الرئيسيالشرق الأوسطدراسات وبحوث

السياسة الاقتصادية الروسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: وسيلة لتحقيق غايات سياسية

كريستوفر أ هارتويل

أستاذ بجامعة بورنماوث. زميل مركز البحوث الاجتماعية والاقتصادية CASE

 

 ملاحظة: هذه الدراسة هي دراسة من مجموعة أبحاث ضمن كتاب يحمل عنوان “ THE ROLE OF RUSSIA IN THE MIDDLE

EAST AND NORTH AFRICA REGION.

STRATEGY OR OPPORTUNISM?

أما هذه الدراسة فهي في الصفحة 88 من الكتاب أعلاه.

وهنا رابط الكتاب:

https://en.econostrum.info/The-role-of-Russia-in-the-middle-east-and-north-Africa-region_a518.html

 

 

 

مقدّمة

يبدو أن توسيع النفوذ الاقتصادي الروسي في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا[1] قد تخلّف كثيراً عن محاولاتها لتحقيق أهمية سياسية في المنطقة. كما يبدو أن المسائل الاقتصادية كانت ذات أولوية أقلّ للسلطات الروسية مقارَنة بتحقيق وجود عسكري متزايد في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومع ذلك، فإن حقيقة أن الأداء الروسي (الأدنى) اقتصادياً في علاقاتها مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمثل لغزاً، حيث توجد بعض الأسباب الوجيهة لعدم إقامة علاقة ودّية اقتصادية بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وروسيا في السلع والخدمات. في الواقع، لا يُعزى هذا الوضع المستمرّ إلى الافتقار إلى التآزر الاقتصادي بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث كان الطلب على الصادرات الروسية من الحبوب والمعادن الثمينة مرتفعاً أيضاً عبر شمال إفريقيا والخليج (مع اختلاف المواد الدقيقة المطلوبة عبر البلدان غير المتجانسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا). من المُسلَّم به، في حين أن الاعتماد الساحق على النفط كمحرّك اقتصادي في معظم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (بشكل رئيسي الخليج ولكن أيضاً في شمال إفريقيا) وروسيا، والافتقار المصاحب للتنويع في كلا المجموعتين من الاقتصادات، قد يعني أن هناك مجالاً ضئيلاً للتجارة، لا يزال هناك مجال للنموّ لتوسيع الاستثمار، سواء في استخراج الموارد أو في الصناعات الأخرى. أخيراً، على الرغم من أن نماذج الجاذبية الاقتصادية أظهرت أن التجارة الروسية معوقة بسبب المسافة (Kaukin & Idrisov 2014)، لا تزال روسيا تتمتّع بعلاقات تجارية مثمرة مع دول بعيدة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يجب أن تجعل هذا الجزء من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الأقلّ جذّاباً للمستثمرين والتجار على حدٍ سواء.

يُعَدْ ضعف أداء العلاقات الاقتصادية بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمراً مدهشاً للغاية، عندما يأخذ المرء بعين الاعتبار أنه لم يكن هناك نقص في الجهود السياسية من جانب موسكو لتحسين العلاقات الاقتصادية جنباً إلى جنب مع العلاقات السياسية. أدّى الاعتماد المشترَك للعديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وروسيا على السلع الأساسية، إلى جانب المصالح السياسية المتقارِبة في بعض الأحيان، إلى العديد من الدوافع، من أجل تعاون اقتصادي أوثق (Charap 20150)، لا سيّما مع دول أخرى في منظّمة البلدان المصدِّرة للنفط (أوبك) (والتي ترتبط معها روسيا بعلاقة سياسية أكثر إثارة للجّدل). على سبيل المثال، أطلق الكرملين في عام 2011 حواراً بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي، بينما شُكِّلَ في عام 2013 منتدى التعاون العربي الروسي بهدف واضح يتمثل في تحسين العلاقات الاقتصادية. لعبت من الجانب الروسي، عدّة عوامل أخرى دوراً وراء هذا الدفع السياسي للعلاقات الاقتصادية: أدّى واقع ما بعد القرم من العزلة عن الغرب على وجه الخصوص، إلى ضرورة تحسين العلاقات مع الأسواق الناشئة والقوى الاقتصادية الأخرى. علاوة على ذلك، فإن الصعوبات التي شهدها الاقتصاد الروسي في الفترة من 2014 إلى 2017 بسبب العقوبات (والأهم من ذلك) انخفاض أسعار النفط، تعني أنَّ الأمن الاقتصادي يمثل قضية حاسِمة بالنسبة للكرملين.

لكن إعادة مشاركة إدارة ترامب في المنطقة، إلى جانب احتمالية مشاركة أمريكية أقوى بكثير في جميع أنحاء الخليج وفي المنطقة الممتدة (أي مع إيران)، تهدِّد أيضاً بإفساد الروابط الاقتصادية لروسيا. وبالتالي، على الرغم من التآزر الاقتصادي (أو ربّما بسبب) والإرادة السياسية، لا تزال العلاقات الاقتصادية بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا محبِطَة. يهدف هذا الفصل إلى تقييم طبيعة ونطاق المصالح الاقتصادية الروسية، فضلاً عن الاستمرارية الاقتصادية لإصرار روسيا المطوَّل في المنطقة. هل العلاقات الاقتصادية محكوم عليها أن تظلّ آخر اعتبارات موسكو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أم أن هناك احتمال أن تتبَع العلاقات الاقتصادية العلاقات السياسية أو تحلّ محلّها؟ إلى أين ستتجه العلاقات الاقتصادية في السنوات المقبلة؟ وهل هناك احتمال أن تكون في صالح بعض الدول (الخليجية بشكلٍ أساسي) على حساب دول أخرى؟ أطروحتي الرئيسية هي أن التعاون الاقتصادي لن يزدهر أبداً بين الشريكين طالما يتم التعامل مع الاقتصاد بشكلٍ عام كعامل مساعِد للسياسة. إن النهج الروسي في التجارة وعلى وجه الخصوص، باستخدامه كسلاح لإجبار الشركاء على الخضوع، يُعَد معادياً للغاية لتطوير روابط تجارية كبيرة ومستدَامة، علاوة على ذلك، نظراً لأن الاستثمارات كانت أيضاً شديدة الحساسية للتحوُّلات السياسية، فمن غير المرجَّح أن يؤدّي نفوذ روسيا الموسَّع بعد سوريا في المنطقة، إلى تعاون اقتصادي مستدام.

على الأرجح، كما رأينا في البلقان، ستستمرّ روسيا في إبراز صورة كبيرة الحجم لنفوذها الاقتصادي، وهي صورة تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على التصوّرات الشعبية والانتصارات النوعيّة بدلاً من الأساسيات التحتيّة.

 

العلاقات الاقتصادية الروسية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

خلفية

بعد عقود من دعم الدول العربية بشكل انعكاسي (ولكن ليس بالضرورة أيديولوجياً) خلال الحرب الباردة، ومعارضة تركيا أيديولوجياً (ولكن ليس بالضرورة بشكل انعكاسي)، كانت سمة أساسية لنهج روسيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأوسع في السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي “طبيعتها غير الأيديولوجية”، حيث تسعى روسيا إلى تحقيق مصلحة وطنية “تتميّز بالبراغماتية والسخرية والحسابات الاقتصادية الممزوجة أحياناً بنوع من معاداة أمريكا” (Bourtman, 2006, p. 1). وكما لاحظ Sezer (2000, p 62) فيما يتعلّق بتركيا، فإن هذا يعني “تقارُباً فعلياً” حيث أصبحت التصريحات العامة والمواقف الرسمية محايدة، لكن “النواة الصلبة للخوف المتبادَل وانعدام الثقة والشكّ تبقى في أذهان صُنّاع القرار والنخب السياسية “. لم تعُد روسيا في التسعينيات مدفوعة على المدى القصير بالمواقف الجيوسياسية العالمية، فقد كانت مستعدّة للتعامُل مع أي شخص ولكن مع التحذير من أن هذه العلاقات الاقتصادية لا تعني بالضرورة زيادة الروابط السياسية.

كانت الحالة المزرية للاقتصاد الروسي في العقد الأول من التحوُّل تعني، أن هذه الروابط الاقتصادية كانت حاسمة. كان التأثير الفوري لسقوط الاتحاد السوفييتي لسوء الحظ، يعني انهياراً أوّلياً كبيراً في العلاقات التجارية والاستثمارية مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث كانت روسيا التي تمرّ بمرحلة انتقالية وفوضوية، غير مستعدّة وغير قادرة على إقامة روابط اقتصادية، أو كانت غير قادرة بشكلٍ واضح على الحفاظ على تلك التي كانت لديها على التضامن وحده خلال الحرب الباردة. إلى جانب خسارة الموانئ الأوكرانية للشحن والانحدار العام في النشاط الاقتصادي الروسي المصاحب للتحوُّل، بحلول أواخر التسعينيات كانت تجارة روسيا فقط 1٪ من مع الدول العربية في الشرق الأوسط (وأقلّ بكثير مع شمال إفريقيا، انظر Kozhanov (2018). في الواقع، كانت النقطة المضيئة الوحيدة في العلاقات الاقتصادية الخارجية لروسيا في التسعينيات هي تجارتها مع تركيا، حيث نمت الصادرات بنسبة 176٪ من 1992 إلى 2000 (Şimşek et al. 2017  ).

بدا أن المتاعب الروسية المحلية ستسمح أخيراً في أعقاب أزمة الروبل 1998-1999 وما تلاها من استقرار للاقتصاد الروسي، باستئناف العلاقات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. في الواقع، إلى جانب آمالها في تحالفها مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر، والذي تحطّم بسبب الغزو الأمريكي للعراق والسياسات الأمريكية الأخرى، أعادت روسيا تقييم سياساتها في المنطقة بقوّة، بما في ذلك النظر لتوسيع علاقاتها الاقتصادية وحماية المصالح الاقتصادية الروسية (2016 Tsygankov   ). شهدت مندرجات بوتين الأولى في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إعادة انخراط روسيا في جميع أنحاء العالم واستئناف التنافس مع الولايات المتحدة، ولكن بشكلٍ خاص فيما يتعلّق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: كما لاحظَ أوليكر Oliker وآخرون (2009, p.113) أن “سياسات روسيا (في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) مدفوعة بسعيها إلى الهيبة … ولكن بصرف النظر عن الرغبة العامة في الاستقرار والتجارة مع المنطقة، فإن هذه الرغبة لا تحرّكها رؤية خاصّة للشرق الأوسط، من خلال الاعتقاد أكثر بأن روسيا، كقوّة عظمى، يجب أن تلعب دوراً في مثل هذه المنطقة المهمّة”. أدّى ذلك إلى تجديد الاهتمام بالنشاط الاقتصادي أيضاً، إلى جانب الانتعاش الاقتصادي لروسيا، ونمَت التجارة بين الشريكين بشكلٍ كبيرٍ: على سبيل المثال، تُظهِر البيانات الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن مصر استوردت 149.68٪ أكثر من روسيا في عام 2007 مقارَنة بما كانت عليه عام 2000، بينما زادت الواردات الروسية من الأردن عشرة أضعاف تقريباً خلال نفس الفترة (من قاعدة منخفضة معترَف بها في كلتا الحالتين). استمرَّت العلاقات الروسية التركية في النموّ أيضاً، حيث زادت الصادرات الروسية إلى تركيا بقيمة 425٪ من عام 2000 إلى عام 2015 وزادت الصادرات التركية إلى روسيا بنسبة 447٪ خلال نفس الفترة (روسيا هي ثاني أكبر وجهة تجارية لتركيا بعد الاتحاد الأوروبي (EU)، وهو اتجاه بدأ عام 2002، كما أشار فلاناغان  Flanagan (2013).

زاد هذا الأداء في جميع أنحاء المنطقة بشكلٍ كبيرٍ بعد الأزمة المالية العالمية، حيث ترافقت عودة فلاديمير بوتين إلى السلطة كرئيس عام 2012 بتحوُّل الرياح الجيوسياسية وخطر عدم الاستقرار الإقليمي (Kozhanov, 2014). دفعَ خسارة روسيا لاستثمارات كبيرة في العراق نتيجة للغزو الأمريكي والحرب الأهلية اللاحقة، تلتها السياسة الأمريكية المشؤومة في ليبيا في عام 2011 -والتي أدّت أيضاً إلى عزل شريك روسي رئيسي (العقيد معمر القذافي) –  الكرملين على وجه الخصوص، إلى محاولة لعب دور أكثر نشاطاً في الحفاظ على مصالحه السياسية والاقتصادية (Buckley, 2012). وبالمثل، كان تأثير الربيع العربي على النفوذ الاقتصادي الروسي هائلاً، نظراً لعدم اليقين الاقتصادي الذي أحدثه في جميع أنحاء المنطقة وخاصّة أسواق التصدير الروسية (Dannreuther 2015)، حيث تعرّضت صادرات الحبوب الروسية لخسارة كبيرة وتضاءَل النفوذ السياسي الروسي كما ظهرَت “حرب باردة” جديدة بين المصالح المتعارِضة (Martin, 2013). في الوقت نفسه، خلقت الاستبدادية الزاحفة للرئيس التركي أردوغان تطابقاً في المصالح، ودفعت من أجل شراكة استراتيجية مع تركيا، أدَّت إلى التركيز على العلاقات الاقتصادية (Flanagan 2013). أخيراً، وربما في أكبر مثال على إعادة الانخراط الروسي، أدّى التهديد بفقدان أحد أكبر شركاء روسيا بشار الأسد، إلى جانب ضعف الرئيس الأمريكي باراك أوباما في التعامُل مع الاضطرابات في سوريا، إلى قيام الكرملين بالتدخّل الفعّال في سوريا لمواجهة الولايات المتحدة سياسياً (Kozhanov, 2018).

 

التجارة في السلع والخدمات والأسلحة

في حين أن محور روسيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يمكن إنكاره سياسياً، إلا أنه لم يُترجم بالضرورة إلى تدفقات كبيرة للسلع والخدمات بين الاثنين (على الرغم من الاتجاه التصاعدي كما أشرنا للتو). وفقاً لإحصاءات قاعدة بيانات البنك الدولي للحلول التجارية المتكاملة (WITS)، شكّلت الصادرات (غير العسكرية) إلى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (باستثناء تركيا) عام 62,16% فقط من إجمالي حجم التجارة الروسية، في حين كانت الواردات أقلّ إثارة للإعجاب 1,4 ٪ من التجارة الروسية. ومن منظور أوسع، لم تتدهور الروابط الاقتصادية بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مؤخَّراً فحسب، بل يبدو في بعض الحالات أنها لم تُبنى أبدًا: كما يوضح الشكل 1، كان أكبر ما استوردته منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من روسيا عام 2005 هو ما يقرُب من 2٪ من إجمالي وارداتها، وجاء أعلى مستوى للصادرات عام 1996 عند 0,76٪ فقط من إجمالي الصادرات. علاوة على ذلك، تُظهِر نظرة سريعة على شركاء روسيا التجاريين أن روسيا تتمتّع بتنوُّع جيد بشكلٍ خاص، على الرغم من أن هذا يرجَع إلى عدم وجود شريك تجاري رئيسي لها: يبدو أن روسيا لديها بعض الحجم الصغير من التجارة مع معظم البلدان في شمال إفريقيا وعبر الولايات المتحدة والشرق الأوسط، حيث شهدت الجزائر ومصر أكبر كميات (1,4٪ و 1,3٪ على التوالي من الصادرات الروسية عام 2016) ودول أخرى ذات أحجام أصغر بكثير.

إن تركيا كما أشرنا أعلاه هي الخارج الملحوظ عن هذه الاتجاهات، حيث تفوَّقت التجارة الروسية التركية على التجارة الروسية إلى بقية منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مجتمعة بمقدار كبير. على سبيل المثال، بلغت الواردات التركية من روسيا عام 2015 ما قيمته 20,33 مليار دولار أمريكي، أي أكثر من 13 مليار دولار أمريكي عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأكملها، بينما بلغت الصادرات التركية 3,87 مليار دولار أمريكي، وهي أعلى بكثير من 2 مليار دولار أمريكي لبقية منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (Şimşek et al., 2017). في حين أن التجارة قد تراجعت إلى حدٍ كبير منذ عام 2015، مدفوعة إلى حدٍ كبير بالأهداف السياسية المختلفة في سوريا وإسقاط المقاتلين الأتراك لطائرة روسية من طراز Su- 24M (Öncel & Liapina, 2018)، استمرّت الأهداف السياسية الشاملة للمنافَسَة مع الغرب، للحفاظ على تدفقات التجارة على مستوى مرتفع مقارَنة ببقية منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (Öniş & Yılmaz 2016). ربما من المثير للاهتمام، أن هناك أدلّة على أن الاقتصاد الروسي عانى من خلال الصدمات والعقوبات، فإن كل صدمة تدفعه للتقرب من تركيا اقتصادياً (Kapusuzuzolu & Ceylan 2017).

 

الشكل 1. واردات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من روسيا، القيمة وكنسبة مئوية من إجمالي التجارة، 1992-2016

المصدر: جُمعت من قاعدة بيانات البنك الدولي Wits.

 

يميل من حيث التعقيد الاقتصادي، ما هو تجارة بين الشريكين (بما في ذلك تركيا) إلى أن يكون بسيطاً ومركَزاً على المواد الخام واستخراجها. كمثال، في عام 2016، جاء الجزء الأكبر من الواردات الروسية من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على شكل خضروات ومواد خام، في حين صدّرت روسيا بشكلٍ أساسي (من حيث السلع غير الطاقة) المصنوعات المتنوّعة والسلع الاستهلاكية والسلع الوسيطة. ونظراً لأن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا متنوّعة، فإن البضائع الرائدة المستوردة والمصدرة تميل إلى الاختلاف حسب البلد، مع استيراد مصر والأردن وليبيا القمح الروسي في المقام الأول واستيراد قطر الأسلاك النحاسية واستيراد تركيا الغاز الطبيعي والمغرب استيراد الفحم والبترول. هذا لا يعني أن البضائع الخام التي تُصدَّر من روسيا ليس لديها استخدام نهائي ذو قيمة عالية في نهاية المطاف: كما يلاحظ كوزانوف (2018)، فإن أهمية السلع الروسية لقطاعات التكنولوجيا العالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يمكن تقليصها، مع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، حيث تشتري ما يصل إلى 16٪ من مخزون روسيا بأكمله من الأحجار الكريمة والمعادن المُعَدّة للتصدير (34٪ من الصادرات الروسية إلى الإمارات العربية المتحدة هي الماس). ومع ذلك، على الرغم من هذا التحذير، لا يزال تكوين التجارة بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يستمر بالبناء على ما يمكن حفره أو سحبه من الأرض بدلاً من التركيز في المصنوعات المعقدة.

إلى جانب هذا التركيز على المواد الخام والسلع الأساسية، فإن الصادرات الروسية لديها أيضاً سمة مشتركة، فائدة روسيا الرئيسية المقارنة في المنطقة، أن تكون التجارة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومات وليس السوق، وهي الطاقة والأسلحة. لقد كُتِبَ الكثير حول حقيقة أن اقتصاد روسيا يتركّز بشكلٍ لا يصدَّق في النفط والغاز وازداد اعتماده أكثر على هذه الصادرات في السنوات الأخيرة (أشار السناتور الأمريكي جون ماكين الشهير إلى أن روسيا كانت “محطّة بنزين تتنكّر بزي دولة”)، لا ينبغي أن يكون من المستغرَب أن تظلّ الطاقة عنصر اقتصادي رئيسي في علاقات روسيا مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومع ذلك، تصدّر روسيا على عكس أوروبا أو آسيا، طاقة أقلّ نسبياً إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخاصّة لأن لديهم قدراتهم ذات الإنتاج الناجح للغاية من الطاقة (وفقا لأوبك، 65,5٪ من احتياطيات النفط الخام في العالم موجودة في الشرق الأوسط).[2] في الواقع، فقط الغاز الطبيعي هو الذي يبرُز كسوق نموّ محتمَل للصادرات الروسية في معظم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تشكّل صادرات الغاز الطبيعي بالفعل غالبية الصادرات من روسيا إلى تركيا، ولكن هناك حصّة صغيرة نسبياً من الغاز الروسي في الصادرات إلى دول الخليج على وجه الخصوص، ممّا يعني أن هذه هي المنطقة التي ستتوسّع في السنوات القادمة، خاصّة إذا ظلّت التوترات بين الخليج وإيران مرتفعة (Kozhanov, 2018).

مصالح الطاقة الروسية في المنطقة واقعيّاً هي تأمين الإمدادات في حالة الاضطراب، وجذب الاستثمار لاستبدال ما فقدته عبر العقوبات الغربية، والعمل عن كثب مع منتجي النفط الآخرين من أجل استقرار الأسعار (Mammadov, 2018). كان للكرملين بعض النجاح في استخدام الطاقة كأداة للسياسة الخارجية بالإضافة إلى دورها كقوّة اقتصادية وسائق الاقتصاد الروسي (Newnham 2011)، مع عمل شركة Lukoil في العراق (Lukoil واحدة من أكبر شركات النفط والغاز الدولية المتكاملة رأسياً في العالم مع أعمال تقع في أكثر من 30 دولة حول العالم.) وامتلاك شركة ” Rosneft” حصّة مسيِطرَة في خط أنابيب في كردستان، وهو واقع أصبح نقطة خلاف سياسية بين موسكو وأنقرة. ولدى روسنفت Rosneft وغاز بروم Gazprom آمال واعدة لاستثمار حوالي 30 مليار دولار أمريكي في قطاع النفط والغاز الإيراني عام 2017. لسوء الحظ، كما لاحظَت (Kropatcheva (2014)، فإن الثورة في مجال النفط الصخري في الولايات المتحدة قد اتخِذَت بالفعل، وستواصِل لتسبّب خسائر فادحة على صناعة الطاقة الروسية، الأمر الذي يعني أن التطوّرات في النفط الصخري قد تقرّب الخليج وموسكو من بعضهما البعض، لكنها في النهاية تضرّ بتعاونهما في مجال الطاقة بشكلٍ عام. ومع ذلك، فإن المرونة والحجم الهائل لقطاع الطاقة الروسي يعنيان على المدى القصير، أنه سيستمرّ في لعب دورٍ كبيرٍ، في كل من السياسة الخارجية الروسية والسياسة الاقتصادية الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (Mitrova 2016). ولم يقتصر هذا النجاح على نقاط القوّة التقليدية لروسيا، حيث أن روسيا وسّعت روابطها خارج النفط والغاز نحو الطاقة النووية، مع توقيع وكالة “روساتوم” الحكومية، (Rosatom روساتوم الحكومية للطاقة النووية (بالروسية: Росатом) هي مؤسّسة حكومية روسية، كما أنها هيئة تنظم المجتمع النووي الروسي. يقع مقرّها الرئيسي في موسكو. أنشِئَتْ في 29 كانون الثاني/يناير 1992 خلفاً لوزارة الصناعة والهندسة النووية في الاتحاد السوفييتي سابقاً. أعِيد تنظيمها لتصبح وكالة اتحادية للطاقة الذرية في 9 آذار/مارس 2004. وفقاً لقانون اعتمده البرلمان الروسي في تشرين الثاني/أكتوبر من عام 2007 والذي وقعه الرئيس بوتين في أوائل كانون الأول/ديسمبر تمّ بموجبه تحويل الوكالة إلى مؤسّسة حكومية.) اتفاقيات مع الجزائر والأردن وتونس ومصر لبناء محطات توليد الكهرباء على مدى الخمس والعشر سنوات القادمة (Schumacher & Nitoiu, 2015; Nakhle, 2016) ومواصلة عملها في إيران. والجدير بالذكر أن Rosatom قد وضعت حجر الأساس لبناء أول محطة طاقة نووية تركية في أكويو Akkuyu، وهو انقلاب رئيسي للوكالة واستثمار كبير في حوالي 20 مليار دولار أمريكي. تعني الفائدة الروسية المقارَنة المستمرّة في الطاقة النووية، إلى جانب انسحاب الغرب من صادرات الطاقة النووية، أن هذا يمكن أن يستمرّ في أن يكون صناعة نامية لروسيا في المستقبل.

وبالمثل، احتلّت روسيا في قطاع الأسلحة، مكانة مرموقة على قمة الجداول العالمية لمبيعات الأسلحة، متخلّفة عن الولايات المتحدة فقط من حيث المقياس المادي للأسلحة المباعَة (Connolly & Sendstad, 2017).[3] تُعتبَر صناعة الدفاع كما يشير Borshchevskaya) 201)، صناعة مهمّة في روسيا من حيث التوظيف والأرباح، حيث تم إنفاق 3,4 ٪ من الناتج المحلّي الإجمالي في عام 2016 على الإنتاج العسكري ومجمّع صناعي دفاعي باستطاعته توظيف 1,3 مليون شخص عام 2014 وفقاً لـ Frolov 2017) فرولوف)، بينما قدّر كل من كونولي وسيندستاد Connolly and Sendstad 2017 أنه أقرب إلى 2,5 مليون في عام 2016). ومع ذلك، يجادل بلانك وليفيتزكي  Blank and Levitzky (2015) بشكل مقنع بأن الدافع الرئيسي وراء مبيعات الأسلحة الروسية ليس (ومن المحتمَل أنه لم يكن أبدًا) كمولّد للإيرادات، ولكنه بدلاً من ذلك جزء من حملة الكرملين لزيادة مكانة روسيا على الصعيد العالمي، الأمر الذي يجعل هذه المصلحة الاقتصادية أكثر أهمية من المصلحة السياسية.

بغضّ النظر عن الدافع، كانت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ثاني أهم وجهة للأسلحة الروسية من عام 2000 إلى عام 2016، حيث مثلت 17,8٪ من إجماليّ مبيعات الأسلحة الروسية، وكان أكبر المستفيدين عام 2016 هما الجزائر وإيران (Connolly & Sendstad, 2017). لقد شقّ بوتين لنفسه طريق عودة مصدِّري الأسلحة الروس إلى الشرق الأوسط بعد الهدوء النسبي الذي ساد سنوات يلتسين، حيث قاد وفداً من المصَدِّرين العسكريين بما في ذلك MiG و Rosoboronexport(هي المنظمة الحكومية الوحيدة في روسيا لتصدير مجموعة كاملة من المنتجات والخدمات والتقنيات العسكرية ذات الاستخدام المزدوج) لتعزيز المصالح الاقتصادية والسياسية الروسية (Bourtman 2006). وقد أثمرت هذه الجهود النشطة، حيث تمَّ بيع الأسلحة الروسية منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي إلى 11 دولة في المنطقة، بما في ذلك عملاء جدُد مثل قطر والإمارات العربية المتحدة، كما حدثت زيادة في المبيعات للعملاء القدامى أيضاً ( شهد العراق، على وجه الخصوص، مشتريات تزيد عن مليار دولار أمريكي من عام 2014 إلى عام 2016 وحده)[4] حتى تركيا، العضو في منظّمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمستلم الرئيسي للأسلحة الأمريكية، أعربت عن اهتمامها بشراء صواريخ إس -400 من روسيا، كوسيلة لتحفيز تطوير صناعة الأسلحة المحلّية الخاصّة بها (Wasilewski  2017). يشهد سوق بيع الأسلحة الروسية كما هو الحال مع التطوّرات السياسية الأخرى، هبوطاً وصعوداً في المنطقة، حيث أن بعض الدول (لا سيّما المملكة العربية السعودية) ليست عملاء للأسلحة الروسية على الإطلاق، بينما تشتري دول أخرى (العراق وليبيا) أقل نسبياً من السنوات السابقة: يشير كوزانوف Kozhanov (2018)، بالاعتماد على مصادر روسية، إلى أن شركة تصدير الأسلحة Rosoboronexport قدّرت خسائرها المالية في ليبيا بعد سقوط القذافي بما لا يقلّ عن 4 مليارات دولار أمريكي.

تفيد الحقائق أنَّ روسيا مقيَّدة أكثر مالياً من الاتحاد السوفييتي السابق، وأكثر وعياً بضروراتها الاقتصادية، كما أن روسيا قد تتخلّى أيضاً عن نظام الائتمان الذي سيطرَ على مبيعات الأسلحة في الاتحاد السوفييتي، وأصرّت على الدفع النقدي في معظم الحالات (Dannreuther 2012)، على الرغم من استمرار العادات القديمة في ليبيا وسوريا. وأخيراً، وبالنظر إلى النهج الأكثر واقعية والبعيد عن الإيديولوجيا والذي اعتمدته  روسيا في المنطقة، فقد انتصرت الضرورات الاقتصادية أحياناً على الجيش العسكري النقي: يعني هذا في المقام الأول، تردُّد تاريخي في بيع أسلحة “هجومية” معيَّنة إلى بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذا كانت ستؤثر سلباً على العملاء المحتمَلين الآخرين، كما أشار ليتوفغين وغريغوريفا Grigoreva و Litovkin (2008) فيما يتعلّق كيف تدخّل بوتين لمنع بيع الصواريخ المتقدّمة إلى سوريا، حيثُ كان يُنظر إليها سلباً من قِبل إسرائيل، وهي السوق الروسي المهم الآخر. تجدر الإشارة إلى أن هذه القاعدة ليست صعبة وسريعة، ومع ذلك، فإن الأحداث في نهاية أيلول/سبتمبر 2018 جعلت مثل هذه الاعتبارات تتنحّى جانباً، حيث دفعَ إسقاط إسرائيل لطائرة روسية “بشكل غير مباشر” روسيا لبيع أنظمة S-300 الدفاعية الجوية إلى سوريا (Nikolskaya & Tétrault-Farber, 2018). ولكن بغضّ النظر عن هذا المثال المحدَّد، إلا أن النهج الروسي يعني أيضاً، أن البلاد تميل إلى ربط المبيعات العسكرية إلى البلدان المحتاجة مع التنازلات الاقتصادية، وهي الحصول على حقوق الاستخراج في المجالات الغنية بالموارد (Blank & Levitzky, 2015). وبهذه الطريقة، أصبحت كلّ من مبيعات الطاقة والأسلحة، متشابكة مع رغبة روسيا في لعب دور أكبر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

الاستثمار

في حين أن التجارة كانت تقتصر إلى حدٍ ما على الأسلحة والطاقة، فإن الروابط الاستثمارية بين روسيا وشركائها في المنطقة كانت أفضل قليلا، ولكن هنا أيضاً تم تضمينها مع السياسة. قامت روسيا على مدى العقد الماضي، بتغيير الاستثمار بنجاح من دول الخليج الأكثر ثراء (المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة)، مع استثمارات من شمال إفريقيا لا تُذكر (الشكل 2)، ولكن الاستثمار الخليجي يتزايد بشكل كبير منذ عام 2015. في الوقت نفسه، تباطأ الاستثمار الأجنبي الروسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكلٍ كبير من أعلى مستوياته قبل الأزمة المالية العالمية (الشكل 3)، وكانت الإمارات العربية المتحدة الوجهة الوحيدة الجّديرة بالذّكر وفقاً للإحصاءات الرسمية. على الرغم من الاتجاهات المتصاعِدة، إلا أن تدفقات الاستثمار كنسبة من جميع الاستثمارات لا تزال ضئيلة: على سبيل المثال، بالنسبة لعام 2016، مثلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارات العربية المتحدة إلى روسيا 16٪ فقط من التدفقات إلى روسيا من السويد، وكانت أقلّ من بولندا العدو الجيوسياسي لروسيا. وشهدت دول خليجية أخرى توجّه استثمارات أقلّ إلى روسيا خلال السنوات الأخيرة، ناهيك عن التدفقات غير الموجودة من شمال إفريقيا. بالطبع، يجب أيضاً التعامُل مع إحصاءات الاستثمار الروسية بحذر، نظراً للانتشار الواسع النطاق للمراكز المالية الخارجية، الأمر الذي يعني أن بعض الأموال الموجّهة إلى جزر فيرجن البريطانية أو قبرص، يمكن أن ينتهي بها المطاف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولكن حتى مع هذا التحذير، يبدو أن الصعوبات الاقتصادية في روسيا أعاقت إلى حدٍ ما تحرُّكات رأس المال والاستثمار فيها.

 

الشكل 2. الاستثمار الأجنبي المباشر في روسيا 2007-2017

المصدر: بناء على بيانات من البنك المركزي الروسي (CBR).

 

 

في الواقع، كان الاستثمار، كما هو الحال مع التجارة، أكثر نجاحاً في المجالات التي تشارك فيها حكومات المستثمرين المعنيين، ويتركَّز بشكل أساسي في التحويلات من صناديق الثروة السيادية (SWFs) في المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، والصندوق السيادي لروسيا. بالمقارنة مع الأسهم الخاصّة في المنطقة، فإن صناديق الثروة السيادية في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضخمة، حيث يقدِّر معهد صناديق الثروة السيادية، أن هناك ما يقرب من 3 تريليون دولار أمريكي في مختلف الصناديق السيادية والاستثمارية في جميع أنحاء المنطقة.[5] وقد لجأت روسيا بنشاط إلى هذه الأموال للاستثمار في الصناعة الروسية، وأنشأت “صندوق الاستثمار الروسي المباشر” (RDIF) في عام 2011 لطلب الاستثمار الأجنبي: وفقاً ل Nakhle 2018، اجتذب الصندوق أكثر من 30 مليار دولار أمريكي من الصناديق السيادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكانت هيئة الاستثمار الكويتية أولّ من استثمرَ في عام 2012، كما تعهَّدت السعودية وقطر بمبالغ كبيرة منذ 2014. وبالمثل، كان لتركيا أيضاً صندوق ثروة سيادي خاصّ بها (يرأسه الرئيس الآن) وأبرم صندوق الاستثمار الروسي التركي اتفاقية بحوالي 500 مليون دولار أمريكي، لتوجيه الأموال التركية إلى مشاريع البنية التحتية والاجتماعية الروسية (ومن المتوقّع أن يذهب نفس المبلغ من روسيا إلى تركيا).

شجّعت دول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص الاستثمار في صندوق الاستثمار المباشر الروسي RDIF وفي روسيا بشكلٍ عام، كوسيلة لتوسيع نفوذها السياسي مع الكرملين، خاصّة فيما يتعلّق بالنزاعات الإقليمية مع إيران (Shumilin & Shumilina  2017). يلاحظ Von Soest 2015)) بشكل متشائم إلى حدٍ ما، أن مثل هذا التعاون عبر صناديق الثروة السيادية الأوتوقراطية، لا ينبغي أن يكون غير متوقع، حيث تتعاون الأنظمة الاستبدادية مع بعضها البعض لمنع الديمقراطية، مع كون أحد المكوّنات الرئيسية هو التشابكات الاقتصادية والعسكرية. في حين أن كلا السببين صحيحان، فإن التحرُّك نحو روسيا كان مدفوعاً أيضاً بالحاجَة إلى إيجاد استثمارات ذات عوائد أعلى، والمخاطر المرتبطة بروسيا تعني عائداً أعلى للمستثمر المغامِر (والمتصل بالسياسة) في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (Nakhle, 2018).

الشكل 3. الاستثمار الأجنبي المباشر الروسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، 2007-2017

المصدر: بناء على بيانات من البنك المركزي الروسي (CBR). البلدان المعروضة هي البلدان الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تتوفر بها البيانات.

من الجانب الروسي، انخفضت قيمة “الصندوق الوطني للرفاهية” -صندوق الثروة السيادية للحكومة الروسية، الممَّول من عائدات النفط -من عام 2014 إلى عام 2017 على خلفية انخفاض أسعار النفط، لكنه تعافى إلى حدٍ ما في الأشهر الأخيرة. وتستكشف السلُطات الطرق التي يمكن للصندوق من خلالها تحمُّل المزيد من المخاطر للحصول على مكافآت أعلى.

كان الصندوق حتى كتابة هذه السطور، مقيَّداً بموجب القانون بالاستثمارات في الديون السيادية (في روسيا والخارج)، والودائع في بنك التنمية والشؤون الاقتصادية الخارجية الحكوميVnesh economy bank VEB)  )، والاستثمار في مشاريع البنية التحتية، سيسمح التغيير المقترَح باستثمار الأصول التي تزيد عن حدٍ معيّن من الناتج المحلي الإجمالي، في أدوات تنطوي على مخاطر عالية مثل الأسهم أو الممتلكات الأجنبية. ونظراً لأن الدولة تسيطر على كمّيات كبيرة من السيولة، فهناك بالضرورة ضغوط سياسية على هذه الصناديق للاستثمار بما يتجاوز الدوافع الاقتصادية (Karasik, 2017)، وهناك تماشياً مع الاستراتيجيات الروسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خطط لصندوق الثروة السيادية الروسي للاستثمار في الطرح العام الأوَّلي لشركة أرامكو السعودية. سيكون نطاق الاستثمار الروسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من صندوق الثروة السيادية محدوداً بالضرورة في المستقبل، بسبب سعر النفط، لكن من المرجَّح أن يظلّ هذا هو أهم أداة استثمارية يستخدمها الجانبان في السنوات القادمة.

 

لماذا العلاقات الاقتصادية بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على ما هي عليه؟

الاعتبارات المحلّية والاشتباه في التجارة

في حين أن العديد من القضايا المتعلّقة بأداء العلاقات الاقتصادية بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لديها تفسير اقتصادي، ليست كل المشاكل التي يواجهها الشركاء ناتجة عن مصادر خارجية. في الواقع، ساهمت السياسات الاقتصادية الداخلية من كلا الجانبين في انخفاض التجارة والاستثمار بشكل عام، وهي حقيقة انتقلت إلى الروابط المحدّدة بين روسيا ودول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. على سبيل المثال، لم تكن السياسة الروسية في عصر ما بعد السوفييت (بصرف النظر عن هدوء موجز في منتصف التسعينيات) مهتمّة مطلقاً بتوسيع عام في التجارة وفقاً لمبادئ Laissez-Faire (هي عبارة فرنسية تُترجم إلى “السماح بالقيام”. وتشير إلى أيديولوجية سياسية ترفض ممارسة تدخل الحكومة في الاقتصاد. علاوة على ذلك، يُنظر إلى الدولة على أنها عقبة أمام النمو الاقتصادي والتنمية. نشأ المصطلح في القرن الثامن عشر أثناء الثورة الصناعية. استخدم الصناعيون الفرنسيون هذا المصطلح ردّاً على المساعدة الطوعية للحكومة الفرنسية لتعزيز الأعمال التجاريةالمترجم) لقد نظر الكرملين إلى التجارة على أنها وسيلة لتحقيق غاية، وكان أكثر اهتماماً بتوسيع التجارة في المجالات “الاستراتيجية” أولاً وقبل كل شيء (Hanson 2007) وتجاهل التحرير على نطاق أوسع. هذا النقص في الالتزام الأساسي بالتجارة الحرّة كان يعني الحفاظ على حواجز تجارية لا مبرّر لها (كل من التعريفة وغير التعريفية) إلى جميع البلدان (بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، وحتى انضمام روسيا لعقود طويلة إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) لم يؤدّ إلى إزالة الحواجز التجارية (Van der Loo 2013) أو انفجار التجارة كما كان متوَقعاً (Babetskaia-Kukharchuk & Maurel, 2004).

أظهر صانعو السياسة الروس بشكلٍ ثابت ومستمر، كجزءٍ من رؤيتهم للتجارة كأداة استراتيجية، استعداداً لاستخدام التجارة والاستثمار كسلاح في السعي لتحقيق مكاسب سياسية على المدى القصير. حظرت روسيا مستشهدَة بمخاوف تتعلَّق بالصحة والسلامة، في نقاط مختلفة على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية، الواردات من جورجيا أو أوكرانيا أو مولدوفا عندما لم تدعم الأهداف السياسية الروسية (Delcour & Wolczuk 2015)، مع فرض حظر شامل على المواد الغذائية الغربية ردّاً على العقوبات الغربية بعد غزو أوكرانيا (Pickett & Lux 2015). حتى أكبر صادراتها، وهي الطاقة، التي تعتمد عليها الحكومة الروسية، قد استخدُمَتْ بطريقة متعجرفة لجذب الحكومات الأخرى (Stegen 2011)، وعلى الأخصّ في بيلاروسيا وأوكرانيا في عامي 2006 و2007 (Rutland 2008) ومرّة أخرى في أوكرانيا طوال عامي 2014 و2015 (Van de Graaf & Colgan 2017). لم تُظهِر الدولة الروسية اعتماداً على الأهداف الجيوسياسية، أي تردُّد في إغلاق التدفقات التجارية، حتى لو أضرَّت مثل هذه الخطوة بالأعمال التجارية الروسية أو المستهلكين الروس أو حتى الصحة الروسية (Schierhorn et al. 2016). يمكن رؤية مثل هذا المثال على خضوع المصالح الاقتصادية لروسيا لمصالحها السياسية، وعواقبها غير المقصودة، على وجه التحديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، أحدثت العقوبات وانخفاض أسعار النفط انخفاضاً كبيراً في التوقعات الاقتصادية الروسية قصيرة المدى، حيث تقلّصَ الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3٪ في عام 2015 و0.2٪ في عام 2016. ومع ذلك، تبنّى بوتين، وبسعادة، من أجل مواجهة العقوبات الغربية، مجموعة العقوبات الخاصّة به (حظر الغذاء) ضد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو ما منع مصنّعيّ المنتجات الزراعية من التصدير إلى روسيا (قد يكون إجمالي حجم التجارة المفقودة ما يصل إلى 13.32 مليار يورو، وفقاً لأرقام يوروستات Eurostat (هي مديرية عامة للمفوضية الأوروبية إدارتها في لوكسمبورغ. مسؤولياتها الرئيسية هي تزويد الاتحاد الأوروبي بالمعلومات الإحصائية على المستوى الأوروبي، وتعزيز المواءمة بين الأساليب الإحصائية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والبلدان المرشحة للانضمام ودول الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة. المترجم) ووزارة التجارة الأمريكية). في حين أن هذه السلسلة من العقوبات غير الضرورية خلقت صعوبات في روسيا للمستهلكين وللمنتجين الذين لديهم أسواق في الاتحاد الأوروبي، فقد دفعت أيضاً الشركات الأوروبية التي اعتادت أن يكون لديها سوق جاهزة في روسيا إلى أماكن أخرى. في الواقع، أدّت العقوبات المضادة الروسية، من خلال دفع الشركات الأوروبية نحو الجنوب ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى خلق مزيد من المنافسة للشركات الروسية، التي تعرَّضت أيضاً للضغط على أسواق صادراتها. خلقَ بوتين من خلال الاستخدام الطوعي للتجارة باعتبارها هراوة سياسية في منطقة واحدة، موقفاً أضرَّ بالشركات الروسية في أماكن أخرى، خاصّة، وأن القدرة التنافسية لمُصَنّعيّ المنتجات الزراعية الروسية مقابل الشركات الأوروبية كانت أدنى بكثير (وهي نقطة لاحظها Liefert 2002)). على أيّ حال، تمَّ تجاهُل أيّ معاناة اقتصادية في السّعي لتحقيق أهداف معادية للغرب، وتمَّ تعويضها عن طريق التشوُّهات في أماكن أخرى، بما في ذلك الإعانات وضعف الروبل.

بالطبع، ساعدت الضرورات السياسية للحكومة الروسية في بعض الحالات، في العلاقات الاقتصادية مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على الرغم من أن هذه التحرُّكات كانت (كما هو متوقّع) في قطاع الطاقة. يروي Bilgin (2011)) كيف تبنّت شركة Gazprom، وهي أكبر أداة شبه حكومية للسياسة الخارجية الروسية، مصالح الدولة في صميم استثماراتها الخاصّة، والتحرُّك لتأمين احتياطيات الغاز، وإنشاء مشاريع مشتركة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بدلاً من الاستثمار في الإنتاج المحلّي أو البنية التحتية. علاوة على ذلك، فإن محاولات روسيا لمواجهة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ستؤدّي غالباً، إلى تحويل التمويل أو الموارد الاقتصادية الأخرى إلى الجهات الفاعلة في المنطقة، على الرغم من وجود مبرِّر اقتصادي أساسي (Mead, 2014). وفي حين لا أحد يقول إن مستقبل سوريا مضمون، إذا نجا الأسد من تفكُّك بلاده بسبب المساعدات العسكرية الروسية بالكامل تقريباً (كما هو مذكور أعلاه)، فإن الشركات الروسية تستعد للانتقال إلى سوريا بعد الحرب، والاستفادة من إعادة الإعمار (Hille et al. 2018)، على الرغم من أنها قد تحتاج حتى هنا، إلى التنافس مع إيران.

كان تعريف المصلحة “الاستراتيجية” في العلاقات الاقتصادية الخارجية لروسيا جانباً أخيراً مثيراً للاهتمام، وبالتالي كيفية صنع السياسة التجارية، مدفوعاً بشكلٍ أساسيّ بنظرة الكرملين الجيوسياسية للعالم، ولكنها أيضاً كانت مدفوعة بالمصالح الاقتصادية الأوليغارشية الروسية. ففي حين أنه من الصعب ملاحظة الروابط المباشرة بين الأوليغارشية والسياسة التجارية الروسية، فقد لوحظ في وقت مبكر من عام 2005 أن الأوليغارشية كانت تحاول تأخير انضمام روسيا إلى منظّمة التجارة العالمية، بينما أكملوا استحواذهم على الشركات الروسية (Guriev & Rachinsky 2005). وقد وثَّق العمل الأحدث كيفية استخدام الأوليغارشية للصلات السياسية في المناطق الروسية، لتقييد المنافسة في الصادرات، وتحديد التجارة التي يتم إرسالها في الاتحاد السوفييتي السابق (Libman & Obydenkova 2014). قدّم لانغبين (2016) أيضاً تفاصيل عن كيفية قيام صانعي السياسات، بضرب الروابط التجارية الروسية مع أوكرانيا من أجل حماية صناعة السيارات المحلّية، وهي صناعة مفضّلة لدى الأوليغارشية مثل أوليغ ديريباسكا (الذي عانى من العقوبات الغربية). وبالتالي، فإن الاقتصاد السياسي للسياسة التجارية في روسيا لا يقتصر فقط على الأهداف السياسية، ولكن على المصالح الاقتصادية الخاصّة للأوليغارشية القوية. هذا أيضاً عامل آخر أدّى إلى تثبيط التجارة مع الشرق الأوسط، حيث يمكن تحقيق مكاسب أكبر وأسهل بكثير، إمّا في منطقة ما بعد الاتحاد السوفييتي أو مع أوروبا الغربية.

ومع ذلك، فإن روسيا ليست وحدها التي تشكّ في وجود تجارة غير مقيَّدة، وقد اتبعت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأوسع (بما في ذلك تركيا) استراتيجية مماثلة لروسيا، وهي استراتيجية “عولمة الدولة” (Harris, 2009)، ولكن مع تركيز أقلّ علانية على المصالح الوطنية. لم يتغيّر الأداء التجاري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكلٍ كبير منذ أن أشار Behar and Freund (2011)  إلى أن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتعامل مع التجارة الأقلّ على الصعيدين العالمي والإقليمي، في الواقع، تراجعت التجارة كنسبة مئوية من الناتج المحلّي الإجمالي للمنطقة بأكملها، حيث ارتفعت من 89.35٪ في عام 2008 (قبل الأزمة المالية العالمية مباشرة) إلى 75.88٪ فقط في عام 2017 (وفقاً لبيانات البنك الدولي)، أي أقلّ من 87.13٪ بالنسبة للاتحاد الأوروبي في نفس العام، وأقلّ بكثير من وسط أوروبا ودول البلطيق (126.46٪) أو دول مثل هونج كونج (375٪) أو فيتنام (200.31٪). شهدت المنطقة، كمكان متنوِّع، بطبيعة الحال، عدم تناسُب كل دولة تحت هذا الباب، حيث أن دول الخليج الأصغر على وجه الخصوص، لديها ميل أعلى بكثير نحو الانفتاح (تتصدّر الإمارات العربية المتحدة جميع البلدان بالتجارة بنسبة 172.81 ٪ من الناتج المحلّي الإجمالي، بينما تظهر البيانات للبحرين من عام 2016 التجارة بنسبة 139.55٪). ومع ذلك، فإن العديد من البلدان مثل اليمن (33.53٪) ومصر (44.79٪) وإيران (46.07٪) وتركيا (54٪) والمملكة العربية السعودية (61.68٪) تتبع المتوسط ​​الإقليمي وشهدت أحجاماً تجارية منخفضة باستمرار منذ الربيع العربي على وجه الخصوص.

تعود جذور ضعف الأداء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكلٍ عام، إلى العديد من القضايا الاقتصادية والسياساتية. من الناحية الاقتصادية، لا تزال المنطقة كما لاحظ Bhattacharya and Wolde (2012))، تفتقر إلى البنية التحتية التجارية المناسبة، في حين تمنع القيود على مستوى الشركات، مثل الوصول إلى تمويل الشركات الصغيرة من أن تصبح مصدّرة. والأهم من ذلك، وكما هو الحال مع روسيا، أن هناك نقصاً حادّاً في تنويع اقتصادات المنطقة، حتى خارج البلدان التي تتركّز في الموارد الطبيعية (Diop et al., 2012)، وهو ما يؤدّي بالضرورة إلى فرص محدودة للتصدير. بمعنى ما، يُعد هذا الافتقار إلى التنويع (كما هو الحال مع روسيا أيضاً) قضية سياسية أيضاً، نتيجة لحقيقة أن التحرير المثير للإعجاب في أوائل التسعينيات، قد استُبدِلَ في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بعملية أبطأ بكثير لانفتاح التجارة. هيمَنت المخاوف السياسية منذ الأزمة المالية العالمية، على الانفتاح التجاري في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتركَّزت على الصفقات التجارية بدلاً من التحرير الأحادي الجانب (Freund & Portugal-Perez 2012)، وتراجَع بسبب نوبات متكرّرة من عدم اليقين السياسي.

إن التركيز على الصفقات التجارية جدير بالملاحظة بشكلٍ خاص، حيث أنه دعم تقريباً كل التقدّم التجاري الذي حققته دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (باستثناء دول الخليج) منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. على الرغم من تلقّي المساعدة من الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة الأخرى من أجل التحرير المستمر على نطاق واسع، فقد أدّى نهج الصفقة التجارية إلى اتفاقيات محدّدة، تدفع التجارة في هذا الاتجاه المحدَّد بدلاً من تعزيز التجارة بشكلٍ عام، يقدّم سي ليك وهاغيميجير Cie lik and Hagemejer (2009)، على سبيل المثال، دليلاً على أن إبرام الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، قد أدّى إلى زيادة واردات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من سلع الاتحاد الأوروبي، ولكن زيادة طفيفة في الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي أو حجم التجارة الإجمالية. قام كل من فريوند وبورتغال بيريز Freund وPortugal-Perez (2012) بإلقاء نظرة أوسع على الاتفاقيات التجارية في المنطقة وتوصّلا إلى نفس النتيجة تقريباً، وهي أن النهج القائم على الاتفاقية، كان له تأثير ضئيل على التجارة و/أو النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ومع ذلك، فإن الأدبيات التي تناولت هذه الاتفاقيات التجارية كانت متفقة في الإشارة إلى أن هذه الصفقات لم تُنظَّم بطريقة من شأنها بالضرورة، أن تؤدّي إلى ارتفاعٍ كبيرٍ في التجارة، حيث استمرّت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الاعتماد على الحواجز غير الجمركية (NTBs) عبر الاقتصادات الأقلّ نموّاً في المنطقة (Augier et al. 2012).هذا الاستخدام للحواجز غير التعريفية هو سِمة أخرى تشترك فيها دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع روسيا، حتى مع انخفاض التعريفات الرسمية في سياق الاتفاقيات التجارية متعدّدة الأطراف (Freund & Portugal-Perez 2012)، والقيود المفروضة على الاستيراد، وإدارة الجمارك، وظلّت حواجز الصحة والسلامة بمثابة عوائق مرهقة أمام التجارة (Iqbal, 2014). في الواقع، تُعَد تركيا مثالاً مفيداً، على الرغم من أنها كانت في اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي منذ عام 1995، إلا أنها فشلت في إزالة جميع الحواجز التقنية أمام التجارة، ولا تزال العديد من الحواجز غير التعريفية في مكانها (Togan, 2015). مصر هي دولة أخرى ظلّت فيها مثل هذه الحواجز، بشكلٍ أساسي كوسيلة لإثراء المقرَّبين وترسيخ النخبة (Eibl & Malik, 2016). ببساطة، أدّى التكامل الضحل إلى حدٍ ما المنصوص عليه في الجولة الحالية لاتفاقيات التجارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (بما في ذلك على المستوى الإقليمي)، إلى بعض المكاسب في التجارة الإجمالية، ولكن كان بإمكان التكامُل الأعمق (حتى الآن ليس على الطاولة) أن يخلق المزيد (Freund & Portugal-Perez, 2012).

 

البديل: الاتحاد الاقتصادي الأوراسي

كان للانتقال من التحرير على نطاق واسع، وإزالة التشوُّهات المتعلّقة بالتجارة إلى الصفقات التجارية الضحلة تأثير محدَّد (وضارّ) على العلاقات بين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وروسيا، ويرجع ذلك أساساً إلى عدم وجود اتفاقية تجارية مع روسيا سارية مع أيّ من بلدان الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا. في الواقع، تميل روسيا إلى تجنّب اتفاقيات التجارة الحرّة خارج جيرانها، وتتجه حصريّاً نحو التجارة الحرّة مع كومنولث الدول المستقلة (رابطة الدول المستقلة، المنظّمة التي خلفت الاتحاد السوفييتي). بدأت روسيا فقط في السنوات الأخيرة تتحرّك بعيداً عن “الخارج القريب” بحثاً عن صفقات التجارة الخارجية. ومع ذلك، فقد استخدمت مركبة لا تزال تتألف حصرياً من هذه الدّول التي خلَفت الاتحاد السوفييتي، وهي الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EaEU).

في الأصل كان يُنظر إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فقط كطريقة بديلة لإعادة دمج بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة اقتصادياً، فقد خطا الاتحاد خطوات كبيرة في خفض الحواجز أمام المعاملات بين الدول الأعضاء (كانت روسيا مع أرمينيا وكازاخستان وبيلاروسيا الأعضاء المؤسّسين، وانضمام قيرغيزستان بعد فترة وجيزة من تحوُّل الاتحاد إلى حقيقة واقعة) مع إقامة حواجز أعلى في الوقت نفسه أمام من هم خارج الاتحاد (Hartwell, 2016).

لقد أصبح الاتحاد الاقتصادي الأوراسي أداة مفضّلة للسياسة الاقتصادية الخارجية الروسية، وهو ما يزيد من وصول الاقتصاد الروسي، ولكنه يوفر أيضاً حافزاً للأجانب، وهو الأمر الذي يمكّن الشركاء التجاريين من الوصول إلى سوق داخلي أكبر من روسيا وحدها. في حين أن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لديه مشكلاته الخاصّة في التكامل -بما في ذلك الخلافات بين روسيا وكازاخستان (Dragneva 2017)، هناك قلق منتشِر، من أن الهيمنة السياسية لروسيا على الاتحاد تعوق المزيد من الاندماج (Kirkham, 2016)، وعدم إحراز تقدّم في تقليل الحواجز الداخلية (Tarr2016) -سمح الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لروسيا بأول إجراء مؤسَّسي لمحاولة إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الاقتصادية مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. علاوة على ذلك، يمكن الحصول على الشرعية التي يتوق إليها الاتحاد الأوراسي إلى حدٍ ما من خلال إبرام اتفاقيات التجارة الخارجية، وهنا مرّة أخرى تبدو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا واعدة.

نظراً للتحوُّل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو الاتفاقيات التجارية، فمن المحتمَل جداً أن تجد روسيا طريقة لزيادة وجودها الاقتصادي في المنطقة عبر الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، باستخدامه كأداة فعّالة للضغط على سياسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومع ذلك، فإن العديد من المحاذير مرتّبة قبل أن يحدث هذا. من الناحية الاقتصادية البحتة، إذا احتاج بلد ما إلى الاختيار بين الاتحاد الاقتصادي الأوروبي والاتحاد الأوراسي، فسيكون من الحماقة عدم اختيار الاتحاد الأوروبي. من الناحية العملية، لم يكن لدى الدول الواقعة على حدود روسيا رفاهية الاختيار على أسُس اقتصادية بحتة، وشعرت بضغط سياسي مكثف، سواء أكان ذلك بشكل سرّي أو علني (أو كليهما) لاختيار الاتحاد الأوراسي (يحتاج المرء فقط إلى تذكر أنها كانت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والضغط الروسي على كييف، الذي لم يؤدِّ فقط إلى الميدان الأوروبي، ولكن نحو الضم الروسي اللاحق لشبه جزيرة القرم ودونباس). لكن لدى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، باعتبارها منطقة متنوّعة غير متجاورَة جغرافياً مع روسيا، بالفعل بعض الدول التي تتغازل بصفقات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بشكل بارز تركيا وإيران ومصر و (بدرجة أقلّ) إسرائيل. من غير المحتمَل أن تتجنّب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وصولها إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، من أجل التسجيل في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، لكن سيكون البقاء في الخارج، مع الاتفاقات مع كلا الجانبين، مناسباً للعديد من بلدان شمال إفريقيا. وفي مثل هذا السيناريو، مع افتراض ثبات باقي المتغيّرات، من المحتمَل أن تزداد التجارة والاستثمار مع روسيا.

 

الخلاصة: هل ستستمر السياسة في الانتصار؟

تناولَ هذا الفصل العلاقة بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من منظور اقتصادي، وذلك في محاولة لفهم سبب استمرار ضعف أداء روسيا في علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة. هناك موضوع ظهرَ خلال هذا الفحص، هو أن التجارة الخاصّة نادرة في العلاقة الاقتصادية بين الاثنين، بينما التجارة والاستثمار المستوحاة من الحكومة والموجّهة من قبلها هي التي تحكم اليوم. تميل العلاقات الاقتصادية بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وروسيا، سواء فيما يتعلّق بالطاقة أو الأسلحة أو استثمارات صناديق الثروة السيادية أو آليات التجارة الإقليمية، إلى اتباع نمط التجارة السوفييتية، حيث يتم إجراؤها بين دولة وأخرى (أو من شركة شبه حكومية إلى شركة شبه حكومية) بدلاً من شركة إلى شركة. والأهم من ذلك، أن أحجام وقيَم هذه العلاقة تعتمد بشكلٍ كبير على الأهداف الجيوسياسية والمقتضيات السياسية، بدلاً من حقائق المنفعة النسبية القائمة على السوق. بالنظر إلى التنافس المتجدِّد بين الولايات المتحدة وروسيا في المنطقة، وعودة ظهور روسيا كقوّة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عبر سوريا، فمن غير المرجّح أن يتغيّر هذا الوضع في المستقبل القريب.

قبول هذه الحقيقة، نقطة مهمّة تحتاج القيام بها حول استراتيجية روسيا الاقتصادية تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تتعلّق مباشرة باستخدام روسيا المستمر للتجارة والاستثمار، لتكملة أهداف سياستها الخارجية: أي هل تتمتّع روسيا بالعمق الاقتصادي خارج علاقاتها بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لتكون قادرة على الاستمرار في دعم طموحاتها الجيوسياسية في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟ حتى التحرُّكات الجيوسياسية الصغيرة نسبياً في الجوار المباشر للكرملين، يمكن أن تحمل تداعيات اقتصادية قويّة، خاصّة إذا كان هناك جهد منسَّق من قِبل الآخرين لإفساد القوّة الاقتصادية لموسكو، كما أظهر ضم شبه جزيرة القرم وأوكرانيا الشرقية لاحقا. لكن حتى الآن، لم يؤثر هذا الواقع على استراتيجية روسيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكما لاحظ ديمتري ترينين في عام 2009، “تتجاهل قيادة الكرملين بوعي التواضُع النسبي لإمكانات روسيا الاقتصادية، واعتمادها على المواد الخام، وتخلّفها التكنولوجي” (Trenin, 2009 p.72)، لم يتغيّر شيء يُذكر منذ كتابة هذه الكلمات، ويبدو أن بوتين لا يغيّر تكتيكاته في المنطقة على أقلّ تقدير.

لكن هناك قدراً كبيراً من التجانُس الحالي، حيث يمكن للهشاشة الاقتصادية لروسيا أن تولِّد مزيداً من الهشاشة. بعبارة أخرى، كان الاقتصاد الروسي يعتمد على الموارد الطبيعية، وهو اعتماد زاد من قوّته في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكنه أيضاً جعل الاقتصاد الروسي أكثر عرضة للتأثر إذا بالغ في سيطرته. من المحتمَل مع وجود أيّ تحرُّكات كبيرة نحو دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لها تداعيات أكبر بكثير على الاقتصاد العالمي، أن تكون ردود فعل المنافِسين لروسيا في المنطقة أكبر نسبياً، وتسبّب المزيد من الضرر نسبياً. على سبيل المثال، إعادة مشاركة الإدارة الأمريكية في المنطقة، إلى جانب احتمالية مشاركة أمريكية أقوى بكثير في جميع أنحاء الخليج وفي المنطقة المُمتدّة (أي مع إيران وتركيا) و/أو التوسُّع في إنتاج النفط والغاز الأمريكي، يهدِّد أيضاً بإفساد العلاقات الاقتصادية لروسيا. كما أن ظهور الصين كمنافِس محتمَل في المنطقة، يجلِب كميات كبيرة من السيولة والتمويل للاستثمار في البنية التحتية، يمكن أن يتحدّى روسيا أيضاً في لعبة ليس لديها نسبياً الكثير لتقدِّمه.

ومع ذلك، في الوقت نفسه، يمكن أن تساعد التحرُّكات الاقتصادية والسياسية لروسيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في بناء المرونة أيضاً. تضرَّرت روسيا من العقوبات الغربية لأنها تزامنت مع تراجع عالمي في أسعار النفط. إذا كان لروسيا أن تكون أكثر انخراطاً في الشرق الأوسط، ويكون لها تأثير أكبر في ضمَان الحفاظ على استقرار أسعار النفط، فقد يكون للجهود المتضافرة للغاية من قبل المنافِسين العالميين لروسيا، تأثير أقلّ على الاقتصاد الروسي. لا يمكن لروسيا، كالعادة في عالم السياسة النفطية، الاحتفاظ بهذا الدرع إلا بالمشاركة الطوعية من جانب أعضاء آخرين في منظّمة البلدان المصدِّرة للنفط (أوبك)، وفي مرحلة ما، من المحتمَل أن تتباعد المصالح. لكن يمكن لروسيا أن تقلّل ردود أفعالها على تحرّكاتها الجيوسياسية من خلال المناورات الذكية في المنطقة، على الأقل لبعض الوقت.

ستظلّ روسيا حتى مع التلاعب بأسواق السلع كإجراء وقائي ضد المنافَسة أو العقوبات، بحاجة إلى إصلاح نهجها الداخلي في العلاقات الاقتصادية، وإلا فسيتم تأجيل الأمر المحتوم وليس إنكاره. لقد أدّى سعي روسيا إلى تحقيق أهداف سياسية على حساب الأهداف الاقتصادية، إلى خلق صرح اقتصادي هشّ، وهيكل محسوبية تدعمه المؤسَّسات السياسية الروسية صراحةً. لا تزال روسيا نتيجة لذلك، قوّة اقتصادية ضعيفة نسبياً، قوّة تفتقر إلى العمْق للحفاظ على التحرُّكات السياسية التي قد تكون (في جوهرها) معادية لمصالحها الاقتصادية. المفارَقة في هذا الموقف المتناقِض، هو أنه ستحتاج روسيا من أجل إخضاع المصالح الاقتصادية للمصالح السياسية بنجاح، إلى العمل من موقع القوّة الاقتصادية. والطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك، هي أن تتخلّى روسيا عن خضوعها لمصالحها الاقتصادية، وأن تسعى بدلاً من ذلك، إلى بذل المزيد من الجهود المتضافِرة في السعي وراء تجارة أكثر حرّية. إن تحرير التجارة والسّماح لها بالتدفُّق بشكلٍ طبيعي، سيعني المزيد من الاهتمام الروسي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكذلك على الصعيد العالمي. لسوء الحظ، ستواجه كل من روسيا والعديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بدون ترقية المؤسّسات الداخلية المتعلقة بالتجارة والاستثمار، طريقاً صعباً في توسيع التعاون الاقتصادي بشكلٍ عام، ولكن بشكلٍ خاص بين بعضها البعض.

 

مراجع

AUGIER, P., CADOT, O., GOURDON, J., & MALOUCHE, M. (2012). Non-tariff measures in the

MENA region: Improving governance for competitiveness. World Bank Middle East

and North Africa Working Paper Series, No. 56. Retrieved from http://siteresources.

worldbank.org/INTMENA/Resources/WP56.pdf.

 

BABETSKAIA-KUKHARCHUK, O., & MAUREL, M. (2004). Russia’s accession to the WTO: the

potential for trade increase. Journal of Comparative Economics, 32(4), 680-699.

https://doi.org/10.1016/j.jce.2004.08.005

BEHAR, A., & FREUND, C. (2011). The trade performance of the Middle East and North

Africa. Middle East and North Africa Working Paper Series No. 53. Retrieved from

WP53

 

BHATTACHARYA, R., & WOLDE, H. (2012). Business environment constraints on growth in

the MENA region. Middle East Development Journal, 4(01). https://www.worldscientific.com

/doi/abs/10.1142/S1793812012500046.

 

BILGIN, M. (2011). Energy security and Russia’s gas strategy: The symbiotic relationship

between the state and firms. Communist and Post-Communist Studies, 44(2), 119-

  1. https://doi.org/10.1016/j.postcomstud.2011.04.002

BLANK, S., & LEVITZKY, E. (2015). Geostrategic aims of the Russian arms trade in East Asia

and the Middle East. Defence studies, 15(1), 63-80. https://doi.org/10.1080/ 14702436.

2015.1010287

 

BORSHCHEVSKAYA, A. (2017, December 20). The Tactical side of Russia’s arms sales to the

Middle East. Jamestown Foundation Policy Brief. Retrieved from https://jamestown.org/

program/tactical-side-russias-arms-sales-middle-east/#_edn3.

 

BOURTMAN, I. (2006). Putin and Russia’s Middle Eastern policy. Middle East Review of

International Affairs, 10(2), 1-15.

 

BUCKLEY, C. A. (2012). Learning from Libya, acting in Syria. Journal of Strategic

Security, 5(2), 81-104. http://dx.doi.org/10.5038/1944-0472.5.2.5

CHARAP, S. (2015). Is Russia an outside power in the Gulf? Survival, 57(1), 153-170.

https://doi.org/10.1080/00396338.2015.1008309

CIESLIK, A., & HAGEMEJER, J. (2009). Assessing the impact of the EU-sponsored trade

liberalization in the MENA Countries. Journal of Economic Integration, 24(2), 343-368.

https://www.jstor.org/stable/23000884

 

CONNOLLY, R., & SENDSTAD, C. (2017). Russia’s role as an arms exporter: The strategic

and economic importance of arms exports for Russia. Chatham House Russia and

Eurasia Program Research Paper. Retrieved from https://www.chathamhouse.org/

publication/russias-role-arms-exporter-strategic-and-economic-importance-arms-exportsrussia.

 

DANNREUTHER, R. (2012). Russia and the Middle East: A cold war paradigm? Europe-

Asia Studies, 64(3), 543-560. https://doi.org/10.1080/09668136.2012.661922

 

DANNREUTHER, R. (2015). Russia and the Arab Spring: supporting the counterrevolution.

Journal of European Integration, 37(1), 77-94. https://doi.org/10.1080/

07036337.2014.975990

DELCOUR, L., & WOLCZUK, K. (2015). Spoiler or facilitator of democratization? Russia’s

role in Georgia and Ukraine. Democratization, 22(3), 459-478. https://doi.org/10.1080/

13510347.2014.996135

 

DIOP, N., MAROTTA, D., & DE MELO, J. (2012). Natural resource abundance, growth, and

diversification in the Middle East and North Africa: The effects of natural resources

and the role of policies. Washington DC: The World Bank. https://doi.org/10.1596/978-

0-8213-9591-2

 

DRAGNEVA, R. (2017). The Eurasian economic union: Balancing sovereignty and

integration. In Petrov, R. & Van Elsuwege, P. (Eds.), Post-Soviet constitutions and

challenges of regional integration (pp. 62-84). London: Routledge.

 

EIBL, F., & MALIK, A. (2016). The politics of partial liberalization: Cronyism and nontariff

protection in Mubarak’s Egypt. Center for the Study of African Economies (CSAE)

Working Paper WPS 2016-27. Retrieved from https://www.csae.ox.ac.uk/materials/

papers/csae-wps-2016-27.pdf.

 

FLANAGAN, S. J. (2013). The Turkey–Russia–Iran nexus: Eurasian power dynamics. The

Washington Quarterly, 36(1), 163-178. https://doi.org/10.1080/0163660X. 2013.751656

FREUND, C., & PORTUGAL-PEREZ, A. (2012). Assessing MENA’s trade agreements. World

Bank Middle East and North Africa Working Paper Series, No. 55. Retrieved from

http://siteresources.worldbank.org/INTMENA/Resources/WP56WEB.pdf.

 

FROLOV, A. (2017). Defence technologies and industrial base. In Bitzinger, R.A., &

Popescu, N. (eds.), Defence industries in Russia and China: players and strategies

(pp. 9-18.). Paris: EU Institute for Security Studies. doi:10.2815/99429 QN-AF-17-008-

EN-N

 

GRIGOREVA, E. & LITOVKIN, D. (2008, August 21). Дамаск останется без “Искандера

(Damascus will not get Iskander). Izvestiya. Retrieved from https://iz.ru/news/339966.

 

GURIEV, S., & RACHINSKY, A. (2005). The role of oligarchs in Russian capitalism. Journal

of Economic Perspectives, 19(1), 131-150. DOI: 10.1257/0895330053147994

 

HANSON, P. (2007). The turn to statism in Russian economic policy. The International

Spectator, 42(1), 29-42. https://doi.org/10.1080/03932720601160336

 

HARRIS, J. (2009). Statist globalization in China, Russia and the Gulf states. Science &

Society, 73(1), 6-33. https://doi.org/10.1521/siso.2009.73.1.6

 

HARTWELL, C. A. (2016). Improving competitiveness in the member states of the Eurasian

Economic Union: a blueprint for the next decade. Post-Communist Economies, 28(1),

49-71. https://doi.org/10.1080/14631377.2015.1124554

 

HILLE, K., FOY, H., & SEDDON, M. (2018, March 2). Russian business first in line for spoils

of Syrian war. Financial Times. Retrieved from https://www.ft.com/content/c767cfba-

1c9a-11e8-aaca-4574d7dabfb6.

IQBAL, Z. (2014, February 25). The Arab Awakening: Determinants and economic

consequences. Middle East Institute on-line brief. Retrieved from http://www.mideasti.org/

content/arab-awakening-determinants-and-economic-consequences.

 

KAPUSUZOGLU, A., & CEYLAN, N. B. (2017). The impact of Russian economy on the trade,

foreign direct investment and economic growth of Turkey: Pre-and post-global financial

crisis. In Global Financial Crisis and Its Ramifications on Capital Markets (pp. 275-

286). Berlin: Springer.

KARASIK, T. (2017, December 20). Russia’s financial tactics in the Middle East.

Jamestown Foundation on-line brief. Retrieved from https://jamestown.org/program/

russias-financial-tactics-middle-east/.

 

KAUKIN, A., & IDRISOV, G. (2014). The gravity model of Russia’s international trade: The

case of a large country with a long border. Unpublished manuscript. Retrieved

from https://ssrn.com/abstract=2399439

 

KIRKHAM, K. (2016). The formation of the Eurasian Economic Union: How successful is

the Russian regional hegemony? Journal of Eurasian Studies, 7(2), 111-128.

https://doi.org/10.1016/j.euras.2015.06.002

 

KOZHANOV, N. (2014). Russia and the Middle East: Adjusting to a new political vista. In

Mason, R. (Ed.), The international politics of the Arab Spring (pp. 83-123). New York:

Palgrave Macmillan.

 

KOZHANOV, N. (2018, February). Russian policy across the Middle East: Motivations

and methods. Chatham House Russia and Eurasia Programme Research Paper.

Retrieved from https://www.chathamhouse.org/sites/default/files/publications/research/

2018-02-21-russian-policy-middle-east-kozhanov.pdf.

 

KROPATCHEVA, E. (2014). He who has the pipeline calls the tune? Russia’s energy power

against the background of the shale “revolutions.” Energy Policy, 66, 1-10.

http://dx.doi.org/10.1016/j.enpol.2013.10.058

 

LANGBEIN, J. (2016). (Dis-) integrating Ukraine? Domestic oligarchs, Russia, the EU, and

the politics of economic integration. Eurasian Geography and Economics, 57(1), 19-

  1. https://doi.org/10.1080/15387216.2016.1162725

LIBMAN, A., & OBYDENKOVA, A. (2014). International trade as a limiting factor in

democratization: An analysis of subnational regions in post-communist Russia. Studies

in Comparative International Development, 49(2), 168-196. https://doi.org/10.1007/

s12116-013-9130-2

 

LIEFERT, W. M. (2002). Comparative (dis?) advantage in Russian agriculture. American

Journal of Agricultural Economics, 84(3), 762-767. http://hdl.handle.net/10.1111/1467-

8276.00334

LIEFERT, W. M., & LIEFERT, O. (2012). Russian agriculture during transition: performance,

global impact, and outlook. Applied economic perspectives and policy, 34(1), 37-75.

https://doi.org/10.1093/aepp/ppr046

 

MAMMADOV, R. (2018, March 8). Russia in the Middle East: Energy forever? Jamestown

Foundation on-line brief. Retrieved from https://jamestown.org/program/russia-middleeast-

energy-forever/#_edn8

 

MARTIN, L. G. (2013). Turkey and the USA in a Bipolarizing Middle East. Journal of Balkan

and Near Eastern Studies, 15(2), 175-188. DOI: 10.1080/19448953.2013.775037

 

MEAD, W. R. (2014). The return of geopolitics: The revenge of the revisionist

powers. Foreign Affairs, 93(3), 69-79. Retrieved from https://www.foreignaffairs.com/

articles/china/2014-04-17/return-geopolitics

 

MITROVA, T. (2016). Role of Russia in the changing global energy landscape. IEEJ Energy

Journal, 11(SI), 14-17. Retrieved from https://eneken.ieej.or.jp/data/6804.pdf

 

NAKHLE, C. (2016, January 28). Nuclear energy’s future in the Middle East and North Africa.

Carnegie Middle East Center. Retrieved from http://carnegie-mec.org/2016/01/28/nuclearenergy-

s-future-in-middle-east-and-north-africa-pub-62562.

 

NAKHLE, C. (2018). Russia’s energy diplomacy in the Middle East. In Popescu, N., &

Secrieru, S. (Eds.), Russia’s return to the Middle East: Building sandcastles? (pp. 29-

35). Paris: EU Institute for Security Studies. DOI:10.2815/639920

 

NEWNHAM, R. (2011). Oil, carrots, and sticks: Russia’s energy resources as a foreign

policy tool. Journal of Eurasian Studies, 2(2), 134-143. https://doi.org/10.1016/

j.euras.2011.03.004

NIKOLSKAYA, P., & TÉTRAULT-FARBER, G. (2018, September 24). Russia to give Syria S-

300 air defense after accusations against Israel. Reuters. Retrieved from

https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria-russia/russia-to-give-syria-s-300-

air-defense-after-accusations-against-israel-idUSKCN1M40ZA

 

OLIKER, O., CRANE, K., SCHWARTZ, L. H., & YUSUPOV, C. (2009). Russian foreign policy:

Sources and implications. Santa Monica, CA: Rand Corporation.

ÖNCEL, A., & LIAPINA, L. (2018). The effects of Turkish-Russian political relations on

bilateral trade balance: Cointegration and causal analysis. Theoretical & Applied

Economics, 25(1), 73-94. Retrieved from http://store.ectap.ro/articole/1321.pdf

niş, Z., & YilmaZ, ş. (2016). Turkey and Russia in a shifting global order: cooperation,

conflict and asymmetric interdependence in a turbulent region. Third World

Quarterly, 37(1), 71-95. https://doi.org/10.1080/01436597.2015.1086638

 

PICKETT, E., & LUX, M. (2015). Embargo as a trade defense against an embargo: The

WTO compatibility of the Russian ban on imports from the EU. Global Trade and

Customs Journal, 10(1), 2-41.

 

SCHIERHORN, F., MEYFROIDT, P., KASTNER, T., KUEMMERLE, T., PRISHCHEPOV, A. V., & MÜLLER, D.

(2016). The dynamics of beef trade between Brazil and Russia and their environmental

implications. Global Food Security, 11, 84-92. https://doi.org/10.1016/j.gfs.2016.08.001

 

SCHUMACHER, T., & NITOIU, C. (2015). Russia’s foreign policy towards North Africa in the

wake of the Arab Spring. Mediterranean Politics, 20(1), 97-104. https://doi.org/

10.1080/13629395.2015.1007006

 

SEZER, D. B. (2000). Turkish Russian relations: The challenges of reconciling geopolitical

competition with economic partnership. Turkish Studies, 1(1), 59-82. https://doi.org/

10.1080/14683840008721221

 

SHUMILIN, A., & SHUMILINA, I. (2017). Russia as a gravity pole of the GCC’s new foreign

policy pragmatism. The International Spectator, 52(2), 115-129. https://doi.org/

10.1080/03932729.2017.1311563

şimşek, n., şimşek, H. a., & ZHanaltaY, Z. (2017). Analysis of bilateral trade relations

between Turkey and Russia Federation. Bilig, 83, 1-26. Retrieved from

2096 Published

 

SOEST, C. (2015). Democracy prevention: The international collaboration of authoritarian

regimes. European Journal of Political Research, 54(4), 623-638. https://doi.org/

10.1111/1475-6765.12100

 

STEGEN, K. S. (2011). Deconstructing the “energy weapon”: Russia’s threat to Europe as case

study. Energy Policy, 39(10), 6505-6513. https://doi.org/10.1016/j.enpol.2011.07.051

 

 

 

[1] In this chapter, we will hew closely to but not precisely overlap the World Bank’s definition of MENA, encompassing Algeria,

Bahrain, Egypt, Iran, Iraq, Israel, Jordan, Kuwait, Lebanon, Libya, Morocco, Oman, Qatar, Saudi Arabia, Syria, Tunisia, the United

Arab Emirates, Yemen, and the territories of West Bank and Gaza. Turkey is also included in this grouping but will be treated

separately below. Finally, unlike the World Bank, we will not consider Djibouti or Malta as part of the greater MENA region.

[2] OPEC web site: http://www.opec.org/opec_web/en/data_graphs/330.htm

 

[3] “Material scale”, as used by the Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), refers to a metric used to compare the

amount and types of weapons sold as distinguished from the mere monetary value of the transaction.

[4] Based on data from the SIPRI arms transfer database

[5] Sovereign Wealth Fund Institute, “Sovereign Wealth Fund Rankings”, 2018, https://www.swfinstitute.org/sovereign-wealth-fundrankings/,  accessed 1 August 2018.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ترجمه لمركز أسبار: يوسف سامي مصري

 

زر الذهاب إلى الأعلى