الرئيسيتقدير موقف

خيارات المجتمع المدني السوري الراهنة

جمال الشوفي

مع ثورات الربيع العربي تعمقت تجربة المجتمع المدني واشتد عودها، وبات لها دور مهم في حركة تحرره العامة، خاصة تونس وتجربتها الطويلة في انجاز عقد اجتماعي وطني قابل للتطوير، ومنفتح على الحوار مع كل أطياف المجتمع، بما فيه إسلاميي حزب النهضة. ماذا عن التجربة السورية اليوم في ظل متغيرات الواقع الحالي، وعدم الوصول لحل سوري يتيح حرية واستقلالية العمل المدني؟ ما هي الخيارات والصعوبات؟ وهل من دور ممكن؟

الواقع الراهن:
في حزيران الفائت أطلقت غرفة المجتمع المدني السوري مجموعة عملها التخصصية بغرض علاج القيم المدنية ومساحة عمل المجتمع المدني، وذلك من خلال تيسير تفاعل موضوعي بين المبعوث الأممي الخاص بسورية “غير بيدرسون” والمجتمع المدني السوري، بغية تحقيق المناصرة حول قضايا متخصصة تستهدف الوصول لجعل عملية الوساطة التي تجريها الأمم المتحدة بالشأن السوري أكثر تشميلًا، خاصة ما للدور المهم للمجتمع المدني السوري في هذه العملية، كما كرر مرارًا في إحاطاته لمجلس الأمن. غرفة المجتمع المدني السورية تأسست منذ 2016 برعاية أممية للحل السوري وفق القرار 2254/2015 الذي يتبنى مشاركة المجتمع المدني السوري في إطار العملية السياسية المزمعة، شاركت فيها خلاصة الفعاليات المدنية السورية داخلًا وخارجًا، سلطة ومعارضة ومنظمات تتسم بالحياد، فأين هي اليوم؟.
بالعودة لتقييم سابق ووفق دراسات عدة، فإنه رغم أن التجربة المدنية السورية تجربة قاسية وغير ناجزة كلية، لكنها تميزت بانفتاح مفرط على تشكيل منظمات المجتمع المدني، وانخراطها المتعجل في العملية السياسية. فمع أن قوامها العام من الشباب المدني التنويري الذي حاول ممارسة الحيادية والاستقلالية النسبية في الواقع والممارسات اليومية، لكن مستويات تمثيله العليا على مستوى صناع القرار والوسطاء بين المنظمات المتشكلة في الواقع والمنظمات الأممية المانحة، ساقته للانحياز التدريجي نحو وصفة وفرضية للحل السياسي لم تختبر نتائج تحققها بعد بحكم كم التداخلات السياسية في الملف السوري، ليبدو المشهد اليوم وكأنها محاولات تلطيفية لحدة العملية السياسية دون مستوى مفصل التغيير المفترض أمميًا وفق القرار 2254/2015.

الخيارات المتاحة:
رغم الجهود الكبيرة والجبارة التي بذلها شباب المجتمع المدني السوري، في محاولة إثبات حضورهم وفاعليتهم المجتمعية والمدنية، إلا أن عدم تحقق الانتقال والتغيير السياسي السوري واستعصاء حلها لليوم، وضع المجتمع المدني ومنظماته، خاصة الموجودة في الداخل السوري، أمام خيارات عدة:
– القبول بالواقع السياسي الراهن والسلطة القائمة ومحاولة تحسين موقعهم القانوني والمدني بظلها.
– البحث عن مصلحة فريق العمل كحلول فردية جزئية، وتبدو هذه النقطة تكمّل الخيار الأول في بعض حيثياتها، إن لم تكن متابعة لإستراتيجية العديد من المنظمات منذ بدء تأسيسها، تلك التي أظهرت حيز واسع من الغرضية النفعية التي سبق دراستها في دراسة سابقة تفصيلًا. وهنا تبرز مفارقتين: الأولى كيفية التغلب على تهمة التمويل الخارجي، والتي يمكن استثمارها من قبل أجهزة السلطة وأدواتها، والتي قد تقود لتواطئ عام مفاده مصلحة الطرفين المستفيدين من أجهزة السلطة ورعاة المنظمات ماديًا وسياسيًا، والثانية إيجاد البدائل التمويلية التي تعفيه من عقابيل الأولى، ولكن تضع الكثير من الصعوبات أمامها، أهمها القدرة على الاستمرارية ومتابعة مشاريعها المدنية.
– محاولة استيعاب المرحلة والخروج من آثارها السلبية واستقطابها السياسي السيئ، والعودة لمراجعة الخطط والأهداف وطرق وآليات العمل، والأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن في إحداث التغيرات الكبرى ومحطات صراعه الطويلة. ما قاد عدد من الفاعلين المدنيين لمحاولة البدء بحوار مفتوح مع قوى المجتمع السياسية والأهلية والثقافية، بغية البحث عن المشترك العقدي بين مختلف أطياف المجتمع، حقوقيًا ودستوريًا وقانونيًا. مع التمسك بالحقوق المدنية والحريات العامة وفق جدولة زمنية تتحقق تدريجيًا، تمثل معركة حياة عريضة لا تستنفدها مرحلة سياسية قائمة أو انتقالية ممكنة أو حلول واهية لم تحقق أُكلها لليوم.
فإذا كان الخياران الأوليين يبرزان مدى هشاشة وضعف فعاليات المجتمع المدني ومنظماته واستعجاله تحقيق النتائج والأحلام والحقوق والمكاسب، فاصطدم كغيره بالواقع غير المتغير مفصليًا لليوم؛ إلا أن الخيار الثالث يبدو محطة هامة في مراحل التغيير العام وإن طال زمن تحققه. أضف للاستفادة من نتائج المرحلة السابقة بسلبياتها وايجابيتها، خاصة وأن المعيق الأساسي أمام كل السوريين بكل صفاتهم المدنية والسياسية والأهلية والدينية.. هو عدم حدوث التغير السياسي لليوم، وذهاب البلد لحكم سياسة الأمر الواقع البليدة وغير المستجيبة إلا لمصالح القائمين عليها بالقوة.

الممكن والمأمول: محددات المرحلة الحالية:
أثبتت التجربة التونسية المدنية، بخلاف التجربة السورية، أنه على الرغم مما تمثله الأيديولوجيات الدينية والسياسية وطبيعة المجتمع الأهلي من عائق أمام التحول الديمقراطي والمدني، لكن يمكن البرهان بكل الطرق أن سلطات العسكر والحكم الشمولي هي المعيق الأساسي والمفصلي، ما لم يحدث التغيير في بنيتها فإن كل الجهود المبذولة تبقى مذررة وجزئية ودون مستوى الحقوق. وتبدو هذه النقطة محط خلاف أيديولوجي إلى اليوم في سياق التجربة المدنية للربيع العربي عامة والسوري خاصة. فالتعصب الأيديولوجي للأفكار المثالية النظرية المدنية وشدة الولع الثوري، والغرضية المحضة سياسيًا أو ماديًا، وانجراف الأحزاب السياسية لنزاع متفاقم حول السلطة أيديولوجيًا، إضافة للميليشيات العسكرية المتعددة واحترابها الطويل وتمترس وصلف السلطات، شكلت معيقات وتحديات كبرى أمام نماذج المجتمع المدني المتشكلة، ومعيق إضافي أمام تحقق أوليات التعاقد الاجتماعي، يؤثر كلية على إرساء قاعدة الأمان المستقبلي وحرية العمل المدني.
المجتمع المدني وإن كانت صيغه المفهومية والفكرية تكاد تكون واضحة نظريًا، لكن من الممكن وضع جملة من المحددات القابلة للتنفيذ في سياق بناء حوار وطني عريض، تقوم به منظمات وجمعيات العمل المدني السورية القائمة في أرض الواقع لليوم، كل في منطقة عمله، على أن تتشكل لها مجموعة عمل منسجمة ومنسقة، تتسم بالبعد الثقافي والاستقلالية السياسية، وبموازاة عمل غرفة المجتمع المدني السورية في أروقة الأمم المتحدة، لكنها تقود برنامج الحوار هذا سواء بمراحله أو بأهدافه التي يستهدفها باستقلالية عنها. هذا إذا وضعت نصب أعينها جملة من المحددات الأولى هي:
– لا يتحقق المجتمع المدني دفعة واحدة بوصفة سحرية كلية فكرية أو نظرية، بل نسبيًا ومرحليًا وبشكل تدريجي مع الزمن.
– اعتماد الحوار المجدول زمنيًا أساس في بناء الثقة والتواصل مع مكونات المجتمع السياسية والأهلية بما فيها الدينية.
– استهداف الوصول لضوابط وقواعد عمل مدنية حقوقية وقانونية تتيح العمل المدني بحرية ومحمية من القانون الوضعي، سواء حدث التغيير السياسي لمرحلة انتقالية أم لم يحدث. فالمرحلة الانتقالية السياسية ليست سوى بوابة لترسيخ العمل المدني ولن تكون نهاية مطافه.
– العمل على إجراء دراسة كمية ووصفية واسعة للإشارة إلى دور المجتمع المدني الممكن، تأخذ في معطياتها: الحالة الطائفية، البنى العسكرية، التدخلات الجيوبولتيكية الدولية، الأحزاب السياسية الأيديولوجية، ونماذج المجتمع المدني ومنظماته المتشكلة، ودراسة الفروق بينها كميًّا ونوعيًّا.
– من الهام والضروري العمل على تغيير وسطاء المجتمع المدني مع المنظمات الأوروبية والأممية، واستعادة الدور المدني الضاغط على كل الأطراف المحلية والدولية لتحقيق أرضية عمله الحقوقية والقانونية، بعيدًا عن مغريات ومكتسبات السياسة الراهنة واللحظية.
– استمرار كارثة الشعب السوري إلى اليوم واستعصاؤها السياسي بحكم مجريات الواقع المحلي السياسي والعسكري، وما شابه من تدخلات إقليمية ودولية تداخلت فيه أدوات سياسية وعسكرية متعددة، يلقي بظلاله القاتمة على مستقبل سورية عامة وحراكها المدني خاصة، ما يستوجب العمل بطرق مدنية مختلفة، تستهدف الوصول إلى دولة المواطنة، بحيث تحدُّ من تفشي الانقسامات العامودية الاثنية والدينية والأهلية، وتحدُّ من تغول السلطات السياسية على كل مكونات المجتمع.
– يمكن وضع خطة عمل مدروسة بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الذي يجهض العمل المدني من أساسه ويجعله مطية لتحقيق أغراض سياسية قصيرة الأجل لرعاتها، تأخذ بعين الاعتبار المحددات أعلاه، وتتخذ من المعيارية قواعد وضوابط عمل تستهدف النجاح المرحلي والاستدامة المستقبلية.
– من الهام والضرورة بآن التعرف على صيرورة تشكل المجتمع المدني أوروبيًا، فعلى الرغم من أن المجتمع المدني هو وليد الدولة الحديثة أوروبيًا، إلا أنه لم يتشكل فيها بطريقة وحيدة ولا دفعة واحدة، بل عبر تجارب متعددة اختلفت فيما بينها في الفكر والأدوات نتيجة متغيرات عصر النهضة وثورات تحرره الأوروبية. فبينما شكلت أفكار المجتمع المدني والحريات الفردية الليبرالية لجون لوك قاعدة عامة في الدستور الأمريكي الحديث، أتت أفكار توماس هوبز لتشكل أساس العقد الاجتماعي الإنكليزي، وتحقيق مكتسبات حقوقية وبرلمانية في ظل سلطة الملك. في حين مثلت أفكار جان جاك روسو أساسًا للعقد الاجتماعي الفرنسي مبرهنًا على تحقق الهوية وفقًا للشخصية العمومية بالإرادة الحرة، حين أضاف الحرية إلى صيغة الجمهورية الفرنسية الحديثة. ومع هذا اتفقت جميع هذه الأفكار، على اختلافاتها، على صيرورة طويلة لتشكل الدولة الدستورية وعقدها الاجتماعي ومنتجها الأهم في المجتمع المدني الراهن.
هنا يبرز دور المفكرين والمنظرين العرب والسوريون الذين يولون الدور الأهم للثقافة المدنية والتنويرية، وضرورة إرساء القانون والدستور في ظل الدولة الحديثة كأولوية على تشكيل منظمات المجتمع المدني. ومبررات هذه الفرضية تتجلى في نقاط عديدة أهمها: ضرورة تعميق الثقافة المدنية في مجتمع متأخر تاريخيًا تحكمه ثقافة العلاقات الأهلية “ما قبل دولة”، المعاوقة للحرية والحقوق الفردية. فكيف وأن المجتمع بكامله محكوم بسلطات الشرق الاستبدادية، الطاردة لكل عمل تنويري أو حرية سياسية أو فكرية من الأساس؟

الخلاصة والتوصيات:
المجتمع المدني شخصية قانونية واعتبارية، ونموذج فكري تحرري مفهومًا، وطرق وأدوات عمل أيضًا، أساسه الفرد وممارسة حريته الفكرية والسياسية بشكل مختلف عن علاقاته الأهلية. ومن الطبيعي أن تواجهه عوائق أهلية ودينية ترفض تسليم سلطاتها المتوارثة تقليديًا، لكنه يبقى المعول عليه في إحداث الفرق الهام في سياق عملية التغيير الممكنة. وأمام المعطيات المرصودة أعلاه، فإنه من الضرورة بمكان العمل على:
– فتح الحوار مع مجتمع ما زال يتعثر في خطوات تحرره السياسي، وإنتاج آلية للتوافق على الحقوق العامة وميثاق الحريات وآلية الحكم التداولي بالانتخابات الديمقراطية.
– التوجه نحو الفاعلية المجتمعية وربط الخطط المرحلية بالهدف العام وإن كانت معيقاته أكثر من سهولة تنفيذ المشاريع الراهنة دون رؤية مستقبلية.
– الخروج من الاستقطاب السياسي العام، وإعادة تقييم وجود المجتمع المدني في غرفة اللجنة الدستورية.
– إيجاد آلية عمل مدنية تنسق بين الجهود المدنية للغرفة المدنية والسورية، وورشة العمل المستقلة الممكنة، وردفها بامكانيات فكرية وثقافية مستقلة سياسيًا والانفتاح عليها.
الخيار الأصعب والأطول أمام المجتمع المدني السوري، هو الحوار طويل النفس والبحث عن الاستدامة وترسيخ ثقافة الحرية والعمل المدني المستقل مع تحقيق الأمان المرحلي والمستقبلي، وهذا ليس خيارًا وحسب، بقدر ما هو ضرورة واقعية تفرضها طباع المرحلة الحالية السورية، وانكشاف معظم أبعادها السياسية ومتغيراتها الدولية المعقدة، لكنه الممكن والأكثر استقرارًا وإنتاجًا اليوم وغدًا.

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية، دكتوراه في الفيزياء النووية

زر الذهاب إلى الأعلى