الرئيسيدراسات وبحوثسوريا

الجنوب السوري وصراع المعابر الحدودية الجيوعسكرية

جمال الشوفي

مقدمة:
لم تستطع إجابة وحيدة سياسية أو عسكرية توضيح مصير المنطقة الجنوبية برمتها، والتي تشمل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء. فتباينت بين مصير جزئي لمحافظتي درعا والقنيطرة وآخر للسويداء، أو عموم الجنوب. وذلك في سياق عدة سيناريوهات للسيطرة أو الحكم الذاتي أو ما ترسمه الغرف الاستخبراتية لها على خلفية تحديد القوى المسيطرة على وقائع الأرض في هذه المنطقة وآلية حكمها سياسيًا وعلاقتها بالمركز السياسي دمشق.
لم يحقق اتفاق عمان الثلاثي (واشنطن- موسكو –عمان) 2017 بإحداث منطقة استقرارًا في الجنوب، ولم تستطع روسيا الإيفاء بالتزاماتها بإبعاد الميليشيات الأجنبية الإيرانية وحزب الله عن عموم المنطقة.
اليوم تعاد الكرة من جديد إلى مربع المساومات على احكام السيطرة على الطريق الدولي المار من درعا البلد، والذي يرفض أهاليها سيطرة الفرقة الرابعة والميليشيات الإيرانية عليها، بينما تحاول روسيا الاستفادة من هذا الرفض من جهة ومن حصار درعا من ذات القوات بتحقيق سيطرة منفردة لها على هذا الخط الدولي الحيوي. سلسلة من المفاوضات التي ما أن يقال أنها أفضت لنتيجة حتى يتم نقضها! فهل سيتم ترحيل أهالي درعا البلد قاطبة كما طلبوا أخيرًا، ما يعني فرض شروط الفرقة الرابعة وإيران وخسارة روسيا موقعًا جيوسياسي مهم لها؟ أم أن روسيا لن تسمح به هذه المرة، بعد تجاربها بالداخل السوري، والتي اعتمدت فيه على القوة البرية الميليشاوية الإيرانية بتفريغ الداخل السوري، وأصبحت هي أمام مأزق المنافس الإيراني على الأرض دون إمكانية إيجاد بديل له لليوم؟

الوضع الراهن في درعا:
لم يستقر الوضع الراهن في درعا البلد كلية بعد، ولم تستقر بنود اتفاقه المتغيرة للآن. كما لم تتضح بعد خارطة توزع القوى المسيطرة على الأرض في درعا البلد لليوم، ومن سيتحكم بالطريق الدولي الواصل من دمشق إلى نصيب ومنه إلى الأردن، أمام إصرار للميليشيات الطائفية الإيرانية والفرقة الرابعة السورية، على تثبيت حضورها وسيطرتها العسكرية والأمنية على هذا المحور الهام والحيوي لها.
بينما تحاول روسيا فرض سيطرتها على هذا المحور ملتزمة بشروط توازنية عدة:
– محاولة الاستفراد بالسيطرة على الخط الدولي وإبعاد الميليشيات الإيرانية عنه دون تعميق الخلاف معها، أو إرضائها كلية.
– بقاء استفادتها من ضغط هذه القوات بريًا والتي لم تستطع الاستغناء عنها لليوم، في سورية عامة، ومنها في درعا، بما أسمته خارطة طريق طرحت في منتصف آب الماضي (1)، تستهدف نزع السلاح المتوسط والخفيف وتسوية أوضاع المنشقين، وعودة السيطرة الكاملة للقوى الأمنية والعسكرية للنظام على درعا البلد، وإلا فالتهجير. الشروط التي وصفت بالمذلة، ورفضها الأهالي بعد حصار دام لأكثر من شهرين.
– الاستفادة من عدم قبول أهالي درعا بهذه المليشيات، واستثمار رفضها الكبير لها في الضغط على الميليشيات ذاتها.
– في الحالتين تحاول روسيا الاستفادة من كلا الفريقين المتناقضين، لإخلاء درعا من المظاهر المسلحة من كافة الجهات، وإحكام سيطرتها بالتشارك بين بعض القوى والأجهزة الأمنية (كالأمن العسكري) المفترض أنها تدين بالولاء لها، مع قوات الفيلق الخامس ولوائه الثامن بقيادة “أحمد العودة” الذي قاد تسوية الفصائل المعروفة باسم “شباب السنة” ومن معها، مع روسيا عام 2018، وهي المتمركزة من وقتها في بصرى الشام وقرى درعا الشرقية وصولًا لتخوم محافظة السويداء.
– كما تحاول تحقيق التزاماتها مع أمريكيا وإسرائيل والأردن، ذات مرجعية اتفاق عمان، المعروف باتفاق “خفض التصعيد” الخاص بالمنطقة الجنوبية أواخر عام 2017(2)، والذي أتى كخلاصة محادثات متعددة أهمها: لقائي هامبروغ في تموز/يوليو 2017 في قمة الدول العشرين، وفيتنام تشرين ثاني/نوفمبر ذات العام بين ترامب وبوتين. وبعد محادثات ثنائية عدة بين بوتين نتيناهو، وبوتين والملك عبد الله، ونتياهو والملك عبد الله، والتي اشترطت خلو المنطقة من القوات الأجنبية غير السورية، بدأ تنفيذ الاتفاق خلال الفترة ما بين (18/6 و 31/7 عام 2018)(3)، والذي كان نتيجته استعادة سيطرة سلطة النظام على المتفق عليه من درعا بين سيطرة كلية وسط وشمال درعا، ومنطقة تسويات تحت السيطرة الروسية بقوام اللواء الثامن، وترحيل رافضي التسوية إلى الشمال السوري، مع بقاء منطقة الخط 1974 دون دخول القوات السورية لها، وترحيل داعش من وادي اليرموك.
اليوم، يبدى أهالي درعا البلد مواقف تعبر عن رفضهم المطلق لشرعية سلطة النظام السوري، بدءًا من رفض الانتخابات الرئاسية منتصف هذا العام، وصولًا لرفض تواجد قوات الفرقة الرابعة داخل درعا البلد ومن خلفها الميليشيات الإيرانية. ما استلزم فرض حصار عليها من عدة محاور ومحاولة اقتحامها عدة مرات. لم تساند روسيا هذه القوات جويًا ولكنها أيدتها عسكريًا، وسارعت للتفاوض مع سكان المنطقة عبر وسطاء، كما وعملت على تغيير الضابط المسؤول عن ملف الجنوب “اسد الله” بـ”أندريه” بعد رفض الأهالي لخارطة طريق الأولى.
تم نقض الاتفاق الناتج عن لجان التفاوض عدة مرات، وفي كل مرة يتبعه قصف صاروخي للمنطقة، مع ردة فعل عسكرية من أبناء درعا بالاستيلاء على الحواجز المحيطة بها. مترافق مع تحذيرات أوروبية وأمريكية من خرق خفض التصعيد في المنطقة، وموقف كندي يؤكد على حق الأهالي العيش بأمان.
في شروط الاتفاق الأخير، تم التوصل إلى رفع العلم الروسي وعلم النظام معاُ في المنطقة، ودخول الشرطة العسكرية الروسية مع قوة من اللواء الثامن، وإقامة أربعة نقاط عسكرية لقوات النظام، وتسليم السلاح الفردي، وإيقاف ترحيل الأسماء 34 المقترحة أمنيًا، مقابل إجراء تسوية أوضاعهم أمنيًا باطلاع روسي وفك الحصار عن درعا وانسحاب الجيش من مواقعه مع الإشارة الضمنية للفرقة الرابعة والميليشيات التابعة الإيرانية معها(4).
الموقف اليوم يبدو مسألة كسر عظم، فالأهالي يطالبون بترحيلهم جميعًا، وبرفضون خروجهم من بيوتهم وتاريخهم، وكأنها رسالة لروسيا والعالم أجمع بموقف أخير أخلاقي وحقوقي ومصلحي أيضًا للثلاثي الضامن بخفض التصعيد، ما يعيد التفاوض لضبابية مجددة. فهل سترغم الفرقة الرابعة بالموافقة على شروط الاتفاق، وهي التي تدرك معنى إبعادها عن الخط البري؟ فمع أنها تدرك إمكانية دخولها الخفي عبر أجهزة الأمن والقوات السورية التابعة لروسيا للمنطقة، لكنها تعي جيدًا إمكانية عودة الاغتيالات الفردية والتفجيرات التي لم تتوقف طول 3 سنوات لليوم، ما لم تفرض هيمنتها الكلية ذات السطوة العسكرية والأمنية على المنطقة؟ وهل ستبقى روسيا تتمسك بموقع المفاوض المستفيد في هذه الدائرة؟ وهل يمكن أن تتنقل المعركة من درعا إلى خط السويداء بجوار البادية السورية، في حال ثبتت روسيا الاتفاق حسب شروط مكاسبها شبه المنفردة؟

الموقع الجيوبوليتيكي والأهداف الجيوعسكرية
منذ العام 2015 وروسيا تحاول تحقيق وجودها الجيوبوليتيكي على خارطة العالم من خلال البوابة السورية. حيث تمثل سورية عقدة الربط بين الخطوط البرية للقارات الثلاث أوروبا وأسيا وأفريقيا، وامتدادها على ساحل المتوسط، ما يحقق الغرض الروسي الجيوبوليتيكي في استعادة مكانتها الدولة عبر ما يسمى أوارسيا(5). كما أنها هدف عملي وتطبيقي للنظرية الروسية الرابعة في السياسة، والتي تقوم، حسب مفكريه وراسمي سياساته(6)، على أبعاد جيوبوليتيكية محدثة ثلاث:
– الوصول للمياه الدافئة على البحر المتوسط، وشغل موقع عقدة الربط بين أسيا وأوروبا.
– فتح الخطوط البرية من موسكو إلى إليها والسيطرة عليها سواء بالاتفاق أو بالقوة العسكرية.
– بينما تأتي النقطة الثالثة المتعلقة بالتقارب الأنتروبولوجي بين شعوب المنطقة والشعب الروسي، الذي يبدو (حسبهم) صديقًا خلاف العداء الأمريكي التاريخي.
عام 2017، استطاعت روسيا فرض شروطها الجيوعسكرية على مساحة واسعة من الأرض السورية، وخاضت اتفاقات ما يسمى بخفض التصعيد من أستانة عبر مثلث القوى الفاعلة في الداخل السوري: روسيا- ايران- تركيا(7)، ونجحت بفرض شروطها الجيوعسكرية في مواقع مهمة، وفق خطة جيوبوليتيكية طويلة المدى تستهدف كامل المشهد السوري:
– بوابة سورية الشرقية في البوكمال ودير الزور، جنوب الفرات السوري، بجوار خط التماس مع منطقة الحماية الذاتية الكردية المحمية من أمريكيًا. البوابة التي سيطرت عليها ميليشيات الحشد الشعبي العراقي والميليشيات الإيرانية الأخرى، بحيث اعتبرت وقتها بوابة موسكو الكبرى بريًا، (موسكو، طهران، بغداد، عبر البوكمال، فدمشق والبحر المتوسط)، واعتبرها الروس مقدمة للحل السياسي السوري بمرجعية سوتشي بدلًا من جنيف(8).
– بوابة سورية الشمالية من حلب، والتي بقيت لليوم منطقة تنازع وترسيم خطوط بينها وبين تركيا فيما يعرف بالخطين M4، وM5 الذين يفضيان للساحل السوري ودمشق بشكل متوازي.
– استكملت روسيا تفريغ الداخل السوري في محيط دمشق في الغوطتين الشرقية والغربية أوائل عام 2018، وبعد حمص وريف حماة الشرقي.
– خضعت المنطقة الجنوبية لمفاوضات طويلة خلاف الداخل السوري، حيث كانت تقضي خطة راند الأمريكية(9) ببقائها تحت سيطرة قوى المعارضة السورية ووصاية أردنية، كما الشمال السوري في إدلب.
حاولت روسيا إحكام السيطرة على الخط البري من حلب إلى دمشق، وصولًا إلى نصيب، المعبر البري الحدودي مع الأردن، ومنه إلى الدول العربية الأسيوية وإلى مصر وشمال أفريقيا، لكنها اصطدمت بعوائق متعددة في المحور الجنوبي، خاصة أمريكية وإسرائيلية وأردنية. فخاضت معها مفاوضات طويلة لوضع اتفاق تفاهم سمي باتفاق عمان أواخر عام 2017، تم تنفيذه أواسط العام 2018. ولم يتم إبعاد الميليشيات الإيرانية منها حسب الاتفاق، لتصبح اليوم منافسًا بريًا.

الجنوب ومناطق خفض التصعيد
الجنوب السوري، وبدءًا من مظاهراته الأولى مهد الثورة في درعا في 2011، شهد تطورات دراماتيكية عدة. حيث سيطرت عليه منذ عام 2013 بمعظمه في منطقتي درعا والقنيطرة فصائل المعارضة السورية مع جيب محدود في وادي اليرموك مبايع “داعش”. بينما بقيت محافظة السويداء منطقة هدوء نسبي شبه خالية من العمل العسكري، واستمرار للسلمية المتقطعة فيها.
بعد العام 2018، تبدلت مواقع السيطرة العسكرية فيه، ودخلت المنطقة برمتها في حلول جزئية جيوعسكرية لم تسفر عن استقرار فيها، خاصة في درعا.
اليوم تشتد المنافسة فيها من جديد لإحكام السيطرة على الخط البري الحدودي مع الأردن، وتبرز على السطح مشاهد متغيرة، قد تعيد المشهد لما قبل 2018 مرة أخرى، أو تذهب بالمنطقة برمتها لمتغيرات جيوعسكرية متعددة تتناولها عدة محاور: محو عسكري للسيطرة المحضة تحاول فرضه الفرقة الرابعة وإيران، وتداخل جيوعسكري تفرضه روسيا، وإشارات دولية سياسية قد تتطور لشيئ مختلف.
بالخلفية التاريخية، جاء في اتفاق عمان الثلاثي2017: ((تعهد موسكو بـ”تنفيذ فوري” لإبعاد “مقاتلين غير سوريين” في إشارة إلى “حزب الله” وميلشيات إيران من “منطقة آمنة” بعمق وسطي قدره 5 كيلومترات بين قوات النظام وفصائل المعارضة وسط نشر عشر نقاط روسية للرقابة ونقطتين للتفتيش، مقابل تعهد واشنطن وعمان بالعمل فورًا مع فصائل المعارضة لقتال “داعش” و”جبهة النصرة” وتنظيم “القاعدة” عن خط التماس في هدنة جنوب غربي سورية))(10).
أواسط 2018 بدأ العمل في عمان على تنفيذ اتفاق “خفض التصعيد” في جنوب سورية قرب الأردن، وخط فك الاشتباك في الجولان مع إسرائيل، وذلك عبر محادثات مكثفة بين دبلوماسيين وعسكريين ورجال استخبارات من أميركا وروسيا والأردن، حيث اعتقد الوفد الأميركي أنه حقق إنجازًا لاختبار مدى قدرة روسيا على ممارسة النفوذ على إيران في سورية بإدخال عبارة منع وجود “قوات غير سورية” في منطقة “خفض التصعيد” في إشارة إلى “حزب الله” وميلشيات تدعمها إيران، خصوصًا “حركة النجباء”(11).
استطاع تيلرسون ولافروف وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي، صوغ مسودة اتفاق ترمب- بوتين الذي أعلن خلال لقاء سريع بين الرئيسين في فيتنام أواخر العام 2017 (قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ “أبيك”)، تضمن ثلاثة مبادئ: الأول، سياسي، دعم عملية جنيف لتنفيذ القرار 2254 وإجراء إصلاحات دستورية لإجراء انتخابات سورية. الثاني، عسكري، تنسيق بين الجيشين الأميركي والروسي في محاربة الإرهاب وهزيمة “داعش” شرق سورية. الثالث، تنفيذ اتفاق “خفض التصعيد” جنوب غربي سورية ومباركة مذكرة التفاهم في عمان.
بعده، توزعت مناطق السيطرة في درعا بعد الاتفاق إلى ثلاث مواقع رئيسية(12):
– منطقة التسويات والمصالحات التي اتبعت بالفيلق الخامس التي تحاول روسيا صناعته بتبعية منفردة لها كقوات برية، وأسست اللواء الثامن بقيادة أحمد العودة قائد حركة شباب السنة، والتي كان مركزها بصرى الشام والممتدة للقرى الشرقية من درعا
– منطقة طفس واليادودة بالامتداد باتجاه الشجرة قرب محافظة القنيطرة بما فيها الفنيطرة، والتي تخضع لاتفاق فض الاشتباك مع إسرائيل عام 1974، كمنطقة خالية من القوات الرسمية السورية، فبقيت تحت سيطرة قوة المعارضة السورية. مع ترحيل مقاتلي داعش من حوض اليرموك.
– الخط الدولي المار من دمشق إلى نصيب، خضع لسيطرة سلطة النظام وروسيا مع مواقع رئيسية فيه للفرقة الرابعة والميليشيات الإيرانية. بقيت على أثره منطقة درعا البلد ووسط وشمال درعا، منطقة اختلاط متعدد القوى العسكرية، لكنها ساكنة ومستقرة نسبيًا. حيث سمحت التسويات ببقاء السلاح الفردي بيد أبناء درعا البلد، وشهدت المنطقة بحكم هذا الاختلاط سلسلة من الأعمال الانتقامية والاعتقالات المتتالية، والعديد من عمليات الاغتيال المقابلة. مع رفض عام من قبل الأهالي في المنطقة من قبول حواجز الفرقة الرابعة وسطوتها العسكرية في درعا البلد.
– بقيت محافظة السويداء كما منطقة درعا البلد تقريبًا، منطقة اختلاط متعدد للقوى المسيطرة فيها، والتي لا يتضح فيها فريق ما، بقدر سواد فلتان أمني وتنامي الميليشيات المدعومة من إيران عبر أبناء البلد ذاتهم من عصابات الخطف والتهريب، دون وضوح إيراني معلن. هذه العصابات على قلة عددها إلا أنها تمارس عمليات الخطف والسطو والابتزاز المالي والقتل أحيانًا كثيرة والعمل في ترويج وتهريب المخدرات، مع بقاء حركة رجال الكرامة والفصائل المحلية المتبنية الحياد الإيجابي تحت عنوان حماية الأرض والعرض بمواقعها، دون مواجهات مع أي طرف سوري موالي أو معارض، وذلك رغم محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بها من قبل الروس وسلطة النظام منتصف 2018، إلا أنها باءت بالفشل لطبيعتها الأقلوية من جهة، ولعدم انجرارها للمقتلة السورية. ومع هذا تعرضت لهجمات داعش في تموز 2018(13)، ودخلت استثنائيًا في معركتين خاسرتين، ماديًا ومعنويًا، مفتعلتين مع اللواء الثامن في منطقة القريا في العام 2020(14)، انتهت بالهدنة والتصالح وفرض شروط الاستقرار.
– القنيطرة تمتد من جهة لمنطقة فض الاشتباك 1974 المحاذية لدرعا والجولان، مع وجود نقاط روسية متقدمة، وسيطرة محلية لسلطة النظام والميليشيات الإيرانية بالتداخل مع سكان أبناء المنطقة فيما عداها. وتشهد المنطقة هدوء عام منذ 2018.

النتائج والاحتمالات المستقبلية:
مهما حاولت أدوات التحليل السياسي قراءة المشهد اليوم في درعا والجنوب بعمومه، فسيصعب عليها التنبؤ الدقيق بمستقبل مجرياته، خاصة وان المنطقة تخضع لشروط عمل أمنية واستخباراتية متعددة الأطراف والمصالح. من هنا تصبح المقاربات الجيوعسكرية هي الأرجح مرحليًا، ولكنها ليست ذات ديمومة.
في هذا السياق وبناء على طلب الأردن بإعادة فتح معبر نصيب الدولي، أتى موضوع السيطرة على درعا البلد موقع تنافس شديد، بعد استقرارها النسبي سابقًا.
روسيا تحاول تقديم ورقة تفاوضية جزئية تأخذ بعين الاعتبار السيطرة الجزئية النسبية، وتقليص دور الميليشيات المنافسة خاصة الفرقة الرابعة. وتقديم اللواء الثامن كونه من أبناء درعا، بديل عنها.
أهالي درعا الرافضين بداية للواء الثامن، لم يجدوا أمامهم بديل سواه، ولكن هذا لن يرضي الفرقة الرابعة. ليبدو المشهد اليوم، وكأن أي تفاوض يفترض إخلاء الميليشيات الإيرانية من السيطرة سينقض أي اتفاق ممكن. ما قد يفتح المسألة مرة أخرى لطلب الأهالي بترحيلهم إلى الأردن وتركيا. فحسب تجمع أحرار حوران، ونقلًا عن لسان المحامي “عدنان المسالمة” الناطق باسم لجان التفاوض الأهلية، أن إيران قد أفشلت الاتفاق، وأهالي درعا يطالبون بترحيلهم بـأطفالهم ونسائهم وشيوخهم جميعًا(15)! وكأن لسان حالهم يقول قد أنفت نفوسنا الذل والموت، وكل ما نطلبه عيش آمن وكريم، فهل هذا مستحيل!
هل سترضى الأردن ومن خلفها إسرائيل وأمريكا بهذا؟ وهي التي تشترط على روسيا إبعاد الميليشيات الإيرانية عن المنطقة؟ وماذا ستفعل غرف الاستخبارات العسكرية سواء لتثبيت الاتفاق الأخير أو في حال رفضه؟ وهل ستشعل المنطقة مرة أخرى كما كانت قبل 2018؟ وهل سيعيد الضغط المتزايد على أهالي درعا البلد فتح العلاقات المنقطعة بين أبنائها في المناطق الثلاث المذكورة أعلاه وخاصة مع بصرى الشام واحمد العودة؟ وما مصير السويداء في حال فرضت السيطرة الروسية أو الإيرانية على درعا البلد؟ وما دورها الممكن اليوم وفي المستقبل القريب؟
تبدو إجابات الأسئلة أعلاه سيناريوهات متوقعة لقادم الأيام لا يمكن الجزم بحدوث إحداها خلاف الأخرى. ولكن رغم هذا ثمة مؤشرات عدة تطرحها مسألة درعا البلد ومنطقة الجنوب برمتها كخلاصات ونتائج عامة مفادها:
– لن يستقر الوضع السوري إلا بحل عادل يشمل كل حقوق السوريين بالتغيير الديموقراطي السياسي المقر دوليًا بالقرار 2254/2015.
– فشل السياسة الروسية الجيوبوليتيكية بتحقيق حلولها الجيوعسكرية من خلال سورية وخاصة في مواقع الحدود البرية.
– الخيارات القاسية أمام أهالي درعا اليوم، الإيرانيين وفرض السطوة العسكرية الكلية أو الروس والمتصالحين معهم، يعيد المسألة لموقع تنافسي جديد متوقع بين القوى المتصارعة على واقع الأرض، ونتيجته ستنعكس على الجنوب بأكمله.
– إذا كان من غير الممكن مواجهة قوى متعددة السطوة بذات الوقت فالتفاوض طويل الأمد مع التمسك بقوة التاريخ والأرض، يعتبر الموقف الأقوى لسكان المنطقة، وعلى روسيا والدول الضامنة الأخرى أمريكيا والأردن مراجعة حساباتها بدقة بهذا السياق، ما قد يطرح حلول مختلفة عن المطروح على طاولة التفاوض اليوم.
– يمكن لأبناء الجنوب اليوم، درعا بمناطقها المختلفة، السويداء بحذرها الأمني، والقنيطرة الهادئة نسبيًا، الإقرار بضرورة نبذ الخلافات البينية، والبدء بتوافقات شروط الأرض والمصير، وإلا سيكون المصير “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.
– جسارة التفاوض وشروط الترحيل التعجيزية التي يقدمها الأهالي لليوم، تعتبر نقطة قوة في فهم التناقضات بين التنافس الروسي والإيراني على واقع، فإخلاء درعا يعني إبعاد روسيا والعكس إبعاد إيران وميليشياتها. وبين هذه وتلك هل تفصل الأرض والتاريخ أم مكر التاريخ؟
ريثما تتضح القصة كاملة وكيف سترسمها الغرف الأمنية، ستبقى المعادلة التاريخية المعروفة بأنه: إذا جاعت درعا جاعت روما، هي المؤشر الأكبر على حدة التنافس على درعا، ولكن روما اليوم هي روسيا مرة وإيران مرة وبينهما سلطة النظام، واحتمال خروج درعا والمنطقة الجنوبية بعمومها بحكم ذاتي يبدو سيكون أحد الحلول المقترحة الفترة القادمة، ولكن بعد سيل جديد من الدماء، ستفرضه الغرف الأمنية، وعدم تجاوب رعاة خفض التصعيد لليوم مع مطالب الأهالي المحليين بالخلاص من رقبة الحلول الجيوعسكرية المقيتة لليوم، ومثله كل صنوف الاستبداد.

المراجع:

ضياء عودة، روسيا ترسم “خارطة طريق” درعا.. “البنود مذلة” و”القادم أسوأ”، الحرة، إسطنبول،16 /8/2021.
الاتفاق الأميركي ـ الروسي ـ الأردني: تزامن إبعاد «حزب الله» مع قتال «النصرة»، الشرق الأوسط تنشر بنود المذكرة الثلاثية لاتفاق الجنوب السوري، 17/11/2017. https://aawsat.com/home/article/1086216
https://www.reuters.com/article/syria-daraa-ea6-idARAKBN1K22SW
اتفاق التهدئة يدخل حيز التنفيذ في درعا… وهذه بنوده، سكاي نيوز العربية،1/9/2021.
أمينة مصطفى دلة، “المخيلة الجيوبولوتيكية الروسية والفضاء الأوراسي”، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 27/9/2016.
ألكسندر دوغين، الجيوبوليتيكا أداة للسياسة القومية..القوى البرية مقابل القوى البحرية الانغلوساكسونية، مركز كاتخيون للدراسات، 31/10/2017.
بنود اتفاق أستانا حول مناطق خفض التوتر في سورية، RT-Arabic، 15/9/2017,
مركز كاتخيون للدراسات، الطريق إلى سوتشي يمر من البوكمال، 3/11/2017.
خطة مؤسسة راند الأمريكية للحل في سورية، وحدة الترجمة و التعريب -مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 11/7/2016.
الشرق الأوسط، ذات المرجع السابق.
الاتفاق الثلاثي حول جنوب سوريا: منطقة عازلة خالية من إيران، SalonSyria، 20/11/2018.
خريطة السيطرة في محافظة درعا، جسور للدراسات، 1/8/2021.
جمال الشوفي، السويداء بين فكي حوت، الرافد، 7/2018.

العودة يحذر من “أذرع إيران” ويوضح أسباب اقتتال القريّا الأخير


فشل اتفاق درعا.. اللجان المركزية وصلنا الى طريق مسدود، السورية.نت، https://bit.ly/3jKWx8F

 

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية، دكتوراه في الفيزياء النووية

زر الذهاب إلى الأعلى