الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

تُقدِّم أفغانستان فرصة لإصلاح العلاقات بين تركيا والناتو

كوهي إيماي

اشترت تركيا، العضو في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 2019، نظام الصواريخ S-400 من روسيا، وهو ما صدم حلفاء الناتو الآخرين بخطوة غير مسبوقة قد تمهّد الطريق لخرق أمني خطير لصالح روسيا. الأمر الذي لا يثير الدهشة، أن قرار تركيا خلق حالة من عدم الثقة في التحالف. فرضت الولايات المتحدة رداً على نشر تركيا لأنظمة S-400 في تشرين الأول/أكتوبر 2020، عقوبات على تركيا في كانون الأول/ديسمبر، من خلال مشروع قانون بعنوان “قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات” (CAATSA).
شعرت تركيا بالنظر إلى هذه الخلفية، أنه من الضروري استعادة الثقة في الناتو من خلال المساهمة في مهام الناتو. كان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان من وجهة نظر تركيا، فرصة ذهبية. في الواقع، التزمت تركيا قبل وقت طويل من بيان الانسحاب الأمريكي الأخير، بمساعدة قوّة المساعدة الأمنية الدولية (ISAF) في أفغانستان بدءاً من آب/أغسطس 2003. وتسعى أنقرة في ضوء دورها البنّاء في إطار مهمة ISAF، لإظهار مساهمتها لحلف الناتو من خلال الجمع بين هويتها الإسلامية ودورها الفريد في الناتو، مما قد يمكّنها من فتح قناة حوار مع طالبان.

مساهمة تركيا في إعادة الإعمار في أفغانستان
كانت أفغانستان الدولة الثانية التي اعترفت بحكومة أنقرة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك عام 1921حافظت تركيا وأفغانستان على علاقات جيدة منذ ذلك الحين. إن للسياسة الخارجية التركية وفقاً لوزارة الخارجية التركية، أربع ركائز لأفغانستان: (1) الحفاظ على وحدة أفغانستان وسلامته، (2) توفير الأمن والاستقرار، (3) تعزيز هيكلها السياسي، (4) استعادة الوضع الطبيعي، والسلام والازدهار من خلال القضاء على الإرهاب والتطرُّف. بعبارة أخرى، تسعى تركيا إلى تحقيق الاستقرار في أفغانستان من خلال تحسين البنية التحتية والوضع الأمني.
تدير تركيا من أجل تحقيق هذه السياسة، آليات قوّتها الناعمة مثل وكالة التعاون الدولي التركية (TİKA). وفقاً لتقرير مساعد التنمية الصادر عن TİKA والذي نُشر في عام 2019، فإن أفغانستان هي خامس أكبر متلقٍ (32.94 مليون دولار) من مساعدات التنمية، وأكبر متلقٍ في أقل البلدان نموَّاً. خططت وكالة التعاون الدولي التركية TİKA لحوالي 1300 مشروع، معظمها في مجالات التعليم والصحة. قامت تركيا بالإضافة إلى أنشطة TİKA، بتنسيق التعاون متعدّد الأطراف. ويُعتَبر منتدى اسطنبول مثال جيد. قام مركز الفكر التركي TEPAV، التابع لاتحاد الغرف وبورصات السلع في تركيا (TOBB)، بتنسيق اتحاد الغرف وتبادل السلع في باكستان، واتحاد الغرف وتبادل السلع في أفغانستان. عزّز منتدى اسطنبول، الذي عَقد ثماني مرات خلال الفترة من 2007 إلى 2014، الثقة والتعاون بين تركيا وأفغانستان وباكستان من خلال إنشاء المناطق الصناعية، وتمكين المرأة، وتقديم المساعدة لرواد الأعمال الشباب.
تساهم تركيا أيضاً بصرف النظر عن دعم الناتو، من خلال المشاريع الثقافية والاقتصادية، في أمن أفغانستان. شاركت تركيا بنشاط منذ بداية عام 2001، في القوّة الدولية للمساعدة الأمنية (ISAF) وخليفتها، بعثة الدعم الحازم، التي انطلقت في كانون الثاني/يناير 2015. تنقسم مساهمات تركيا في القوّة الدولية للمساعدة الأمنية وبعثة الدعم الحازم إلى ثلاثة مجالات. يشمل المجال الأول للمساهمة إرسال قوّات إلى أفغانستان، وخاصّة حول كابول. نشرت تركيا 600 جندي في كابول كعضو في بعثة الدعم الحازم في شباط/فبراير 2021. المساهمة الثانية لتركيا في ISAF هي المشاركة في فِرق إعادة الإعمار الإقليمية. وفقاً لموقع الناتو على الويب، فإن الهدف من فِرق إعادة الإعمار الإقليمية هو “توفير الأمن لأعمال الإغاثة والمساعدة في مهام المساعدة الإنسانية أو إعادة الإعمار في المناطق التي تشهد صراعاً مستمرّاً أو مستويات عالية من انعدام الأمن”. أرسلت تركيا في هذا الإطار، قوّات إلى محافظة جوجان وإقليم وردك بالتحالف مع فرق إعادة الإعمار. يتمثل آخر مجال من مساهمة تركيا في قوّة ISAF في تدريب أفراد الجيش الأفغاني وقوات الشرطة. في عام 2010 أُنشِئَتْ قاعدة تدريب لضباط الصف والجنود. بالإضافة إلى ذلك، شاركت القوّات التركية في بعثة الناتو لتدريب أفغانستان (NTM-A) التي انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2009. وأنشأت تركيا مراكز تدريب للشرطة في كل من أفغانستان (ورداك) وتركيا (سيفاس). وبحلول آذار/مارس 2021، تلقى 5061 عسكرياً أفغانياً و9913 ضابط شرطة تدريبات في تركيا. بالإضافة إلى ذلك، قرّرت تركيا إنفاق 60 مليون دولار للحفاظ على قوّة الأمن الأفغانية.
تسعى تركيا إلى جانب مشاركتها في مشاريع الناتو، من أجل تعزيز السلام في أفغانستان، إلى التنسيق مع الأمم المتحدة أيضاً. في هذا الصدد، خطّطت تركيا وقطر والأمم المتحدة لعقد مؤتمر رفيع المستوى من أجل السلام في أفغانستان في نيسان/أبريل 2021. ومع ذلك، لم تكن شروط المؤتمر ناضجة بعد. ومن هنا أُجِّلَ هذا المؤتمر إلى توقيت أكثر ملاءمة.

انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان
أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن في 13 نيسان/أبريل 2021، أن القوّات الأمريكية في أفغانستان ستُسحَبْ بالكامل بحلول 11 أيلول/سبتمبر 2021. كما ستسحب الولايات المتحدة وقوات التحالف وحلفاء الناتو قواتهم من أفغانستان في غضون 14 شهراً.
ليس من المستغرَب في ظل هذه الاتفاقية، أن تشعر الدول الأعضاء الأخرى في الناتو بالقلق إزاء الوضع الأمني ​​في أفغانستان وانهيار حكومة كابول بعد انسحاب الولايات المتحدة. من المحتمل جداً في أعقاب الانسحاب، أن يزداد عدم الاستقرار في أفغانستان. بالإضافة إلى ذلك، قرّر الحلفاء الآخرون في الناتو وأعضاء التحالف، بما في ذلك ألمانيا، ثاني أكبر قوّة في أفغانستان (1300 فرد)، والمملكة المتحدة، ثالث أكبر قوة في أفغانستان (750 فرداً)، الانسحاب من أفغانستان امتثالاً للولايات المتحدة واتفاق طالبان.
مشكلة أخرى سببها انسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من أفغانستان هي تدفق اللاجئين الأفغان إلى تركيا عبر إيران. بدأ اللاجئون الأفغان منذ بداية تمّوز/يوليو 2021، في الاقتراب من الحدود التركية الإيرانية. قد يرتفع هذا العدد بشكلٍ كبير بعد انسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. كان اللاجئون الأفغان حتى قبل إعلان الانسحاب، يشكّلون ثاني أكبر مجتمع للاجئين في تركيا. يقيم حالياً في تركيا وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 116403 طالب لجوء و980 لاجئاً من أفغانستان. تجدُر الإشارة إلى أن تركيا استوعبت بالفعل أكثر من 3.6 مليون لاجئ سوري وسط تزايد كراهية الأجانب في الداخل.
علّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الرغم من الاعتراف بهذه الصورة القاتمة، بعد اجتماعه مع الرئيس الأمريكي بايدن في قمة الناتو الأخيرة، بأن القوّات التركية ستبقى وستدافع عن مطار كابول الدولي حامد كرزاي بدلاً من القوات الأمريكية. يبرّر صنُّاع القرار الأتراك وجود تركيا في أفغانستان بالاعتماد على العلاقات الثنائية التاريخية ويعتقدون أن ذلك ممكن بفضل الهوية الإسلامية لتركيا.
ومع ذلك، عارضت حركة طالبان طلب تركيا الاحتفاظ بالسيطرة على مطار كابول وحذّرت من أنهم سيعتبرون تركيا “دولة محتلة”. تسعى تركيا أيضاً على الرغم من تحذير طالبان من أجل تحقيق هدفها، إلى تجنيد باكستان والمجر لإنجاز مهمتها. بالتأكيد تُعتبر باكستان مع الوضع، وقد تكون شريكاً مناسباً وطبيعياً لتركيا بفضل علاقاتها الثنائية الطيبة مع طالبان. ومع ذلك، فإن إشراك المجر يثير تساؤلات. لدى أنقرة سببان وجيهان لاختيار المجر كأحد شركائها، حيث قامت المجر بالفعل بإدارة أمن مطار كابول بين الفترة 2010-2013. لذلك يُنظر إلى المجريين على أنهم شركاء متمرِّسون في هذه المهمّة. والسبب الثاني هو، مثل أردوغان، أن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان -الذي كثيراً ما يُنتقد في الغرب بسبب موقفه الاستبدادي وسياساته المعادية للاجئين -يريد أن يُظهر الناتو أن المجر هي مساهم وشريك موثوق.

هل تستطيع تركيا استعادة ثقة أعضاء الناتو الآخرين؟
يمكن أن تساعد المهمّة الأفغانية المذكورة أعلاه تركيا على إصلاح سياجها مع الناتو. ومع ذلك، فإن أمن الأفراد العسكريين الأتراك في أفغانستان غير مضمون. حذَّرت طالبان تركيا بشدّة من سحب قواتها. وبحسب المتحدث باسم طالبان، فإن تركيا، العضو في الناتو، يجب أن تنسحب امتثالاً لاتفاق طالبان والولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، فإن خصوم الناتو، روسيا وإيران، وكذلك المملكة العربية السعودية، ليسوا سعداء بالوجود التركي في أفغانستان.
على الرغم من ذلك، ونظراً للظروف الاستراتيجية الحالية، فإن وجود تركيا في مطار كابول بعد انسحاب الولايات المتحدة وأعضاء الناتو الآخرين يمثل فرصة لاستعادة ثقة أعضاء الناتو الآخرين. ومع ذلك، إذا تجاهلت تركيا تحذير طالبان، فإن الجيش التركي سيواجه خطراً أمنياً. علاوة على ذلك، قد تفشل القوات المسلحة التركية في حماية المطار.
في حالة استيلاء طالبان، بصرف النظر عن الخسائر البشرية وأزمة الرهائن المحتملة، سيتعيّن على تركيا أيضاً التعامل مع الانتقادات الدولية لظهورها مسؤولة بطريقة ما عن خسارة المطار لصالح طالبان. يجب أن تحصل تركيا على موافقة طالبان لمواصلة مهمّتها في مطار كابول لتقليل هذا الخطر. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فإن الدول الرئيسية التي يمكن أن تساعد تركيا على النجاح هي باكستان وقطر. تتمتع إسلام أباد والدوحة بعلاقات جيدة مع كل من تركيا وطالبان. يجب أيضاً أثناء إصلاح العلاقات مع الغرب في السياسة الخارجية، التأكيد على أنه إذا استمرّ الوضع في أفغانستان في التدهور أو خرج عن نطاق السيطرة، فقد تطغى على خطّة أردوغان أزمة اللاجئين المتزايدة في الداخل، فضلاً عن ظهور حكومة متطرّفة في أفغانستان”.

ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري

رابط البحث
https://dayan.org/content/afghanistan-offers-opportunity-repair-turkey-nato-relations

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa