اقتصادالرئيسيتقدير موقف

أزمة سد النهضة ـ  المخاطر والتهديدات

الباحث حازم سعيد

اتخذت السلطات المصرية بعد ثورة 30 يونيو 2013 الخيار الدبلوماسي  التفاوضي لإدارة أزمة سد النهضة. وسعت مصر في جميع المحادثات دوما وفقا لما ورد باتفاقية المبادئ التي وقعت بين مصر والسودان وإثيوبيا في مارس عام 2015، إلى الوصول إلى اتفاق عادل ومتوازن يمكن إثيوبيا من تحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة قدراتها على توليد الكهرباء دون الإضرار بمصالح دولتي مصر والسودان المائية. ومرت المفاوضات بمراحل عديدة، رفضت فيها إثيوبيا  العديد من المقترحات التي قدمتها مصر والسودان لحل أزمة السد، ما دفع مصر والسودان إلى اللجوء لمجلس الأمن الدولي لمناقشة وحل مسألة سد النهضة. وسط مخاوف من فشل مجلس الأمن إلى الوصول إلى حل يرغم إثيوبيا على وقف ملء السد لحين الاتفاق النهائي مع مصر والسودان، ما قد ينذر بمواجهة عسكرية تهدد الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

 

سد النهضة

يقع سد النهضة في منطقة بني شنقول على الحدود بين السودان وإثيوبيا على مساحة تقدر بـ (1800) كيلو متر مربع على بعد (900) كيلو متر شمال غربي العاصمة أديس بابا . يبلغ ارتفاعه (155) متر وطوله (1800) متر. عمل بالمشروع حوالي (8500) شخصا على مدار الساعة. تقدر إنتاجية السد (6) آلاف ميجا وات من الطاقة الكهربائية. تبلغ سعته التخزينية (74) مليار متر مكعب من المياه. دخلت كل من مصر والسودان وإثيوبيا قبل نحو 9 سنوات في مفاوضات بشأن سد النهضة، لكن الإخفاق كان نتيجة مكررة لجولات التفاوض كافة، بداية من مارس 2015 حيث تم إعلان مبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان حول مشروع سد النهضة بالخرطوم  وحتى 7 أبريل 2021 فشل الاجتماعات الأخيرة من مفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا التي شهدتها العاصمة الكونغولية كينشاسا. إذ لم تتوصل الأطراف لأي اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد الإثيوبي.

أكد “عباس شراقي” أستاذ الموارد المائية المصري في 22 يونيو 2021 أن “هناك مشكلات فنية في أنفاق وأجناب سد النهضة”، لافتا إلى أن “إثيوبيا اتفقت على وجود (15) توربينا في السد لتوليد (5) آلاف ميغا وات من الكهرباء”. وأشار إلى أن “إثيوبيا تعمل على الانتهاء من بوابات سد النهضة في أسرع وقت”، لافتا إلى أن “تخزين المياه في سد النهضة خلال العام 2020 وكذلك المتوقع له العام 2021 سياسي، حيث أن الملء العام 2020 خلّف مشاكل فنية”

 

تمويل السد

تم إنشاء مجلس وطني لتنسيق المشاركة العامة لبناء سد النهضة وتعهد المجلس بتأمين حوالي (57.5 ) مليون دولار، من مختلف برامج الدخل المعتمدة لبناء السد. ويقدر تمويل السد بحوالي (4.7) مليار دولار وفيما يلي أبرز مصادر التمويل:

السندات المالية: جمع المجلس الوطني لتنسيق المشاركة العامة حتى 14 أبريل 2018، أكثر من (84) مليون بر إثيوبي من بيع السندات المالية. كان من المخطط جمع أكثر من (100) مليون بر من بيع السندات المالية والتبرع. حثت السلطات الإثيوبية سكان ولاية “أمهرا” على شراء السندات التي تبدأ من (50) بر إثيوبي عبر خدمة الرسائل القصيرة (8100). ساهمت الولاية بشراء سندات مالية بقيمة (4) مليارات بر إثيوبي خلال السنة الميزانية 2019 حسب بيانات مكتب تنسيق دعم المشاركة العامة لسد النهضة.

اليانصيب وتبرعات عينية: أعلنت وكالة الأنباء الإثيوبية “إينا” في 18 مارس 2018، أن مكتب التنسيق الوطني الإثيوبي لـ”سد النهضة”، أعد (500) ألف “قرعة يانصيب” لإشراك الإثيوبيين في الخارج في تمويل السد. وبلغت  قيمة شراء اليانصيب الواحد تبلغ (10) دولارات أمريكية.  وتم التبرع بسيارات، و ثلاجات، وغيرها من المواد، لمنحها للفائزين في اليانصيب.

المغتربين في الخارج: ساهم الإثيوبيون المقيمون في الخارج بأكثر من (2) مليون دولار خلال شهر سبتمبر 2016 و فبراير 2017  لتمويل بناء سد النهضة. حيث تم شراء سندات بأكثر من (800) مليون بر إثيوبي عن وزارة الخارجية الإثيوبية في مارس 2018

مسابقات رياضية: تم إقامة بطولة في “كرة القدم” حملت اسم “كأس سد النهضة”، وجمع من خلال تلك المسابقة ما يعادل (26.8) مليون دولار من إقليم أوروميا بالإضافة إلى جمع ما يعادل (57.5 ) مليون دولار من أقاليم (بني شنجول – جوموز – تغراي – عفر – أمهرا).

أكد “سامح شكري” وزير الخارجية المصري في 15 أبريل 2021 خلال اجتماع لجنة الشؤون الإفريقية بمجلس النواب المصري : “البنك الدولي لا يمول سد النهضة، وإنه لا توجد دول تمول السد بشكل مباشر”، مضيفا: “لا توجد دول تمول السد بشكل مباشر، وكل الشركاء الدوليين يقدرون أن المشروع محل خلاف فلا يتورطون في هذا الخلاف”. وتابع: “لا نعيش في عالم مثالي وهناك شركات تابعة لبعض الدول تستخلص مصالح مالية من المشاركة في تمويل بناء السد”. وتابع: “لم تتم دراسة الأضرار البيئية لبناء السد على الدول المحيطة بالنيل الأزرق”، موضحا أن بعض الأموال تصل لإثيوبيا في شكل تمويل تنموي إنساني له علاقة بمتطلبات الشعب الإثيوبي”.

 

تداعيات الملء الثاني لخزان السد، دون تنسيق بين مصر والسودان وإثيوبيا

  • توقف سدي الروصيرص وسنار الخاصين عن العمل ما يؤثر على توليد الكهرباء في السودان
  • تعطل محطات مياه الشرب بالإضافة أيضا إلى السد العالي بمصر”
  • تتراجع حصة مصر إلى نحو 48 مليار متر مكعب تقريبا، فيما تتراجع حصة السودان إلى نحو 11 مليار متر مكعب
  • الملء الثاني للسد من الممكن أن يتسبب في مشكلة كبيرة لدولة السودان خاصة إذا كان هناك جفاف وجفاف قوي.
  • الملء الثاني من الممكن أن يؤثر على مصر إذا كان هناك جفاف طبيعي مع الجفاف الصناعي الناتج عن التخزين في سد النهضة.

نشرت دراسة في 25 يونيو 2021 مفادها أن هناك احتمالية لانخفاض تدفق النيل الأزرق نتيجة التأثير التراكمي لحجم الملء الأول وتأثير التبخر والتسرب من بحيرة السد، والذي قد يتراوح مقدار تأثيره على حصة مصر بـ 2 – 3 مليارات متر مكعب سنويا في سنوات الجفاف. كما استعرضت الميزان المائي للاستراتيجيات المقترحة لتحقيق الأمن المائي المصري حتى عام 2030 و2050، بناء على ثلاثة سيناريوهات.

السيناريو الأول : بدون أن تتأثر حصة مصر من مياه النيل.

السيناريو الثاني: في حال تأثر حصتها بمقدار (2) مليار متر مكعب في 2030 و(3 )مليارات متر مكعب في 2050، وبدون اتخاذ إجراءات محلية لمواكبة هذا النقص.

السيناريو الثالث: فهو في حال تأثر الحصة بنفس المقدار مع اتخاذ إجراءات محلية لتوفير موارد مائية غير تقليدية بديلة، ولم تتطرق الدراسة للتكلفة الباهظة المطلوبة لتوفير تلك الموارد المائية البديلة.

 

استفزازات إثيوبية لمصر والسودان

أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي”آبي أحمد” في 31 مايو 2021  إن بلاده ستبني أكثر من (100 ) سد صغير ومتوسط في مناطق إقليمية مختلفة من البلاد في السنة المالية 2022. وأكد أن بناء السدود هو “السبيل الوحيد لمقاومة أي قوى معارضة لإثيوبيا”. رفضت إثيوبيا في 9 مارس 2021 الوساطة الرباعية الدولية التي اقترحتها السودان ودعمتها مصر وتشمل (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الاتحاد الأفريقي) ، مؤكدة تمسكها بالوساطة الأفريقية. أكد المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية “دينا مفتي” في إبريل 2021 أحقية بلاده في بيع المياه الفائضة عن حاجتها بعد الملء الثاني لسد النهضة، مضيفًا أنه لا توجد مشكلة على الإطلاق في بيع حصة بلاده من مياه السد.

 

مواقف دولية وإقليمية من أزمة سد النهضة

مواقف إقليمية

  • الاتحاد الافريقي : يقول الدكتور “عبد الوهاب الطيب” الخبير في شئون القرن الإفريقي، إن الاتحاد الإفريقي بدأ خطوات جدية لحل أزمة سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، مشيرا إلى أن ملف سد النهضة قضية عالمية وإقليمية لا تحتمل التعامل فيها بمصالح دولة واحدة فقط. وأضاف الخبير في شئون القرن الإفريقي، أن سد النهضة له تأثير كبير على مسألة القرن الإفريقي، مشيرا إلى أن الملف بـ 3 دول محورية هي مصر والسودان وإثيوبيا والمسألة تتعلق بالمياه وهي حياة. وأشار الخبير في شؤون القرن الإفريقي، إلى أن الاتحاد الإفريقي طالب الدول الثلاث بالعودة لطاولة المفاوضات من جديد، مبينا أن إثيوبيا ترى في الاتحاد الإفريقي القائد لمسار المفاوضات بخلاف مصر والسودان اللذين يرغبان في وجود أطراف دولية وإقليمية في المفاوضات لضمان الاتفاق. وتسعي مصر والسودان إلى أن يكون الاتفاق قانونيا ملزما، موضحا أنها مسألة لا تحتمل التعامل فيها بمزاجية الدول.
  • جامعة الدول العربية : دعت الجامعة العربية خلال دورة غير عادية عقدتها الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية بناء على طلب من مصر والسودان لبحث ملف سد النهضة في 15 يونيو 2021 مجلس الأمن لمناقشة أزمة سد النهضة وفيما يلي أبرز المواقف العربية من سد النهضة:

جددت المملكة العربية السعودية في 3 مارس 2021 دعمها لمصر في ملف سد النهضة الإثيوبي ودعمها للأمن العربي المائي، وأكدت أهمية التوصل إلى اتفاق عادل وملزم بخصوص سد النهضة”. أكدت الإمارات، في 31 مارس 2021 على اهتمامها البالغ وحرصها الشديد على استمرار الحوار الدبلوماسي البناء والمفاوضات المثمرة لتجاوز أي خلافات حول سد النهضة بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان. وأعربت البحرين عن تضامنها مع مصر في الحفاظ على أمنها القومي والمائي. وتضامن دولة الكويت مع مصر والسودان في جهودهما الحثيثة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومساعيهما لحل أزمة ملء وتشغيل سد النهضة بما يحفظ لدول مصب نهر النيل حقوقهم المائية والاقتصادية وفق القوانين الدولية، وبما يمكن هذه الدول من تحقيق طموحاتهم في التنمية.

مواقف دولية

  • الاتحاد الأوروبي :حث الاتحاد الأوروبي حكومة أديس أبابا إلى التوصل لاتفاق مع مصر والسودان حول سد النهضة. وهناك عزم واضح من الاتحاد على مساعدة الدول الثلاث من أجل التوصل إلى حلول وسط، تضمن حقوق كل من مصر والسودان وإثيوبيا. ويشدد الاتحاد الأوروبي على أهمية التوصل إلى اتفاق حول الملء الثاني للسد، وأهمية تبادل المعلومات الفنية حول مراحل ملء السد لأن عدم توفرها يجعله يقلق على البني التحتية من مخاطر الفيضانات في مصر والسودان. وأن يتم الاتفاق النهائي حول مختلف جوانب تشغيل السد.
  • الولايات المتحدة الأمريكية: تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق معقول بين الدول الثلاث حول ملء السد، وذلك من خلال آليات مثل التحكيم، الذي رفضته إثيوبيا وقبلت به مصر. ويقتصر دور واشنطن على مراقبة المفاوضات ومن بين مصالح الولايات المتحدة تجنب النزاعات الإقليمية، ولاسيما العسكرية منها.
  • روسيا: اقترحت مساعدة فنية وتقنية في محادثات سد النهضة الإثيوبي، لكنها لم تقم بوساطة إنه يجب التوصل لاتفاق بشأن سد النهضة، بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا “يضمن مصالح جميع الأطراف” فيما أكد الوزير المصري أن بلاده تعول على علاقات روسيا مع إثيوبيا للتوصل للاتفاق سامح شكري .
  • الأمم المتحدة: عرضت الأمم المتحدة المساعدة في كسر جمود التفاوض بين كل من السودان ومصر وإثيوبيا حول سد النهضة في  6 مارس 2021. وتأكد الأمم المتحدة على أهمية إعلان المبادئ لعام 2015 بشأن السد، والذي شدد على التعاون القائم والتفاهم المشترك والمنفعة المتبادلة وحسن النيّة والكسب المتبادل ومبادئ القانون الدولي”. أكد سفير “نيكولا دو ريفيير”  فرنسا لدى الأمم المتحدة في 2 يوليو 2021 أن مجلس الأمن الدولي في صدد اجتماع لبحث النزاع بين السودان ومصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة . وتابع أن مجلس الأمن ليس لديه الكثير الذي يمكنه القيام به بخلاف جمع الأطراف معا للتعبير عن مخاوفهم، ثم تشجيعهم للعودة إلى المفاوضات للوصول إلى حل.

يقول أستاذ القانون الدولي، أيمن سلامة في 15 يونيو 2020 أن  الدور الأهم الذي يضطلع إليه مجلس الأمن هو التأكد من ما إذا كان النزاع قد تحول فعلا إلى تهديد حقيقي للسلم أو في الطريق إلى إشعال أعمال العدوان. وهذا يعني أن يتخذ المجلس الإجراءات الرادعة تطبيقا للفصل السابع من الميثاق، فيستطيع المجلس أن يأمر أثيوبيا مثلا بوقف ملء السد لحين الاتفاق النهائي مع مصر والسودان على القواعد الفنية بملء و تشغيل سد النهضة. ولفت إلى أن المادة (36) من ميثاق مجلس الأمن الدولي تخوله في أي مرحلة من مراحل النزاع أن يتدخل ويوصي بما يراه مناسبا من الإجراءات وطرق التسوية، وهو ليس ملزما بالانتظار لفشل الأطراف في التوصل لحل النزاع حتى يشرع في عمله. وبحسب المادة (38) من ميثاق المجلس، فإنه يستطيع أن يؤدي دورا توفيقا وشبه تحكيمي، في حال طلب جميع المتنازعين بأن يقدم توصيات بقصد حل النزاع حل سلميا.

تملك مصر والسودان الحق بالطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة التصويت على إخفاق مجلس الأمن في القيام بدوره في حل وتسوية النزاع المهددة للسلم والأمن الدوليين، وطلب توصية بتطبيق قوانين وقواعد إدارة الأنهار الدولية” إلى ذلك، وبإتباع تلك الوسائل يعني أن الدولتين تقولان بكل وضوح للمجتمع الدولي إن مجلس الأمن والمنظمات الدولية فشلا في تسوية النزاع.

 

هل من خيار عسكري؟

أعلن القائد العسكري في منطقة متكل، الجنرال الإثيوبي “أسرات دينيرو” في   4 يوليو 2021 عن رفع مستوى تأهب القوات المنتشرة في المنطقة التي يقع فيها “سد النهضة”، بهدف تأمين المرحلة الثانية من عملية ملئه. وكان قد أكد رئيس الأركان المصري، الفريق “محمد فريد حجازي” في 4 أبريل 2021 أن الجيش المصري يقف إلى جانب الجيش السوداني مدافعا عنه في خندق واحد، تطلعا لمستقبل آمن وواعد”. ​وتابع بقوله: “نؤكد على أهمية العمل المشترك لمواجهة التحديات المشتركة لأمن وسلامة الحدود وحماية المقدرات”.

وأجرت مصر والسودان ثلاثة تدريبات عسكرية مشتركة وهي “نسور النيل 1″في نوفمبر 2020 و”نسور النيل 2″ في مارس 2021 و”حماة النيل” في مايو 2021. ويرى الخبير العسكري المصري، العميد “صفوت الزيات” في 21 يونيو 2021  إن الفرق بين التدريبات المصرية السودانية المشتركة “حماة النيل” وما سبقها هو أن القوات اقتربت جغرافياً أكثر من الحدود السودانية – الإثيوبية، مضيفاً أن هذا من شأنه المساعدة في اكتساب الخبرة والتدريب على البيئة القتالية هناك، الأقرب إلى الأهداف التي قد تتعامل مصر معها عسكريا في إثيوبيا، إن قررت ذلك”.

تتباين الآراء حول الضربة العسكرية لسد النهضة فطبقا للخبير الاستراتيجي، اللواء “ناجي عبد العزيز شهود” الذي أكد أنه “لو دفعت أديس أبابا مصر دفعا لضرب السد فهل هذا قرار مصر؟ أم قرارها هي، وتم دفعنا نحن لتنفيذه؟ ولذلك لن تدفعنا أي دولة إلى اتخاذ قرار لا نريده، فقد تعلمنا من دروس الماضي أن القرارات المصيرية المصرية تأخذها الإدارة المصرية بما يتوافق مع مصلحة الإنسان المصري اليوم وغدا، وبعد مائة عام، ولن تدفعنا أي دولة إلى اتخاذ قرار ما لا نريد اتخاذه، ولكن في نفس الوقت كل الخيارات متاحة، وكل هذه الخيارات ليس فيها العمل العسكري، لأننا لسنا في حالة عداء مع إثيوبيا، وإثيوبيا مدفوعة من دول أخرى تريد ضرب الأهداف الاقتصادية المصرية باستخدام إثيوبيا، وتنتظر وقوعنا في الخطأ، فهل سيتم دفع مصر كي تنزلق لهذا الأمر أم لا؟ تقديري أن القيادة المصرية واعية تماما، والمطبخ السياسي منتبه إلى ما يدبر ويحاك لنا”.

ويقول اللواء جمال الدين أحمد حواش: “عندما يأتينا التهديد من الجانب الإثيوبي، فلا بد أن ندافع عن مصالحنا وتأمين مصادر المياه، لأن المشكلة مسألة حياة أو موت، وفي حال إصرار الجانب الإثيوبي على خنق مصر عندها سنقوم بضربة تعجزه تماما، وليس بالضرورة أن كل ما يتم تداوله من تصريحات في وسائل الإعلام يكون له علاقة بالحقيقة، لذلك فإن المهم هو الإجراءات على الأرض، ومصر سوف تتخذ الإجراءات التي تمكنها من الدفاع عن حقوقها في مياه النيل، والحفاظ في نفس الوقت على مصالح إثيوبيا، ويجب على القيادة الإثيوبية التريث والتفكير، وعدم إطلاق تصريحات غير مسؤولة، والتي كان آخرها التصريحات غير الواقعية التي أطلقها رئيس الوزراء آبي أحمد عن قدرة الجيش الإثيوبي، وعليه أن يعي ترتيب قواته على المستوى الأفريقي، كما أن تصريحات الرئيس المصري ليست موجهة ضد إثيوبيا وحدها، ولكنها بمثابة تحذير للذين يساعدون أديس أبابا من الخارج وفي الخفاء، ويجب على الجانب الإثيوبي وقف التصعيد، لأنه في حال تم تنفيذ ضربة عسكرية في مواجهة سد النهضة بعد إتمام عملية الملء فهذا سيكون وبالا عليهم أيضا بسبب كمية المياه التي سيحتجزها السد، وعلى من يحذر مصر والسودان، أن يقوم بحساباته وتوقع أسوأ الاحتمالات”.

 

التقييم

تبذل مصر كل جهودها الدبلوماسية والسياسية الرامية لحل أزمة سد النهضة في حين ترفض إثيوبيا أي مفاوضات وأى حلول وأي وساطات دولية وتتخذ إجراءات أحادية بشأن الملء الثاني لسد النهضة في موسم الأمطار دون التوصل إلى اتفاق لتحقيق المصالح الذاتية الضيقة، و فشلت جميع جولات المفاوضات، التي بدأت منذ نحو 10 سنوات، في التوصل إلى اتفاق ملزم بخصوص ملء وتشغيل السد.

يرتبط التصعيد الإثيوبي في ملف سد النهضة بحجم فشل الحكومة الإثيوبية في التعامل مع مشاكلها الداخلية. تستغل ملف سد النهضة للتغطية على فشل سياستها الداخلية وليس لأهداف تنموية. حيث تشهد إثيوبيا اضطرابات عرقية ونزاعاً عسكرياً داخلياً في إقليم تيغراي الشمالي، وانقلب بعض “الأورومو” على “أبي أحمد” بعدما كان يدعمونه، كذلك تأثر دعمه في أوساط “الأمهرة”، بسبب تكرار الهجمات العرقية ضدهم. وخارجيا أعلنت الولايات المتحدة  قيوداً على تأشيرات الدخول لبعض الشخصيات الإثيوبية بسبب ما وصفته بمعارضتهم “لحل الأزمة في تيغراي”، وفرضت قيوداً على المساعدات الاقتصادية والأمنية.

المواقف العربية والإقليمية والدولية كلها  تدعم الجهود الدبلوماسية التي تتخذها مصر لإدارة ملف سد النهضة لاسيما أن هناك توافقا عربيا تجاه دعم موقف مصر والسودان في أزمة سد النهضة. وبالنظر إلى دور واشنطن نجد أنه دور هام وفاعل في إنقاذ المفاوضات إذا كانت جادة في ذلك. حيث  تمتلك الآليات والنفوذ  لحث  السلطات الإثيوبية على الانخراط في المفاوضات بشكل أكثر جدية وحسن نية.

يستمر الرفض الإثيوبي للدعوات المصرية السودانية إلى إشراك وسطاء من خارج الاتحاد الإفريقي لاسيما رفضها بتدخل مجلس الأمن لحل الأزمة. ويعني فشل جهود مجلس الأمن في كسر الجمود الإثيوبي في مفاوضات سد النهضة أن تكون هناك حرب تهدد السلم والأمن.

يعد الخيار العسكري لضرب سد النهضة هو الخيار الأخير إذا استنفزت مصر والسودان جميع الوسائل المتاحة لحل أزمة السد سلميا ودبلوماسيا وسياسيا ودوليا لحماية مقدرات مصر والسودان وحقوقهما التاريخية في مياه نهر النيل، وترويج أديس بابا لقوة إثيوبيا العسكرية في مواجهة مصر والسودان، وهو ما وصفه بعض المحللين العسكريين بأنها تصريحات غير واقعية، لا تعكس قدرة الجيش الإثيوبي وترتيبة العسكري العالمي. وأخيرا ستنجح الإدارة في حل ملف سد النهضة والحفاظ على مقدراتها في مياه نهر النيل بما تراه مناسبا وفي صالح شعبها، ودائما ما يأتي رد الفعل المصري الحاسم في الوقت المناسب بالإجراء المناسب.

 

الهوامش

أنباء جديدة عن “تمويل سد النهضة”…وتفاصيل اللقاء الرسمي في قطر

https://bit.ly/3h55OHs

إثيوبيا… إقبال كبير على شراء سندات التمويل بعد ملء سد النهضة

https://bit.ly/3x5HJph

إثيوبيا تلجأ لليانصيب في تمويل “سد النهضة” ومصر تراقب!

https://bit.ly/3hkEjZn

في الذكرى السادسة لوضع أساس “السد الإثيوبي”.. ثلاجة “اليانصيب” و”كرة القدم” أبرز وسائل تمويل “النهضة”

https://bit.ly/3qwr2kx

مصر تتحدث لأول مرة عن الدول التي تمول سد النهضة الإثيوبي

https://bit.ly/3dp3s3O

خبير مصري: مشاكل فنية في سد النهضة وإثيوبيا تعجّل الانتهاء من البوابات

https://bit.ly/2Uapdxs

أستاذ بجامعة ألمانية: مشاكل فنية عديدة في سد النهضة الإثيوبي

https://bit.ly/3doAQI6

تيغراي وسد النهضة.. مرحلة حاسمة بين أميركا وإثيوبيا

https://bit.ly/3w62vUx

سد النهضة: الجامعة العربية قد تتخذ “إجراءات تدريجية” لدعم موقف مصر والسودان في خلافهما مع إثيوبيا

https://bbc.in/35WNKbR

كيف تتضرر مصر والسودان من ملء سد النهضة بدون تنسيق؟

https://bit.ly/35ZuNFC

مصر تنتقد “سوء نية” إثيوبيا بعد تصريحات حول بناء “سدود أخرى”

https://cnn.it/3juX8LQ

انتخابات إثيوبيا: ما أهميتها وما انعكاساتها المحتملة على دول الجوار؟

https://bbc.in/3hekeoI

“كارثة كبيرة”.. دراسة تحذر من تبعات خطيرة على مصر

https://bit.ly/369Bp4v

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى