الرئيسيمقالات

روسيا وتركيا: الشركاء الاستراتيجيون والمنافِسون

بافيل بايف

 

ملخَّص
اختبَرَ عام 2020 المزعج بشكلٍ غير عادي، العديد من المؤسّسات الدولية والعلاقات الثنائية، لكن القليل منهم واجَه تحدّيات أكثر حدّة من العلاقات المعقدة والمضطربة بين روسيا وتركيا، والتي لها تأثير قوي على تطوُّرات الأزمة في الجوار المباشر لأوروبا.
يمكن أن تكون موسكو راضية عن أنه يُنظَر إلى أنقرة الآن في باريس وبرلين وواشنطن العاصمة، على أنها مسبِّب رئيسي للمشاكل، لكنها تجد نفسها في كثير من الأحيان على الطرف المتلقّي للمحاولات التركية لإبراز القوّة. كان الدعم القوي وغير المتحفّظ الذي منحته تركيا لأذربيجان في الحرب ضد أرمينيا في خريف 2020 هو الذي أجبر العديد من المحللين الروس على إعادة تقييم حالة وآفاق العلاقات مع هذا الجار المهم والصعب. هناك درجة من التوافق بين الأنظمة السياسية الأوتوقراطية التي تنضج في روسيا وتركيا، لكن الدولة الأخيرة عضو في الناتو، بينما تنظر الأولى إلى الحلف الأطلسي على أنه خصم لا يرحَم. العديد من صانعي السياسة الذين يشكّلون العلاقات الروسية التركية، من تعميق الاستياء المحلي من الحكم الاستبدادي الفاسد إلى التحولات في سوق الطاقة الأوروبية، هم خارج سيطرة الحكام المستبدّين الطموحين.
سيركّز هذا التحليل على التحوُّلات الأخيرة والمستمرّة في طبيعة هذه العلاقة المضطربة وفي مظاهر معيّنة لهذا التطوّر. والهدف من ذلك هو دراسة الآثار المحتملة للإجراءات الروسية التركية المشتركة والمنفصِلة، على التطوُّرات الأمنية في الأحياء الجنوبية والشرقية للاتحاد الأوروبي ومسارح الناتو في البحر الأسود وشرق البحر الأبيض المتوسط. يتبع تقييم الأبعاد الرئيسية للتفاعُلات الثنائية، من التاريخية والاقتصادية إلى الشخصية، تحقيق في ديناميكيات التفاعل في أربع تقاطعات رئيسية: منطقة الحرب السورية، ومنطقة البحر الأسود، والصراع الليبي، والقوقاز، التي هزّتها موجة الحرب الجديدة حول ناغورنو كاراباخ.

مقدمة:

ما الشراكة؟
اختبر عام 2020 المزعج بشكل غير عادي، العديد من المؤسّسات الدولية والعلاقات الثنائية، لكن القليل منهم واجه تحدّيات أكثر حدّة من العلاقات المعقّدة والمضطربة بين روسيا وتركيا، والتي لها تأثير قوي على تطوُّرات الأزمة في الجوار المباشر لأوروبا. تضرَّرت كلتا الدولتين بشدّة من الموجة الأولى من جائحة COVID-19، بل وتعرّضت بشدة للموجة الثانية، التي خمدت للتوّ حتى وقت كتابة هذا التقرير. لقد أثرت الأزمات الاقتصادية الناجمة عن الوباء بشكلٍ كبير على كلا البلدين، وحتى لو حاول الرئيس فلاديمير بوتين أن يجادل في المؤتمر الصحفي التقليدي في نهاية العام، بأن أداء الاقتصاد الروسي لم يكن سيئاً للغاية -فقد تقلّص الناتج المحلّي الإجمالي بنسبة 3.1٪ فقط -أصبح سلوك روسيا الخارجي أكثر تقييداً وحذراً بشكلٍ ملحوظ. سعى الرئيس رجب طيب أردوغان، على العكس من ذلك، إلى تغطية أخطاءه الفادحة في الإدارة الاقتصادية بمشاريع سياسة خارجية استباقية، وحتى متهوِّرة تمتد من ليبيا وشرق المتوسط القوقاز. اضطر الاتحاد الأوروبي إلى معالجة هذه المشاكل، لذلك تمّت إضافة القضية التركية إلى جدول الأعمال الثقيل بالفعل لقمة بروكسل في كانون الأول/ديسمبر 2020، حيث تمت صياغة إجراءات مؤقتة فقط. أما بالنسبة لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع روسيا، فقد وصلت إلى هذا المستوى المتدني، لدرجة أن وزير الخارجية سيرغي لافروف اقترحَ إنهاء الحوار بشكلٍ كامل.
يمكن أن تكون موسكو راضية عن أنَّ أنقرة يُنظر إليها الآن في باريس وبرلين وواشنطن العاصمة على أنها مسبب رئيسي للمشاكل، لكنها تجد نفسها في كثيرٍ من الأحيان على الطرف المتلقّي للمحاولات التركية لإبراز القوّة. كان الدعم القويّ وغير المتحفّظ الذي منحته تركيا لأذربيجان في الحرب ضد أرمينيا في خريف 2020 هو الذي أجبر العديد من المحلّلين الروس على إعادة تقييم حالة وآفاق العلاقات مع هذا الجار المهم والصّعب. قلّل بوتين في ردّه على الأسئلة في الاجتماع التقليدي لنادي فالداي في تشرين الثاني/أكتوبر 2020، من التوترات، وأكّد على الاهتمام المشترك بالتعاون، مُشدداً على أنه “بغضّ النظر عن مدى صعوبة موقف الرئيس أردوغان، أعلم أنه شخص مرِن، وأن إيجاد لغة مشتركة معه أمر ممكن”. يؤكّد هذا الوصف الإهليلجي الدور الرئيسي للتفاعلات عالية المستوى، في الحفاظ على العلاقة المعقّدة ولكنه يعطي القليل من الأدلّة حول حالتها الحقيقية والآفاق المتوقّعة.
لا يعود الأمر بالتأكيد إلى الزعيمين ليقرِّرا كيف وما إذا كان عليهما ترقية التفاعلات الثنائية المعقدة التي توصف عادة بأنها “شراكة استراتيجية”، وهو مصطلح يشير إلى مستوى أعلى بكثير من التعاون ممّا يمكن ملاحظته، على سبيل المثال، عدم تضارب التوتر بين العمليات العسكرية الروسية والتركية في محافظة إدلب السورية. هناك درجة من التوافق بين الأنظمة السياسية الأوتوقراطية التي تنضج في روسيا وتركيا، لكن الدولة الأخيرة عضو في الناتو، بينما تنظر الأولى إلى الحلف الأطلسي على أنه خصم لا يرحم. العديد من الدوافع التي تشكّل العلاقات الروسية التركية، من تعميق الاستياء المحلي من الحكم الاستبدادي الفاسد إلى التحولات في سوق الطاقة الأوروبية، هم خارج سيطرة الحكام المستبدّين الطموحين، بحيث تتبع التقلُّبات في بناء الشراكة نمطاً يُوصَف على نحو ملائم بأنه “مسار أعوج”
لا يمكن لهذا التحليل استكشاف العمق والمدى الكاملين لهذه العلاقة المتطوّرة. وسيركّز على التحوُّلات الأحدث والمستمرة في طابعها، ومظاهرها الخاصّة. والهدف من ذلك هو دراسة الآثار المحتمَلة للإجراءات الروسية التركية المشتركة والمنفصلة على التطوّرات الأمنية في الأحياء الجنوبية والشرقية للاتحاد الأوروبي ومسارح الناتو في البحر الأسود وشرق البحر الأبيض المتوسط. يتبع تقييم الأبعاد الرئيسية للتفاعلات الثنائية، من التاريخية والاقتصادية إلى الشخصية، تحقيق في ديناميكيات التفاعل في أربع تقاطعات رئيسية: منطقة الحرب السورية، ومنطقة البحر الأسود، والصراع الليبي، والقوقاز، التي هزّتها موجة الحرب الجديدة حول ناغورنو كاراباخ. لا مفرّ من أن تكون الاستنتاجات غير واضحة، بسبب ضباب أزمة الحوكمة العالمية التي لا تزال تتعمّق بسبب الوباء ولكنها ناجمة عن تعدُّد التناقضات، من عدم المساواة إلى الإفراط في المعلومات، بما يتجاوز إدراك الحكمة السياسية التقليدية.

تفكيك النمط المعقد للتفاعُلات
عادة ما تكون التقلبات الحالية في المؤامرات الجيوسياسية التي يوجهها القادة الروس والأتراك، محمّلة بسياقات تاريخية ثقيلة، ويتردّد صداها عبر مختلف الروابط الاجتماعية، من التجارة المكوكية إلى السياحة. حتى مثل هذا الأمر الواضح، حتى لو كان مثيراً للجدل بدرجة كبيرة، مثل حيازة تركيا لأربع بطاريات من نظام صواريخ أرض-جو الروسية إس -400 (مقابل 2.5 مليار دولار أمريكي، مغطى جزئيًا بالائتمان الروسي) يدعو إلى التفكير في العرض، من الأسلحة من روسيا السوفيتية المولودة حديثاً إلى حكومة كمال أتاتورك المتعثرة في 1920-1922. إن فحص الأبعاد الرئيسية في تفاعلات اليوم ينطوي دائماً على تبسيط هذه السياقات ووضع أقواس عليها، ولكنه يساعد أيضاً في تحديد أصحاب المصلحة الرئيسيين في الشراكة وقياس القيمة النسبية لمخاطرهم.

الأساس الاقتصادي وتدفق الطاقة
غالباً ما يُؤخذ الانطباع بوجود أساس اقتصادي متين في ظل بناء “الشراكة الاستراتيجية” الروسية التركية، على أنه حقيقة واقعة في التقييمات الاستراتيجية، ولكن لا يمكن أن يصمد أمام الفحص الدقيق. عادة ما يقدم الزعيمان إعلانا عن التزامهما بتوسيع العلاقات، الرقم المستهدَف البالغ 100 مليار دولار أمريكي لحجم التجارة الثنائية، لكن هذا الهدف، رغم أنه متواضع إلى حدٍ ما في صورة تدفقات التجارة العالمية، لا يزال في الواقع غير ممكن تماماً. وبحسب الإحصائيات الروسية، بلغت قيمة الصادرات إلى تركيا في عام 2019 ما قيمته 17.75 مليار دولار أمريكي والواردات 3.45 مليار دولار أمريكي، وبذلك ارتفع الإجمالي بنسبة 2.5٪ فقط عن عام 2018. وبقيت أقل بكثير من الذروة البالغة 31.1 مليار دولار أمريكي التي تم الوصول إليها في عام 2014، قبل الخلاف الحاد في العام التالي بسبب الاشتباك الجوي فوق سوريا. كان القطاع الوحيد الذي أظهر نموّاً حقيقياً هو السياحة، لذا احتلت روسيا، التي قدَّمت 7.1 مليون سائح، صدارة قائمة زوار تركيا لعام 2019، قبل الانكماش إلى 1.6 مليون فقط في عام 2020، مع وجود احتمالات غير واضحة للانتعاش في عام 2021.
من السابق لأوانه تقييم التأثير الكامل للضرر الناجم عن أزمة COVID-19، لكن من اللافت للنظر، أن بوتين اختار سياسة اقتصادية كلّية حذِرة للغاية وحتى صارمة، بينما لجأ أردوغان إلى التوجيه المتعمَّد، الأمر الذي أدّى تفاقم الآثار السلبية بشكل خطير، وحتى في بعض المشاكل العائلية. أدّى انكماش الاقتصاد التركي إلى تسريع الاتجاه الذي ظلَّ يتراكم منذ عدة سنوات: انخفاض في استيراد الغاز الطبيعي من روسيا. وفرت شركة غازبروم 52٪ من واردات تركيا من الغاز في عام 2017 وخطّطت لمزيد من التوسُّع مع إنشاء خط أنابيب ترك ستريم the TurkStream pipeline، ولكن في عام 2019 انخفضت حصّتها إلى 33٪ حيث أصبحت أذربيجان المورّد الرئيسي، تلاها انخفاض إضافي في عام 2020. حظي مشروع خط الأنابيب هذا بالكثير من الاهتمام من بوتين، الذي اعتبره بمثابة اختراق في الجغرافيا السياسية للغاز في أوروبا، لكن الفرص لتغطية تكاليف هذا المشروع ضئيلة. بالنسبة إلى القلّة المرتبطين بالكرملين مثل الملياردير الروسي أركادي روتنبرغ ورجل الأعمال الروسي غينادي تيموشينكو، كان إنشاء خطوط الأنابيب هو الذي حققَّ أرباحاً عالية، ولا تهمّهم الخسائر الناجمة عن ضعف أداء البنية التحتية المبالغ فيها. إن اكتشاف حقول الغاز البحرية الواعدة في المياه التركية للبحر الأسود، يجلب احتمالية غير مؤكَّدة حتى الآن، للتخلُّص الكامل من اعتماد تركيا على شحنات الغاز من روسيا.
يقلّل هذا التحوُّل في تدفقات الطاقة بشكلٍ خطير، من الأهمية السياسية للعلاقات الاقتصادية الثنائية الواسعة، ولكن منخفضة الأهمية. هناك بالتأكيد العديد من المستثمرين الأتراك في قطاعيّ التجزئة والبناء الروسيين، حيث تتمتع جمهورية تتارستان بالاهتمام على سبيل الأولوية، لكن ليس لديهم نفوذ سياسي في أنقرة، مثلما لا يأمل مشغّلو السياحة الروس في أن تصل أصواتهم عبر جدران الكرملين. المشروع الاقتصادي الرئيسي الوحيد المتعلّق بالسياسة هو بناء أول محطة أكويو للطاقة النووية في تركيا، (محطة أكويو هي محطة للطاقة النووية بقدرة 4800 ميجا وات في مرسين التركية. تبنيها شركة Rosatom الروسية ومن المتوقع الانتهاء من بناء الوحدة الأولى في 2023. وهي أول محطة طاقة نووية لتركيا)، والتي تأمل في استرداد تكاليف الإنتاج المغطاة بالقرض المقدرة بـ 20 مليار دولار أمريكي عن طريق بيع الكهرباء بعد عام 2023، ولكن حسابات الفعّالية من حيث التكلفة تظل الحسابات ضعيفة. يقترب إجمالي المصالح الاقتصادية، والتي تعني في روسيا -ربما بدرجة أكبر منها في تركيا -الحصص المربحة لحكْم الأقلّية الذين لديهم صلات شخصية ببوتين، بسرعة من القيمة غير المهمّة، وهو ما يزيل القيود المتعلّقة بالأعمال التجارية في الدبلوماسية سريعة التطوُّر والمؤامرات والمنازعات الأمنية.

تصعيد مواجهات القوة الناعمة والصلبة
لم تعُد روسيا وتركيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، جارتين بالمعنى الجغرافي الصارم، لكن التراث الغني للتفاعلات التاريخية (حتى لو انعكس في الغالب على شكل حروب) وتعدُّد العلاقات الحالية، بما في ذلك السياحة، ينتج عنه تعرُّض متبادل مكثف بشكل فريد. كان للجهود السياسية لبناء “شراكة استراتيجية” صدى قوي في كلا المجتمعين، ومن الأهمية بمكان أن تشير التحولات الأخيرة في الرأي العام إلى تنامي خيبة الأمل في هذا التقارب.
أعرب ما يصل إلى 75٪ من المستجيبين في روسيا، عن موقف إيجابي تجاه تركيا في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكن الاشتباك في سوريا أدّى إلى تغيير كبير، بحيث كان لدى 64٪ من المستجيبين في عام 2016، موقف سلبي (من بينهم 22٪ سلبي بشدّة) وفي نهاية عام 2020، بلغ انتعاش الموقف الإيجابي 48٪ فقط.
في تركيا، اعتقد 17.5٪ فقط في منتصف عام 2020 من المستجيبين في التعاون الاستراتيجي مع روسيا (انخفاض من 26.1٪ في عام 2019)، وأكّد 18.9٪ أن هناك مشاكل (ارتفاعاً من 6.5٪ في عام 2019)، بينما كان لدى معظمهم مشاعر مختلطة. إحدى السّمات المشتركة لهذه التصوُّرات هي أنها قابلة للتغيير. إن خزان التعاطف المتبادل ليس عميقاً بل إنه يزداد ضحالة.
تمتلك تركيا كما قد يبدو بديهياً، موارد “القوّة الناعمة” المتاحة للتطبيقات في روسيا، أكبر ممّا يمكن لموسكو الاعتماد عليه في سياسات المشارَكة واحتواء طموحات أنقرة. لا يذهب ملايين السائحين الروس إلى شواطئ أنطاليا فحسب، بل يذهبون أيضاً إلى أسواق إسطنبول، كما أن الآلاف من الطلاب الروس، وخاصّة من تتارستان، يأخذون دورات في الجامعات التركية، كما تربط روابط الشتات بين شعوب شمال القوقاز وأقاربهم البعيدين في تركيا.
حضر الرئيس أردوغان افتتاح مسجد تمَّ تجديده في موسكو، لكن الرئيس بوتين امتنع عن أي تعليقات عندما تمّ تحويل متحف آيا صوفيا في اسطنبول إلى مسجد، حتى لو حاول البطريرك كيريل الاحتجاج. موسكو مستاءة وغاضبة من الدعم التركي لتتار القرم المضطهَدين، الذي عبَّر عنه أردوغان بشدّة خلال زيارة شباط/فبراير 2020 لأوكرانيا، لكنه امتنع عن أي احتجاجات رسمية. لقد طورَّت روسيا قدرات تخريبية متعدّدة “هجينة” لكنها لا تزال متردّدة في نشرها ضد أردوغان، وتمتنع عن محاولة بناء علاقات قابلة للاستخدام مع العديد من خصومه، من المثقفين الليبراليين إلى القوميين الأكراد.
في عالم “القوة الصارمة”، تُفسَّر الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن تركيا دولة عضو في الناتو بشكل مختلف إلى حدٍ ما، من قبل القيادة العليا الروسية وصنّاع السياسة الأجانب. يتعيَّن على المخطِّطين العسكريين العمل على افتراض أنه، في حالة الأزمة، ستغلِق تركيا مضيق البوسفور في وجه البحرية الروسية بدعم من حلفائها، بغضّ النظر عن اتفاقية مونترو، الأمر الذي يقطع خط الاتصالات الحاسم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.
بالنسبة لمخطِّطي السياسة، فإن الخلافات الجادّة بين تركيا وحلفائها في الناتو، وخاصّة فرنسا، تفتح فرصاً مثيرة للاهتمام، لإلحاق الضرر بالتضامن الأطلسي. يُنظر إلى صفقة بيع نظام صواريخ أرض-جو S-400 ونشرها التوضيحي للغاية، على أنها ضربة رئيسية في هذه المؤامرة، والتي يمكن أن تسبّب الخلاف لسنوات قادمة، لأن وزارة الدفاع الأمريكية لديها القول النهائي والسلبي بشدّة، بشأن المحاولات السياسية للتوصُّل إلى حلٍ وسط يحفظ ماء الوجه. يمكن أن تتطوُّر القضايا الأكثر صعوبة في العلاقات التركية الأمريكية، مع تقدُّم أجندة دعم الديمقراطية لإدارة بايدن، ولكن في المنظور الروسي السائد، تأتي الجغرافيا السياسية دائماً في المقام الأول، لذلك تستعد موسكو لإعادة توحيد قادمة عبر الأطلسي، وهو الأمر الذي يشمل تركيا على الأرجح. قد يظلّ الأمر كذلك، أن تعزيز علاقات تركيا مع الناتو سوف يستمر بالتوازي مع زيادة التوترات في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، لكن بالنسبة لروسيا، فإن المحتوى العسكري للتفاعلات المعقّدة (وكذلك العلاقات مع الولايات المتحدة) هو الأكثر أهمية.

السياسة الشخصية
تتشابه السياسات الخارجية الروسية والتركية في الدرجة العالية من المشاركة الشخصية لقادتهما المتعمّدين في اتخاذ، ليس فقط القرارات الرئيسية، ولكن أيضاً في كثير من الأحيان الروتينية، ولكن تبرز شدة السيطرة حتى على هذه الخلفية، رفيعة المستوى على العلاقات الثنائية. وصل بوتين وأردوغان إلى مناصبهم في السلطة العليا بفارق ثلاث سنوات (في 2000 و2003، على التوالي) وواجهوا عشرات المواجهات وجهاً لوجه، على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية. في عام 2020 الذي شهد انتشار الوباء، عقدوا ثلاث اجتماعات فقط، لكنهم تحدّثوا 18 مرة عبر الهاتف، وفقاً لسجلات الكرملين الرسمية (مقارنة، على سبيل المثال، بأربع محادثات هاتفية فقط أجراها بوتين مع الرئيس الصيني شي جين بينغ). لقد ضمنت هذه الكثافة الفريدة من التفاعلات أن يكون لديهما، مقياساً جيداً لطابع وتطلُّعات كل منهما، ولكنهما لم يولّدا سوى القليل من التعاطف المتبادل والثقة الضئيلة ومقداراً عادياً من الاحترام.
حاول بوتين تنمية “كيمياء” معيَّنة في العلاقات الشخصية مع أردوغان حتى الأزمة في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2015 بسبب إسقاط تركيا لطائرة قاذفة روسية من طراز Su-24M في شمال سوريا. حمّل الزعيم الروسي باختياره تصعيد المواجهة، نظيره التركي مسؤولية شخصية عن تلك “الطعنة في الظهر”، وقدَّمت الدعاية الروسية حالة تورُّط عائلة أردوغان في تمويل داعش. ربما كان الغضب مبالَغاً فيه، وتمّ إصلاح الخلاف. أعرب بوتين بشكل مبدئي، على الفور، عن دعمه لأردوغان بعد محاولة الانقلاب في تمّوز/يوليو 2016 ولم يتفوّه بكلمة قلق بشأن القمع الذي أطلِق له العنان في أعقابه. تمكّن بوتين من خلال الاستفادة من هذا الزخم، من إقناع أردوغان بشراء نظام صواريخ أرض-جو الروسية S-400، حيث قدَّم ائتماناً سخياً على أمل جني الأرباح في شكل انتكاسات في التعاون العسكري التركي الأمريكي. من الواضح أن هذه الحسابات قد آتت أُكُلها، لكن لم يظهر شيء يشبه الدفء الواضح لعلاقتهما السابقة.
إن الطبيعة الاستبدادية غير المقنِعة والمعزَّزة للأنظمة السياسية في روسيا وتركيا، لا تولِّد بالضرورة الحوافز والميل إلى التعاون، خاصّة وأن كلا الحكام يَجدون العديد من السمات الخاصة لفهم بعضهم البعض للسلطة، غريبة وغير مفهومة. بالنسبة لبوتين، ليس الأمر أن سيطرة أردوغان الضعيفة على الانتخابات تقوِّض احترامه لزميله الأوتوقراطي (الذي خسر الانتخابات في اسطنبول مرّتين في عام 2019 لسبب غير مفهوم)، الدافع الأكثر جوهرية لانعدام الثقة والشك، هو التزام أردوغان الواضح بقضية “الإسلام السياسي”. تعلَّم بوتين منذ الأيام الأولى لرئاسته، مواجهة تهديد التطرُّف الإسلامي بقوّة، كما أن احتضان أردوغان لمنظّمات مثل جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة في روسيا)، التي تدعم طموحاته في القيادة في العالم الإسلامي، أمر غريب بالنسبة له كما، هو الحال بالنسبة للعديد من السياسيين الأوروبيين. قد يجِد أردوغان أنه من المناسب سياسياً توجيه انتقادات فظّة ضد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكن يسعى بوتين باستمرار لبناء قضية مشتركة مع أوروبا في الكفاح ضد الإرهاب الإسلامي. يتعيَّن على الزعيم الروسي في الوقت نفسه، أن يتاجر بحذَر من خلال تجنُّب المشاكل مع المجتمعات المسلمة المحلّية، حتى عندما تتعرَّض مشاعره الدينية للإهانة، وبذلك امتنع عن أيّ انتقاد لقرار أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد. ووجد الكرملين صعوبة في الاتصال بأمر رمضان قاديروف، حاكم الشيشان، الذي أعلن موقفاً قاسياً، ووقف علناً مع أردوغان في المشاجرة مع ماكرون.
لا تزال الروابط الشخصية لها قيمة كبيرة في تخفيف التوترات في الأزمات الحالية والمستقبلية المحتمَلة، ولكن من السمات المميَّزة أن أول محادثة هاتفية بين بوتين وأردوغان، حدثت بعد أكثر من أسبوعين من اندلاع الأعمال العدائية حول ناغورنو كاراباخ في أواخر أيلول/سبتمبر 2020. لم تكن هناك معلومات عن اتصالات عبر قنوات أخرى (على سبيل المثال بين رؤساء الأركان العامة)، وأكَّد الكرملين أن الجانب التركي هو من بادر بالاتصال. إن الاعتبارات المتعلّقة بالتسبُّب في محنة للنظير المألوف منذ فترة طويلة، لن تؤدّي إلى أي ضبط في اتخاذ القرار بشأن حالات الأزمات الجديدة، ربما على العكس -يُنظر إلى كل فرصة لدفعه إلى عمق أكبر في المشاكل على أنها فرصة لا ينبغي تفويتها.

المسارح الرئيسية:

العوامل المترابطة والتداخُلات المَرِنة

تتأثر التفاعلات الجيواستراتيجية والجيواقتصادية رفيعة المستوى بين روسيا وتركيا وتتشوّه بشكلٍ متزايد، بسبب المواجهات في النزاعات الإقليمية ومناطق الحرب، لكل منها مزيج خاص من المؤثرين الخارجيين. ما هو ملحوظ في ديناميكيات هذه المواجهات، هو أن الطموحات المحدَّدة للزعيمين لا تتعارَض فحسب، بل أيضاً، أن المصالح الأساسية لروسيا وتركيا تتباعد بشكل متزايد. على سبيل المثال، في الأزمة الإيرانية ذات الأهمية العالمية، فإن موسكو، بغضّ النظر عن تعهُّداتها بشأن علاقات حسن الجوار، مهتمّة بشكلٍ أساسي بمنع تدفق النفط الإيراني إلى السوق العالمية، الأمر الذي من المؤكد أن يخفض السعر القياسي. أنقرة، على العكس من ذلك، مهتمّة بتوسيع صادرات النفط والغاز الإيرانية، وهو ما يتناسب تماماً مع فكرتها التي طالما اعتزّتها بإنشاء “مركز للطاقة”. هناك أربعة مسارح رئيسية بين روسيا وتركيا، وهي سوريا ومنطقة البحر الأسود وليبيا ومؤخّراً جنوب القوقاز.

المأزق السوري المتفجّر
هو الصراع الأول والأكثر تأثيراً، حيث شهدت روسيا وتركيا تصادُماً شديد الخطورة في السياسات، ثم تمكّنا من إرساء نمط من التعاون، قبل الدخول في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، هي سوريا. كان أردوغان ثابتاً (ولا يزال) ضد نظام بشار الأسد. لقد أدّى التدخُّل العسكري الروسي في أيلول/سبتمبر 2015 إلى تدمير مخططاته وجعل العلاقات الثنائية في الحضيض الخطير بحلول نهاية ذلك العام، حيث تصاعَد الاشتباك الناجم عن تدمير قاذفة روسية من طراز Su-24M تقريباً إلى مواجهة كاملة. وبالتالي، كان التقارُب الجديد في عام 2016 أكثر لفتاً للانتباه، عندما نجح بوتين في إشراك أردوغان في “صيغة أستانا” (إيران هي الطرف الثالث)، والتي أمّنت إخماداً فعَّالاً لمعظم النقاط الساخنة في الحرب الأهلية السورية من خلال إجلاء المتمرّدين المسلحين إلى محافظة إدلب. ومع ذلك، بحلول نهاية عام 2019، استُنفِدَت فائدة هذا الصيغة (كما أكّدت محاولة عقد اجتماع جديد في شباط/فبراير 2021)، وتبلورَ مأزق جديد في تحوُّل الحرب.
ما جعل التدخُّلات العسكرية الروسية والتركية في شمال سوريا ضد بعضهما البعض، هو القرار المفاجئ (وغير المنفَّذ بالكامل) للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسحب القوات الأمريكية من شرق سوريا، وهو ما يرقى إلى التخلّي عن قوّات سوريا الديمقراطية (قسد) بشكلٍ خطير. لم تهدر تركيا أيّ وقت في الاستفادة من هذا التراجع الأمريكي، وشنّت غزواً لاحتلال “منطقة أمنية” بعمق 30 كيلومتراً على طول حدودها مع سوريا، وهو ما دفع وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) إلى الجنوب. تمكّنت موسكو من التفاوض على حل وسط، منحَ تركيا السيطرة على الجزء الأوسط من هذه “المنطقة الأمنية” لكنها تركت مدناً رئيسية مثل عين العرب/كوباني ومنبج والقامشلي تحت سيطرة مشتركة لقوّات سوريا الديمقراطية وجيش الأسد. ليست هناك حاجة لإعادة سرد جميع النكسات الطفيفة في تنفيذ هذا الحل الوسط، والتي لا تزال قائمة حتى ربيع 2021، على الرغم من كونها غير مُرضِية لجميع الأطراف المعنية وأصحاب المصلحة الخارجيين الرئيسيين.
ما هو أساسي في فحص العلاقات الروسية التركية، هو الاحتمال القويّ أن يكون الطرفان قد تصرّفا بناءً على تفسير مختلف لاتفاق تشرين الأول/أكتوبر 2019. افترضَ بوتين أن منح أردوغان نصف رغبته يضمن موافقته على “تحرير” محافظة إدلب من قبل الجيش السوري والميليشيات الموالية لإيران مقابل النصف الآخر، لكن أردوغان رفض تلك الصفقة الضمنية. بدأ الهجوم المتصاعد في شباط/فبراير 2020، لكن تركيا أرسلت تعزيزات إلى إدلب رغم ارتفاع عدد الضحايا. ونفّذت سلسلة من الضربات الشديدة على القوات السورية، واستردّت بعض الأراضي المفقودة. سافر أردوغان إلى موسكو لتوضيح موقفه، واضطر بوتين إلى قبول وقف إطلاق النار، دون أن يكلّف نفسه عناء السؤال عن أي من آراء الأسد، ولكنه يعترف بحقيقة التأخير إلى أجل غير مسمّى، في تحقيق النصر النهائي في الحرب السورية المتغيِّرة باستمرار.
إن المشكلة الرئيسية لموسكو ليست حقيقة أن المتمرِّدين من مختلف الاتجاهات (بما في ذلك بعض ذرية القاعدة)، متمتّرسون في إدلب وتحميهم تركيا، بل إن مراوغة النصر تؤدّي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار غير القابل للاختزال لنظام الأسد. لا تستطيع روسيا توفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار بعد الحرب، وهو أمر ضروري لتعزيز قبضة الديكتاتورية على السلطة، ولا يمكنها الاعتماد على إيران التي تعاني من ضعف اقتصادي شديد لتتولّى زمام المبادرة في هذه المهمّة. حاولت موسكو في أواخر عام 2020 تنظيم مؤتمر دولي حول عودة اللاجئين في دمشق، لكن هذه المحاولة للسيطرة على الأجندة الإنسانية فشلت بسبب رفض الاتحاد الأوروبي القاطع للمشاركة، وبسبب جهود تركيا المنظّمة بشكل أفضل للعب قضية اللاجئين لمصلحتها الخاصة. روسيا عالقة في وضع غير مُربِح حيث لا يمكنها أن تعارِض بشكلٍ فعَّال عملية تركية جديدة محتمَلة، تهدف إلى دمج المزيد من المناطق الحدودية في “منطقتها الأمنية” ولا يمكن التغلُّب على الحماية التركية لـ “الملاذ الآمن” للمتمرّدين في إدلب. قد يتحوَّل هذا المأزق أكثر -وبالكاد لصالح روسيا – إذا سَعت إدارة بايدن إلى تعويض بعض الأخطاء الفادحة الأخيرة في السياسة الأمريكية، على سبيل المثال من خلال إلغاء “خيانة” ترامب للحلفاء الأكراد، أو من خلال إنكار سيطرة نظام الأسد بشدّة على الأراضي الواقعة شرق الفرات، والتي ستستفيد من تلقّي مساعدات دولية لإعادة الإعمار.

المياه المضطربة في منطقة البحر الأسود
يشكِّل البحر الأسود في حالة عدم وجود حدود برية، الواجهة الأكثر مباشرة في العلاقات الروسية التركية، ويوفر خطي أنابيب الغاز (Blue Stream، 2005، وTurkStream، 2020) عرضاً وطولاً اتصالاً مادياً. تم تغيير التكوين الاستراتيجي لهذا المسرح بشكل كبير من خلال الضم الروسي لشبه جزيرة القرم في ربيع عام 2015 والعسكرة الشديدة لشبه الجزيرة، بحيث تولّد أنظمة الرادار والصواريخ أرض – جو والصواريخ المضادة للسفن المنتشرة هناك “منع الوصول/إنكار المنطقة” (A2 / AD) “فقاعة” تغطّي الجزء المركزي بأكمله من هذا البحر. يضطر حلف الناتو إلى توسيع أنشطته في هذا المسرح والاهتمام به، وينخرط المقاتلون الروس بشغف في اعتراضات جوية ومضايقات لمدمرات البحرية الأمريكية الزائرة، بينما غالباً ما يتم إغلاق أجزاء كبيرة من البحر أمام التدريبات الروسية.
تتمتّع روسيا بسجلّ حافل في إظهار القوّة في هذا المجال، من مولدوفا في عام 1992 إلى جورجيا في عام 2008 ودونباس في عام 2015، بالنسبة لحلف الناتو، فإن التحدّي المتمثل في احتواء المزيد من الاعتداءات الروسية بشكلٍ فعال ضد شركاء رئيسيين مثل جورجيا وأوكرانيا لا يمكن مواجهته إلا من خلال التعاون العسكري المتقدم مع تركيا.
تعي موسكو تماماً هذا المتغيِّر في ميزان القدرات العسكرية، وتسعى لاستغلال كل فرصة لإفساد علاقات تركيا مع الناتو، وهو ما يؤجّج الجّدَل الناتج عن نشر نظام الصواريخ S-400. وتعوِّل روسيا على المزيد من الفرص الناشئة عن تركيز البحرية التركية على التوترات مع اليونان في بحر إيجه، ومن انشغال الولايات المتحدة بالمواجهة الجيوسياسية مع الصين، والتي تغيب في هذا المسرح. تسعى روسيا أيضاً إلى اللّعب على التوترات بين تركيا وبعض الدول العربية من خلال، على سبيل المثال إجراء مناورات بحرية مشتركة مع مصر في البحر الأسود. ومع ذلك، تظلّ تركيا ملتزمة بالمبادئ التوجيهية لاستراتيجية الناتو المعدَّلة لهذه المنطقة وتشارك في التدريبات المتزايدة، ولا تبذل أي جهود خاصّة لتخفيف المخاوف الروسية.
أحد الاقتراحات الصعبة في التخطيط الاستراتيجي الروسي هو احتمال إغلاق تركيا مضيق البوسفور أمام أسطول البحر الأسود، وهو خيار تركه اتفاقية مونترو (1936) مفتوحاً للأزمات الدولية الحادّة. يتكهّن المعلّقون الروس، بأن تركيا يمكن أن تلجأ إلى مثل هذه الإجراءات الصارمة فقط بدعم قوي من الناتو، بحيث يتم قطع خط الإمداد المهم للتجمُّع الروسي في سوريا ونشر سرب بحري أمريكي بعد فترة 21 يوماً (على النحو المنصوص عليه في قواعد مونترو) من شأنه أن يغيِّر التوازن العسكري في المسرح. ما يجعل مثل هذه التكهُّنات معقولة هو الموقف التركي من المواجهة نصف المجمَّدة حالياً بين روسيا وأوكرانيا. إن دعم أنقرة لقضية تتار القرم ليس سوى مصدر إزعاج بسيط لموسكو. يُعد التعاون العسكري مع أوكرانيا، وخاصّة تصدير أنظمة الأسلحة التركية، بما في ذلك الطائرات بدون طيار، مصدر قلق أكبر. تحرص الشركات التركية على الاستفادة من اتفاقية التعاون العسكري الموقعة خلال زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى اسطنبول في تشرين الأول/أكتوبر 2020 لإقامة مشاريع مشتركة مع المجمّع الصناعي العسكري الأوكراني سريع التحديث. يشعر الخبراء الروس بالقلق من أن هجمات الطائرات بدون طيار، يمكِن أن تكون عاملاً حاسماً في اندلاع أعمال عدائية جديدة محتمَلة في منطقة حرب دونباس، حيث لم يتم تحديد وقف إطلاق نار مستقر، ويتحوَّل ميزان القوى تدريجياً، لصالح الجيش الأوكراني الذي تمَّ إصلاحه وإعادة تجهيزه.
تميل القيادة التركية إلى إعطاء الأولوية للمناورات السياسية والعسكرية في شرق البحر الأبيض المتوسط على مسرح البحر الأسود، ولكن في السابق غالباً ما يتعيَّن عليها أن تلعب ضد الصعاب الكبيرة، بينما في الأخيرة لديها بعض المزايا الفريدة ويمكنها أن تمنح أو ترفض الأصول الحاسمة للناتو في المواجهة المتطوّرة مع روسيا. يمكن أن يؤدّي التعاون العسكري التركي مع أوكرانيا، إذا تمَّ تقديمه كما هو مخطَّط له، إلى إحباط الافتراضات الروسية بشأن هيمنة الصراع المستمر.

الفوضى العنيفة المتنازَع عليها في ليبيا
إن الحرب الأهلية التي طال أمدها في ليبيا لافتة للنظر، ليس فقط في التشرذم المرِن للمتحاربين المحليين، ولكن أيضاً في تنوُّع الأطراف الخارجية، بالنسبة لغالبيتهم فإن المخاطر في هذا الصراع منخفضة نوعاً ما، والأولوية التي يعلّقونها لتحقيق النصر هي أمر ثانوي في أحسن الأحوال. تقترب روسيا وتركيا من هذا الصراع الفوضوي من نقاط انطلاق مختلفة بشكلٍ لافت للنظر، وتسعى إلى تحقيق أهداف غير متوافقة. بالنسبة لبوتين، فإن الموت المروِّع لمعمّر القذافي هو تذكير بمصير الديكتاتوريين الذين يواجهون “الثورات الملوَّنة” التي رعاها الغرب. أما بالنسبة لأردوغان، فإن القتال المتأرجح يرمز إلى استمرار حلمه بأن “الربيع العربي” سيدفعه إلى موقع القيادة في العالم الإسلامي. نظرت الدولتان لمسار الحرب بلامبالاة حتى بداية عام 2019، وكانت روسيا هي التي اتخذت الخطوة الأولى، على افتراض أن الوقت قد حان لإحداث فرقٍ كبيرٍ بجهدٍ صغير وخالي من التكلفة.
أقام الجيش الروسي علاقات مع “اللواء الميداني” خليفة حفتر لبضع سنوات، وبدا خيار منح قواته المتنافرة ميزة حاسمة من خلال نشر حوالي 1000 من المرتزقة من “فاغنر” أمراً ممكناً. كانت موسكو قادرة على الحفاظ على موقف “الحياد”، لأن التدخُّل كان قابلاً لإنكاره بشكل ملائم. كان الهجوم الذي بدأ في نيسان/أبريل 2019 ناجحاً في البداية، ولكنه توقف بشكلٍ كبيرٍ في ضواحي طرابلس -وقد منح ذلك تركيا فرصة لإحداث فَرق من خلال التدخُّل المباشر. لم يكن أردوغان مهتمّاً على الإطلاق بقابلية الإنكار، وكان هدفه الرئيسي هو إجبار حكومة الوفاق الوطني المحاصَرة في طرابلس، على توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي كانت مشكوكاً فيها وفقاً لأي معايير دولية. أدّى انتشار المدربين الأتراك والطائرات بدون طيار والمرتزقة المنقولين من سوريا، إلى تحويل مسار الأعمال العدائية ودفع قوات حفتر إلى انسحاب غير منظّم، لم يوقفه سوى وصول عصابات جديدة من “فاغنر” وتدخُّل مصر بقوّة.
لا يزال المأزق الذي أعقب ذلك غير مستقر إلى حدٍ كبير، لكنه كافٍ لتفادي صِدام مباشر بين القوّات الروسية غير السرية، والتي تضم الآن سرباً من الطائرات المقاتلة، والقوّات التركية، التي تمَّ إضفاء الشرعية على انتشارها بموجب قرار البرلمان.
يناسب التوقف بشكل عام مصالح تركيا، التي تركِّز على إحداث تأثير على المشاريع الدولية، التي تركّز على تطوير وتصدير الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط. أما بالنسبة لروسيا، فهي غير مهتمّة بالنهوض بهذه المشاريع، التي يمكن أن تقوِّض مكانة غازبروم في سوق الغاز الأوروبية، ولا باستئناف تصدير النفط من ليبيا، وهو ما قد يؤدّي إلى مزيد من الانخفاض في السعر القياسي. العقد القديم لبناء خط سكة حديد بنغازي -سرت ليس له أي تمويل، ويعود اقتراح الحصول على قاعدة بحرية في بنغازي، إلى الحقبة السوفييتية، هو أمر غير ممكِن على الإطلاق. سَعت موسكو إلى تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، لا سيّما العلاقات مع مصر والإمارات العربية المتحدة، لكن اعتمادها على “فاغنر” المكشوفة والعارية أصبح عبئاً على السياسة الخارجية الساعية إلى الهيبة. كما أرادت أن تُظهِر لبكين، التي اضطرت إلى تنفيذ عملية صعبة في إجلاء حوالي 35 ألف عامل من ليبيا في عام 2011، أن روسيا يمكن أن تقوم بتدخُّلات خارجية، لن تجرؤ الصين على التخطيط لها -لكن هذا الإظهار كشفَ عن حدود قدرات روسيا، على استعراض القوّة والتواصُل السياسي.
إن تركيا بشكل عام راضية عن الوضع الراهن وتحتاج فقط إلى التأكُّد، من أن محادثات السلام التي تيسّرها الأمم المتحدة بأشكال مختلفة، لا تلغي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، كما هي موضع خلاف. ليس لدى روسيا الكثير لتساهِم به في المفاوضات، ويمكنها أن تدّعي دورها في التوازن المرن لمصالح الأطراف الخارجية فقط طالما استمرّت الأعمال العدائية. قد تحاول موسكو كسب ميزة على التجمُّعات التي تدعمها تركيا، والتي بالكاد تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني، لكن سيتطلّب مثل هذا اللعب على القوّة، التزاماً بالجهود والموارد التي أصبحت القيادة الروسية أقل استعداداً للقيام بها.

الشدّة الجديدة للصراع القديم في القوقاز
كان من المتوقع حدوث موجة جديدة من الصراع الأرمني الأذربيجاني حول ناغورنو كاراباخ، والتي بدأت مع تفكُّك الاتحاد السوفييتي، ووصل إلى ذروته، تلاه وقف إطلاق النار في عام 1994، حيث كان فقدان أراض شاسعة غير مقبول لأذربيجان المتزايدة الحزم. التي شنّت هجوماً تجريبياً في نيسان/أبريل 2016. كانت القيادة العليا الروسية على دراية بالاستعدادات الممَّولة تمويلاً جيداً في أذربيجان، لمحاولة حلّ عسكري معلَن سياسياً، لكن اتصالاتها المكثفة مع الجيش الأرميني أنتجت تقييمات تشير إلى هجوم محدود، من شأنه أن يحقق بعض النجاح التكتيكي، ويستنفذ قدرته ضد المواقع الدفاعية التي تمّ إعدادها منذ فترة طويلة، في غضون أسبوعين. ما أثبت خطأ هذه التقييمات وجاء كمفاجأة صعبة للكرملين، هو الدعم السياسي والمادّي القوي لأذربيجان من تركيا، والذي يمثل خروجاً عن استعداد أنقرة السابق للاعتراف بالنفوذ الروسي المهيمِن على القوقاز.
لم يشمل التدخّل التركي المباشر في مسار الحرب الشاملة المساعدة التقنية في شنّ هجمات بطائرات بدون طيار، ونقل المرتزقة من سوريا إلى خط المواجهة فحسب، بل شمل أيضاً نشر سرب من مقاتلات F-16 في القاعدة في أذربيجان. حاولت موسكو التمسُّك بموقفها التقليدي المتمثل في الحكم العادل والقوي، لكن هذا “الحياد” يرقى إلى حرمان أرمينيا من أي دعم في هذا الوضع، حيث كانت أذربيجان تتلقّى كل الدعم اللازم من تركيا. افترضت محاولات بوتين المبكرة للتفاوض على وقف إطلاق النار، أن الأعمال العدائية كانت تسير إلى طريق مسدود معتاد، وفشلت في توقع الانهيار الحتمي للدفاعات الأرمينية. لقد منحه هذا الوضع اليائس فرصة لتنظيم وقف القتال، لكن إعادة تشكيل دور روسيا في فرض السلام، بعيدة كل البعد عن الصلابة وقدرتها على الهيمنة على منطقة جنوب القوقاز المهدَّدة بشكل خطير.
يمكن لقوّة حفظ السلام المنتشرة بسرعة وخفيفة التسليح من حوالي 2000 جندي مراقبة وقف إطلاق النار، لكنها لا تستطيع منع الانتهاكات، وبالتأكيد لا يمكنها ضمان “حماية” روسية على خاصرة ناغورنو كاراباخ، كما هو موضح في بعض التحليلات. إن هشاشة الترتيبات المحدودة زمنياً لإدارة الصراع واضحة للغاية بالنسبة للأرمن، الذين ليس لديهم أمل أو حليف آخر يعتمدون عليه. ما بدا للكرملين أنه الإنجاز الرئيسي في هذه المناورة السريعة رفيعة المستوى، هو استبعاد تركيا من تنفيذ عملية السلام.
لا يزال يتعيَّن على موسكو قبول نشر 60 جندياً تركياً في مركز المراقبة المشترك بالقرب من مدينة آغدام (مدينة مهجورة في الجزء الجنوبي الغربي من أذربيجان وعاصمة مقاطعة آغدام)، الأمر الذي يضمن مراقبة وقف إطلاق النار من خلال طائرات بدون طيار. لا يمكن أن تقلل هذه المبادرة الروسية، حتى بدعم من نشر القوات الجديدة، من قوّة التحالف التركي الأذري الذي شُكِّلَ حديثاً، والذي ظهرت قوّته الرمزية في موكب النصر في باكو، الذي حضره أردوغان. وبغضّ النظر عن الرمزية، فإن القوّة الحقيقية لهذا التحالف، تكمُن في عمق العلاقات الاقتصادية والطاقة، والتي ستتلقى دفعة إضافية من فتح خط السكك الحديدية بين ناخيتشيفان وباكو، على النحو المنصوص عليه في الاتفاقية والمضمونة بالاستثمار الفوري.
حقيقة أن هيمنة روسيا على جنوب القوقاز قد تم اختراقها وإلغائها فعليًا، وليس من خلال توسيع الناتو أو الشراكة المتقدمة مع الاتحاد الأوروبي، ولكن من خلال التدخل التركي يصعب استيعابها في موسكو، حيث يواصِل العديد من الخبراء العاديين الجّدل حول غطرسة أردوغان واتساع تركيا. لا تخلو هذه المجادلة من بعض المزايا، لكنها تشير ضمناً، إلى الاعتراف بجودة جديدة من التوترات المتراكمة في الشراكة بين روسيا وتركيا، وتكشف عن المخاوف بشأن التوسُّع الروسي.

الخلاصة: بناء جسر رأسي فوق الانقسامات العميقة
اختبرَ عام 2020 المضطَّرب، الشراكة الروسية التركية الغامضة دائماً، وأدّى إلى تدهورها بشكل كبير، والتي أصبحت علاقة تقوم على المعاملات في أحسن الأحوال، وليست بالتأكيد علاقة “استراتيجية”. تأسيس العلاقات الاقتصادية، وقبل كل شيء تصدير الغاز الطبيعي الروسي إلى تركيا، قد ضعفت بشكل خطير. حتى لو عانت الدولتان من انتعاش اقتصادي في الأشهر المقبلة، وهو أمر غير مؤكَّد بأي حال من الأحوال، فإن تدفقات التجارة والاستثمار لن تتعافى. لا تدعم روسيا وتركيا في الحربين السورية والليبية المعلّقة مؤقتًا وغير الموافق عليها، الفصائل المتعارضة فحسب، بل تتلاعبان أيضاً بمخاطر المواجهة العسكرية المباشرة. كان التدخُّل التركي القويّ في حرب ناغورنو كاراباخ حاسماً في ضمان انتصار أذربيجان، وقلّل من قيمة الضمانات الأمنية الروسية لأرمينيا. كان هذا الاختراق أكثر إزعاجاً لموسكو مما يكشف عنه الخطاب الرسمي، ولا يمكن لنشر قوّة حفظ سلام روسية، أن يعيد القدرة على السيطرة على التطوّرات الأمنية في القوقاز. تكفي العلاقات الشخصية بين الزعيمين الطموحين لإيجاد نمط من عدم التضارُب في مناطق الحرب هذه، لكن انزعاجهما وانعدام الثقة بينهما يتراكم.
تخلق هذه التوترات الخفية والخلافات المدارة، حوافز لبعض السياسيين والخبراء الأوروبيين لاستكشاف فرص لتعميق الانقسام بين روسيا وتركيا، على غرار المقترحات الخاصّة بلعب روسيا ضد الصين التي قدّمها بعض النقاد في واشنطن العاصمة. يميل الخبراء الإيطاليون على وجه الخصوص، إلى تفضيل مثل هذه الفُرص، بحجّة أن ليبيا تقدِّم أكثر مناطق الصراع الواعدة من أجل “إبعاد” تركيا عن روسيا. لا تكمُن المشكلة في مثل هذه الأفكار في أن الاتحاد الأوروبي يجد صعوبة بالغة في صياغة موقف مشترك بشأن إدارة الصراع الليبي، بينما لا يملك أي شيء تقريباً، فيما يتعلّق بالنفوذ في القوقاز، والتعرُّض لمشاكل خطيرة فيما يتعلّق بمشاكل اللاجئين في سوريا.
القضية الأكثر خطورة هي الخلاف المتصاعِد تدريجياً في علاقات الاتحاد الأوروبي هي تركيا المعادية لليبرالية بشكل قاطع، والقومية بحزم. تمكَّن أردوغان من تعويض تآكل قاعدة دعمه الداخلي في عام 2020 من خلال تسجيل نقاط في مساعي خارجية، لكن آثار “الانتصارات” في ليبيا أو في القوقاز قصيرة الأمد حتماً. سيحتاج في الأشهر المقبلة، إمّا إلى إطلاق المزيد من التدخُّلات المكلِفة بشكلٍ متزايد، أو الضغط بقوّة أكبر على المعارضة السياسية في الداخل. من المؤكّد أن الأول سيتعارَض مع بعض المصالح الغربية، في حين أن الأخير لن يثير انتقادات فحسب، بل سيثير أيضاً عقوبات من الاتحاد الأوروبي والقيادة الأمريكية الجديدة. هناك مشكلة أكثر خطورة مع مقترحات سحب تركيا من روسيا، وهي الاحتمال الكبير لوقوع مواجهة عسكرية نتيجة انهيار شبه تحالفهم. إن الاتحاد الأوروبي غير مستعد للتعامل مع مخاطر مثل هذا النزاع العنيف، وبالتالي يجب عليه تجنُّب أي خطوات قد تجعل من الضروري سياسياً، تقديم دعم فعّال لتركيا. قد تحدُث أزمة بين النظامين على أي حال، وربما تكون أكثر خطورة من الشجار العاطفي في أواخر عام 2015. وقد يكون أحد المحفّزات المحتمَلة لذلك، هو تورُّط تركيا في تحديث الجيش والبحرية الأوكرانية. من المؤكّد أن إغلاق مضيق البوسفور أمام السفن القتالية الروسية سيثير تهديدات من موسكو، مدعومة بمظاهرات قويّة، ومن ثم ستطلُب تركيا كدولة عضو في الناتو الحماية. قد يجد الحلفاء أنه من الضروري ضمان أمن الأراضي التركية، بما في ذلك السيطرة على المضيق، لكن سيكون لديهم مرونة أكبر في هذا الرّد مقارَنة بالوضع الذي نشأت فيه الأزمة نتيجة لسياساتهم.

 

ترجمه لمركز أسبار: يوسف سامي مصري

رابط المقال:

Baev Turkey Russia 2021

زر الذهاب إلى الأعلى