الرئيسيالعالمدراسات وبحوث

أفغانستان: الخلفية والسياسة الأمريكية.. باختصار

كلايتون توماس - محلِّل في شؤون الشرق الأوسط

أفغانستان:

الخلفية والسياسة الأمريكية: باختصار
ظهرت أفغانستان كمصدر قلق كبير للسياسة الخارجية الأمريكية في عام 2001، عندما قادت الولايات المتحدة، ردًا على الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر 2001، حملة عسكرية ضد القاعدة وحكومة طالبان الأفغانية التي آوتها ودعمتها. عانت الولايات المتحدة في السنوات الـ 19 الماضية، أكثر من 22000 ضحية عسكرية (بما في ذلك حوالي 2400 قتيل) في أفغانستان وخصّص الكونغرس حوالي 144 مليار دولار لإعادة الإعمار وقوّات الأمن هناك. في ذلك الوقت، حلّت حكومة أفغانية منتخَبة محلّ طالبان. كان التحسُّن في معظم مقاييس التنمية البشرية محدوداً، وتظل آفاق المكاسب في المستقبل مختلطة.
تقوم الولايات المتحدة وشركاؤها الدوليون بسحب قواتهم العسكرية من أفغانستان كجزءٍ من الانسحاب الذي أعلنه الرئيس بايدن في 14 نيسان/أبريل 2021، وهو ما يبشر بنهاية محتمَلة للوجود العسكري الأمريكي في البلاد منذ ما يقرب من عقدين. التزمت إدارة ترامب في اتفاق شباط/فبراير 2020 مع طالبان، بسحب القوات العسكرية بحلول أيار/مايو 2021، مقابل ذلك التزمت طالبان بمنع الجماعات الأخرى، بما في ذلك القاعدة، من استخدام الأراضي الأفغانية للتجنيد أو التدريب أو جمع الأموال من أجل الأنشطة التي تهدّد الولايات المتحدة أو حلفائها. أكّد المسؤولون الأمريكيون أن طالبان لم تف بالتزاماتها، حيث ازداد العنف بين طالبان والحكومة الأفغانية واستمرّت روابط طالبان مع القاعدة، وفقاً لمراقبي عقوبات الأمم المتحدة.
لم يكن ممثلو الحكومة الأفغانية مشاركين في محادثات طالبان الأمريكية، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى استنتاج أن الولايات المتحدة ستعطي الأولوية للانسحاب العسكري على تأمين تسوية سياسية تحافظ على بعض المكاسب الاجتماعية والسياسية والإنسانية التي تحققت منذ عام 2001. التقى ممثلوّ الحكومة الأفغانية وطالبان رسمياً في الدوحة، قطر، بعد شهور من التأخير، في 12 أيلول/سبتمبر 2020، لبدء مفاوضات السلام المباشرة الأولى نحو مثل هذه التسوية، وهي لحظة مهمّة لها تداعيات مأساوية محتمَلة على مسار الصراع الأفغاني المستمر. تستمر المحادثات بين الجانبين لكنها لم تحرِز تقدّماً جوهرياً وتظلّ معقدة بسبب عددٍ من العوامل.
يبدو أن الولايات المتحدة في ضوء توقف المحادثات بين الأفغان، قد كثفت من جهودها للتوسط في اتفاق بينهم. ورد أن الولايات المتحدة قدّمت مسودة اتفاقية سلام “لتحريك” المفاوضات التي تتضمّن مجموعة متنوّعة من الخيارات، بما في ذلك تشكيل حكومة “انتقالية” مؤقتة، وهو ما رفضه الرئيس الأفغاني أشرف غني. وتوِّجت هذه الجهود بعقد مؤتمر أفغاني رفيع المستوى في تركيا مخطط له في نيسان/أبريل 2021، لكن طالبان رفضت الحضور واستمرّت في رفض المشاركة في مثل هذا الاجتماع. يتكهّن المراقبون بأي نوع من الترتيبات السياسية، إن وجدت، يمكن أن ترضي كلاً من الحكومة الأفغانية المنتخَبة وطالبان، الذين لم يحدِّدوا بالتفصيل رؤيتهم لمستقبل أفغانستان فيما يتجاوز تشكيل “حكومة إسلامية”.
سعى المسؤولون الأفغان إلى التقليل من تأثير الانسحاب العسكري الأمريكي على قدرات قواتهم، لكن تشير بعض التقييمات الأمريكية الرسمية إلى أن الانسحاب قد يؤدّي إلى مكاسب لطالبان في ساحة المعركة. أصبحت طالبان وفقاً للعديد من المقاييس، في وضع أقوى الآن من أيّ وقتٍ مضى منذ عام 2001، حيث تسيطر على ما يصل إلى نصف البلاد، على الرغم من أن العديد من مقاييس الحكومة الأمريكية ذات الصلة بالنزاع قد تم تصنيفها أو لم تعُد تُنتَج. قد تؤثر التغييرات المستقبلية في الترتيبات السياسية و/أو في البيئة الأمنية بدورها على نظر صنّاع السياسة في الولايات المتحدة للمستويات والشروط المستقبلية للمساعدة الإنمائية. من غير الواضح إلى أي مدى، إن كان هناك احتمال أن تستمر المساعدة الأمريكية لأفغانستان (التي لا تزال واحدة من أفقر دول العالم) فإنها تمثل نفوذاً على طالبان.

مقدّمة
يقدّم هذا التقرير معلومات أساسية وتحليلاً عن سياسة الولايات المتحدة في أفغانستان، مع التركيز على الانسحاب العسكري الأمريكي المستمر وانعكاساته على عددٍ من العوامل، بما في ذلك:
⦁ ديناميكيات الأمن والصراع المستمر بين الحكومة الأفغانية وطالبان
⦁ المكاسب الاجتماعية والسياسية التي تحققت في أفغانستان منذ عام 2001، و
⦁ المفاوضات بين الأطراف الأفغانية، التي بدأت في الدوحة، قطر، في أيلول/سبتمبر 2020، ولكن يبدو أنها توقفت منذ ذلك الحين.
كما يقدّم التقرير معلومات حول الأسئلة المتعلّقة بمستقبل مساعدات التنمية والأمن الأمريكية لأفغانستان (والتي بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 144 مليار دولار منذ عام 2001).

الخلفية: اتفاقية الولايات المتحدة وطالبان
وقع ممثلو الولايات المتحدة وطالبان بعد أكثر من عام من المفاوضات، اتفاقية ثنائية في 29 شباط/فبراير 2020، بالموافقة على ضمانين “مترابطين”: انسحاب جميع القوات الأمريكية والدولية بحلول أيار/مايو 2021، وإجراء غير محدَّد من قبل طالبان لمنع الجماعات الأخرى، (بما في ذلك القاعدة) من استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها. أكّد العديد من المسؤولين الأمريكيين في الأشهر التي أعقبت الاتفاقية، أن طالبان لم تفِ بالتزاماتها بموجب الاتفاقية، خاصّة فيما يتعلّق بالقاعدة (انظر الغامق النص أدناه).
وصف المسؤولون الأمريكيون أيضاً عنف طالبان المتزايد بأنه “غير متسق” مع الاتفاقية. وعلى الرغم من عدم وجود أحكام في الاتفاقية المتاحة للجمهور تتناول هجمات طالبان على القوات الأمريكية أو الأفغانية، ورد أن طالبان التزمت بعدم مهاجمة القوات الأمريكية في الملاحق غير العامة المصاحِبة للاتفاق. أثار بعض المشرِّعين تساؤلات حول قرار السلطة التنفيذية بتصنيف هذه الملاحق. وجّه الكونغرس في الباب 1217 من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2021 (NDAA، PL 116-283)، الإدارة إلى، من بين متطلبات أخرى، تقديم تقرير في غضون 90 يوماً بعد التشريع وما لا يقل عن 120 يوماً بعد ذلك، تقرير يتحقّق من أن طالبان تفي بالتزاماتها بموجب اتفاق شباط/فبراير 2020.

القاعدة وطالبان
لا يزال تنظيم القاعدة (AQ) يُقيَّم بأنه له وجود في أفغانستان ويبدو أن علاقاته المستمرّة منذ عقود مع طالبان ظلّت قوية في السنوات الأخيرة. أفاد مراقبو عقوبات الأمم المتحدة في أيار/مايو 2021، أن القاعدة ” “قلل من الاتصالات مع قيادة طالبان في محاولة” للتراجع “وعدم تعريض موقف طالبان الدبلوماسي للخطر”.
قتلت القوات الأفغانية في تشرين الأول/أكتوبر 2020، ناشطاً رفيع المستوى في القاعدة في إقليم غزنة بأفغانستان، حيث ورد أنه كان يعيش ويعمل مع قوات طالبان، الأمر الذي يؤكّد المزيد من التساؤلات حول صلات القاعدة وطالبان ونوايا طالبان فيما يتعلق بالقاعدة. تشير تقييمات الحكومة الأمريكية بشكل عام، إلى أن طالبان لا تفي بالتزاماتها المتعلقة بمكافحة الإرهاب فيما يتعلق بالقاعدة. على سبيل المثال، نقل مكتب المفتش العام لوزارة الدفاع في تقريره عن الربع الأخير من عام 2020، تقييماً من وكالة استخبارات الدفاع (DIA) مفاده أن طالبان تقيم علاقات مع القاعدة وأن بعض أعضاء القاعدة ” مدمَجين في قوات طالبان وهيكل القيادة” صرّحت وزارة الدفاع في تقرير نصف سنوي صدر في نيسان/أبريل 2021، “لقد حافظت طالبان على علاقات مفيدة للطرفين مع المنظمات المرتبطة بالقاعدة ومن غير المرجّح أن تتخذ إجراءات جوهرية ضد هذه الجماعات”.
الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان صامت بشأن آليات التحقق التي قد تكون موجودة لضمان امتثال طالبان، وإلى أي مدى (إن وجد) يمكن إيقاف الانسحاب الأمريكي مؤقتاً أو عكسه بناءً على عمل طالبان (أو التقاعس) فيما يتعلق بالقاعدة.

الانسحاب العسكري الأمريكي
بدأت الولايات المتحدة في سحب قواتها قبل التوصُّل إلى اتفاق شباط/فبراير 2020 واستمرّت في هذا الأمر بعد ذلك، على الرغم من تأكيدات الولايات المتحدة بأن عنف طالبان وأفعال أخرى لا تتفق مع الاتفاقية. أعلن القائم بأعمال وزير الدفاع آنذاك كريستوفر ميللر في 15 كانون الثاني/يناير 2021، أن عدد القوات الأمريكية وصل إلى 2500، وهو أدنى مستوى منذ عام 2001، في استكمال الانسحاب الذي أمر به الرئيس دونالد ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر2020. وفي14 نيسان/أبريل 2021 أعلن الرئيس جو بايدن، أن الولايات المتحدة ستبدأ “انسحابًا نهائيًا” في 1 أيار/مايو، على أن يكتمل بحلول 11 أيلول/سبتمبر 2021. اتهمَت طالبان الولايات المتحدة في ردٍ مكتوب، بخرق اتفاق شباط/فبراير 2020. وذكر الاتهام أن قرار الولايات المتحدة بالبقاء إلى ما بعد الأول من أيار/مايو “يفتح من حيث المبدأ الطريق أمام (قوات طالبان) لاتخاذ كل الإجراءات المضادة اللازمة، وبالتالي فإن الجانب الأمريكي سيكون مسؤولاً عن جميع العواقب المستقبلية”. قال مسؤول كبير في الإدارة بعد إعلان الانسحاب، “لقد أبلغنا طالبان بعبارات لا لبْس فيها أنهم إذا شنّوا هجمات ضد القوات الأمريكية أو القوات المتحالفة … فسنرد بقوة”. كما أعرب الرئيسان باراك أوباما ودونالد ترامب عن نيّة سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، في بعض الأحيان في مواعيد محدّدة، لكنهما لم يفعلوا ذلك خلال فترة ولايتهم. يقوم الناتو والدول الشريكة الأخرى (التي يفوق عدد قواتها عدد قوات الولايات المتحدة في أفغانستان) إلى جانب الانسحاب الأمريكي، أيضاً بتنفيذ انسحاب كامل.

تأثير الانسحاب العسكري الأمريكي: القوات الأفغانية وديناميكيات الأمن
أكَّد مسؤولو إدارة ترامب أن خفض القوات لن يؤدي بشكلٍ عام، إلى أي تغييرات كبيرة في المهمتين الأمريكيتين التكميليتين في أفغانستان: مكافحة الإرهاب والتدريب وتقديم المشورة ومساعدة القوات الأفغانية. ومع ذلك، أشار بعض المسؤولين العسكريين في ذلك الوقت إلى أن خفض مستوى القوات الذي أمر به الرئيس ترامب، قد يؤدّي إلى بعض التعديلات في العمليات الأمريكية وحدود القدرات الأمريكية. تساءل العديد من المراقبين الخارجيين، بما في ذلك مجموعة دراسة أفغانستان المكَّلفة من الكونغرس، عن مدى قدرة الولايات المتحدة على أداء مهام التدريب ومكافحة الإرهاب بمستويات مخاطر مقبولة مع 2500 جندي.

قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية
تُعتبر فعالية صندوق الدفاع الوطني الأفغاني مفتاحاً لأمن أفغانستان، ويُنظر إلى الدعم الأمريكي والدولي على نطاقٍ واسع على أنه أمرٌ بالغ الأهميةٍ لدعم قوّات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية ANDSF. قال الرئيس غني: “لن نتمكن من دعم جيشنا لمدّة ستة أشهر دون دعم (مالي) أمريكي”. قدّمت الولايات المتحدة عموماً منذ عام 2014، حوالي 75٪ من المبلغ المقدَّر بـ 5 مليارات دولار إلى 6 مليارات دولار سنوياً المطلوبة لتمويل صندوق الدفاع الوطني الأفغاني، مع توفير الرصيد المتبقّي من شركاء الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية. بالنسبة للسنة المالية 2021، خصّص الكونغرس ما يزيد قليلاً عن 3 مليارات دولار لقوّات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية، وهو أقل اعتماد سنوي منذ السنة المالية العام 2008.
لا يزال من غير الواضح كيف يمكن أن يؤثر الانسحاب العسكري الأمريكي على استعداد الكونغرس لمواصلة تقديم هذه المساعدة، والتي قد يرى البعض أنها غير كافية، في حدِّ ذاتها، للحفاظ على قدرة القوات الأفغانية على البقاء. في رسالة تم الإبلاغ عنها إلى الرئيس غني، صرح الوزير بلينكين، ” أشعر بالقلق حتى مع استمرار المساعدة المالية من الولايات المتحدة لقوَّاتكم بعد الانسحاب العسكري الأمريكي، أن الوضع الأمني سيزداد سوءاً ويمكن أن تحقق طالبان مكاسب إقليمية سريعة”. على أي حال، من المحتمَل أن تكون المساعدة الدولية المستمرّة ضرورية في المستقبل المنظور: أفاد البنتاغون في حزيران/يونيو 2020 أن “الاكتفاء الذاتي (المالي) الكامل بحلول عام 2024 لا يبدو واقعياً، حتى لو انخفضت مستويات العنف ومعها هيكل قوّات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية ANDSF بشكلٍ كبيرٍ”.
بلغ إجمالي عديد قوّات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية ANDSF أكثر من 307000 اعتباراً من كانون الثاني/يناير 2021. صُنِّفَتْ المقاييس الأخرى المتعلقة بقوّة وأداء ANDSF، بما في ذلك معدّلات الضحايا والاستنزاف، من قبل القوات الأمريكية في أفغانستان (USFOR-A) بدءاً من تشرين الثاني/أكتوبر 2017 تقرير المفتش العام الخاصّ بإعادة إعمار أفغانستان SIGAR الفصلي، نقلاً عن طلب من الحكومة الأفغانية، على الرغم من أن SIGAR قد نشر سابقاً هذه المقاييس كجزءٍ من تقاريرها ربع السنوية.
أعرب المسؤولون الأمريكيون في ظلّ إدارة بايدن، عن نيّتهم لمواصلة جهود مكافحة الإرهاب “عبر الأفق” بعد مغادرة القوات الأمريكية لأفغانستان. قال الرئيس بايدن، في خطابه يوم 14 نيسان/أبريل، “سنعيد تنظيم قدراتنا في مكافحة الإرهاب والأصول الكبيرة في المنطقة لمنع عودة ظهور الإرهابيين” في أفغانستان. تبقى الأسئلة حول الشكل الذي قد يبدو عليه مثل هذا الجهد في الممارسة العملية، وما هي التحدّيات اللوجستية والسياسية والمالية المحتمَلة، بما في ذلك إنشاء ترتيبات جديدة مع الشركاء الأفغان وخيارات إنشاء قواعد جديدة خارج أفغانستان.
سعى المسؤولون الأفغان إلى التقليل من أهمية التأثير الضار لانسحاب القوات الأمريكية، مع التأكيد على الحاجة إلى استمرار المساعدة المالية الأمريكية للقوات الأفغانية. قال رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميللي في مؤتمر صحفي في أيار/مايو 2021، إن “النتائج السيئة” ليست “حتمية”، بالنظر إلى ما وصفه بنقاط القوّة في الحكومة الأفغانية والجيش. بعض تقييمات الحكومة الأمريكية الأخرى أقل إيجابية: أفاد مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في تقييمه السنوي للتهديدات لعام 2021، أن “الحكومة الأفغانية ستكافح لإبقاء طالبان في مأزق إذا سحب التحالف دعمها”. قال المسؤولون العسكريون الأمريكيون إن الخيارات المختلفة، بما في ذلك التدريب عن بعد (الذي كان موجوداً إلى حدٍ كبير منذ ظهور جائحة COVID-19) أو تدريب الأفراد الأفغان في دول ثالثة، قيد النظر لمواصلة دعم القوات الأفغانية. قد يشكّل رحيل المتعاقدين الأمريكيين أيضاً تهديدات قصيرة المدى للقدُرات الأفغانية، نظراً لاعتماد القوّات الأفغانية على دعم المقاول لمعظم أعمال الصيانة. على سبيل المثال، قدَّر الجيش الأمريكي في تقرير شباط/فبراير 2021، أنه بدون دعم المقاول الممَّول من وزارة الدفاع، لا يمكن أن تستمر أي هياكل طائرات أفغانية في القتال الفعال لأكثر من بضعة أشهر. وبحسب ما ورد يفكّر المسؤولون العسكريون الأمريكيون في السعي للحصول على إذن بشنّ ضربات جوية (من المحتمَل أن تنطلق من القواعد الأمريكية في الخليج الفارسي) ضدّ طالبان في حالة تعرُّض كابول أو مدن رئيسية أخرى للخطر. قد يكون للانسحاب العسكري الأمريكي الكامل إلى جانب الآثار المباشرة على القوات الأفغانية وقدراتها، تأثيرات من الدرجة الثانية أو الثالثة على الدولة الأفغانية الهشّة، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بالتصوّرات المحلّية للنوايا الأمريكية وتأثير الانسحاب الأمريكي على القوّات الأفغانية. أشار بعض الأفغان، مستذكِرين الحرب الأهلية المعقدة والمتعدّدة الجوانب في التسعينيات، إلى أن مجتمعاتهم (وغالباً الميليشيات المرتبِطة بهم) قد تتبع مسارات عمل أكثر استقلالية، إذا كانت الحكومة الأفغانية غير قادرة على توفير الأمن في سياق انسحاب الولايات المتحدة. اقترح بعض القادة الأفغان أن استمرار الاقتتال الداخلي بين النخب الأفغانية، قد يشكّل تهديداً للنظام السياسي الأفغاني مثل طالبان.
تستمر عمليات طالبان، التي قُدرَت قوّتها بـ 60 ألف مقاتل بدوام كامل، ضد القوات الحكومية الأفغانية، بما في ذلك العديد من الهجمات على مستوى البلاد بعد بدء الانسحاب الأمريكي في الأول من أيار/مايو. دفع هجوم كبير شنّته طالبان في أيار/مايو 2021 الولايات المتحدة إلى شنّ غارات جويّة لدعم القوّات الحكومية الأفغانية في مقاطعة هلمند جنوب أفغانستان. تسيطر الجماعة على مساحة أكبر من الأراضي في عام 2021 أكثر من أي وقتٍ مضى منذ عام 2001 من خلال العديد من المقاييس (انظر الشكل 1).
الشكل 1
سيطرة طالبان والمناطق المتنازَع عليها

المصدر: The Economist (باستخدام البيانات والتحليلات من Long War Journal)

أفادت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان أنه في حين انخفض عدد الضحايا المدنيين في عام 2020 إلى أقل من 10000 للمرّة الأولى منذ عام 2013، ازداد العنف ضد المدنيين في الأشهر التي أعقبت بدء المفاوضات بين الأفغان في أيلول/سبتمبر 2020. تصاعدت الهجمات المستهدِفة في الأشهر الأخيرة. نفت حركة طالبان ضلوعها في اغتيال قضاة المحكمة العليا في كابول في كانون الثاني/يناير 2021 وهجمات أخرى، لكن الولايات المتحدة ودول أخرى أصدرت بياناً مشتركاً في 31 كانون الثاني/يناير 2021، متّهمةً “طالبان تتحمل المسؤولية عن غالبية هذا العنف المستهدَف” كما نفت طالبان مسؤوليتها عن هجوم 8 أيار/مايو 2021 الذي استهدف مدرسة للبنات في حيّ في كابول يسكنه الهزارة (أقلية شيعية عرقية)، أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 80 وإصابة ما يقرب من 150. ولم تُعلِن الجماعة الإقليمية التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليتها عن هذا الهجوم، على الرغم من أن تلك الجماعة استهدفت في كثير من الأحيان الهزارة الأفغان.

ولاية خراسان- الدولة الإسلامية
بعيداً عن طالبان، كان جزء كبير من العمليات الأمريكية يستهدف فرع تنظيم الدولة الإسلامية المحلّي، المعروف باسم تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان (ISKP، المعروف أيضاً باسم ISIS-K). تراوحت تقديرات قوّة ISKP بشكلٍ عام من 2000 إلى 4000 مقاتل حتى “انهارت” ISKP في أواخر عام 2019 بسبب الهجمات التي شنتها القوات الأمريكية والأفغانية، وبشكل منفصل، طالبان. يتقاتل تنظيم الدولة الإسلامية وقوات طالبان أحياناً للسيطرة على الأراضي أو بسبب الخلافات السياسية أو غيرها. قُتل عدد من قادة داعش في ضربات أمريكية منذ عام 2016، واعتقلت القوات الأفغانية اثنين من قادة التنظيم المتعاقبين في ربيع عام 2020. ويحذّر المسؤولون الأمريكيون من أن التنظيم لا يزال يمثل تهديداً، مشيرين إلى العديد من الهجمات البارزة المنسوبة إلى التنظيم في 2020. أفادت الأمم المتحدة أن عدد ضحايا هجمات تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان في عام 2020 انخفض بنسبة 45٪ عن عام 2019. يقترح البعض أن مشاركة طالبان في محادثات السلام أو التسوية السياسية المفترَضة قد تدفع المقاتلين الساخطين (أو العاطلين عن العمل حديثاً) للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان.
أعطت الحكومة الأفغانية الأولوية لوقف دائم لإطلاق النار، وهو ما رفضته طالبان، على الرغم من أنها أجرت في السنوات الأخيرة ثلاث هدنات محدودة خلال الأعياد الدينية (بما في ذلك منتصف أيار/مايو 2021). يشكّ العديد من المراقبين في أن توافق طالبان على التخلي عن العنف، الذي يمكن القول إنه مصدر نفوذهم الرئيسي، قبل التوصُّل إلى تسوية سياسية بين الأفغان، على الرغم من أن التخفيضات المستهدفة في العنف يمكن أن تمهّد الطريق لوقف إطلاق نار أكثر شمولاً.

تأثير الانسحاب العسكري الأمريكي: الديمقراطية وحقوق الإنسان في أفغانستان
أحرزت أفغانستان بكل المقاييس، تقدّماً في الاعتراف بحقوق الإنسان وحمايتها منذ انتهاء حكم طالبان في عام 2001. ومع ذلك، فإن حجم هذا التقدّم موضع خلاف، ويُزعم أن الكيانات المتحالِفة مع الحكومة تشارك في مجموعة من انتهاكات حقوق الإنسان. يختلف الخبراء حول مدى تغيُّر حركة طالبان منذ عام 2001، هذا إذا حدث ذلك أصلاً. لم تَصِف طالبان بالتفصيل خططها للحكم الأفغاني، لكن يتوقع الكثيرون تراجع المكاسب الاجتماعية والسياسية إذا عادت طالبان إلى السلطة بطريقة ما بعد الانسحاب العسكري الأمريكي. ينصّ الدستور الأفغاني لعام 2004 على نظام سياسي ديمقراطي يضمن الحرّيات الأساسية، بما في ذلك الدين والتعبير والتجمُّع وتكوين الجمعيات. كانت الانتخابات من الناحية العملية، مشحونة بانتظام باتهامات التزوير، وغالباً ما تكون المؤسّسات الحاكمة ضعيفة وغير فعَّالة. يمكن القول إن الدستور يخلق سلطة تنفيذية قوية للغاية، وهو ما يثني عن التسوية حيث تتنافس الفصائل المختلفة على الرئاسة ذات الأهمية القصوى في لعبة محصّلتها صفر. لطالما حُدِّدَ الفساد المستشري على وجه الخصوص باعتباره تهديداً قوياً يقوّض مؤسّسات الدولة الأفغانية، وينزع الشرعية عن الحكومة الأفغانية في نظر العديد من مواطنيها، ويثبط استثمارات القطاع الخاص وتنميته.
تشير التقارير السنوية المتتالية لوزارة الخارجية حول ممارسات حقوق الإنسان إلى انتشار انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. يبدو احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق المتساوية للمرأة، أكثر محدودية في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة.
ذكرت وزارة الخارجية أن طالبان نفّذت إعدامات علنية، واعترافات قسرية، وانتهاكات أخرى في ظلّ نظام العدالة الموازي، أن الجماعة تمارس سياسة التعبير بصرامة وتهاجم الصحفيين بشكل روتيني، وأنها تقيد وصول الفتيات إلى التعليم. يبدو أن هناك بعض التغييرات في خطاب طالبان وأفعالها منذ عام 2001، على الرغم من اختلاف الخبراء حول مدى وأهمية هذه التغييرات. يشير تقرير صحفي أفغاني صدر في نيسان/أبريل 2021 من المناطق التي تسيطر عليها حركة طالبان في مقاطعة هلمند إلى أنه، على الأقل في بعض المناطق، ليس لدى الجماعة الرغبة و/أو القدرة على فرض أنواع الضوابط المجتمعية التي حاولت تنفيذها. حتى عام 2001. يَفترِض بعض المحللين من الناحية السياسية، أنه من المرجّح أن تضغط طالبان من أجل الإشراف الديني على اتخاذ القرارات التنفيذية والتشريعية باعتبارها “هجيناً” من إمارتهم 1996-2001 ودولة على النمط الغربي.
ولم تقدّم طالبان، التي ركّزت على تأمين انسحاب القوات الأجنبية، تفاصيل مقترحاتها بشأن قضايا الحكم. قال نائب الزعيم السياسي لحركة طالبان الملا عبد الغني بارادار، في ملاحظاته في افتتاح المحادثات بين الأفغان في أيلول/سبتمبر 2020، “نسعى إلى أن تكون أفغانستان مستقلة، وذات سيادة، وموحَّدة، ومتطوّرة وحرّة، أفغانستان ذات نظام إسلامي يمكن لأبناء الأمة المشاركة دون تمييز”. كتب بارادار في شباط/فبراير 2021، أن الجماعة ملتزمة بحماية حقوق معيّنة بشروط، مثل “جميع حقوق المرأة التي تمنحها إياها الشريعة الإسلامية” و “حرّية التعبير في إطار المبادئ الإسلامية والمصالح الوطنية”. وفي مقابلة أجريت في حزيران/يونيو 2021، أشار متحدِّث باسم طالبان إلى إقامة “حكومة إسلامية” على أنها “الهدف الثاني” للجماعة (بعد رحيل القوات الأجنبية من أفغانستان)، مضيفاً أنه “إذا لم يتم الوصول إلى هذا الهدف الثاني، فسنضطّر لمواصلة حربنا لتحقيق هدفنا”.
يُعبّر القادة الأفغان عن تصميمهم على الحفاظ على المؤسّسات الديمقراطية في أفغانستان ودستورها، الذي يرسّخ الإسلام كدين للدولة، ولكنه لا يربط بالضرورة التشريع وصنع السياسة الوطنية بالفقه الديني. قال رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية عبد الله عبد الله في مقابلة أجريت في أيلول/سبتمبر 2020: “بالنسبة لي، شخص واحد، صوت واحد- لا أصف أي شيء بالخط الأحمر لكن هذا أمر بالغ الأهمية… ولن تحصل التسويات بشأن هذه الأمور بنا إلى السلام”. صرَّح الرئيس أشرف غني أن حكومته لن تُبرم أيّ اتفاق يحدُّ من حقوق الأفغان، مضيفاً أن أيّ اتفاق لسحب القوات الأمريكية لم يشمل مشاركة كابول قد يؤدّي إلى “كارثة”، مشيراً إلى الحرب الأهلية في حقبة التسعينيات في أعقاب سقوط الحكومة المدعومة من الاتحاد السوفييتي والتي أدّت إلى صعود طالبان.
وقد اقترح بعض الأفغان وغيرهم من المراقبين الدوليين تشكيل حكومة مؤقتة، بحجّة أن استمرار رفض طالبان الاعتراف بالحكومة الأفغانية قد يجعل هذه الخطوة ضرورية. وقد رفض الرئيس غني ومسؤولون أفغان آخرون مثل هذه المقترحات، بما في ذلك من الولايات المتحدة.
تشير التقارير الصحفية إلى أن الأفغان الذين استفادوا من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية خلال العقدين الماضيين ينظرون بحذر إلى سحب القوات الأمريكية. قال الرئيس بايدن، في تصريحات أعلن فيها عن خطّة الانسحاب، “سنواصِل دعم حقوق النساء والفتيات الأفغانيات من خلال الحفاظ على مساعدات إنسانية وتنموية كبيرة”. من غير الواضح إلى أي مدى، إن وجِدَت، قد تكون المساعدة الأمريكية قادرة على تشكيل مسار احترام حقوق الإنسان في أفغانستان إذا أصبح السياق السياسي والحكمي الأوسع أقلّ ترحيباً، أو ما إذا كانت هذه المساعدة قد تمثل حافزاً قوياً بما يكفي لتشكيل مقاربات طالبان لحقوق الإنسان أو الديمقراطية.

المحادثات بين الأفغان والجهود المبذولة لتحقيق التسوية
بدأت المحادثات بين الأطراف الأفغانية بهدف التوصُّل إلى تسوية سلمية شاملة في الدوحة، قطر، في أيلول/سبتمبر 2020، الأمر الذي يمثل خطوة رئيسية نحو حلّ الصراع. التقى الطرفان بشكلٍ متقطّع في الأشهر الأخيرة، لكن يبدو أنهما متباعدان بشأن القضيتين الرئيسيتين اللتين يبدو أنهما محوريتان في المحادثات- الحدُّ من العنف وتحديد الهيكل المستقبلي للدولة الأفغانية وتوجُّهها.
ألزم اتفاق الولايات المتحدة وطالبان طالبان، بالدخول في محادثات مع الحكومة الأفغانية بحلول آذار/مارس، لكن المفاوضات ظلت غير مجدوَلة لعدّة أشهر وسط تعقيدات منها الجمود في كابول بسبب الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها في أيلول/سبتمبر 2019، والتأخير في تبادل الأسرى بين طالبان والحكومة الأفغانية والعنف المستمر.
اتفق الرئيس الأفغاني أشرف غني وعبد الله عبد الله، الخصم الانتخابي لغني والشريك السابق في حكومة الوحدة، في أيار/مايو 2020 على إنهاء المأزق السياسي بينهما وتعيين عبد الله رئيساً للمجلس الأعلى للمصالحة الوطنية المُنشأ حديثًاً للإشراف على المحادثات مع طالبان. اكتمل تبادل الأسرى في أوائل أيلول/سبتمبر 2020، الأمر الذي أزال العقبة الرئيسية أمام المحادثات الأفغانية الداخلية، التي بدأت في الدوحة في ذلك الشهر. التقى الجانبان بشكلٍ متقطع في الأشهر الأخيرة، ووصف البعض المحادثات بأنها متوقفة.
يشكّ البعض في مصداقية طالبان ويعبِّرون عن قلقهم من أنه في غياب الضغط العسكري الأمريكي، لن يكون لدى الجماعة حافزاً كبيراً للامتثال لشروط أيّ اتفاق يتم التوصُّل إليه مع كابول. وبحسب ما ورد يشتبه بعض المسؤولين الأفغان في أن طالبان تحاول “استنفاذ الوقت في انسحاب القوات الأمريكية”، والبقاء في المفاوضات لفترة كافية لتأمين انسحاب أمريكي كامل، وبعد ذلك سوف يستفيدون من ميزتهم في ساحة المعركة للسيطرة على البلاد بالقوّة. ومع ذلك، ورد أن بعض الأفغان على الأقلّ يدعمون “السلام بأيّ ثمن” نظراً لعقود من الصراع التي عانت البلاد من خلالها.

تسريع الجهود الدبلوماسية الأمريكية
أطلقت إدارة بايدن في ربيع عام 2021، مع عدم إحراز أي تقدُّم واضح بالمحادثات في الدوحة، حملة دبلوماسية أمريكية مكثفة للتوسُّط في اتفاق بين الأفغان. في 7 آذار/مارس 2021، نَشرت وسائل الإعلام الأفغانية TOLOnews رسالة غير مؤرّخة من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين إلى الرئيس غني. وبحسب ما ورد طلب الوزير بلينكن في الرسالة من الرئيس غني ممارسة “قيادة عاجلة” في تشكيل “جبهة موحّدة” مع القادة السياسيين الأفغان الآخرين.
وبحسب ما ورد أعدَّت الولايات المتحدة أيضاً مشروع اقتراح سلام لينظر فيه المفاوضون الأفغان (نُشر نصّه أيضاً من قبل TOLOnews). تقترح الوثيقة، التي وُصفت بأنها “تهدف إلى تنشيط” المحادثات من خلال توفير بدائل ملموسة لتقاسم السلطة، وتشكيل “حكومة سلام انتقالية”، بما في ذلك اختيار رئيس جديد “مقبول لكلا الجانبين”. كما تقترح الوثيقة تغييرات محتمَلة في البرلمان الأفغاني ومجالس المقاطعات (في كلتا الحالتين إما بإضافة أعضاء من طالبان إلى الهيئات الحالية أو تعليقهما أثناء الحكومة الانتقالية)، إنشاء مجلس أعلى جديد للفقه الإسلامي “لمراجعة” التشريعات “لضمان الامتثال” للإسلام، وكتابة دستور جديد من قبل لجنة مكونة من 21 عضواً.
تُوِّجت هذه الجهود الأمريكية في عقد “اجتماع رفيع المستوى” في اسطنبول، تركيا في أواخر نيسان/أبريل “لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق”، وفقاً لرسالة الوزير بلينكن.
في 13 نيسان/أبريل، بعد وقت قصير من نشر التقارير حول قرار الرئيس بايدن الإبقاء على القوات الأمريكية في أفغانستان إلى ما بعد 1 أيار/مايو، كتب متحدّث باسم طالبان على تويتر أنه “(حتى) تنسحب جميع القوات الأجنبية تماماً من وطننا… “طالبان” لن تشارك في أي مؤتمر يتخذ قرارات بشأن أفغانستان”. أجّلت تركيا الاجتماع إلى أجلٍ غير مسمّى، وبحسب ما ورد رفضت طالبان الحضور ما لم يكن الاجتماع قصيراً ويتألف من وفود منخفضة المستوى لن تتخذ قرارات بشأن القضايا الحاسمة.
من جانبه، اقترح الرئيس غني إجراء انتخابات رئاسية في غضون ستة أشهر لن يترشح فيها، بحسب مستشارٍ كبير. ورداً على هذه التقارير، رفضت طالبان مثل هذه الخطّة، بحجّة أن الانتخابات السابقة “دفعت بالبلد إلى حافة الأزمة”. يُنظر إلى الرئيس غني على نطاقٍ واسع على أنه ضعيف ومعزول بشدّة، ويُقال إن المسؤولين الأمريكيين “فقدوا صبرهم” معه ورفضه التفكير في التنحّي.

الديناميكيات الإقليمية: باكستان ودول أخرى
تؤثر الديناميكيات الإقليمية ومشاركة القوى الخارجية بشكلٍ مباشر على الصراع في أفغانستان. والدولة المجاورة التي تعتبر الأكثر أهمية في هذا الصدد هي باكستان، التي لعبت دوراً نشطاً، وسلبياً حسب العديد من الروايات، في الشؤون الأفغانية على مدى عقود. تحافِظ الأجهزة الأمنية الباكستانية على روابط مع الجماعات الأفغانية المتمرّدة، وعلى الأخصّ شبكة حقاني. (جماعة جهادية مسلحة تضم أكثر من 10 آلاف مقاتل، متحالفة مع طالبان تتشكل من عدة مجموعات. أُخذ اسم هذه الشبكة من مولوي جلال الدين حقاني.)
عزا القادة الأفغان، إلى جانب القادة العسكريين الأمريكيين، الكثير من قوّة التمرُّد وطول عمره إما بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الدعم الباكستاني. طلبت إدارة ترامب مساعدة إسلام أباد في المحادثات الأمريكية مع طالبان بعد عام 2018، وكانت التقييمات الأمريكية لدور طالبان بشكلٍ عام أكثر إيجابية منذ ذلك الحين. على سبيل المثال، شكر خليل زاد باكستان لإطلاق سراح بارادار من الحجز في تشرين الأول/أكتوبر 2018 وتسهيل سفر شخصيات طالبان إلى المحادثات في الدوحة، كما أعرب وزير الدفاع لويد أوستن “عن امتنانه” لنظيره الباكستاني في آذار/مارس 2021 لـ “دعم باكستان المستمر لـ “عملية السلام الأفغانية “. غير أن القادة الباكستانيين يؤكّدون أن بلادهم لن تستضيف قواعد أمريكية بعد الانسحاب العسكري من أفغانستان.
على الرغم من تصريحات القيادة الباكستانية الرسمية على عكس ذلك، قد تنظر إسلام أباد إلى أفغانستان الضعيفة والمزعزعة على أنها أفضل من دولة أفغانية موحَّدة وقوية (لا سيّما تلك التي تقودها حكومة يهيمن عليها عرق الباشتون في كابول، باكستان لديها أقلية كبيرة ومضطربة من الباشتون). تزداد العلاقات الأفغانية الباكستانية تعقيداً بسبب وجود أكثر من مليون لاجئ أفغاني في باكستان، فضلاً عن الخلاف العرقي الطويل الأمد حول حدودهما المشتركة التي يبلغ طولها 1600 ميل. يبدو أن المؤسَّسة الأمنية الباكستانية، التي تخشى الحصار الاستراتيجي من قبل الهند، تواصِل النظر إلى طالبان الأفغانية على أنها عنصر صديق نسبياً ومعادٍ للهند في أفغانستان. يؤدّي الوجود الدبلوماسي والتجاري للهند في أفغانستان – والدعم الخطابي الأمريكي لها – إلى تفاقم مخاوف الباكستانيين من التطويق. كانت الهند أكبر مساهم إقليمي في إعادة إعمار أفغانستان، لكن نيودلهي لم تظهر ميلًا لمتابعة علاقة دفاعية أعمق مع كابول، ووفقاً لتقرير إعلامي في حزيران/يونيو 2021، فتحت قنوات اتصال مع قادة طالبان.
تُحافظ أفغانستان في الغالب على علاقات ودّية مع جيرانها الآخرين، ولا سيّما دول ما بعد الاتحاد السوفياتي في آسيا الوسطى، والتي كان دورها في أفغانستان محدوداً نسبياً ولكن يمكن أن يزداد. حذّر العديد من القادة العسكريين الأمريكيين في العامين الماضيين، من زيادة مستويات الدعم لطالبان من روسيا وإيران، وكلاهما أشار إلى وجود فرع لتنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان لتبرير أنشطتهما. تمَّ الإبلاغ عن مشاركة كلاهما في عام 2020 بشكلٍ مباشر، بما في ذلك دعم هجمات طالبان ضد القوات الأمريكية. عارَضت الدولتان حكومة طالبان في أواخر التسعينيات، لكن يُقال إنهما ينظران إلى طالبان على أنها نقطة مفيدة للضغط في مواجهة الولايات المتحدة. قد تمثل أفغانستان أيضاً أولوية متزايدة بالنسبة للصين في سياق التطلُّعات الصينية الأوسع في آسيا والعالم.

الاقتصاد والمساعدات الأمريكية
قدَّمت الولايات المتحدة بالإضافة إلى وجودها العسكري الطويل الأمد، مساعدة إنمائية كبيرة لأفغانستان. خصَّص الكونغرس منذ السنة المالية 2002، حوالي 144 مليار دولار من المساعدات الإجمالية لأفغانستان، مع حوالي 61٪ للأمن و25٪ للحوكمة (governance) والتنمية (مع 14٪ الباقية للعمليات المدنية والمساعدات الإنسانية). قدَّر تقرير تكلفة الحرب الفصلي لوزارة الدفاع تكلفة العمليات القتالية الأمريكية (بما في ذلك أنشطة الدعم الإقليمي ذات الصلة ودعم القوات الأفغانية) اعتباراً من كانون الأول/ديسمبر 2020 بمبلغ 824.9 مليار دولار منذ العام المالي 2002.
يمكن أن يؤثر الانسحاب العسكري الأمريكي على مستوى وأنواع المساعدة التي قد تقدّمها الولايات المتحدة لأفغانستان. أثار بعض الأعضاء مخاوف من أن الانسحاب قد يُضعف قدرة الولايات المتحدة على مراقبة توزيع وفعّالية المساعدات الأمريكية، وهو مصدر قلق طويل الأمد للولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، انخفض عدد الموظّفين الموجودين في أفغانستان تحت سلطة رئيس البعثة (معظمهم من موظفيّ وزارة الخارجية أو الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية) بشكلٍ مطرد خلال إدارة ترامب وبشكل ملحوظ بعد انتشار جائحة فيروس كورونا 2019 (COVID-19).
بالإضافة إلى ذلك، قد تؤثر المساعدة الأمريكية، وبالتالي تتأثر بالمحادثات بين الأفغان والتسوية المحتمَلة. قال الممثل الخاصّ خليل زاد في شهادته أمام الكونغرس في أيلول/سبتمبر 2020 “إننا ملتزمون على المدى الطويل فيما يتعلّق بتقديم المساعدة لأفغانستان”، لكن قرارات الولايات المتحدة ستعتمد على نتيجة المفاوضات الأفغانية، كما أكّد مسؤولون أمريكيون آخرون. يظلّ تخصيص تمويل المساعدة من صلاحيات الكونغرس. ليس من الواضح إلى أي مدى (إن وجِد) قد يؤدّي احتمال حدوث تغييرات في المساعدة المالية الأمريكية والدولية إلى الضغط أو خلق نفوذ أمريكي على سلوك وسياسات طالبان أو الحكومة الأفغانية.
يمكن أن تصبح المساعدة الإنمائية الأمريكية والدولية أكثر أهمية إذا أدّى الانسحاب العسكري للولايات المتحدة والحلفاء إلى زيادة ضعف الاقتصاد الأفغاني، الذي يُعد بالفعل من بين أصغر الاقتصادات في العالم.
نما الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان بمعدل 7٪ سنوياً منذ عام 2003، لكن معدّلات النمو تراوحت بين 2٪ و3٪ في السنوات الأخيرة وأعاقت عقود من الحرب تطوُّر معظم الصناعات المحلية. قال الرئيس غني في تموز/يوليو 2020 إن 90٪ من الأفغان يعيشون تحت مستوى الفقر الذي حدّدته الحكومة وهو دولاران في اليوم. يبدو أن انسحاب قوّة أمريكية أصغر بكثير ممّا كان عليه قبل عقد من الزمن سيكون له آثار اقتصادية ثانوية أقلّ دراماتيكية بالنسبة لأفغانستان من الانسحاب الذي أعقب عام 2012، والذي ساعد على تحفيز “تدهور اقتصادي حادّ”. ومع ذلك، قد يشكّل الانسحاب المقترَح مخاطر على الاقتصاد الأفغاني الذي يعاني من آثار جائحة COVID-19، الذي أصاب عشرات الآلاف من الأفغان (من المحتمَل أن يكون الرقم يقلل من حجم الفيروس في أفغانستان بسبب الاختبارات المحدودة للغاية). يمكن أن تحسّن الموارد الطبيعية المتخلفة إلى حدٍ كبير في أفغانستان و/أو الموقع الجغرافي على مفترق طرق التجارة العالمية المستقبلية الحياة الاقتصادية للبلاد، وبالتالي ديناميكياتها الاجتماعية والسياسية. ومع ذلك، لا تزال التوقعات الاقتصادية لأفغانستان غير مؤكّدة، إن لم تكن سلبية، في ضوء الانخفاض المحتمَل في الاستثمار والمشاركة الأمريكية والدولية.

توقعات وقضايا للكونغرس
أثار إعلان الرئيس بايدن في نيسان/أبريل 2021 عن نيّته سحب القوات الأمريكية بالكامل بحلول 11 أيلول/سبتمبر 2021 إشادة وانتقادات من بعض أعضاء الكونغرس، الذين ناقشوا منذ فترة طويلة التكاليف والفوائد النسبية للوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان. رحّب البعض بالإعلان، مشيرين إلى ما وصفوه بنجاحات الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب أو الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات المصالح العالمية للولايات المتحدة. وحثَّ أعضاء آخرون الرئيس بايدن على إعادة النظر لصالح نهج قائم على الشروط. إن الرغبات المتنافِسة الطويلة الأمد بين البعض في الكونغرس لإنهاء “الحروب الأبدية” والحفاظ على المكاسب في أفغانستان التي تحققت جزئياً من خلال التضحيات الأمريكية الكبيرة، يمكن أن تشكّل إشراف الكونغرس على سياسة إدارة بايدن حيث تخطّط الإدارة لإنهاء ما يقرب من عقدين من الجيش الأمريكي في وقت لاحق في عام 2021.
قد يركّز اهتمام الكونغرس للمضي قدماً، بشأن أفغانستان، على المساعدة الأمريكية، وتحديداً ما هي المستويات والظروف التي يمكن أن تُحقق أولويات السياسة الأمريكية بشكلٍ أفضل. يوفر الكونغرس في قانون الاعتمادات الموحّدة، 2021 (P.L. 116-260)، أموالاً معيَّنة لمجموعة من الأنشطة في أفغانستان، بما في ذلك برامج مكافحة الفساد، ودعم التعليم العالي، وحماية حقوق النساء والفتيات الأفغانيات. كما يحظِّر استخدام الأموال وفقاً للقيود المفروضة أولاً في قانون تخصيصات السنة المالية 2019، بما في ذلك القيود المفروضة على تمويل المشاريع التي لا تستطيع الحكومة الأفغانية تحمُّلها، أو التي يتعذّر الوصول إليها من أجل الإشراف الفعّال. قد تصبح هذه الظروف أكثر صعوبة إذا تدهورت الظروف الأمنية بعد انسحاب الولايات المتحدة. كما خصَّص الكونغرس أيضاً أموالاً كبيرة لقوّات الأمن الأفغانية.
من غير الواضح على نطاق أوسع، إلى أيّ مدى، إن وجِد، قد تشجّع المساعدة الخارجية الأمريكية طالبان، على قبول العناصر الأساسية في دستور أفغانستان وحكم ما بعد عام 2001، يَنظر العديد من صانعي السياسة الأمريكيين إلى النظام الديمقراطي في أفغانستان، حتى مع عيوبه الكبيرة، على أنه نجاح للجهود الأمريكية والدولية. وهنا، تختلف وجهات النظر الرسمية حول موقف طالبان. يؤكّد بعض مسؤوليّ الإدارة أن طالبان يقولون إنهم يريدون مساعدة دولية. وعلى النقيض من ذلك، ذكر تقييم مجلس الاستخبارات الوطني الذي رُفِعت عنه السرية مؤخّراً أنه في حين أن “رغبات طالبان في المساعدات الخارجية والشرعية قد تلطّف سلوكها بشكلٍ هامشي بمرور الوقت،” على الأقل في البداية “من المحتمَل أن تركّز طالبان على بسط السيطرة وفقاً لشروطها الخاصّة”. وقدَّرت هيئة الاستخبارات الوطنية أن سيطرة طالبان “ستؤدّي إلى تراجع الكثير من التقدّم الذي أُحرِزَ على مدى عقدين من الزمن” بالنظر إلى “نهج طالبان التقييدي لحقوق المرأة”. وقد أعرب بعض أعضاء الكونغرس عن نيّتهم ​​عدم دعم المساعدة لأفغانستان، إذا عادت طالبان إلى السلطة ودحرَت حقوق المرأة. وعلى العكس من ذلك، قد ينظر الكونغرس أيضاً في العقوبات، باعتبارها وسيلة ضغط محتمَلة، نظراً لاحتمال أن ترفض العقوبات الأمريكية الاستثمار الأجنبي المطلوب من حكومة أفغانية مستقبلية محتمَلة تضم طالبان أو تهيمن عليها. كيف تتناسب أفغانستان مع الاستراتيجية الأمريكية الأوسع نطاقاً هي قضية أخرى يمكن للأعضاء الانخراط فيها، لا سيّما بالنظر إلى الأولويات المالية المتنافِسة في ضوء جائحة COVID-19 بالإضافة إلى أولويات السياسة الأمريكية المتنافسة.

مصدر البحث:
Congressional Research Service https://crsreports.congress.gov R45122

ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري

 

زر الذهاب إلى الأعلى