الرئيسيالعالمدراسات وبحوث

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: استقطاب جيوبوليتيكي معكوس، أم كفاية دور؟

جمال الشوفي

– المقدمة:
لم تتحقق الديمقراطية في أفغانستان، ولا العراق قبلها! ولم يتم القضاء على الإرهاب والتطرف في كل منهما. كما لم تحافظ أمريكا على تفردها في قمة الهرم العالمي، ولم تبق قوتها الانفرادية مهيمنة كلية.
اليوم، تنسحب الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان بعد عشرة أعوام على انسحابها من العراق، ويظهر لها منافسين عالميين جدد على قطبية النظام العالمي: الصين التقنية، وروسيا الجيوبوليتيكية.
فرضيات عدة بدأت بتحليل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، فبين فرضية الهزيمة الأمريكية كسابقتها الروسية أيام الاتحاد السوفيتي، وتراجع وانحسار الدور الأمريكي من المنطقة وعدم قدرتها على تحقيق الديمقراطية فيها. وبين الإرباك الروسي البادي في تعاملها مع جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق (طاجيكستان، تركمانستان، قيرغيزستان، وأوزبكستان) والتي تفصل روسيا عن أفغانستان، وسرعة التحرك الروسية فيها عسكريًا وسياسيًا، ما يفسر خشيتها من هيمنة طالبان بعد الانسحاب الأمريكي، والمترافق مع التوجه الصيني لطلب الحوار مع طالبان، يقود لفرضية مختلفة جيوبوليتيكيًا. هذا بينما تعود للذهن صورة ظهور داعش بقوة في العراق بعد الانسحاب الأمريكي منه، ومقاربة صور استيلائها على الموصل مع استيلاء طالبان على قندهار وكابل بما فيها من أسلحة وأموال، فهل تريد أمريكا العودة للمنطقة ولكن بطريقة أخرى أو مكان آخر؟
تبدو كل الفرضيات لها دعائمها وفق المعطيات الأولية المطروحة، وبذات الوقت من المبكر الحكم على صحة أو خطأ فرضية بشكل نهائي، خاصة وأن ما ستقوم به طالبان في أفغانستان لم يتبين بعد. فهل تعلمت الدرس التاريخي مع كل من السوفييت والأمريكان ولن تكرره؟ أم ستأخذها نشوة النصر مجددًا؟ وهل ستعود حركات التطرف تنشط وتتمدد بقوة باحتضانها لها؟ أسئلة عدة تحتاج دراسات ومتابعات زمنية.
فرضية الدراسة أدناه تقوم على إعادة قراءة المتغيرات الجيوبوليتيكية منذ 2011 وأثرها على دول المنطقة، والأدوار الجديدة المستحدثة فيها للقوى الدولية والإقليمية، وبالضرورة قد تعطي ملامح تفسير أولي لفهم نموذج التحركات الأمريكية منذ 10 سنوات لليوم، وبالنتيجة السؤال المحوري والذي نتوخى قراءة نتائجه: هل سيحقق الجيوبوليتيك الدولي بخطوطه المتوازية هذه وحركاته غير المتوقعة، تغيير المعادلات العالمية في نماذج استقطابه وتحالفاته الدولية وشكل النظام العالمي الجديد؟

أولًا: الخلفية التاريخية ونظام القطبية العالمي الوحيد:
المعروف تاريخيًا، أن طالبان هي حركة دينية سياسة تأسست بقيادة الملا محمد عمر في قندهار شرق وجنوب أفغانستان عام 1994. بدأت الحركة بعدد من الطلاب  “البشتون”، مع عدد من طلاب “الطاجيك “و”الأوزبك” بلغ عددهم الأولي 50 طالبًا، كانوا قد تلقوا تعليمهم في المدارس الإسلامية التقليدية في باكستان.
التعدد العرقي للحركة لعب دورًا مهمًا في نموها السريع وتمييزها عن الحركات الجهادية التي تقوم على وحدانية العرق المنتشرة وقتها أبان الحرب الأهلية الأفغانية، واستطاعت الوصول لحكومة إسلامية أفغانية في حلول عام 1998، اعترفت فيها الباكستان والسعودية والأمارات العربية. في العام 2000 وعقب تنامي “القاعدة” بقيادة أسامة بن لادن بين طيات طالبان، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1333 بمعاقبة طالبان على حمايتها واحتضانها له، وسرعان ما سحبت العديد من الدول اعترافها بالأمارة الطالبانية الإسلامية باستثناء باكستان.
بعد هجمات 11/9/2001 على برجي التجارة العالمية في نيويورك، والتي اتهمت القاعدة وأسامة بن لادن بالتخطيط والتنفيذ لها، وبمرجعية قرارات مجلس الأمن: 1267/1999 و1333/2000 الصادرة بحق حكومة طالبان والمتضمنة عقوبات اقتصادية وتهديدات عسكرية لحث طالبان على تسليم ابن لادن، قادت الولايات المتحدة وبريطانيا تحالفًا دوليًا لما سمي بقوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان (إيساف)، وبقيت فيها لليوم.
مجريات الحدث العالمي ونتاجه تطرح تساؤلات وشكوك قائمة لليوم في نوايا تحقيق الديموقراطية والسلام بفعل الحرب. وكثيرة تلك الدراسات التي تؤكد على خطأ الحروب الأمريكية وفشل تحقق الديموقراطية، فعلى الأقل ورغم أن العديد من التقارير تشير إلى أن 43% من الاقتصاد الأفغاني طوال عقدين، يأتي من المساعدات الدولية للفعاليات المدنية فيها، إلا أنها لم تبنِ قوة كافية للاستمرار بعد الانسحاب المعلن، بقدر تمكن طالبان السهل من السلطة! وانفتاح منطقة الشرق الأوسط على حروب متوالدة والتي سمحت للتمدد الإيراني فيها بدءًا من العراق. أضف للكثير من الدراسات التي أكدت على تنامي وتزايد حركات التطرف والإرهاب كما صراع الهوية الدينية بفعل سياسة القوة هذه.
في الخلفية التاريخية للمشهد العالمي، فقد أرسى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989 وتفكك جمهورياته وتحالفاته الدولية فيما كان يعرف بحلف وارسو، نهاية حقبة من الحرب الباردة بين قطبين عالميين (الاشتراكي السوفييتي والليبرالي الأمريكي الأوروبي) الذين بقيا مهيمنين على النظام العالمي ثنائي القطبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. نهاية القطبية العالمية الثنائية قادت لتحولات عالمية كبرى، وصفها صموئيل هنتنجتون بالتحولات الجوهرية على مستويات عدة، خاصة في العلاقات السياسية الدولية والمسارات الثقافية والحضارية والتبشير بنظام عالمي جديد سمي بالعولمة، وباتت السياسة العالمية تتغير علاقاتها الدولية وتتمحور حول القوة والصراع.
من جانبه، قدم فوكوياما نظريته لنهاية التاريخ بأن الديموقراطية هي “أرض الميعاد” حسب قوله، ((إذ تقترب البشرية من نهاية الألف الثانية بعد الميلاد، فالأيديولوجيا التي يمكن أن يقتنع العالم كله بصلاحيتها هي الديموقراطية الليبرالية)). هذا فيما كانت لقاءات العالم السياسية تبشر بنظام عالمي جديد وحيد القطبية تقوده ((هيئة خبراء جديدة، تبين معالم الطريق للقرن الواحد والعشرين والتي ستفضي لحضارة جديدة))، حسبما نقله بيترمارتين في “فخ العولمة” عن لسان غورباتشوف، آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي، في لقاء سان فرانسيسكو 1995 الذي ضم 500 من خبراء العالم وقادته في مجالات السياسة والمال والاقتصاد.
لم تتأخر الولايات المتحدة الأمريكية عن قيادة تحالف دولي بالقيام بسلسلة من الحروب المتتالية، وبتفويض من مجلس الأمن، غرضها المعلن الحرب على الإرهاب وسواد السلام العالمي ونشر الديموقراطية في العالم.
الحروب التي قادتها الولايات المتحدة وتقاطعاتها وفق قراءة جيوبوليتكية للمواقع التي قامت بها، تدلل، من حيث حصيلتها، على مجموعة من النقاط أهمها:
⦁ السيطرة على مواقع تفكك الاتحاد السوفيتي السابق في محيطه الحيوي فكانت: العراق الأولى 1991 والثانية 2003، صربيا 1995، يوغسلافيا 1999، وأفغانستان 2001.
⦁ فرض نظام عالمي جديد بزعامة قوة انفرادية هي الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها حلف الناتو، وتثبيته بالقانون الدولي من خلال شرعية التدخل العسكري بتفويض من مجلس الأمن.
⦁ سواد منظومة العولمة السياسية والاقتصادية بالقوة العسكرية والتفوق التقني العالمي.
⦁ يتضح أن هذه الحروب لم تكن لتحدث لولا غياب الاتحاد السوفيتي عن الساحة العالمية، ما يقود فعليًا للفرضية الجيوبوليتيكية التي تقول أن استخدام القوة العسكرية المباشرة للهيمنة والسيطرة، ناتجة عن غياب المنافس الجيوبوليتيكي حسب رؤية الكسندر دوغين، المنظر الروسي للجيوبوليتيك الدولي الحديث، حيث أن ((الضغط بالقوة (العسكرية أو الاقتصادية) على “الآماد الصغرى” المفتتة المذراة يغدو الوسيلة الوحيدة للسيطرة، وضرورات الرشوة السياسية تنتفي من تلقاء نفسها خلف غياب المنافس الجيوبوليتيكي المعادي)).
في الاتجاه المقابل، لم تقنع روسيا بدورها الطرفي في المعادلة العالمية، فسعت لحماية محيطها الحيوي دون الاقتراب من مواقع الهيمنة الأمريكية، فكانت حروب الشيشان 1999 وجورجيا 2008، والقرم 2014، وسورية 2015 فيما يشبه خرق للخطوط الحمر المرسومة للنظام العالمي وحيد القطب، وتوجه روسي جيوبوليتيكي حديث يحاول استعادة وجوده العالمي مرة أخرى، لكن مع فارق رئيسي أولي، أن حروب روسيا لم تأتي عبر شرعية القانون الدولي ولا بتفويض من مجلس الأمن، بقدر ما باتت قوة أمر واقع دولي، وهذا توجه مختلف!

ثانيًا: الجيوبوليتيك والمحاور المستحدثة
روسيا التي لم تقنع بالذيلية في المعادلة العالمية، أدركت خطأها الجيوبوليتيكي بالتوجه نحو أفغانستان عسكريًا أيام الاتحاد السوفيتي، وأن عليها التوجه باتجاه البحار الدافئة في الجنوب والغرب لاستعادة مكانتها العالمية واكتمال دائرتها الجيوبوليتيكية.
في دراسات نظرية متعددة، استحدثت روسيا نظريتها الرابعة في السياسة، وعملت على تطبيقها عمليًا لكسر نظام العولمة الجيوبوليتيكي. خلصت نتائجها لفرضية تقول بنهاية الأيديولوجيات الكبرى متمثلة بالشيوعية والنازية والليبرالية، وضرورة استعادة نظريات الجيوبوليتيك، وذلك رغم وصفه بالشائن بعد الحرب العالمية التي نتجت عن فرضياته حينها، لكنه بقي أكاديميًا طريقة لفهم العلاقات الدولية بطريقة مختلفة.
الفرضية الروسية الحديثة للجيوبوليتيك تقوم على ثلاث محاور تطبيقية:
⦁ إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتحقيق المحيط الحيوي لروسيا، وفتح الخطوط البرية التي تربط أوروبا بآسيا. ما يفسر اتفاقات استانة في الشأن السوري التي جمعت كل من إيران وتركيا كبوابتين لأسيا وأوروبا، وتمسكها العسكري بالخطوط البرية سواء M4 وM5 التي تصل موسكو أنقرة، حلب، فالساحل السوري، وممر البوكمال الذي يبدأ من موسكو، طهران، بغداد، وعبره لدمشق فالمتوسط أيضًا.
⦁ الذهاب العسكري المباشر لاحتلال موقع مهم على البحر المتوسط من خلال سورية، وتثبيت وجودها العسكري والسياسي، حيث أن ((المجال الحيوي البحري “التالاسوكراتيا”، والقوة البحرية تمثل نمطًا لحضارة تقوم على أسس مغايرة. فهو نمط ديناميكي، نشيط الحركة، ميال إلى التطور التقني)).
⦁ تحديث الشراكة بين الشعوب في محيطها الحيوي انتروبولوحيًا، وأن روسيا مقبولة لدى شعوب المنطقة بدل أمريكيا التي أقامت حروبها فيها، ما جعل التغيير الديموغرافي وتفريع الداخل السوري وتهجير سكانه الرافضين لروسيا، سياسة جيوبوليتيكة واضحة.
الجيوبوليتيك الروسي يتم العمل عليه بخطوط متوازية سياسيًا وعسكريًا ودوليًا، وذلك بغية اكتمال الدائرة الأوراسية القادرة على الوقوف في وجه العولمة الأمريكية. هذه الدوائر هي:
⦁ الدائرة الأولى مركزها موسكو ضمن محيطها في روسيا الاتحادية.
⦁ الدائرة الثانية تتمثل في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، المحيط الحيوي الأقرب لموسكو وسياجها الأول، ما يفسر شراسة حربي الشيشان وجورجيا، والتحركات الروسية المتسارعة اليوم في (طاجيكستان، تركمانستان، قيرغيزستان، وأوزبكستان) محيطها الجنوبي المحاذي لأفغانستان بعد إعلان الانسحاب الأمريكي.
⦁ الدائرة الثالثة تبدأ من دول أوروبا الشرقية مرورًا بتركيا ووصلها بإيران ومنها إلى آسيا الشرقية في الصين، ونقطة الوصل فيها تمر عبر سورية، وذلك لاستكمال المحيط الحيوي الأكبر لروسيا فيما يسمى بالأوراسية، وسورية ومجريات حدثها العسكري والسياسي لليوم دليل لا جدال فيه حولها.
المشهد العالمي اليوم وتعقيداته الدولية، وصراع خطوط التماس الدولية، والتغيرات الدراماتيكية على مستواه الجيوسياسي، أتت بعد ربيع الثورات العربية. فالأحداث السياسية والتداخلات الإقليمية والدولية التي أتت نتيجته، وخاصة في المسألة السورية، أفصحت عن عودة للسياسات الجيوبوليتيكية في المنطقة. هذا بينما لم تتأخر الإدارة الأمريكية بتوصيف المشهد العالمي عبر وزارة خارجيتها، محذرة من عودة تنامي المستويات الجيوبوليتيكية في منطقة الشرق الأوسط، فــ((العام 2014 كان عامًا صاخبًا، حيث عصفت به عودة التنافس الجيوبولوتيكي وعودته لمركز الحدث، فكل من القوة الروسية آخذة بالتزايد، والصين أيضًا، وإيران أخذت بالتمدد داخل سورية بالتعاون مع حزب الله وذلك للسيطرة على الشرق الأوسط، ما يظهر عودة القوة التقليدية للعب الدور الرئيسي في العلاقات العالمية)). ما جعل السياسة الأمريكية تراجع قراراتها المتعلقة بالانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، فالمواقع الجيوبولتيكية الحديثة المتقدمة للفورة البوتينية الروسية هذه، أتت على خلفية إعلان الولايات المتحدة انسحابها من العراق 2011، وتراجعها عن قيادة الناتو في ليبيا، وعقدها صفقتي الكيماوي السوري والنووي الإيراني المعروفة بصفقة لافروف كيري. والتي نقل بن رودس في كتابه “العالم كما هو The World As It Is” عن باراك أوباما بعدها قوله ((تمت المهمة ولا أريد أن أسمع عن سوريا بعد اليوم)).
من سورية، التي تحولت بعد التدخل الروسي العسكري المباشر فيها عام 2015 لعقدة دولية جيوبوليتيكية، بدأت ملامح دولية جديدة في صناعة وصياغة التحالفات الدولية مرة أخرى، بما يشبه فورة الجيوبوليتيك بدايات القرن العشرين قبل وبين الحربين العالميتين، لكن مع فوارق حذرة من نشوب ثالثة كارثية على الجميع هذه المرة:
⦁ توازن الرعب العالمي المتمثل بعدم المواجهة بين قوتين نوويتين عالميتين.
⦁ استحداث خطوط التماس الدولي في مواقع عالمية عدة: القرم، سورية والعراق، وتمددها لليبيا وأرمينيا، وترشيح أفغانستان قريبًا لها.
⦁ عودة الولايات المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط مرة أخرى، مع الحفاظ على النقطتين أعلاه، ولعبها دور ضابط الإيقاع الدولي في المنطقة. فكانت الحرب على “داعش” التي بدأت بالانتشار منذ 2013 بدءًا من الموصل وصولا للرقة وشرق الفرات السورية، لتتموضع أخيرًا في مثلث التنف الحدودي السوري كضابط إيقاع لمجريات الحدث الكبير في سورية وفي جوار روسيا التي استباحت كامل الأرض السورية بدءًا من 2015.
⦁ تغير قواعد التحالفات الدولية من التوافقات طويلة المدى، إلى الاتفاقات المرحلية الجزئية المتغيرة وقصيرة المدى والقابلة للتغير زمنيًا، ما يفسر التغيرات الجزئية في الاتفاقات التركية الأمريكية، وتباينها وتنازعها مع الاتفاقات الروسية التركية. وأيضًا رغم التباين الروسي الأمريكي في السياسة الدولية الموصوفة أعلاه، إلا أن ثمة توجه للاتفاق على كيفية إيقاف المد الإيراني وتمدده في المنطقة، حيث تشير المعطيات الجيوبوليتكية لاكتفاء دورها في المنطقة سواء بالعراق أمريكيًا أو في سورية روسيًا.
⦁ عودة نموذج العقوبات الاقتصادية (وقانون قيصر إحداها) ومحاولة إحكام الهيمنة المالية عالميًا من جهة، والعمل على الضغط المتبادل بين الدول الكبرى بالأدوات المحلية في كل منطقة، دون مواجهات مباشرة، ما يفسر الكثير من العمليات العسكرية المحدودة التي ترافق العقوبات لزيادة الضغط السياسي، وتثبيت مواقع التماس والخطوط الجيوبوليتيكية الدولية، كما في سورية شرق وغرب الفرات، ادلب وشمال حلب وحلب والساحل، في ليبيا، في أرمينيا، وقد نشهد تغيرات في أفغانستان قريبًا.
⦁ اعتماد الجيوبوليتيك على معطيات الأخذ السياسي بالقوة العسكرية كما العولمة سابقًا، وضع كلا المنظومتين وكأنهما قوة فعل ورد فعل عليها، ورسختا منظومات الاستبداد السياسي والديني في الدول التي وجت فيها وذلك خلاف لشعاراتها الأولى المبررة لعملها العسكري. هذا مع بقاء الخلاف الجوهري لليوم بين العولمة والجيوبوليتيك مفاده الشرعية الدولية ونص القانون الدولي. فالأولى اعتمدت على خلفية قرارات مجلس الأمن بينما الثانية على الاتفاقات بين روسيا وأنظمة الحكم المحلية. هذا مع تمسك روسيا اليوم بتمرير شرعيتها الدولية من خلال القرار 2254/2015 بفقرته الثامنة الذي يجيز لها الحرب على الإرهاب بتفويض دولي بجوار أمريكا.
⦁ طرح الجيوبوليتيك الروسي سلسلة من التحديات على منظومة العولمة ونظامها العالمي، بدءًا من كسر الهيمنة الوحيدة، لتغير قواعد التحالفات الدولية، وتشكيل محاور جيوبوليتيكية تحتمل التوافق المصلحي رغم التناقض المنهجي، وصولًا إلى عدم قدرة الديموقراطية وفكر الحداثة بمواجهة العولمة سابقة والجيولوليتيك حديثًا، ما يجعل العالم وكأنه على صفيح ساخن من تبادل الأدوار المنفعية وزيادة حدة التنافس الدولي الذي يأتي على سلام وأمن الشعوب الصغرى وأحلامها بالحرية والاستقرار وتحقيق دولتها الوطنية، وقد يصل نتيجة لتقويض السلام العالمي وهدر مكتسبات الليبرالية عامة ثقافيًا وحقوقيًا ومدنيًا.

ثالثًا: أفغانستان والمحاور الجيوبوليتيكية المتعددة:
رغم اعتراف ترامب لبوتين في لقاء هلسنكي 2018، بأن روسيا باتت منافساً قوياً عالميًا وذات نفوذ دولي واسع، لكن ضمنيًا العمل دون السماح لها بالراحة أو الاستقرار أو الاعتراف الدولي بشرعيتها العالمية المنفردة، بقدر العمل على ترويض الفورة الروسية واستيعابها بالمعادلة الأمريكية العالمية، ما يفسر تفاهمهما على الكثير من النقاط الدولية جزئيًا. المسألة لم تتوقف هنا، فكلا الخصمين اللدودين يحاول تثبيت حضوره العالمي بالضغط على الآخر، دون خرق الخطوط الحمر وتجنب المواجهات المباشرة.
الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والذي قد يفسر باستعجال سياسي بالهزيمة المشابهة لهزيمة السوفييت سابقًا، لا تكفي شروط معادلات الجيوبوليتيك الدولي أعلاه إثبات فرضيته. بينما الفرضية الأكثر ترجيحًا هي الاكتفاء الأمريكي عن الهيمنة العسكرية المباشرة، والعودة للعلب دور ضابط الإيقاع العالمي تقنيًا وعسكريًا واقتصاديًا، خاصة بعد ظهور منافس عسكري كروسيا، أضف لتمدد تقني اقتصادي صيني، ونمو المحاور الإقليمية التركية والإيرانية غير المنضبطة بالمعادلة العالمية كما يريدها الجيوبوليتيك العولمي الأمريكي.
من هنا يمكن قراءة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بأنه إعادة تموضع عالمي جيوبوليتيكي متعدد الأغراض لا تستنفذه فرضية وحيدة، هي:
⦁ محاولة لكسر دوائر الجيوبوليتيك الروسي في دائرته الأقرب، الجمهوريات السوفيتية السابقة. حيث من المرجح عودة نمو الجماعات الإسلامية المتطرفة مرة أخرى وتهديدها المحيط الحيوي لروسيا في دائرتها الأقرب جيوبوليتيكيًا. وهذا ما يثبته التحرك الروسي السريع، بتكثيف لقاءاته السياسية مع رؤساء هذه الدول، وتركيز الاهتمام بالقاعدة العسكرية 201 في طاجيكستان، وزيارة وزير دفاعها شويغو لها، والتي أعقبها تنفيذ مناورات عسكرية مشتركة على مقربة من الحدود الأففانية.
⦁ الانسحاب الأمريكي يقلق الصين أيضًا، سواء من خشيتها أن تسمح طالبان للمقاتلين “الإيغورين” و”القاعدة” من اتخاذ أفغانستان كملجأ لها على الحدود الصينية، أو من تنامي “داعش” في ولاية “خراسان” شرقي أفغانستان. والأهم إرباك طريق الحرير الصيني الذي تمثل أفغانستان إحدى عقده البرية وتتوسط محيط دوله التي يمر منها. طريق الحرير هو المشروع المدشن عام 2015 باسم مبادرة “الحزام والطريق” كمشروع رئيسي للعولمة الصينية في انتقالها للاهتمام بالطرق البرية خارج حدودها جيوبوليتيكيًا، من خلال ربط الصين بالعالم بمحاور متعددة برية وبحرية، خاصة أوروبا. الصين، وبعد كوفيد 19 وأثره على الاقتصاد العالمي، باتت تخوض خلافات متعددة الجوانب مع أوروبا وأستراليا، حليفي الولايات المتحدة الرئيسين في الناتو، بعد ترحيبهم الأولى بخط الحرير. إضافة لفشل سياساتها لليوم بتحقيق مباحثات سلام بين طالبان والحكومة الأفغانية، التي انهارت سريعًا أمام طالبان، ما يقوض السلام والاستقرار في الجوار الصيني، ويمثل تهديدًا عامًا للمنطقة ولطريق الحرير بالضرورة، وخطط الصين الاقتصادية العولمية من خلفه. ما جعل الصين تبادر لحوار طالبان ومحاولة التفاوض معها واحتواءها بترتيب “أمن الحدود مقابل الاستثمارات”.
⦁ تحويل الجهود الإسلامية مرة أخرى لدعم طالبان. والذي يحتمل نقل معادلة الصراع مع إيران الفارسية/الشيعية، ذات التمدد الجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط، من شرق المتوسط والخليج العربي إلى وسط آسيا. فمع أن التقارب الإيراني الأفغاني جاء نتيجة لكونهما مستهدفتان من أمريكيا بعد 2001، إلا أن التنازع السياسي بخلفيته الدينية لم ينته بينهما، ما قد يؤشر لإشعال جبهات جديدة لإيران في وسط أسيا، وهي التي تحاول تثبيت أقدامها على البحر المتوسط من خلال الامتداد في العمق السوري عبر العراق. وتفيد المعطيات الأولية هنا، إلى اتفاق روسي أمريكي إسرائيلي على كفاية الدور الإيراني في المنطقة وضرورة عودتها للداخل الإيراني. في مقابل تمترس وتمسك إيران بمواقعها التي هيمنت عليها عبر ميليشياتها الطائفية في كل من العراق وسوريا واليمن أيضًا، وعدم رضوخها للتخلي عن برنامجها النووي، ما بات يهدد الأمن القومي الإسرائيلي والخليجي، ومنافساً قوياً لكل من روسيا في سورية وأمريكيا في العراق، وتركيا وإسرائيل إقليمياً.
⦁ الانسحاب الأمريكي هذا، إذا ما قورن بانسحابها من العراق نهاية 2011، والذي كانت نتيجته ظهور “داعش” في سورية والعراق 2013، وتناميها العسكري السريع وانسحاب الجيش العراقي من الموصل أمامها عام 2014، ما يشبه مجريات هروب الجيش الأفغاني أمام طالبان وانهيار الحكومة السريع أمامها. بعد ذلك تغيرت محاور حرب الإرهاب الأمريكية وعادت، ومن خلفها التحالف الدولي، للمنطقة لمحاربة داعش وذلك في شرق الفرات في سورية في جوار وتماس العمليات العسكرية الروسية بباقي المناطق السورية. عليه فإنه من المتوقع أيضًا أن تعود أمريكيا لموقع جيوبوليتيكي مختلف تحدده مصالحها الإستراتيجية، فالحرب الجيولوليتيكية الأمريكية على الإرهاب مستمرة ولن تتوقف، ولكن من خارج أفغانستان هذه المرة.

رابعاُ: الاستنتاجات والخاتمة:
منذ العام 2015، اتضحت معالم تغيير المعادلات الدولية وطرق إدارتها عولميًا وجيوبوليتيكيًا. حيث بات الشرق الأوسط عقدة دولية ودائرة صراع وتقاسم نفوذ دولي مركزه سورية. الاستقطاب الجيوبوليتيكي الدولي ومحاوره الأوراسية المحدثة تكاد تكتمل بهذا التمدد متعدد الأطراف روسيًا وإيرانيًا وتركيًا، ويضاف إليه الدعم الصيني السياسي والدولي وتقدمها التقني على خارطة الاقتصاد العالمي لمرتبة المنافس الأقوى عالميًا، والمتوقع لها التربع على عرشه عام 2030.
اليوم يأتي الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وفق القراءة الجيوبوليتيكية للمشهد العالمي وكأنه استقطاب معكوس للتمدد الأول، والممكن استخلاص نتائجه الأولية:
⦁ الانسحاب الأمريكي لم يكن مفاجئًا، فقد تمت ترتيب خطواته ومباحثاته بعهد ترامب، كما صرح بايدن.
⦁ تحقيق الاستقطاب المعكوس للمحيط الحيوي المشترك الروسي الصيني الإيراني في وسط أسيا، بديلًا عن التمدد على المتوسط.
⦁ تشجيع تركيا لفك تحالفاتها الجيوبوليتيكية مع روسيا وإيران، ولو جزئيًا، لتقاربها من طالبان، والتي رعت مع قطر مفاوضات الانسحاب الأمريكي قبل عام من اليوم.
⦁ إعادة تشكيل التحالفات الدولية حسب توجهات طالبان والدول المحيطة فيها. وأيا تكن نتائجه: اتفاق أو تفاوض جزئي أو صراع مستقبلي، إلا أن أفغانستان لن تكون مستقرة في زمن قريب، وستنتعش فيها مجددًا الحركات الجهادية والعرقية والدينية المتطرفة، ما قد يعني أوليًا استعادة أمريكا لموقعها كضابط إيقاع عالمي، وإشغال منافسيها الجيوبوليتيكين في محيطهم الحيوي القريب، وباتجاه مغاير لتمددهم خارجه.
⦁ إذا كان الانسحاب الأمريكي اليوم من أفغانستان يقوم على إعادة قراءة المشهد العالمي بنمو القوى الارتدادية الجيوبوليتيكية على منظومة العولمة، والتعامل مع النمو الروسي والتمدد الإيراني جيوبوليتيكيًا، فإنه سيكرس نموذج للصراع العالمي مرة أخرى ولكن عبر شعوب المنطقة كأدوات حرب، ما قد يشير إلا فترة زمنية قادمة من النزاعات الإقليمية قد تصل لدرجة الحروب الكبرى و/أو الصفقات السياسية الشائنة.
⦁ استخدام كلا المنظومتين ذات الأسلوب في الأخذ بالقوة العسكرية، يهدد السلم العالمي بنشوب حرب عالمية كبرى، إن لم تكن تحدث فعليا بؤريًا وجيوبوليتيكيًا. فإذا كانت العولمة أرادت نشر الديموقراطية وإرساء السلام والعدالة والقضاء على التطرف والإرهاب عالميًا، فنتائج العراق وأفغانستان، تثبت خلاف ذلك كلية، ومثلها التمدد الجيوبوليتيكي الروسي في سورية اليوم. وتثبت خطأ سياسة استخدام القوة العسكرية أيضاً، ليتضح فعليًا أن العولمة والجيوبوليتيك وجهان لعملة واحدة.
لا يمكن التنبؤ بدقة بمجريات الحدث القادم من وسط آسيا بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، كما وكيفية إدارة طالبان لها لم تتضح بعد، لكن الواضح لليوم أن المتغيرات الدولية تتجه باتجاه الاستقطاب الجيوبوليتيكي وتعدد محاوره العالمية. أضف لسرعة متغيراته وتقلبها، ما قد يشي بعواقب كارثية على سلام وأمن الكوكب، فهل ستقف الدول الأوروبية ذات الإرث الليبرالي العريق موقف المتفرج أم سيكون لها دورًا مختلفًا؟
لنخلص ختامًا إلى النتيجة الهامة اليوم، بضرورة قناعة الدول ذات الميراث الليبرالي والديموقراطي خاصة الأوروبية، بفشل سياسات العولمة والجيوبوليتيك عالميًا، وضرورة العودة للحوار والتفاوض مع شعوب المنطقة واحترام ثقافتها وحق تقرير مصيرها، والبدء بحل المسألة السورية أصل الحدث العالمي اليوم وارتداداته الجيوبوليتيكية الشائنة دوليًا، وإلا فاستمرار التطرف ونكران الديموقراطية المرتبطة بلغة الحرب والقتل، التي جعلت الديموقراطية مرتبطة بها، ما يجعل ثقافة الليبرالية والديموقراطية محط شك عالمي في ظل نظام العولمة والجيوبوليتيك الحديث، وهذا ما لا يريده صناع السلام الفعليين في العالم والمؤمنين بالديموقراطية فعليًا، والفروق بين هذه وتلك باتت واضحة للعيان، ما يستلزم استقطاباً عالمياً من نوع مختلف عن العولمة والجيوبوليتيك، عنوانه: “لا سلام ولا حرية بشروط القوة العسكرية”.

 

– المراجع
⦁ https://www.marefa.org/%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86
⦁ https://cisac.fsi.stanford.edu/mappingmilitants/profiles/afghan-taliban
⦁ https://www.coface.com/Economic-Studies-and-Country-Risks/Afghanistan
⦁ سميرة مبيض، الهشاشة المدنية وعشرون عاما من المساعدات الدولية لأفغانستان، نواة سورية، 21/8/2021.
⦁ أشرف العيسوي، التطرف وصراع الهوية الدينية في عصر العولمة في منطقة الشرق الأوسط، تريندز للبحوث والاستشارات، 8/3/2020.ف العيسوي
⦁ صموئيل هنتنجتون، “القوة العظمى الانفرادية/ البعد الجديد للقوة”، مركز فلسطين للدراسات والبحوث، 1999.
⦁ فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة، 1993)، ص54.
⦁ هانس بيترمارتين وآخرون، فخ العولمة، الاعتداء على الديموقراطية والرفاهية، ترجمة عدنان عباس علي، (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، عدد 238، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998)، ص21.
⦁ لمزيد من التفصيل يمكن مراجعة كتاب، المسألة السورية ومرايا الجيوبوليتيك الدولية، جمال الشوفي، (الاسكندرية: ليفانت مصر للنشر، 2021)، الفصل 3.
⦁ ألكسندر دوغين، “المشاكل الجيوبولتيكية وقوانين المدى الكبير والعولمة والمفارقة الروسية”، مركز كاتخيون للدراسات، 14/10/2016.
⦁ ألكسندر دوغين، “القوة الأوراسية والبحار الدافئة والباردة”، مركز كاتخيون للدراسات، 12/8/2016
⦁ Alexander Dugin, “The Fourth Political Theory”, Translated by: Mark Sleboda & Michael Millerman, 1st edition, London, ARKTOS MEDIA LTD, 2012.
⦁ Johnsen,W. T. “Theory of War and Strategy, Academic Year AY/2018”, USA, The United States Army War College, 2018.
⦁ مركز كاتخيون للدراسات، “الطريق إلى سوتشي يمر من البوكمال”، 3/11/2017.
⦁ ألكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، ترجمة: عماد حاتم، (بيروت: دار الكتب الجديدة، 2004)، ص60.
⦁ المسألة السورية ومرايا الجيوبوليتيك الدولية، مرجع سابق، ص101-108.
⦁ Walter R. M.,”The Return of Geopolitics, The Revenge of the Revisionist Powers”, Foreign Affairs, May/June 2014.
⦁ ابتسام عازم، عالم بارك أوباما كما هو بعيون بن رودس، العربي الجديد، 22/6/2018
⦁ عبد الحسين شعبان، رسائل روسية إلى طالبان، الخليج الإماراتية،18 /8/2021.
⦁ شيماء فاروق، تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: محليًا وإقليميًا، المركز الديموقراطي العربي، 7/2021.
⦁ من الصين للعالم.. كل ما تود معرفته عن طريق الحرير الجديد، الجزيرة.نت، 26/4/2019.
⦁ سياسة الصين في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأجنبية، مركز الإمارات للسياسات، 26/7/2021.
⦁ Reynolds N., The Americans May Leave Afghanistan But The Forever War Will Grind On, Royal United Services Institute, 16/4/2021.
⦁ آفاق الاقتصاد العالمي: التحديات أمام النمو المطرد، تقرير صندوق النقد الدولي، أكتوبر/تشرين أول 2018، WWW.imf.org
⦁ أيمن عزام، بايدن: الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تنفيذا لاتفاق ترامب مع طالبان، المال المصرية، 16/8/2021.

زر الذهاب إلى الأعلى