم بين الشعبويّة الضعيفة والشعبويّة الكثيفة لـلسياسة الخارجية التركية تحت قيادة حكومات حزب العدالة والتنمية. في السابق، تمَّ تصوير تركيا على أنها الدولة الوحيدة التي يمكنها التوفيق بين الحضارات الشرقية والغربية بسبب علاقاتها السياسية والثقافية القوية مع كليهما، وكان من المقبول أن الذات التركية تضم العناصر الإسلامية والحديثة الغربية في هويتها. في الأخير، تتمتّع تركيا بموقع قوي داخل الحضارة الشرقية التي تقاتل الغرب لحماية قِيمها الأخلاقية والحضارية الأعلى. يتم تعريف الحضارات الشرقية والغربية وفقاً لهنتنغتون باعتبارهما قطبين متباينين ولا يمكن التوفيق بينهما ويتنافسان على القوّة والسيطرة العالمية. وبالتالي، في فترة الشعبويّة الكثيفة، يتم تعريف الذات التركية بشكل سلبي ضد الآخر الغربي.

تمَّ توصيف الغرب كتجسيد آخر من مظاهر معاداة الغرب كموضوع يُغذّي رُهاب الإسلام ويتغذّى عليه، وينظم “مؤامرات وألعاب خطيرة” ضد الدول الإسلامية. إن القوى الغربية بوصفهم “خلفاء لورانس العرب” (Middle East Media Research Institute 2015) أو “الصليبيين المُعَاد خلقهم” (Sabah 2017)، هي التي تسبِّبت في قتل المسلمين لبعضهم البعض، لا سيّما في الشرق الأوسط وأفريقيا. صرَّح أردوغان في كلمته التي ألقاها في اجتماع منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول عام 2015 بأنهم “كانوا يدفعون المسلمين لقتل مسلمين آخرين” (Yeni Akit 2015). بينما تمَّ توصيف عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي في عصر الشعبوية الضعيفة في السياسة الخارجية التركية “كإجابة على حجج صراع الحضارات” (Özcan 2008)، بينما في فترة الشعبويّة الكثيفة، أصبح اختباراً محسوساً للاتحاد الأوروبي وميول الإسلاموفوبيا. “نحن نواصِل عملية الانضمام للاتحاد الأوروبي. ليس من المهم بالنسبة لنا ما إذا كانوا يقبلوننا أم لا. في الواقع، نحن نختبر أوروبا. هل هم قادرون على هضم عضوية الدولة مع السكان المسلمين؟ هل هم ضد الإسلاموفوبيا أم لا؟ إذا كانوا كذلك، يجب عليهم قبول تركيا وإلا، فإن الاتحاد الأوروبي سوف يثبت الادعاءات بأنه نادٍ مسيحي (Hürriyet Daily News 2015).

 

استنتاج

استكشفَت هذه الدراسة التحوُّلات الشعبويّة المختلفة للسياسة الخارجية التركية الأخيرة في ظلّ حكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقِبة. لقد ميَّز تمييزاً واضحاً بين الشعبويّة الضعيفة والسميكة لـلسياسة الخارجية التركية، وجادلَ بأن هذا التمييز قد تمحوَر حول وضع الغرب بشكلٍ أساسي. تميَّز العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية، حيث كانت السياسة الخارجية شعبويّة إلى حدٍ كبيرٍ، بتفكيك الأوربية بشكل مطَّرد، وزيادة المشارَكة في القضايا الإقليمية والدول والمؤسَّسات، وإزاحة التوجّه الغربي لتركيا لصالح البلاد كممثل متعدِّد الأقاليم في السياسة الدولية. وفي حين أن نهج السياسة الخارجية في تلك الحقبة كان يعتمد على التشكيك النقدي في التوجّه الغربي أحاديّ البُعد لتقاليد السياسة الخارجية في تركيا، فإن الغرب بالنسبة للشعبويّة الإقليمية كان لا يزال أحد المصادر الرئيسية للسياسة الخارجية والأمنية. ومن جهة ثانية، كان اندماج تركيا مع الاتحاد الأوروبي لا يزال مؤطّراً بشكل استطرادي كأحد الأهداف الاستراتيجية للسياسة الخارجية التركية. كان الغرب جزءاً من الذات التركية، وليس الآخر. غالباً ما دافع تأسيس السياسة الخارجية في ذلك الوقت عن فكرة أن تركيا نأت بنفسها ليس عن الغرب، بل عن الوسط الغربي، والذي تجلّى في إضعاف أوروبا كسياق سياسي معياري (إزالة الأوروبية).

ومع ذلك، كان للديناميات الشعبويّة بدءاً من احتجاجات “منتزه جيزي” عام 2013 وخاصّة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تمّوز/يوليو 2016، تأثيراً متزايداً في تشكيل الطرُق التي يتم بها تأطير قضايا السياسة الخارجية بشكلٍ علني من قبل صُنّاع السياسة في تركيا. اتّسم عصر الشعبويّة الكثيفة في السياسة الخارجية التركية بشكلٍ رئيسي بالخطابات المعادية للغربيين التي تمَّ استعادة الغرب فيها باعتباره الآخر للهوية السياسية التركية. وعلى نفس المنوال، فإن الخطاب الحضاري الذي تبنّاه مسؤولو حزب العدالة والتنمية يختلف اختلافاً جذرياً عن خطاب الشعبويّة الضعيف في السياسة الخارجية التركية. كان من المتوقَّع في المرحلة الأخيرة، أن تمتلك تركيا القدرة على دمج عناصر الحضارات الشرقية والغربية، وبالتالي، لديها الوسائل لتعزيز الحوار بين الحضارات والإرادة للتعايش. وتتمتّع تركيا في الوقت الحالي، بوضع قوي كعضو في الحضارة الشرقية المتفوِّقة من الناحية الأخلاقية، والتي يُتخيَّل أن لها علاقة مواجهة، بالضرورة، مع الغرب من أجل القوّة والسيطرة على العالم.

لقد ازداد الخطاب الذي يورِد الغرب باعتباره الآخر الضّار والذي يهدِّد سيادة البلاد وسلامة أراضيها بشكلٍ كبير منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي نسّقتها حركة غولن الحليفة المقرَّبة لحكومة حزب العدالة والتنمية. بالنسبة للمراقب منذ فترة طويلة للسياسة التركية، إريك جان زورشر (2018)، فإن “النقص الملحوظ في التضامن من جانب الغرب بعد الانقلاب الفاشل في تمّوز/يوليو 2016، وانتقاد الحملة على المعارِضين الذين تلا محاولة الانقلاب تلك” يمكن ذكره بين العوامل التي تجعل “خطاب أردوغان المعادي للغرب أكثر شدّة”.

تتمثل الخطوة الخطابية التي يمكن ملاحظتها في كثير من الأحيان عبر الشعبويّة المعادية للغرب في تشويه سمعة المعارَضة السياسية الداخلية من خلال ارتباطها المباشر بأعداء تركيا الخارجيين، وبالتالي خدمة مصالح النخبة العابرة للوطنية بدلاً من مصالح المواطنين العاديين والإرادة الوطنية، وانتقاد الانتقادات الموجّهة ضد الحكومة الحالية. هذه استراتيجية معروفة من جانب الحكومات الشعبويّة اليمينية التي أسفرت في كثير من الأحيان عن شلّ السياسات والمؤسَّسات الديمقراطية في تلك البلدان. لا يسع المرء إلا أن يأمل أن تتخلّى تركيا عن هذا المسار على المدى القصير أو الطويل.

 

البير كاليبر أستاذ مشارك في العلاقات الدولية بجامعة ألتين باش في إسطنبول، تركيا

إسراء كاليبر محاضرة في قسم العلاقات الدولية بجامعة ألتين باش، إسطنبول، تركيا

البريد الإلكتروني: [email protected]

 

المراجع

Alaranta, T. 2015. National and State Identity in Turkey: The Transformation of the Republic’s

Status in the International System. New York and London: Rowman and Littlefield.

Al Jazeera. 2016. Turkey’s Erdoğan: The West is Taking Sides with Coup. 3 August. https://www.

aljazeera.com/news/2016/08/turkey-erdogan-west-sides-coups-160802141241644.html.

Altun, F. 2017. Kaos Referandumu: Bu maceranın kazananı olmaz [Chaos Referendum: This

Ordeal Has No Winners]. Kriter 2 (17). https://kriterdergi.com/cerceve/kaos-referandumu-bumaceranin-

kazanani-olmaz.

Altun, F. 2018. Speech to the Turkey-wide directorates of foreign relations. Ankara, 3 November.

https://www.akparti.org.tr/haberler/il-dis-iliskiler-baskanlari-bilgilendirme-ve-istisaretoplantisi/.

Aras, B. 2017. Turkish Foreign Policy after July 15. Istanbul Policy Center brief. Istanbul: Sabanci

University. https://ipc.sabanciuniv.edu/wp-content/uploads/2017/02/Turkish-Foreign-Policy-

After-July-15_Bulent-Aras.pdf.

Aras, B., and Görener, A. 2010. National Role Conceptions and Foreign Policy Orientation: The

Ideational Bases of the Justice and Development Party’s Foreign Policy Activism in the Middle

East. Journal of Balkans and Near East Studies 12 (1): 73–92.

Ayata, B. 2015. Turkish Foreign Policy in a Changing Arab World: Rise and Fall of a Regional

Actor? Journal of European Integration 37 (1): 95–112.

Aydın-Düzgit, S. 2016. De-Europeanisation through Discourse: A Critical Discourse Analysis of

AKP’s Election Speeches. In Special Issue: Is Turkey De-Europeanising? Encounters with

Europe in a Candidate Country. South European Society and Politics 21 (1): 45–58.

Aydın-Düzgit, S., and Kaliber, A. 2016. Encounters with Europe in an Era of Domestic and

International Turmoil: Is Turkey a De-Europeanising Candidate Country? In Special Issue: Is

Turkey De-Europeanising? Encounters with Europe in a Candidate Country. South European

Society and Politics 21 (1): 1–14.

Aydın-Düzgit, S., and Keyman, E. F. 2017. The Illiberal Turn in Advanced Democracies. Istanbul

Policy Center policy brief. Istanbul: Sabanci University. http://ipc.sabanciuniv.edu/publica

tion/gelismis-demokrasilerdeki-illiberal-degisim/?lang=en.

Aytaç, S. E., and Öniş, Z. 2014. Varieties of Populism in a Changing Global Context: The

Divergent Paths of Erdogan and Kirschnerismo. Comparative Politics 47 (1): 41–59.

Buzan, B., Wæver, O., and de Wilde. J. 1998. Security: A New Framework for Analysis. Boulder,

CO: Lynne Rienner.

Campbell, D. 1998. Writing Security: United States Foreign Policy and the Politics of Identity. 2nd

  1. Minneapolis, MN: University of Minnesota Press.

Chryssogelos, A. 2017. Populism in Foreign Policy. Oxford Research Encyclopaedia of Politics.

Oxford: Oxford University Press. DOI: 10.1093/acrefore/9780190228637.013.467.

Daily Sabah. 2019. Erdoğan Decries West’s Double Standards in Defining Terrorism. 18 March.

https://www.dailysabah.com/diplomacy/2019/03/18/erdogan-decries-wests-double-standardsin-

defining-terrorism.

Davutoğlu, A. 2001. Stratejik Derinlik [Strategic Depth]. Istanbul: Kure.

Davutoğlu, A. 2008. Turkey’s Foreign Policy Vision: An Assessment of 2007. Insight Turkey 10

(1): 77–96.

Davutoğlu, A. 2009. Speech at the handover ceremony of office of Foreign Ministry, Ankara,

2 May. http://www.mfa.gov.tr/devlet-bakani-ve-basabakan-yardimcisi-sayin-ali-babacan-iledisisleri-

bakani-sayin-ahmet-davutoglu_nun-devir-teslim-vesilesiyle.tr.mfa.

Dodson, M., and Dorraj. M. 2008. Populism and Foreign Policy in Venezuela and Iran. The

Whitehead Journal of Diplomacy and International Relations 9 (1): 71–87.

Fraser, A. 2017. Post-populism in Zambia: Michael Sata’s Demise and Legacy. International

Political Science Review 38 (4): 456–72.

Gül, A. 2016. We Are Now Waging a Second War of Independence. Speech at the Democracy

Vigil, Nizip, Turkey, 24 July. https://www.sondakika.com/haber/haber-ak-parti-genel-sekreteri

-gul-aciklamasi-8641228/.

Hawkins, K. A. 2016. Responding to Radical Populism: Chavismo in Venezuela. Democratization

23 (2): 242–62.

Heper, M. 1985. The State Tradition in Turkey. Tallahassee, FL: The Eothen Press.

Hobson, J. M. 2002. What’s at Stake in Bringing International Sociology Back into International

Relations? Transcending Chronofetishism and Tempocentrism in International Relations. In

  1. Hobden and J. M. Hobson, eds. Historical Sociology of International Relations: 3–41.

Cambridge: Cambridge University Press.

Hürriyet. 2018. Cumhurbaşkanı Erdoğan: Bunu Değiştireceğiz Lamı Cimi Yok [President

Erdoğan: We Are Going to Change It, No Ifs and Buts]. 19 June. http://www.hurriyet.com.

tr/gundem/son-dakika-erdogan-bunu-degistirecegiz-lami-cimi-yok-40872086.

Hürriyet Daily News. 2011. PM Poses as a Mideastern Rather than a European Leader. 13 June.

http://www.hurriyetdailynews.com/default.aspx?pageid=438&n=pm-poses-as-a-mideasternrather-

thana-european-leader-2011-06-13.

Hürriyet Daily News. 2015. If EU Opposes Islamophobia, It Must Accept Turkey as Member:

Erdoğan. 24 January. http://www.hurriyetdailynews.com/if-eu-opposes-islamophobia-it-mustaccept-

turkey-as-member-erdogan-77379.

Kaliber, A. 2005. Securing the Ground through Securitized ‘Foreign’ Policy: The Cyprus Case

Revisited. Security Dialogue 36 (3): 319–37.

Kaliber, A. 2013. The Post-Cold War Regionalisms of Turkish Foreign Policy. Journal of Regional

Security 8 (1): 25–47.

Kaliber, A. 2019. Re-engaging the Self/Other Problematic in Post-positivist International

Relations: The 1964 Expulsion of Greeks from Istanbul Revisited. Southeast European and

Black Sea Studies 19 (3). DOI: https://doi.org/10.1080/14683857.2019.1651082.

Kaltwasser, C. R., Taggart, P., Ochoa Espejo, P., and Ostiguy, P. 2017. Populism: An Overview

and the State of the Art. In C. R Kaltwasser, P. Taggart, P. Ochoa Espejo and P. Ostiguy, eds.

The Oxford Handbook of Populism: 1–25. Oxford: Oxford University Press.

Karagül, I. 2016. Terörün Patronları, Batı’nın Teröristleri. Peki Ya 15 Temmuz? [Masters of

Terrorism, Terrorists of the West. What about the 15 July Coup?]. Yeni Şafak, 4 November.

https://www.yenisafak.com/yazarlar/ibrahimkaragul/terorun-patronlari-batinin-teroristleripeki-

ya-15-temmuz-2033927.

Kirişci, K. 2006. Turkey’s Foreign Policy in Turbulent Times. Chaillot Papers 92. Paris: European

Union Institute for Security Studies. https://www.iss.europa.eu/content/turkeys-foreign-policy

-turbulent-times.

Kut, Ş. 1998. Türkiye’nin Soğuk Savaş Sonrası Dış Politikasının Anahatları [Outlining Turkey’s

Post-Cold War Foreign Policy]. In G. Özcan and Ş. Kut, eds. Türkiye’nin Ulusal Güvenlik ve

Dış Politika Gündeminde Doksanlı Yıllar: En Uzun Onyıl. [The Longest Decade: The 1990s in

Turkey’s National Foreign and Security Policy]: 45–64. Istanbul: Boyut.

Larrabee, F. S. 2007. Turkey Rediscovers the Middle East. Foreign Affairs 86 (4): 103–114.

Matthews, O. 2008. We’re Not Rooted in Religion. Newsweek, 5 March. https://www.newsweek.

com/we-are-not-rooted-religion-89631.

Middle East Media Research Institute. 2015. Anti-West Statements by Turkish President Erdogan and

PM Davutoglu: Muslim Countries Must ‘Unite and Defeat the Successors of Lawrence of Arabia’;

‘No One Will Be Able to Stop’ the Rise of Islam in Europe. Special dispatch no. 5962, 9 February.

Washington DC: Middle East Media Research Institute. https://www.memri.org/reports/anti-weststatements-

turkish-president-erdogan-and-pm-davutoglu-muslim-countries-must-unite

Milliyet. 2009. Erdoğan: Monşer Geldiler Monşer Gidiyorlar [They Have Been Mon Chers and

They Will Remain So]. 13 February. http://www.milliyet.com.tr/erdogan–monsergeldiler–

monser-gidiyorlar-siyaset-1059445/.

Moffitt, B. 2016. The Global Rise of Populism: Performance, Political Style, and Representation.

Stanford, CA: Stanford University Press.

Mudde, C. 2004. The Populist Zeitgeist. Government and Opposition 39 (4): 542–63.

Mudde, C. 2007. Populist Radical Right Parties in Europe. Cambridge: Cambridge University

Press.

Mudde, C., and Kaltwasser, R. K. 2012. Populism in Europe and the Americas: Threat or

Corrective for Democracy? Cambridge: Cambridge University Press.

Murinson, A. 2006. The Strategic Depth Doctrine of Turkish Foreign Policy. Middle Eastern

Studies 42 (6): 945–64.

Öniş, Z. 2003. Turkey and the Middle East after September 11: The Importance of the EU

Dimension. Turkish Policy Quarterly 2 (4): 83–92.

Özcan, M. 2008. Harmonizing Foreign Policy: Turkey, the EU and the Middle East. London: Routledge.

Özel, S., and Özcan, G. 2011. Do New Democracies Support Democracy? Turkey’s Dilemmas.

Journal of Democracy 22 (4): 124–38.

Özkeçeci-Taner, B. 2009. The Role of Ideas in Coalition Government Foreign Policymaking. The

Case of Turkey between 1991 and 2002. The Hague: Brill/Republic of Letters.

Phongpaichit, P., and Baker, C. 2008. Thaksin’s Populism. Journal of Contemporary Asia 38 (1):

62–83.

Plagemann, J., and Destradi, S. 2018. Populism and Foreign Policy: The Case of India. Foreign

Policy Analysis 15 (2): 283–301.

Radikal. 2004. Davutoğlu: Türkiye Merkez Ülke Olmalı [Davutoğlu: Turkey Should Be a Pivotal

State]. 26 February. http://www.radikal.com.tr/yorum/turkiye-merkez-ulke-olmali-702116/.

Sabah. 2014. Erdoğan: Salon Sosyetesi Ülke Yönetemez [Erdoğan: High Society Men Can’t Rule

a Country]. 18 July. https://www.sabah.com.tr/gundem/2014/07/18/salon-sosyeteleriyle-buulke-

yonetilmez.

Sabah. 2017. Erdoğan: Siz kız çocuklarını diri diri gömen cehaletin devamısınız [Erdoğan: You

are the Continuation of a Generation that Buries Girls Alive]. 26 March. https://www.sabah. com.tr/gundem/2017/03/26/erdogan-siz-kiz-cocuklarini-diri-diri-gomen-cehaletindevamisiniz.

Sabah. 2019. CHP Rumların Ağzıyla Konuşuyor [CHP Embraces the Greek Rhetoric].

21 February. https://www.sabah.com.tr/gundem/2019/02/21/chp-rumlarin-agziyla-konusuyor.

Star. 2017. Kalın: PKK’ya Açılan Alanın Onda Birini Biz Batı Karşıtı Bir Terör Örgütüne

Türkiye’de Açsaydık Herhalde Yer yerinden Oynardı [Kalın: If We Opened One Tenth of

the Space Provided to the PKK for an Anti-West Terror Organisation in Turkey, They Would

Probably Move the Earth]. 26 October. https://www.star.com.tr/politika/kalin-pkkya-acilanalanin-

onda-birini-biz-bati-karsiti-bir-teror-orgutune-turkiyede-acsaydik-herhalde-yeryerinden-

oynardi-haber-1268464/

Taggart, P. 2000. Populism. Buckingham: Open University Press.

Thies, C. G. 2017. Role Theory and Foreign Policy Analysis in Latin America. Foreign Policy

Analysis 13 (3): 662–81.

TRT Haber. 2016. 15 Temmuz İkinci Kurtuluş Savaşıdır [15 July is the Second War of

Independence]. 7 August. http://www.trthaber.com/haber/gundem/15-temmuz-ikincikurtulus-

savasidir-264912.html.

Verbeek, B., and Zaslove, A. 2017. Populism and Foreign Policy. In C. R Kaltwasser, P. Taggart,

  1. Ochoa Espejo and P. Ostiguy, eds. The Oxford Handbook of Populism: 384–405. Oxford:

Oxford University Press.

Verbeek, B., and Zaslove, A. 2019. Contested Issues Surrounding Populism in Public and

Academic Debates. The International Spectator 54 (2): 1–16.

Yeni Akit. 2015. Erdoğan: Batı Konuşuyor Biz Konuşamıyoruz [Erdogan: The West Speaks while

We Can’t]. 21 January. https://www.yeniakit.com.tr/haber/erdogan-bati-konusuyor-bizkonusamiyoruz-

48065.html.

Zürcher, E. J. 2018. Erdoğan’s Anti-Western Discourse: Ideology or Opportunism? Ahvalnews,

16 October. https://ahvalnews.com/erdogan-turkey/erdogans-anti-western-discourse-ideology

-or-opportunism.

[1] 1Our distinction between thin and thick populism is related to the degree populism penetrates foreign policy discourse and

making in Turkey. This should not be confused with Mudde’s (2004) definition of populism as a “thin-centered ideology”.

[2] De-Europeanisation is broadly defined as the loss or weakening of the impact of the European Union (EU)/Europe as

a normative/political context for TFP.

[3]Kemalism can be defined as the state ideology of the Turkish Republic named after its founder, Mustafa Kemal Atatürk.

[4] The concepts of securitisation and de-securitisation were introduced by the Copenhagen School. Securitisation is

defined as a speech act whereby issues political in nature are classified as existential threats “requiring emergency

measures and justifying actions outside the normal bounds of political procedure”. Desecuritisation refers to moving

“issues out from the threat-defense sequence into the ordinary public sphere”. See Buzan et al. (1998, 24, 26 and 29)

and Kaliber (2005).

[5] For a detailed discussion on the role of foreign policy in the constitution of the national self and its other/others, see

Kaliber (2019).

[6] Large public protests sprang up spontaneously after plans to uproot the trees in Gezi Park in the centre of Istanbul

became public, and later engulfed the whole country. These protests were reciprocated by police brutality and harsh

discourses against the protesters on the part of AKP leaders. The EU and some of its member states stressed their

concerns over the worsening level of democratic rights and freedoms, and criticised the Turkish government and

police in particular for its disproportionate use of force against demonstrators.

[7] The authors are thankful to the referees for bringing this point to their attention.

[8] PKK stands for Partiya Karkerên Kurdistanê (Kurdistan Workers’ Party) and FETO is the acronym for the Fethullah Gülen

Terrorist Organisation, the name officially assigned by Turkey to the Gülen Movement, named after Fethullah Gülen.

ترجمه لمركز أسبار: يوسف سامي مصري

المصدر:

https://doi.org/10.1080/03932729.2019.166864

 

زر الذهاب إلى الأعلى