الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

واشنطن.. إلى أين تتجه العلاقات مع أنقرة وموسكو؟

 

اتفق “جو بايدن” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ونظيره الروسي” فلاديمير بوتين” في القمة التي جمعتهما في جنيف في 16 يونيو 2021 علي عودة سفيري البلدين بعد سحبهما واستئناف الحوار والمحادثات حول الحد من التسلح. وعقدت القمة بين الجانبين في وقت تطور فيه الخلاف بشأن العديد من القضايا بشأن تنامي التواجد الروسي قرب الحدود الشرقية لأوكرانيا، واعتقال المعارض “أليكسي نافالني”، والاتهامات المتبادلة البلدين حول سلسلة من الهجمات الإلكترونية وعدة قضايا أخرى. وكان قد عقد على هامش قمة الناتو في 14 يونيو 2021  لقاء بين الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” والرئيس الأمريكي” جو بايدن”.  وبحث الرئيسان الأمريكي والتركي عدة ملفات ونقاط الخلاف التي أدت إلى توتر العلاقات بين البلدين، أهمها شراء أنقرة منظومة ” إس400″ الصاروخية الروسية.  ورفض “بايدن” تقديم أي تفاصيل أخرى بشأن لقائهما، فيما أكد “اردوغان” بأن لقاءه مع نظيره الأمريكي في بروكسل، “كان إيجابيا”، وأنه وجه له دعوة لزيارة تركيا.

 

العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا  

 

أولا- خلافات حول ملفات أوروبية

 

  • الأزمة الأوكرانية : في تصعيد خطير أعلن ” فلاديمير بوتين” الرئيس الروسي ضم شبه جزيرة القرم لسيادة موسكو بعد أن سيطرت روسيا في 2014 على الجزيرة الواقعة على الساحل الأوكراني المطل على البحر الأسود. اتهم الرئيس الأمريكي “جو بايدن” روسيا في 21 فبراير 2021 بانتهاك سيادة “أوكرانيا” وانتهاك القانون الدولي بسبب ضمها “شبه جزيرة القرم”. وأكد “جو بايدن” على عدم الاعتراف أبدا بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى وقوفه بجانب أوكرانيا ضد (الأعمال العدوانية الروسية). وتابع “سنواصل العمل من أجل محاسبة روسيا على انتهاكاتها وعدوانها في أوكرانيا”.

 

  • خلافات حول نورد ستريم 2 : “نورد ستريم 2″ هو مشروع أنبوب لنقل الغاز الطبيعي من بحر البلطيق من أكبر خزان لاحتياطيات الغاز في العالم في روسيا، إلى ألمانيا وعدد من الدول الأوروبية. وترفض واشنطن خط الأنابيب وتعتبره تهديدا لأمنها وأمن حلفائها في الناتو كونه يزيد الاعتماد على روسيا ما يمكن استخدامه كورقة مساومة تجاه الدول الحلفاء لتحقيق مكاسب سياسية. ويرى” روبن كوينفيل” القائم بأعمال سفير الولايات المتحدة في برلين في 8 يناير 2021 أن خط الأنابيب ليس مجرد مشروع اقتصادي، ولكنه أداة سياسية للكرملين لتجاوز أوكرانيا وتقسيم أوروبا. يعتبر “نورد ستريم 2 ” بالنسبة لروسيا مشروعًا اقتصاديًا بحتًا. وتتهم موسكو واشنطن بعرقلة المشروع حتى لا تفقد  تدفق إمدادات الغاز الطبيعي الأمريكية، الأكثر تكلفة، للسوق الأوروبية.

ثانيا- التدخل في الشؤون الداخلية بين البلدين

  • التدخل في الشؤون الداخلية الأمريكية : كشفت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن” في 15 أبريل 2021 عن أن عنصرًا استخباراتيًا روسيا يُدعى “كونستانتين كليمنيك” زود أجهزة الاستخبارات الروسية بمعلومات حساسة حول استراتيجية الاقتراع والحملة الانتخابية في 2016. وخلص تقرير في مارس 2021 لمجتمع الاستخبارات إلى أن موسكو تدخلت في انتخابات 2020 من خلال وتضليل وتشويه سمعة حملة الرئيس “جو بايدن” ودعم ترامب. ونفت موسكو الاتهامات التي جاءت في تقرير للاستخبارات الأمريكية عن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية 2020. وفرضت إدارة “بايدن” عقوبات على (16) كيانًا و(16) فردًا لمحاولة التأثير على انتخابات نوفمبر2020 منهم ” أليكسي غروموف”  النائب الأول لرئيس الأركان الروسي.
  • التدخل في الشؤون الداخلية الروسية : اتهمت السلطات الروسية في 31 يناير 2021 واشنطن بـ”التدخل الجسيم” في الشؤون الداخلية لروسيا، عبر “الترويج” للأخبار الكاذبة والدعوات إلى الاحتجاجات غير المصرح بها من قبل منصات الإنترنت التي تسيطر عليها واشنطن. وأضافت إن دعم انتهاك القانون من قبل وزير الخارجية الأمريكي “بلينكن”، هو تأكيد آخر على دور واشنطن وراء الكواليس”

 

ثالثا- هجمات سيبيرانية وأنشطة تجسس

  • هجمات سيبيرانية أمريكية : أشارت أصابع الاتهام الأمريكية في 11 مايو 2021 إلى قراصنة روس ” DarkSide” تورطوا في الانقضاض إليكترونياً على شركة “Сolonial Pipeline” للطاقة الأمريكية. وفي 21 ديسمبر 2021 حددت “فاير آي” للأمن السيبراني الاختراق الواسع لوكالات حكومية أمريكية بلغت (1800) منظمة تضرّر منها (50) مؤسسة أمريكية. واستهدف خلال الهجوم ّ وزارة الخزانة الأمريكية ووزارتي الأمن الداخلي والدفاع. وحمّل ” مايك بومبيو” وزير الخارجية الأمريكي السابق ورؤساء لجان المخابرات في مجلسي الشيوخ والنواب روسيا المسؤولية عن الهجوم.
  • هجمات روسية : أكد ” فلاديمير بوتين” الرئيس الروسي في 16 يونيو 2021 إن معظم الهجمات السيبرانية تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد ذلك كندا وأمريكا اللاتينية ثم بريطانيا. وذكر” أندريه كليموف” رئيس لجنة حماية سيادة الدولة بمجلس الاتحاد الروسي (الغرفة العليا للبرلمان) في 15 ديسمبر 2020 أن وفقا لتقديراتنا تبلغ نسبة الهجمات السيبرانية، التي تم إطلاقها من الولايات المتحدة ضد أهداف حساسة في روسيا، ما لا يقل عن( 48 -52%).وأضاف البرلماني الروسي: “وفقًا لتقديرات بعض الخبراء، قد يصل هذا الرقم إلى ثلثي إجمالي عدد الهجمات الإلكترونية ضد روسيا”، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة قد طورت آليات لتنفيذ مثل هذه البرامج.

 

رابعا- خلافات حول ملفات إقليمية (سوريا وليبيا)

  • ليبيا : تتخوف واشنطن من الحضور الروسي في ليبيا بالإضافة إلى الخلاف الحاد بين واشنطن وموسكو حول إدارة الملف الليبي ما يجعل من ليبيا مسرحاً جديداً للمواجهة بين أميركا وروسيا. ففي العام 2019. انتقدت الخارجية الأمريكية التدخل الروسي في الأزمة الليبية، واستنكرت واشنطن بشكل علني النشاط العسكري غير المسبوق لروسيا على الأراضي الليبية، وصعّدت نبرة الاحتجاج على موسكو، بعدما اتهم بيان للخارجية موسكو باستغلال النزاع في ليبيا نشر شركات عسكرية خاصة هناك. وصف المتحدث باسم الكرملين أنها “أخبار زائفة لا أساس لها من الصحة”، مشيراً إلى أنّه “لا يحق للكثير من الدول من الناحية الأخلاقية، الحديث عن زعزعة استقرار الوضع في ليبيا بعد أن دمروها بأفعالهم التي تنتهك القانون الدولي”. يرى “مصباح اوحيدة” النائب البرلماني الليبي في 27 نوفمبر 2019 أن أسباب القلق الأميركي من التواجد الروسي في ليبيا مرده التنافس على النفوذ في ليبيا وفي العالم، حيث يعتبر كل بلد أن ليبيا من ضمن مناطق نفوذهما، موضحاً أن أميركا لا تبحث الحصول على مصالح واتفاقيات اقتصادية من ليبيا، بقدر ما يهمها حرمان الروس من مناطق نفوذ جديدة في العالم، ومنع عودتهم إلى ليبيا من جديد.
  • سوريا : نشرت وكالة “أسوشيتد برس” تقريرا في 24 مارس 2021 مفاده أن إدارة”بايدن” لم تحدد خطة لكيفية التعامل مع الملف السوري. ويشكل الملف الليبي اختبارا صعبا لإدارة “بايدن” خاصة أنه يرغب في التركيز على أسيا بدلا من منطقة الشرق الأوسط. وفي حال تقليص الوجود الأمريكي في سوريا فإن هذا سيتيح لروسيا وخصوم الولايات المتحدة لتوسيع النفوذ في سوريا وتعزيز مكانتهم الإقليمية ومواردهم، موضحة أنه من هنا جاءت جولة “سيرغي لافروف”  وزير الخارجية الروسي في الشرق الأوسط خلال شهر مارس وأشار التقرير إلى أن الإدارة تراجع هل يتم اعتبار سوريا واحدة من أهم مشاكل الأمن القومي لأمريكا أم لا. وعلى الرغم إبراز “بايدن” بعض مشاكل الشرق الأوسط الأخرى كأولويات  لكن موقفه بشأن سوريا لم يتجاوز عتبة التصريحات.

 

خامسا- انسحاب  متبادل  من اتفاقيات دولية

  • اتفاقية الأجواء المفتوحة : تم توقيع الاتفاقية عام 1992 ودخلت حيز التنفيذ عام 2002 وتسمح للدول الأعضاء بتسيير رحلات طيران غير مسلحة في أجواء بقية الأعضاء بعد إخطار سريع قصير الأمد بحيث تتمكن من تسيير طائرات مراقبة غير مسلحة لجمع المعلومات العسكرية وتحديد مواقع الأسلحة الثقيلة مثل الدبابات والمدفعية وبطاريات الصواريخ. أصر الرئيس الأميركي “جو بايدن” على البقاء خارج معاهدة “الأجواء المفتوحة” للمراقبة العسكرية، وذلك لإظهار حزمه في مواجهة روسيا لأن روسيا لم تقم بأي خطوات لمعاودة الامتثال إليها”. وأقرّ بايدن بوجود “مخاوف حقيقية” حيال “انتهاكات” روسيا للمعاهدة. وبدأت  روسيا في 15 يناير 2021 إجراءات انسحابها من اتفاقية السماوات المفتوحة وأشارت موسكو إلى أن هذه الخطوة تأتي ردا على إعلان الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاقية 2020
  • معاهدة نيو ستارت : اتفقتا روسيا والولايات المتحدة على تمديد معاهدة “نيو ستارت” في 27 يناير 2021 التي أبرمت عام 2010 وتقيد المعاهدة كل دولة بحد أقصى (1500) رأس حربية نووية، و(700) صاروخ وقاذفة قنابل، وتتضمن عمليات تفتيش شاملة للتحقق من الالتزام.

وترى “بسمة فايد” الباحثة بالمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أنه قد بات متوقعا أن تنسحب أمريكا بسهولة من أي اتفاقية أو معاهدة أبرمتها ولا تبالي من ردود الفعل خصوصاً وان انسحابها من اتفاقية “الأجواء المفتوحة” ليس أول مرة وإنما سبق وانسحبت من (اتفاقية المناخ، الملف النووي الإيراني و ومعاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى)

 

سادسا- رفض أمريكي للتقارب الروسي الصيني

يقول ” براين كارلسون” المتخصص في مركز دراسة القضايا الأمنية في المدرسة التقنية العليا في سويسرا في 23 مايو 2021 “في حال نشوب حرب، سيتعين على الولايات المتحدة خوض مواجهة على جبهتين بسبب القوة المتنامية وتعزيز التعاون بين روسيا والصين”. وأنه من غير المرجح أن تخطط موسكو وبكين لإجراء عمليات عسكرية مشتركة في المنطقة الأوروبية الأطلسية، لكن الشراكة المتنامية بين البلدين تعقد الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة.

ولفت الخبير إلى بيع روسيا أسلحة عالية الدقة للجانب الصيني، بالإضافة إلى عدد هائل من التدريبات البحرية المشتركة. وأضاف: “بالنظر إلى هشاشة أجزاء الشرق الأقصى من روسيا، لا تستطيع موسكو تحمل الانفصال عن الصين. وفي الوقت نفسه، تسعى بكين لإقامة علاقات ودية مع موسكو، ولو بسبب التوترات في الدول المجاورة”. ويخلص الخبير إلى أن الحرب ضد أحد البلدين، على سبيل المثال، ضد روسيا من أجل دول البلطيق أو مواجهة مع الصين لتايوان، ستخلق صعوبات هائلة لواشنطن. وتابع . “رقص التنين الصيني مع الدب الروسي لن يسمح للولايات المتحدة بضمان الأمن في عدة مناطق في الوقت نفسه، الأمر الذي سيؤدي إلى إضعاف الدول الغربية”.

 

سابعا- قضية ” أليكسي نافالني”

تعرض “أليكسي نافالني” زعيم المعارضة الروسية في أغسطس 2020 لعملية تسمم بمادة مؤثرة على الأعصاب واتهمت واشنطن موسكو بضلوعها في تلك العملية. ونفت السلطات الروسية الاتهامات الموجهة إليها من واشنطن، وفي يناير 2021 تم اعتقال “نافالني”  بعد عودته إلى بلاده قادما من ألمانيا.  ودعا الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في 4 فبراير 2021 السلطات الروسية للإفراج الفوري عن “ألكسي نافالني”. وأكد: “نحن سنجعل روسيا تدفع الثمن، وسندافع عن المصالح الحيوية لشعبنا، وسنكون أكثر فعالية فيما يتعلق بروسيا من خلال العمل ضمن تحالف من شركائنا. وأدانت السلطات الروسية  خطاب الرئيس الأمريكي “جو بايدن” الذي دعا فيه إلى الإفراج عن المعارض أليكسي نافالني. وأكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف،: “إنه خطاب عدائي جداً وغير بناء، نأسف له”.

 

العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا

 

أولاً- منظومة الدفاع الصاروخي

بموجب قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات ، أو ” CAATSA” ، فإن أي حكومة أجنبية تعمل مع قطاع الدفاع الروسي تجد نفسها في مرمى العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ووقعت روسيا وتركيا في عام 2017 صفقة “إس -400 ” وبدأ تسليم (4) بطاريات صواريخ بقيمة (2.5 ) مليار دولار في يوليو 2019. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولي صناعة الدفاع الأتراك بسبب صفقة” إس -400″. وفي14 يناير 2021  أعلن ” خلوصي آكار ” الدفاع التركي إن أنقرة لن تتراجع عن شراء أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية إس 400. أكدت واشنطن أنها لم تقل قط لأنقرة إنها مستعدة لقبول وجود منظومة “إس 400” الروسية على الأراضي التركية حال الاستجابة لشروط معينة.

ذكرت صحيفة “حرييت” في 12 يونيو 2021  أن إدارة “بايدن” طلبت تعهداً خطياً من الحكومة التركية بالتخلي عن تفعيل منظومة الدفاع الجوي الروسية.  وأشارت إلى أن أنقرة غير مهتمة بالمقترحات الأميركية وأنها أكدت لواشنطن أن التنازلات بشأن “إس 400” تعني فقدان السيادة. ويرجع القلق الأمريكي من “صواريخ إس-400” إلى أن هذه المنظومة  قادرة على تبادل المعلومات بسرعة فائقة والتصدي وتتبع  الطائرات الأمريكية (F-22 وF – 35) في هذه الحالة، يفقد تطوير F-35 و F-22 معناه. بالإضافة إلى أن روسيا ستتمكن  تتمكن من فك شفرة رموز الناتو في تحديد الطائرات بسرعة.

 

ثانيا- ملف  حقو ق الإنسان في تركيا ودعم المعارضة التركية

قدّم المدعي العام التركي في 8 يونيو 2021 لائحة اتهام موسّعة تستهدف إغلاق”حزب الشعوب الديمقراطي” الكردي ثالث أبرز حزب في البرلمان التركي ودفعت تلك الخطوة إلى تصاعد الصدام مع الولايات المتحدة بشأن ملف حقوق الإنسان، ووصفت إدارة بايدن لائحة الاتهام الأولية ضد “حزب الشعوب الديمقراطي”،  في مارس 2021، بأنها تستهدف “تقويض إرادة الناخبين الأتراك بلا داع”. وعلى صعيد أخر يقيم “فتح الله غولن” في الولايات المتحدة في ولاية بنسلفانيا الأميركية منذ سنة 1999، المتهم بتدبير محاولة انقلاب بتركيا عام 2016، التي جرت في يوليو 2016. ودعا “رجب طيب إردوغان” إلى تسليم الداعية لكن الرئيس التركي لم ينجح في ذلك. حيث ترى واشنطن أن السلطات التركية لم تقدم لها أدلة كافية لتبرير تسليم “فتح الله غولن”

 

ثالثا- اعتراف بايدن بإبادة الأرمن

اعترف الرئيس الأميركي ” جو بايدن”  رسميًا  في 24 أبريل 2021  بالإبادة بحق الأرمن، ووصف مقتل (1,5) مليون أرمني على يد السلطنة العثمانية عام 1915 بأنه ابادة. وتعقيبا على القرار نددت وزارة الخارجية التركية اعتراف بايدن وتابعت “هذا البيان الأميركي الذي يشوه الحقائق التاريخية لن يقبله ضمير الشعب التركي وسوف يفتح جرحاً عميقاً يقوض الصداقة والثقة المتبادلة بيننا”. وندد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في أول تعليق له، بالقرار الأمريكي، واعتبره “تسييسا” لجدل حول الإبادة الجماعية بحق الأرمن “من جانب أطراف ثالثة”.

ويرى “مصطفى سردار بالابييك” الخبير في مذابح الأرمن بجامعة “TOBB” في أنقرة، أن للقرار الأمريكي أهمية سياسية كبيرة، رغم عدم أهميته من الناحية القانونية البحتة، ويقول: “رغم اعتراف أمريكا بمذابح الأرمن كإبادة جماعية، إلا أن ذلك لا يعني جر تركيا إلى المحاكم” ويضيف بأن “مجلس النواب الأمريكي قام بهذه الخطوة في خضم علاقات متوترة بين تركيا وأمريكا، وهي خطوة من شأنها أن تزيد التوتر بينهما. وإذا حدثت مستقبلا خلافات مثل تلك التي حصلت بشأن سوريا أو شراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي، فإن مثل هذه التصادمات أمر وارد، والآن لدى الأمريكيين ورقة رابحة فعالة ضد تركيا”.

 

رابعاً- قضية بنك خلق

ألقت السلطات الأميركية القبض على نائب المدير التنفيذي السابق لبنك خلق عام 2017 ، واتهم الادعاء الأمريكي البنك بالالتفاف على العقوبات الأميركية على إيران،  وأصدر القضاء الأميركي عقوبة بالحبس لمدة (32) شهراً ليتم الإفراج عنه وإعادته إلى تركيا وتم تعيينه رئيساً لبورصة إسطنبول. كانت هناك علاقة وطيدة إلى بين “اردوغان” و”ترامب” أدت إلى تساهل ترامب في قضية بنك خلق. لكن على النقيض لن يتساهل “بايدن” مع أردوغان  بشأن ذات القضية وسيدعم القضاء الأمريكي للتحقيق في تورط بنك خلق في انتهاك العقوبات الأمريكية على إيران.

وإذا تم بالفعل إدانة بنك خلق فسيتم استبعاده من النظام المصرفي العالمي” SWIFT ” ودفع غرامة مالية تصل إلى(20) مليار دولار ما قد يؤدى إلى إفلاسه، وسيصبح إفلاس “خلق” بمثابة ضربة قاضية للاقتصاد التركي كما أن للمحاكمة بعد جيوسياسي؛ فسوف يتم البحث عن مسألة ما إذا كان السياسيون الأتراك، وصولاً إلى أردوغان نفسه، متورطين في انتهاك العقوبات.

 

خامسا- عرض تركي لواشنطن بحراسة وتشغيل مطار كابول

ذكرت وكالة “رويترز” نقلا عن مسؤولين أتراك في 8 يونيو 2021 أن تركيا عرضت القيام بحراسة وتشغيل مطار كابول بعد انسحاب القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى من أفغانستان.في المقابل أضافت نقلا عن مسؤولين أمريكيين إنهم يرحبون بالعرض التركي، لكنهم أشاروا إلى بعض المخاوف الأمريكية بشأن إلى أي مدى يمكن الاعتماد على تركيا، نظرا للخلافات الأخرى بين الجانبين. وبحسب المراقبين. ومن شأن هذا المسار التي ستتخذه تركيا في أفغانستان أن يخفف حدة التوتر مع واشنطن ولو بجزء بسيط.

نشر المركز الآسيوي للدراسات الجيوسياسية تقريراً تفصيلياً في 26 يونيو 2021 عن مكامن قوة وضعف الوجود التركي في أفغانستان، التقرير الذي كتبه كبير الباحثين في المركز شيمار كوتاي أشار لمعضلتي الوقت والقوى السياسية داخل أفغانستان “ثمة زمن قياسي لانتهاء الانسحاب الأميركي من أفغانستان، الذي صار يُعد بالأيام وليس الأسابيع. وهذا الضغط الزمني القصير للغاية يُعد مُعضلة لوجستية بالنسبة لتركيا، فهي لا تستطيع مركزة وتثبيت وجود قواتها عسكرياً بطريقة مناسبة. كذلك فإنه يمنع تركيا من الخوض والاندماج في الأنسجة السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية الأفغانية، لخلق تكتلات موازية لما لحركة طالبان.

المسؤولون الأميركيون، بمن فيهم مستشار الأمن القومي، منحوا تُركيا مجموعة من الوعود بدعم مهمتها في أفغانستان، لكنهم لم يمنحوها أية ضمانات بحماية ذلك الوجود وضبط نزعات دول الجوار الافغاني للضغط على حركة طالبان ومنع اندفاعها نحو إعادة السيطرة على كامل البلاد، وهو امتناع بحكم الواقعية الأميركية، التي تعرف طبيعة التوازنات السياسية هناك، بما في ذلك سطوة وأدوات قوة الحركة المُتطرفة.

 

الخلاصة

تعد أوكرانيا أكبر دولة أوروبية خارج التكتل وخارج حلف الناتو ذات أهمية استراتيجية لدى روسيا لاسيما أنها ممر رئيسي لأنابيب النفط والغاز الروسي إلى دول أوروبا الغربية ومدخلا لتوسيع نفوذها تجاه دول غرب أوروبا ، بالإضافة إلى أن القاعدة البحرية الروسية في شبه جزيرة القرم تمنح روسيا تفوقا عسكريا في البحر الأسود. وتريد واشنطن عرقلة التوسع الروسي تجاه دول غرب أوروبا عبر تقديم الدعم لأوكرانيا المادي والعسكري وإعادة ضبط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بعد سنوات متوترة في ظل إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب.

تستاء موسكو من فرض العقوبات الأمريكية عليها  وتشكك بشدة في الدعم الأمريكي لشخصيات معارضة لها ، مثل “أليكسي نافالني”. وتنظر واشنطن إلى روسيا على أنها مثير مشاكل يرفض الانصياع لقواعد الدبلوماسية وتستخدم أجهزتها الاستخباراتية لتقويض الولايات المتحدة وحلفائها، بالتدخل في الانتخابات الأمريكية أو تسميم الجواسيس الروس السابقين الذين يعيشون في الغرب.

لن تتراجع الهجمات السيبيرانية بين موسكو واشنطن خصوصا أن العمليات السيبرانية لها العديد من الأهداف، بعضها يرتبط بجمع المعلومات، وبعضها يرتبط بالاستعداد لصراع محتمل. وترى موسكو نفسها في صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية ولكنها تستثني الدخول في اشتباكات عسكرية، وتبحث عن أي طريقة لمنحها تفوقا على واشنطن.

تعد معاهدة”نيو ستارت” الاتفاق الكبير الوحيد في مجال الأمن الذي لا يزال سارياً بين القوتين النوويتين. وهناك رغبة روسية أمريكية مشتركة المحافظة على بعض المساحة في العلاقة الأميركية-الروسية المشحونة”  والتوصل إلى أرضية تفاهم حول المسائل المرتبطة بالأمن الدولي. وأي تحسين مستدام للعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا يتجاوز التقدم في الحد من التسلح (مثل التمديد الأخير لمعاهدة ستارت الجديدة) سيتطلب الكثيرمن التنازلات، مع امتلاك روسيا والولايات المتحدة أول وثاني أكبر مخزون للأسلحة النووية في العالم.

تتلخص مساعي روسيا في القضايا الإقليمية في الشرق الأوسط  لعدة أسباب خاصة في ليبيا وسوريا في مكافحة الإرهاب. والسبب الأهم هو عودة روسيا إلى الشرق الأوسط وإثبات قدراتها العسكرية الخارجية. بالتزامن مع مساعي الإدارة الأمريكية للانفراد بالتسوية في قضايا الشرق الأوسط كإحدى أوراق استعادة الهيمنة الأمريكية.  فمن الصعب الحديث عن صفقة بين موسكو وواشنطن حول سوريا أو ليبيا، بحيث لا زالت مسافة  التقارب في الملفين السوري والليبي بينهما بعيدة جدا.

التقارب الروسي الصيني على الصعيدين السياسي والعسكري يضع إدارة الرئيس الأمريكي “بايدن” في مأزق ويعقد من الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة فضلا عن أنه يشكل تهديدا كبيرا للحلفاء الغربيين وحلف شمال الأطلسي .

بالنظر إلى وعود “بايدن” الانتخابية تجاه تركيا نجد أنه بدأ بالفعل في تنفيذ تلك الوعود ويظهر ذلك في توتر العلاقات بين واشنطن وتركيا منذ تولي بايدن الرئاسة.

يفوق حجم الخلافات أوجه التقارب بين واشنطن وأنقرة، بما في ذلك الدعم الأمريكي للقوات الكردية في سوريا وشراء تركيا للأسلحة الروسية. ومن المرجح أن تزداد المواجهات بين البلدين حدة مع أنهما حليفتان في “الناتو”  خصوصا وأن  اللقاء الذي تم بينهما لم يسفر عن أي تقدم كبير في خلافات منها منظومة إس-400 وسوريا وقضايا حقوق الإنسان.

ويواجه الاقتصاد التركي أزمة طاحنة، لن تتحمل أي عقوبات أمريكية أخرى وهذا ما ظهر في عام 2018 حين تم فرض عقوبات أمريكية أدت إلى انهيار الليرة التركية. بالإضافة إلى أن “اردوغان” بدأ في فقدان الكثير من شعبيته في الداخل وخسر العديد من الحلفاء العرب والأوربيين.

 

الهوامش

الخلافات الـ 6 الأساسية بين روسيا والولايات المتحدة قبيل لقاء بوتين وبايدن

https://bit.ly/3qDhHre

بايدن يؤكد أن واشنطن لن تقبل “إطلاقا” بضم روسيا “العدائي” لشبه جزيرة القرم

https://bit.ly/3A2fJF0

بايدن وبوتين: ما الذي يمكن للطرفين أن يحققاه في قمة جنيف؟

https://bbc.in/3dgr1f9

مصحح رسمي-الاتحاد الأوروبي: أكثر من 100 ألف جندي روسي يحتشدون على حدود أوكرانيا

https://reut.rs/3dl6VjS

أميركا تقدم مساعدات عسكرية لأوكرانيا وسط توترات مع موسكو

https://bit.ly/3djcUFM

إدارة بايدن تكشف لأول مرة اسم عميل روسي تدخل لصالح ترامب في انتخابات 2016

https://cnn.it/3jkj24t

بايدن مهددا بوتين: سيدفع ثمن تدخله في الانتخابات الأمريكية

https://bit.ly/35VYeID

الهجوم الإلكتروني على الولايات المتحدة: تضرر 50 شركة “بشكل بالغ” جراء الاختراق

https://bbc.in/3xZiFjN

من وراء الهجوم السيبراني الجديد في أمريكا؟

https://bit.ly/3A4lmCG

نورد ستريم 2 ـ كيف تختبر واشنطن صبر ألمانيا وأوروبا؟

https://bit.ly/2UOBYyh

صراع أميركي – روسي حول أزمة ليبيا

https://bit.ly/2ULU7ww

الخلافات الأمريكية – الروسية حول سوريا تشعر الأوروبيين بالخيبة

https://bbc.in/3xZLrky

صراع أميركي – روسي حول أزمة ليبيا

https://bit.ly/3he8ktv

خمس سنوات لروسيا في حرب سوريا.. جاءت لتبقى!

https://bit.ly/2TgxwaR

بايدن: أمريكا ستجعل روسيا تدفع ثمن أعمالها ويجب إطلاق سراح نافالني فورا

https://bit.ly/3x4kMTr

نزاعات وخلافات تطغى على قمة أردوغان وبايدن المرتقبة

https://bit.ly/3dkENgQ

لماذا تقلق صواريخ إس-400 الروسية الولايات المتحدة؟

https://bit.ly/3dkExOU

تقرير: خطوة أردوغان تُنذر بأزمة جديدة مع إدارة بايدن

https://bit.ly/3w1wxZJ

اعتراف الكونغرس بمذابح الأرمن.. ورقة ضغط “فعالة” ضد تركيا!

https://bit.ly/3w2VYd4

فضيحة بنك “خلق” التركي.. تواطؤ مع إيران وفساد حكومي

https://bit.ly/3jlzuBG

تركيا تبدأ مهمة عسكرية “مستحيلة” في أفغانستان

https://bit.ly/2SxLFQP

 

 

 

الباحث حازم سعيد

 

زر الذهاب إلى الأعلى