الرئيسيالشرق الأوسطدراسات وبحوث

حركة تشرين العراقية: عقد من الاحتجاجات والتعبئة

ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري

ملخَّص
شهد العقد الماضي موجات تقدّمية من الاحتجاجات والتعبئة في جميع أنحاء العراق. لقد فشلت البلاد في محاولاتها نحو التحوُّل الديمقراطي، وتوطَّدَ الصراع، والتمزُّق الاجتماعي، والطائفية، وتمكين الجهات المسلّحة غير الحكومية. إن حركة تشرين التي ظهرت في تشرين الأول/أكتوبر 2019 هي تتويجاً لغضب المواطنين وتحرُّكات أصغر على مَرّ السنين ضد الافتقار إلى تقديم الخدمات وسوء الإدارة، وواجهت رداً عنيفاً من قِبل الدولة والجهات الفاعلة غير الحكومية. وعلى الرغم من الوباء، لا تزال حركة تشرين قويّة ونشطة على الإنترنت وفي الأماكن العامة. لقد وضع شباب العراق -القوة الدافعة للحركة -شعب العراق على مسار تصادُمي مع الدولة، والبنية التحتية السياسية، والأجهزة الأمنية (الرسمية وغير الرسمية) التي تفرضها. على المجتمع الدولي واجب حماية هؤلاء النشطاء الشباب.

مقدّمة
لقد عانى العراق من تاريخ حديث مضطّرب، شكّله الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003، والذي أطاح بالديكتاتور القديم صدام حسين، ووضع البلاد في مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية. ومع ذلك، فقد شهدت السنوات الثماني عشرة الماضية خسارة خارطة الطريق الأوّلية لما بعد الرئيس الأسبق صدّام حسين الاتجاه، والاستسلام للتأثير الخارجي والعنف من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية، وفي النهاية أصبحت مدِينة بالفضل لدورات الصراع المستمرّة. في حين أن الفساد أصبح مشكلة مستوطنة، فإن الشلل السياسي بدأ ببطء، الأمر الذي أدّى إلى توقف الحكم بشكل شبه كامل.
لقد تداعت العملية الديمقراطية وانكمشت وتفتَّت إلى التمكين الدوري للطبقة السياسية، التي تعود إلى الخطاب الطائفي عندما يفشل كل شيء آخر، وتتجاهل المطالب بتقديم خدمات عامّة مناسبة وتفشل في خدمة المجتمعات ذات التركيبة السكانية المتغيّرة.
كانت التعبئة بأشكالٍ مختلفة جزءاً فعّالاً من محاولة متجدِّدة للتحوُّل الديمقراطي. في العراق، لم يكن هذا دائماً مدفوعاً من قبل المواطنين المهتمّين الذين يسعون إلى تحسين ظروفهم المعيشية. وانضم إلى جانب الاحتجاج غير المسلّح، متمرِّدون مسلَّحون ومليشيات واسعة الانتشار إلى النزاع. ومع ذلك، لا تزال حركة تشرين 2019 أكبر حشد للمواطنين العُزَّل.
لقد أثرت الاضطرابات بشكلٍ كبيرٍ على الديناميكيات السياسية الداخلية، وأجبرت من خلال عسكرة المجتمع بشكل عام، حتى لو ولِدت في البداية من معارضة الاحتلال الأمريكي للبلاد. أثار الفراغ السياسي والأمني ​​خلال فترة ما بعد الغزو، فضلاً عن استمرار العنف، زراعة تنظيم القاعدة في العراق، وفي نهاية المطاف صعود ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) والاستيلاء السريع على الأراضي عبر أجزاء من الدولة في عام 2014. كانت الاحتجاجات بطبيعتها وشكلها حتى اندلاع ثورة تشرين/أكتوبر، سياسية. مع استثناءات واضحة -لا سيما احتجاجات البصرة في عام 2018 – حُدِّدَتْ الاحتجاجات الدورية من خلال ميولها السياسية أو تنظيمها، وظلّت بطبيعتها أداة لتحقيق مكاسب سياسية في كل من الشكل والأيديولوجيا. تظلّ “احتجاجات الصدر” في عام 2016 هي الأكثر وضوحاً من بين هذه الاحتجاجات. كل هذا لا يعني أن الحركة الاحتجاجية لعام 2019 غير سياسية بعمق، بل إنها أوَّل حركة مطوَّلة خرجت مستقلة عن أي حزب سياسي أو أيديولوجية. في حين أنها قد لا تصمد أمام النخبة السياسية الفاسدة والقوية، فقد أثبتت أنها لحظة فاصلة للنظام السياسي بعد عام 2003. يتم الآن فحص الديناميكيات المحلية العراقية بشكل وثيق الصلة من قبل المجتمع الدولي، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من خلال عدسة الحركة المدنية، ولحظة الثورة، ونقطة الانهيار في الاقتصاد التي جاءت مع تفشّي جائحة كوفيد -19.

الاحتجاجات في العراق: 2011 حتى الوقت الحاضر
جاء اندلاع الاحتجاجات في تشرين الأول/أكتوبر 2019 بمثابة صدمة للمراقبين الخارجيين. لقد استمرَّت الطبيعة المطوَّلة للحركة ورسالتها غير الطائفية بشكل عام، الأمر الذي قاد إلى فرض حساب داخلي بين المحتجّين والمواطنين والممثلين السياسيين. ومع ذلك، لم تكن الحركة بحدِ ذاتها حدثاً مفاجئاً، بل كانت استمراراً وتطوُّراً للتعبئة الجماهيرية كشكلٍ من أشكال المعارضة التي كانت جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي للبلاد لعدّة سنوات بالفعل.
بينما لم يشهد العراق ذات الموجة الثورية التي شهدتها أجزاء أخرى من العالم العربي في عام 2011، لم يتجاوزها الربيع العربي بأي حال من الأحوال. كانت الاحتجاجات التي اجتاحت المنطقة حاضرة أيضاً في العراق، وإن كان تركيزها دولياً أقل بكثير لأنها لم تُحدِث تغييراً سياسياً كما حدَثَ في مصر وتونس وأماكن أخرى. في نهاية المطاف، افتقرت الاحتجاجات الشعبية في العراق عام 2011 إلى القدرة على تحمُّل العنف الذي ترعاه الدولة. كانت المؤسّسة السياسية في العراق قادرة على احتواء وتبديد الغضب الاحتجاجي دون تنازلات تُذكَر.
كان العراق في عام 2011، قد تخلّص من صدّام حسين منذ ما يَقرُب من عقد من الزمان – أُزِيحَ بالقوّة من قِبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة والاحتلال اللاحق في عام 2003 -وكانت الاحتجاجات التي شجبت قيادة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي تفتقر إلى نوعٍ واحد مثل شكل الوحدة التي شُوهدت في دولٍ أخرى (مثل تونس وليبيا واليمن وسوريا ومصر)، والتي استهدفت شخصية واحدة كممثلة للنظام. ظلّت الاحتجاجات أيضاً صغيرة نسبياً، عند النظر إليها في ضوء الأحداث في ميدان التحرير في مصر أو شارع الحبيب بورقيبة في تونس. بالإضافة إلى ذلك، شهد العراق بالفعل أشكالاً مستمرّة من الصراع منذ عام 2003، بسبب التمرُّد ضدَّ الولايات المتحدة وتشكيل جهات فاعلة مسلّحة غير حكومية لها نفوذ سياسي.
أعطى الأمر الذي صدر بعد عام 2003 سلطة كبيرة للميليشيات المسلّحة والجهات السياسية الفاعلة التي شكَّلت جماعات مسلّحة إمّا كامتداد لسلطتها السياسية أو لدعمها. ونتيجة لذلك، ظلّت الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2011 بلا حَول ولا قوّة وقُمِعَتْ بعنف، وسط رواية مرهِقة عن الصراع وتزايد النفوذ الإيراني وبداية التراجع الأمريكي.
شهِد العراق في السنوات التي أعقبت عام 2011، موجات احتجاجات دورية، أبرزها احتجاجات الصدر في عام 2016 واحتجاجات البصرة في عام 2018، قبل أن تصل الأمور إلى ذروتها مع حركة تشرين في عام 2019.
وشهدت احتجاجات الصدر احتلال مبنى البرلمان وأجزاء من المنطقة الخضراء شديدة الحماية في بغداد ردّاً على عدم نشاط البرلمان.
نزل الآلاف بقيادة رجل الدين الشيعي القوي/السياسي / زعيم الميليشيا مقتدى الصدر على المباني المؤسَّسية للاحتجاج على عملية صنع القرار في تشكيل الحكومة.
تلاعب مقتدى كشخصية، بعناية وبشكلٍ متّسق بالمواطنين والنخب السياسية على حدٍ سواء على مرِّ السنين لتعزيز مشروعه السياسي وتحقيق طموحاته الشخصية. تمكّن الصدر مدعوماً بأكبر دائرة انتخابية مدنية لأي مجموعة سياسية رئيسية، من أن يصبح المفسِد الأكثر فاعلية للعملية السياسية. وقد تفاقم هذا في السنوات الأخيرة حيث يترجم دعم دائرته الانتخابية إلى المزيد والمزيد من التمثيل في البرلمان.
كانت الاحتجاجات نفسها مدفوعة بالغضب المتزايد من الفساد داخل النظام السياسي والانفصال بين النخب السياسية وعامّة السكان. ورغم أنّ تلك الأمور كانت بلا شكّ منطلقاً سياسياً، إلا أنهم عكسوا معارضة حقيقية واستياءً من النظام السياسي. هذا هو الشعور الذي نما فقط على مدى العقد وتوسَّع ليتجاوز الشخصيات السياسية ودوائرها الانتخابية لتترسّخ في المجتمع.
طغت الحرب المستمرّة ضد داعش على المزيد من الاحتجاجات التي حدثت خلال 2015/2016 والتي أجبرت سكان البلاد على شكل من الاستسلام الكامل: ليس فقط للنظام السياسي العراقي وامتداداته المسلحة، ولكن أيضاً استمرّت وأعادت التدخُّل الأجنبي الناشئ والحروب المستمرّة بالوكالة بالإضافة إلى تمرّد متشدِّد قويّ ومعبأ. شهدت الحرب ضد داعش تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة (بما في ذلك حلفاء الناتو) وزيادة مشاركة الجيش الإيراني. بحلول أواخر عام 2017، عندما أعلن رئيس الوزراء آنذاك، حيدر العبادي، أن الحرب “انتهت” مع استعادة الموصل من داعش، كانت البلاد قد خرجت من أعنف صراعاتها منذ 18 عامًا محطّمة وضعيفة وتواجه انهياراً وشيكاً. نزح في ذروة الحرب، أكثر من ستة ملايين مواطن داخلياً.
لا يزال حتى الآن، أكثر من 1.5 مليون شخص نازحين (رسمياً)، على الرغم من أنه يُعتقد أن العدد غير الرسمي أعلى من ذلك بكثير. تم تدمير بلدات ومدن بالكامل تقريباً ولم يتم إعادة بنائها بعد، بما في ذلك الموصل، ثاني أكبر مدينة في البلاد، بالإضافة إلى أجزاء رئيسية من الأراضي المتنازع عليها، مثل الحويجة وسنجار وبعقوبة وغيرها الكثير.
في حين قاد الصدر احتجاجات عام 2016 وغذّتها حالة من عدم الرضا عن العبادي، كانت احتجاجات البصرة عام 2018 التي أعقبت انتخابات أيار/مايو 2018 ذات طبيعة مختلفة تماماً. يمكن القول إنها أدّت إلى انحراف محاولات العبادي لتأمين فترة ولاية ثانية، فإن الاحتجاجات التي هزّت البصرة -والبلد -لأشهر، ستبدو (بعد فوات الأوان) أنها قد أطلقت الشرارة التي اندلعت لاحقاً في حركة تشرين 2019.

اندلعت في صيف عام 2018، احتجاجات حاشدة في جميع أنحاء المحافظة في مواجهة انقطاع الكهرباء الشديد وسط ارتفاع درجات الحرارة في الصيف. كانت هذه الاحتجاجات أقل انحيازاً سياسياً من التيار الصدري، ولم يكن البلد قادراً على احتواء الغضب المستمر القادم من المحتجّين، والذي تفاقم بسبب استمرار الرد العنيف من قبل الدولة (بما في ذلك الدعم الضمني للجهات المسلّحة غير الحكومية) رداً على مظاهرات. في انعكاس للاحتجاجات الأصغر التي اندلعت في عام 2015، بدلاً من حركة الصدر لعام 2016، أثبتت احتجاجات 2018 أنها نقطة التحوُّل في استخدام التعبئة كأداة سياسية يسخّرها المواطنون. ساعدت مقاطع الفيديو والتقارير والتركيز الإعلامي على تسليط الضوء على محنة المواطنين، مدفوعة بشهادات عن المعاناة في أفقر محافظة في العراق (على الرغم من امتلاكها أكثر من 95 في المائة من ثروتها النفطية). بينما ظل الغضب خلال تلك الفترة محلياً في البصرة، تمَّ تسخير المشاعر في جميع أنحاء البلاد، المر الذي سمح للاحتجاجات بأن تظل قوية في مواجهة الارتباك الحكومي والشلل السياسي وعدم وجود سلطة قيادية للاستجابة للمطالب. نُشِرَتْ تكتيكات مماثلة منذ عام 2019.
استمرّت الاحتجاجات طوال العملية السياسية لتشكيل الحكومة في الأشهر التالية انتخابات 2018 كتلخيص للقلق الواضح من سوء إدارة الحكم ونقص تقديم الخدمات، والصور المؤثرة لتأثيرات موارد المياه الملوثة، ونقص الوقود والكهرباء، والحالة المتردية للمحافظة. اكتسبت قوّة احتجاجات البصرة صدى جديداً. في حين أن الاحتجاجات ضد نقص تقديم الخدمات ليست غير شائعة، لا سيّما في فصل الصيف بسبب درجات الحرارة المتزايدة التي لا تطاق، فإن حركة 2018 بُنيت من هناك. أن مركز الاحتجاج كان المحافظة الجنوبية للبلاد -ذات الغالبية الشيعية -لم يضيع على المتظاهرين، وسرعان ما انتشرت أهداف غضبهم من الحكومة، إلى الشخصيات السياسية الشيعية، وما وراءها تجاه النظام الإيراني. تردَّد صدى مثل هذه الرسالة ونما خلال حركة 2019، التي فرضت حساباً سياسياً على النخبة مع ثوران الجنوب.
توقفت المحادثات في أعقاب الانتخابات البرلمانية في أيار/مايو 2018، بشأن الائتلافات الحكومية المحتمَلة رسمياً مع احتدام الغضب في البصرة. أدّت الاحتجاجات فعلياً مع الدعم الفوري لمحنتهم القادمة من الزعيم الأكثر ثقة، آية الله علي السيستاني، وسياسيون “معارضون” آخرون، إلى إسقاط حكومة العبادي وأيّ فرصة لتحالف العبادي والصدر المقترح لتولّي السلطة.
كما شكَّلت هذه اللحظة سابقة حدَّدت منذ ذلك الحين العملية السياسية: تعيين “تكنوقراط” غير منتخَبين في المناصب التنفيذية العليا، حيث اختفت ثقة الجمهور في الممثلين السياسيين. نظراً لأن الفصائل السياسية لم تتمكَّن من الاتفاق على زعيم الحزب الذي يجب أن تُتاح له الفرصة لتشكيل الحكومة، ومع محاولة القادة إبعاد أنفسهم عن غضب الاحتجاج، كان تعيين التكنوقراطي عادل عبد المهدي (وزير المالية السابق ونائب رئيس الوزراء في عهد المالكي) رئيس الوزراء في تسوية تفاوضية، يسّرها السيستاني.
أثبتت هذه اللحظة أيضاً أنها نقطة انعطاف لمؤسَّسات الدولة، حيث تنازل البرلمان المدني عن السلطة للسُّلطة الدينية لآية الله السّيستاني، الذي تولّى دوراً سياسياً أكثر علانية لا يزال مستمرّاً حتى يومنا هذا. لقد زاد النفوذ السياسي للسّيستاني -سواء عن قصد أو نتيجة للأحداث – وهو ما جعله على ما يبدو صانِع ملوك غير سياسي.
تَمحور الموضوع العام للاحتجاجات في البلاد على مر السنين، حول سوء الإدارة ونقص فرص العمل والفرص الاقتصادية للعراقيين. حدَّدت الرسائل التي تركِّز على ضعف تقديم الخدمات العامة العلاقات المدنية مع القادة السياسيين الغارقة في الطائفية والفساد. لكن احتجاجات 2019 التي أدّت إلى حركة تشرين كانت أقلّ موجة ذات قطاع محدَّد شهدتها البلاد في العقد الماضي.
شهد العراق في الفترة ما بين صيف 2018 واندلاع الاحتجاجات، افتقاداً للتوجُّه السياسي على نطاق لم يشهده في أعقاب الغزو والاحتلال الأمريكي. ظهر شكل جديد من الجمود الحكومي، برئيس وزراء غير منتخَب، ولم يكن لديه جمهور مدني ويفتقر إلى أي دعم متماسِك لقطاع الأمن والسلطة الدينية. كان عادل عبد المهدي عمليا رئيس وزراء “البطة الجالسة”، والذي رُشِّحَ من قبل القادة السياسيين بأغلبية أكبر في البرلمان -الذين ظلّوا على طرفيّ نقيض من الصراع السياسي -يمكن القول إنه ليس لسبب آخر سوى توفير كبش فداء جديد لأمراض العراق.
ونتيجة لذلك، فشِلَ البرلمان في معالجة الافتقار إلى شرعية الحكومة في عدم الاتفاق على أيّ شيء من إصلاح الميزانية إلى المزيد من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية ذات الأهمية. بالإضافة إلى ذلك، أدّى نقل السلطة إلى الميليشيات المدعومة من إيران في أجزاء من البلاد المحرَّرة من داعش إلى حدوث انقسامات اجتماعية هائلة ولا تزال مشكِلة غير معترَفٍ بها حتى يومنا هذا. يمكن القول إن المشاعر التي سادت احتجاجات 2018 لم تتضاءل أبداً -بل توقفت مؤقتاً في الفترة المبكرة من رئاسة الوزراء لعادل عبد المهدي، ومع تنامي الغضب، توسَّعت الحركة، واستولت على جزء كبير من البلاد وانفجرت على شكل حركة تشرين.
نظراً لكونها جزءاً من “الربيع العربي الثاني”، فإن ثورة تشرين في العراق -كما لوحظ -كان يُنظر إليها بشكلٍ خاطئ من قبل الكثيرين على أنها لحظة انتفاضة عربية مفاجئة. وبدلاً من ذلك، فقد نتجت عن سنوات من التعبئة المنخفضة المستوى للاحتجاجات ضد الحكم السيئ والافتقار إلى التقدّم الديمقراطي والتمرُّد المسلَّح. ركَّزت رسالة حركة تشرين بشكل أكبر على النخبة السياسية بأكملها، والجهات الفاعلة المسلّحة من غير الدول التي تشكِّل الآن ميليشيات ممثَلة سياسياً، وتأثير إيران المستمر والمتزايد على تلك الميليشيات (وبالتالي على العملية السياسية)، كل ذلك وسط مشهد متدهوِر لمرحلة ما بعد الصراع، ومحرِّكات نشِطة للصراع وركود التنمية.
ظلّت الحركة غير طائفية إلى حدٍ كبير، على الرغم من حقيقة أن الاحتجاجات تدور رحاها في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية ويواصِل القادة السياسيون محاولة التسلُّل واستمالة الحركة، باستخدام الطائفية كوسيلة لكسرها. تبرُز محاولات مقتدى الصدر للقيام بذلك باعتبارها المثال الأكثر أهمية على ذلك. جمعت الحركة معظم الطبقات الاجتماعية في العراق في حركة ذات أغلبية شبابية تتراوح من طلاب المدارس إلى المواطنين الشباب العاطلين عن العمل. تلعب النساء دوراً كبيراً ونتيجة لذلك، حيث تشكّل الناشطات جزءاً لا يتجزّأ من الدعوات للتغيير الاجتماعي، بما في ذلك مشروع قانون العنف الأسري، ومشروع قانون الزواج المبكر، وزيادة فُرص حصول الفتيات على التعليم.
ركّزت رسالة حركة “نريد دولة” إلى جانب الافتقار إلى الخدمات أو سوء الإدارة، على الفساد داخل الطبقة السياسية والسّعي إلى الإصلاح الكامل للنظام السياسي بعد عام 2003. في حين ركّزت الاحتجاجات المتكرّرة السابقة على مظهر معيّن من مظاهر سوء الإدارة (نقص الكهرباء والوصول إلى الوظائف)، فإن الرسالة المحدّدة من الحركة هي أن المواطنين يريدون الملكية والوكالة على بلدهم وكيفية حكمه. تظلُّ الرسالة الأوسع للثورة هي إصلاح التقسيم الطائفي للسلطة، وإنهاء الفساد المؤسَّسي، وعكس عمليات نقل السلطة بعيدة المدى إلى الجهات المسلّحة غير الحكومية.
تنهار البنية التحتية المادية للعراق حرفياً في نظام ما بعد عام 2003، حيث دمَّرت دورات الصراع أجزاء كثيرة من البلاد، ونزح الملايين، إما إلى دائرة تسجيل الأمم المتحدة والمخيمات التي تسيطر عليها الدولة أو النزوح غير الرسمي، واستوعبوا أنفسهم في مجتمعات جديدة في أجزاء مختلفة من البلاد في محاولة للبدء من جديد. العنف الجسدي والاعتداء الجنسي والابتزاز المالي حقائق يومية للملايين -وخاصّة النساء -بما في ذلك على أيدي الدولة. ولم يتم بَعد إعادة بناء المنازل التي هُدِّمَت في عام 2014. اختفى المعلّمون والأطباء من المدن التي دمّرتها الحرب في دائرة الاكتفاء الذاتي من دعم المساعدات الإنسانية الدولية، ومن المحتمَل ألا يعودوا أبداً إلى ممارسة العمل في القطاع العام. بالنسبة لأولئك الذين بقوا في مناطقهم الأصلية، أو أولئك الذين يحاولون العودة، لا تزال أجزاء من البلاد تشبه أيام ذروة الصراع ضد داعش، ولم تمسّها الدولة أو السلطات المحلية بالكامل تقريباً. انتهت الحرب رسمياً منذ عام 2017، لكن في الواقع، تُعد الحرب تجربة يومية لملايين العراقيين.
خفّت حدّة الاحتجاجات طوال عام 2020 حيث اجتاح جائحة كوفيد -19 البلاد. اختار بعض المتظاهرين في الفترة المبكرة لحظر التجوُّل الوطني، البقاء في الساحات العامة مثل ساحة التحرير في بغداد. كانت الاحتجاجات متقطّعة ولكنها ظلّت قائمة، بينما نقل عدد كبير من النشطاء أنشطتهم إلى الإنترنت. ركَّز جزء كبير منهم على الوباء وضمان الوعي الاجتماعي بمخاطر الرعاية الصحية، ودعم المجتمع المدني، في حين أصبحت مساحة الإنترنت مكاناً للنقاش السياسي الفكري حول تعريف الهوية، وما هي أشكال المبادئ الدستورية التي يمكِن الدفاع عنها، والجدل الدائر حول المشاركة السياسية أم لا. اكتسب هذا النقاش أهمية مع الإعلان عن انتخابات مبكرة، المقرَّر إجراؤها في تشرين الأول/أكتوبر 2021، ولكن من المحتمَل أن تتأخر حتى عام 2022، وفرض قرارات بشأن ما إذا كان ينبغي المشاركة وتشكيل أحزاب سياسية أو البقاء قوّة مدنية فعّالة من خلال التعبئة. لكن في نهاية المطاف، لا تزال الحركة نشِطة، وأصبحت جزءاً مهمّاً من الحسابات السياسية، مع فرصة لتحديد مرحلة جديدة لمسار ما بعد صدّام وإرساء الديمقراطية.

الديناميكيات السياسية الوطنية وحركة تشرين
تم تعريف العقد الأخير في البلاد على نطاق واسع بأنه عقد الإرهاب المتزايد -الذي تميَّز بالحرب ضد داعش -والعلاقات المتصدّعة مع الغرب (وبالتحديد الولايات المتحدة)، بينما نفوذ إيران في ازدياد. ومع ذلك، يجب على الصعيد المحلي، أن يُنظر إلى البلاد بشكلٍ أكثر ملاءمة من منظور البنية التحتية السياسية المتدهورة ببطء، والتي يغذّيها تطبيع الفساد السياسي وتأثير الصراع على تأثير الروايات والرسائل الطائفية في الفضاء العام والسياسي. ونتيجة لذلك، أتاح هذا المجال لمظاهر العنف والاحتجاج، والتي أصبحت روتينية للأسف.
ومع ذلك، تُعتبر حركة تشرين لحظة فاصلة في البلاد. في حين أن الحركة ظلّت بطبيعتها غير طائفية، فإن الترجمة إلى الفضاء السياسي لجميع حركات الاحتجاج/التعبئة منذ عام تقريباً 2011 لا تزال ذات طبيعة طائفية. كشف البحث الميداني الذي أجراه المؤلف في عام 2018 عن وجود جمهور مرهَق ومحروم من حقوقه الانتخابية، ولم يتم تنشيطه أو تحرُّكه بسبب السياسات الطائفية أو الرواية التي ردّدها السياسيون في البلاد، والتي تجلّت في معظمها في التراجع المتتالي لإقبال الناخبين.
من الواضح أن تلك الأجزاء المستثمرَة من الناخبين تفتقر إلى الرغبة في إسماع أصواتهم في صناديق الاقتراع. ومع ذلك، فإن حقّهم في عدم التصويت يستمر في تمكين نفس الفاعلين السياسيين الذين أركعوا البلاد، وإن كان ذلك يعتمد الآن على دوائر أصغر بكثير. كما أنه مثال على الافتقار إلى الفرص والتنوُّع في المشهد السياسي، حيث لا توجد خيارات بديلة أمام الناخبين المحرومين من حق التصويت.
الناخبون الذين يشاركون في العملية الانتخابية يظلّون موالين -بقدر ما يصوِّتون -للانقسامات الطائفية القائمة. لذلك، من المُتوقَّع ألا تفشل أيّ محاولات للتشكيل السياسي للحركة الاحتجاجية في صناديق الاقتراع فحسب، بل إن لامبالاة الناخبين والانخفاض المستمر في أعداد الناخبين سيحدّدان انتخابات ما بعد تشرين. أيّ فشل للفاعلين السياسيين من الحركة سوف تستفيد منه الأحزاب السياسية الراسخة، حتى لو كان فشلها المتوقَّع نتيجة لسلوك النخبة السياسية نفسها في كبح الفرص، والإفراط في التمويل والتفُّوق على حركة شابة، والتلاعب بالعملية لصالحهم، وبالتحديد التشريع الانتخابي وتوعية الناخبين.
تُنظَّم النخب السياسية -بشكلٍ فردي وجماعي -لتحدّي سلطة حركة الاحتجاج، على حساب أي شكل من أشكال الحكم المحسَّن أو التقدُّم على أجندة دفع البلاد إلى الأمام. بعد تفويض السلطة إلى حكومة ثانية غير منتخَبة عندما عيَّنت رئيس المخابرات السابق مصطفى الكاظمي كرئيس للوزراء، تواصِل النخب السياسية محاولاتها لتفادي غضب المتظاهرين والمواطنين اليقظين، وتحويل المسؤولية إلى رئيس الوزراء الجديد، ومن خلال تمديد المسؤولية عن استمرار الفشل في الاستجابة لمجموعة من المطالب والاحتياجات.
لقد ضاع ترسيخ هذا الاستحقاق السياسي على السكان المدنيين الأصغر سناً، ودفع الاحتجاجات المكوَّنة من شرائح واسعة من المجتمع الذين لم يعرفوا سوى القليل عن النظام السياسي بعد عام 2003. بالنسبة لمعظم العراقيين، يُعتبر صدام حسين زعيماً يحدِّد حياة آبائهم وأجدادهم، ولكن ليس وقتهم الحالي. إن التغيرات الديموغرافية الإقليمية التي شهدت تفوُّق الشباب والمراهقين على كبار السن باعتبارهم الأكثر تمثيلا للمجتمع، تحمل في طياتها انفصال الهوية بين المجتمعات العراقية. لم يَعد عام 2003 مجرَّد خط في الرمال يُحدِّد سياسياً عراق ما قبل/ما بعد صدام. يمتد إلى النسيج الاجتماعي، ويُحدِّد الهوية السياسية وعوامل التماسُك الاجتماعي التي تُبحر الآن في معارضة النظام السياسي الحالي.
بعبارة أخرى، لم يَعُد الشباب العراقي منجذباً إلى الجدل القائل بمدى سوء أوضاع البلاد في ظل حكم صدام. تنطبق في بعض الأوساط مقولة “الشيطان الذي تعرفه أفضل من الشيطان الذي لا تعرفه” نتيجة لذلك، يمكن سماع في أجزاء صغيرة من حركة الاحتجاج الدعوات للعودة إلى حكم الرجل القوي/الاستبدادي. إنها علامة على مستوى اليأس والإحباط والغضب تجاه النخبة الحالية. إن هذا الحكم العسكري الذي قد يوجّه البلاد في اتجاه أفضل هو إدانة لمدى جسامة فشل الحكم الآن، أكثر من كونه دليلاً على أيّ ولاءات أو حب لديكتاتور قديم (أو لدكتاتور آخر في المستقبل).
وهذا لا يعني الحديث عن جماعات الميليشيات التي لا تخضع للرقابة. تواجه الحركة الاحتجاجية تداعيات عنيفة في محاولتها التنظيم، حيث تحدُث عمليات اغتيال للمحتجيّن الشباب يومياً. تمارس مجموعات الميليشيات القوّة والسلطة والسيطرة على أجزاء واسعة من الحياة المدنية في البلاد. تزدهر الميليشيات الآن بناءً على سنوات من الحكم والسيطرة الأمنية في الأجزاء المحرَّرة من البلاد (ما بعد داعش)، الأمر الذي يزيد من وجودها وقوتها في جميع أنحاء البلاد ويظلّون طوال الوقت، دون رادع. تقع الشفافية والمساءلة في صميم دعوات المحتجّين من أجل دولة جديدة، ومع ذلك فإن الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول قد عزّزت فقط ترسيخها في النظام السياسي وهيكليات أمن الدولة.
لقد تُرِك المدنيون دون حماية، وبدون حكم، وتمَّ تجاهُلهم. لا تزال الطبقة السياسية الحالية تجهل التآكل المستمر لسلطتها وتفويضها. بالنسبة لأولئك القادة المدنيين الذين يدعمون الميليشيات أو يقودونها، تظل أسطورة أنهم يتمتعون بسلطة أو سيطرة كبيرة. وبعيداً عن مجالات الفساد الاقتصادي المباشر الخاصة بهم (وقد يجادل البعض حتى في الداخل)، أصبحت السلطة مدينة والفضل للفاعلين العنيفين، الآن بعد أن تم منح العنف مساحة لتوجيه المشهد السياسي. يقود البلد الآن جماعات الميليشيات وقادتها -سواء كان الصدر وحركته المدنية، التي تخفي ميليشياته المسلحة في المقام الأول، أو عدد كبير من الميليشيات المدعومة من إيران والتي تشكّل الحشد الشعبي.
إنه تعريف يمتد أيضاً إلى حكومة إقليم كردستان (KRG) وقيادتها. بدلاً من الصراع على النفوذ بين فصائل الميليشيات التي ترعاها الدول والجهات الفاعلة بالوكالة، تكمُن هنا حرب عائلية، حيث أصبحت الجماعات المسلحة جزءاً لا يتجزّأ من الهيكل الأمني الرسمي لمنطقة الحكم الذاتي وتمارس “الديمقراطية” غير الليبرالية من خلال اتفاقيات تقاسُم السلطة غير المستدامة بين العائلات الحاكمة.

استنتاج
ارتُكِبَت على مدى السنوات الـ 18 الماضية، أخطاء جسيمة في العراق. لقد أهدرت الولايات المتحدة العديد من الفرص لإتقان مسار غير كامل نحو انتقال ديمقراطي ناجح، في حين أن الطبقة السياسية العراقية سرقت واختلست وزاد وصولها إلى ثروات البلاد. أدّت الانقسامات الطائفية والحرب ضد داعش والتأثير الهائل الذي تتمتع به إيران على الجماعات الصغيرة نسبياً، ولكن القويّة للغاية والعنيفة بشكلٍ كبير، إلى خلق حلقة مفرَغة من عدم الاستقرار المستمر وانعدام الأمن البشري والحرمان القومي. أدّت الخلافات المستمرة -السياسية والاجتماعية والأمنية -بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان إلى توسيع فراغ السلطة، الذي ملأته الميليشيات. البلد مليء بالنخب السياسية التي لا تدين بالفضل لأحد سوى أنفسهم ويعتمدون على بعضهم البعض من أجل بقائهم. إن الحاجة إلى تغيير مستقبل البلاد ليست ملحَّة فحسب، بل إنها تزداد صعوبة.
العراق في مساره الحالي، على المدى القريب في طريقه إلى صراع آخر. مع عدم وجود قوّة دولية أو جهة فاعلة لتلقّي اللوم أو تحويل الانتباه مباشرة، فإن مخاطر نشوب حرب أهلية عميقة وطويلة الأمد وقبيحة حقيقية للغاية. لا يزال العراق يعاني من ندوب عميقة من تجربة العقود الأخيرة -في الصراع أو تحت العقوبات -وهو الآن محكوم بقوّة السلاح. البلد مليء بالأسلحة، والمجتمعات المدنية المسلحة الآن إلى حدٍ كبير. يمكن أن يؤدّي الصراع الذي قد يشهد على الأرجح مجموعات الميليشيات ضد شعبها، إلى جانب الانهيار الاقتصادي الدراماتيكي، إلى تحديد الديناميكيات في العراق لسنوات عديدة قادمة، ويمنع أيّ تطوُّر إيجابي بعيداً عن النظام السياسي لعام 2003 ونحو انتقال ديمقراطي أكثر تنظيماً.
شكاوى العراقيين كثيرة جداً وشائعة جداً ولا هوادة فيها لدرجة أنهم يستمرون في تجاوز بعضهم البعض. لم تكن هناك أبداً عملية سلام مستقلة أو تمّت الموافقة عليها دولياً في البلاد، والحاجة إليها ملحة. نتيجة عدم الاستقرار المستمر وعدم إحراز تقدم في أي شكل من أشكال المصالحة هي نزوح ملايين العراقيين بسبب الحرب والتهميش، وتغُّير ديموغرافي ناتج عن الصراع والتهديدات الأمنية أكثر من كونه تضخماً في عدد الشباب. إنه فشل كامل في توفير الخدمات من المياه الجارية، إلى المدارس، إلى الأمن البشري. إنها انتهاكات لحقوق الإنسان على أساس يومي، بما في ذلك الاغتيال العنيف للمدنيين الشباب العزَّل. إن التشققات في النسيج الاجتماعي العميقة للغاية، مع طبقات من المظالم من المجتمعات المختلفة -كلها صحيحة تماماً، وكلها تحل محلها التظلم الأحدث -هي التي خلقت حلقة لا تنتهي من عدم الثقة، و”العلم الأحمر” محرّكات الصراع والحرمان من جانب جميع المواطنين.
ينبغي على المجتمع الدولي، وأولئك الذين يسعون إلى التنمية الإيجابية والمستدامة للعراق، إعادة ضبط يائسة وذات أولوية. وهذا يعني اتباع نهج أعمق وإيجابي وداعم لتشرين وأعضائها، إلى جانب الاعتراف الواضح بإخفاقات الحكومة وشركائها الدوليين في السنوات الأخيرة. تظلّ قضايا الحوكمة وتقديم الخدمات العامة محجوبة من خلال دعم مئات المنظّمات غير الحكومية المحلية والدولية والجهات المانحة الدولية ومليارات الدولارات من المساعدات التنموية، لكن هذا النهج غير كافٍ ويساعد فقط المسار السلبي للبلد.
انخرطت قوات الأمن ردّاً على الحركة نفسها، والرسالة الوطنية التي تردَّد صداها في جميع أنحاء البلاد، سواء أكانت رسمية أم لا، في حملة قمع مكثفة. بالإضافة إلى ذلك، تستمر حملة تشويه السمعة على نطاق واسع، وخرجت النخبة السياسية من الوباء وهي ساعية إلى إعادة تأكيد سيطرتها على النظام السياسي. تبدو قوانين الانتخابات المعدَّلة هراء، وبالتأكيد ليست أكثر إنصافاً أو تمثيلية من القوانين السابقة، ولا تزال السحابة غير المعلنة للإصلاح الدستوري متجَاهَلة، بينما تحاول الحكومة تخفيف حدّة الغضب والعنف اليومي من خلال تشكيل لجان تحقيق تعيسة. تُعتبر الاستجابة الضعيفة للوباء والمحاولات الفاشلة للإصلاح الاقتصادي أمثلة على إخفاقات النظام السياسي في البلاد ونخبتها، فضلاً عن الخسائر البشرية الناجمة عن استمرار الفساد الدولة.
ما إذا كانت حركة تشرين مستمرّة في الشكل المادي بنفس الطريقة التي نشأت بها أم لا. كانت معارضة المواطنين للطبقة الحاكمة سمة أساسية في جميع أنحاء البلاد طوال معظم العقد الماضي وستظل كذلك في السنوات القادمة. من المرجَّح مع القليل من التواضع أو الشجاعة السياسية بينهم، أن تستمر النخب السياسية في قمع الحركة في محاولة عقيمة لإخماد نيران الغضب وخيبة الأمل، وهو ما يؤدّي إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار المستمر وزيادة التهديدات الأمنية ضد السكان والحكومة على حدٍ سواء.

حركة تشرين والجغرافيا السياسية
لا تزال السّمة المميٍّزة للجغرافيا السياسية في العراق هي التوترات بين واشنطن وطهران. كان يُنظر إلى العراق خلال السنوات الأربع من سياسة رد الفعل من إدارة ترامب، على أنه مجرّد أضرار جانبية في التذرُّع بحملة “الضغط الأقصى” ضد الإيرانيين، الحاجز الذي يمكن من خلاله تجنُّب الصراع المباشر ولكن حيث يمكن أن تستمر المواجهة بين الأطراف.
لعب الاتحاد الأوروبي -ولا يزال يلعب -دوراً رمزياً، وهو ما أدّى إلى استمرار التصوُّر العام له باعتباره حليفاً داعماً وموثوقاً به ولكنه لا حوْلَ له ولا قوّة. لدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أولويات سياستها الخارجية المستقلة الخاصّة بها والتي تحدِّد مستوى مشاركتها العسكرية في العراق لدعم التفويض الواسع النطاق للولايات المتحدة. كما أن الافتقار إلى التمثيل المباشر للاتحاد الأوروبي في البيئة الأمنية الصعبة يضيف إلى الارتباك الأوسع، الفعَّال في العراق، بين سلطة الدول الأعضاء مقابل سلطة بروكسل. تظلّ المملكة المتحدة (التي لم تعُد عضواً في الاتحاد الأوروبي) هي الأكثر حماسة بين هؤلاء الشركاء، بينما انضم أعضاء آخرون في العيون الخمس وهو تحالف استخباراتي (أستراليا وكندا ونيوزيلندا) إلى عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في تقديم الدعم. سعت مهمّة الناتو في العراق في الآونة الأخيرة، إلى توسيع وجودها، على الرغم من أن هذا قد تمَّ تفسيره على نطاقٍ واسع على أنه غطاء يمكن للولايات المتحدة أن تواصِل انسحابها البطيء من البلاد.
احتفظت الأمم المتحدة إلى جانب المشاركة العسكرية، بوجودٍ كبير في العراق منذ عام 2003. لم تفرض الأمم المتحدة أبداً عقوبات على عملية حفظ السلام (DPKO). ومع ذلك، فإن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (UNAMI) موجودة منذ أكثر من 18 عاماً، وقد أنفقت ولا تزال تنفق مليارات الدولارات لتنفيذ مجموعة متنوِّعة من البرامج الموجّهة نحو التنمية المستدَامة للبلاد ونجاح التحوُّل الديمقراطي. يشمل وجود بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق حضوراً كبيراً لأكثر من عشر وكالات تابعة للأمم المتحدة بما في ذلك مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيسيف وهيئة الأمم المتحدة للمرأة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة وصندوق الأمم المتحدة للسكان وغيرها. كما مهَّد الشكل المدني للتدخّل الدولي الطريق لمجموعة من المنظمات غير الحكومية الدولية وشركاء التنمية والمانحين لترسيخ أنفسهم في حكم البلاد. تبلغ قيمة استراتيجية الاتحاد الأوروبي والعراق وحدها حوالي 600 مليون يورو كمساعدات تشمل دعماً إنسانياً لمناطق الصراع المباشر.
لا يُقصد من البعثات السياسية للأمم المتحدة من هذا النوع أن تستمر لعقود من الزمن، ولا أن ُترسِّخ نفسها بعمق في المشهد السياسي بعد الصراع. إن وجودهم يعتمد على دعوة من الدولة المضيفة. يمكن القول بالنظر إلى تواجدها الضخم وتأثيرها الضئيل، بأن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (وبالتالي العدد الكبير من الجهات الفاعلة في مجال التنمية والجهات المانحة في البلاد) قد أصبحت نفسها جزءاً لا يتجزّأ من الحكومة والنظام السياسي بعد عام 2003.
ومع ذلك، لا تزال حركة تشرين تنبثق على الرغم من كل هذه العوائق أمام تحرُّكاتها. لقد دعم الشركاء الدوليون، عن حق، الحركة المدنية وتنصّلوا من العنف الكبير الذي ترعاه الدولة ضد الاحتجاجات نتيجة لذلك. ومع ذلك، لم تَظهر الدبلوماسية أو الدعم المشروط في أيّ شكلٍ من أشكال الاستجابة المادية من الجهات الدولية الفاعلة.
في غضون ذلك، تتحوُّل المنطقة نحو مشهد أكثر استبداداً وأمناً، ويمكن القول الآن أنها تحمُل ثمار السياسة الخارجية الغربية التي ترعاها الولايات المتحدة بعد 11 أيلول/سبتمبر. في حين أن الكثيرين يشيرون بحق إلى أن هذه السياسة قادت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، إلا أن التأثير طويل المدى للسياسة بشكلٍ عام هو إضفاء الطابع الأمني ​​على المشاركة في السياسة الخارجية، إلى الحدِّ الذي أصبحت فيه جميع المشاركات الثنائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مرتبطة بمصالح وأهداف ونتائج أمنية صارمة. كانت النتيجة في العراق كارثية، وبينما هناك الآن نقاش أساسي حول إعادة تقويم ذلك الاشتباك الثنائي في واشنطن، فإنه لا يزال مرتبطًاً بحجة ثنائية تتمثل في انسحاب القوات مقابل “الحروب الأبدية”. هناك محاولة قليلة لابتكار أو تحويل السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعيداً عن اللغة الأمنية وطبيعة تنفيذها التي حدَّدتها على مدار 20 عاماً. ولا توجد أيّ محاولات مادية من قبل إدارة بايدن الجديدة للتمييز بين الأهداف والأولويات الأمنية في العراق، من حيث صلتها بسياستها تجاه إيران.
في حين أن حركة تشرين لا تزال حركة عراقية بطبيعتها، فهي حركة تَحدُث وسط أنقاض الصراع السوري وفي وقت تتغير فيه الجغرافيا السياسية الإقليمية بشكلٍ لا يمكن إصلاحه في منطقة ما بعد داعش وما بعد ترامب في الشرق الأوسط. لا تزال إيران، من نواحٍ عديدة، تسيطر على أمن العراق الصعب (من خلال الميليشيات القويّة التي تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي)، ولا يزال المجتمع الدولي (الذي يضم كلاً من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي) مدِيناً بالفضل لسياسة الولايات المتحدة التي لا تستطيع حلّ لغز الاختلاف بين إيران والعراق. مع استمرار هذه المواجهة المستمرّة، تكتسب تركيا المزيد من الثقة العسكرية، بالبناء على وجودها في سوريا وليبيا للاستيلاء على أجزاء من المساحة في العراق وتوسيع مشروعها الإقليمي.
بالإضافة إلى ذلك، في حين أن الكثيرين يخفِّضون من الأولوية، فإن القلق المتزايد الناجم عن الافتقار إلى السلام المستدام بين أربيل وبغداد لا يبتلي فقط بتنمية البلاد بل هو المحرّك الأساسي لعدم الاستقرار السائد في البلاد. تُواصِل حكومة إقليم كردستان استخدام وجودها الدبلوماسي الضخم بذكاء لاستدعاء السلطة التي لا تتمتع بها، بحكم التعريف والدستور. وتلجأ بغداد إلى ممارسة سلطتها بالقوّة على حساب حكومة إقليم كردستان، وفي أغلب الأحيان ليس لسبب آخر سوى حقيقة قدرتها على ذلك. تظلّ التعديلات الدستورية بمثابة “الرجل الشجاع” الذي لا يرغب أحد في مناقشته -السياسيون والمثقفون على حدٍ سواء -وتواصِل الولايات المتحدة وحلفائها العمل وفقاً لمنطق ثنائي غير موجود أنشأه أمر ما بعد عام 2003 والذي وضع أربيل في مواجهة بغداد، وهذا يؤدّي إلى تآكل مجموع أجزاء العراق بدلاً من وجدة البلد ككل.
وبالتالي، فإن السياسة الداخلية والعلاقات المدنية تلعب دورها في مسرح مؤمَّن للعديد من الجهات الفاعلة والمصالح بالوكالة، مع القليل من الاهتمام بكيفية تطوُّر البلد نفسه. يتم تحليل حركة تشرين باستمرار من خلال عدسة المشاركة بالوكالة والأهمية الجيوسياسية الأوسع من الجهات الفاعلة الدولية والمحلية، الأمر الذي يزيل الوكالة من أعضائها ويمكن القول إنه يعفي المجتمع الدولي من الحاجة إلى الاستجابة. يمكن القول إن المحتجّين لا يقاتلون زعمائهم فحسب، بل يقاتلون أيضاً المجتمع الدولي، الذي يواصِل ضمنياً تشجيع سلوكهم.
من التداعيات الهائلة في هذه الإخفاقات عدم القدرة على الفهم المادي للتأثير بعيد المدى لحركة تشرين ورسالتها، والتي تردَّد صداها في جميع أنحاء البلاد وغرست نفسها في نفسية العراقيين العاديين -سواء كانوا يدعمون الحركة أم لا. اعتُبِرَتْ حركة تشرين خطأً على أنها حركة جنوبية ضد الأغلبية التي يقودها الشيعة في بغداد. والحقيقة أن الحركة تدور في جوهرها حول هويّة العراق واتجاه تطوُّره وانعدام الأمن البشري، وسط فشل في دعم التحوُّل الديمقراطي والتمثيل العادل وسيادة القانون في بلد أصبح الآن منقسماً بشدّة نتيجة لذلك.

استنتاج
ارتُكِبَتْ على مدى السنوات الـ 18 الماضية، أخطاء جسيمة في العراق. لقد أهدرت الولايات المتحدة العديد من الفرص لإتقان مسار غير كامل نحو انتقال ديمقراطي ناجح، في حين أن الطبقة السياسية العراقية سرقت واختلست وازدهر وصولها إلى ثروات البلاد. أدَّت الانقسامات الطائفية والحرب ضد داعش والتأثير الهائل الذي تتمتّع به إيران على الجماعات الصغيرة نسبياً، ولكن القويّة للغاية والعنيفة بشكلٍ كبير، إلى خلق حلقة مفرَغة من عدم الاستقرار المستمر وانعدام الأمن البشري والحرمان القومي. أدّت الخلافات المستمرّة -السياسية والاجتماعية والأمنية -بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان إلى توسيع فراغ السلطة، الذي ملأته الميليشيات. البلد مليء بالنخب السياسية التي لا تدين بالفضل لأحد سوى أنفسهم ويعتمدون على بعضهم البعض من أجل بقائهم. إن الحاجة إلى تغيير مستقبل البلاد ليست مُلحّة فحسب، بل إنها تزداد صعوبة.
العراق في مساره الحالي وعلى المدى القريب في طريقه إلى صراعٍ آخر. مع عدم وجود قوّة دولية أو جهة فاعلة لتلقّي اللوم أو تحويل الانتباه مباشرة، فإن مخاطِر نشوب حرب أهلية عميقة وطويلة الأمد وقبيحة حقيقية للغاية. لا يزال العراق يعاني من ندوب عميقة من تجربة العقود الأخيرة -في الصراع أو تحت العقوبات -وهو الآن محكوم بقوّة السلاح. البلد مليء بالأسلحة، والمجتمعات المدنية المسلّحة الآن حتى الأسنان. يمكن أن يؤدّي الصراع الذي قد يشهد على الأرجح مجموعات الميليشيات ضد شعبها، إلى جانب الانهيار الاقتصادي الدراماتيكي، إلى تحديد الديناميكيات في العراق لسنوات عديدة قادمة، ويمنع أي تطوُّر إيجابي بعيداً عن النظام السياسي لعام 2003 ونحو انتقال ديمقراطي أكثر تنظيماً.
شكاوى العراقيين كثيرة جداً وشائعة جداً ولا هوادة فيها لدرجة أنهم يستمرون في تجاوز بعضهم البعض. لم تكن هناك أبدًا عملية سلام مستقلة أو تمّت الموافقة عليها دولياً في البلاد، والحاجة إليها مُلحّة. نتيجة عدم الاستقرار المستمر وعدم إحراز تقدُّم في أيّ شكلٍ من أشكال المصالحة هي نزوح ملايين العراقيين بسبب الحرب والتهميش، وتغير ديموغرافي ناتج عن الصراع والتهديدات الأمنية أكثر من كونه تضخُّماً في عدد الشباب.
إنه فشل كامل في توفير الخدمات من المياه الجارية، إلى المدارس، إلى الأمن البشري. إنها انتهاكات لحقوق الإنسان على أساس يومي، بما في ذلك الاغتيال العنيف للمدنيين الشباب العزَّل. إن التصدُّعات في النسيج الاجتماعي العميقة للغاية، مع طبقات من المظالم من المجتمعات المختلفة -كلها صحيحة تماماً، وكلها تحل محلها مظالم أحدث -هي التي خَلقت حلقة لا تنتهي من عدم الثقة، ومحرِّكات الصراع “العلم الأحمر” والحرمان من حق التصويت من جانب جميع المواطنين.
يطلب المجتمع الدولي -أولئك الذين يسعون إلى التنمية الإيجابية والمستدامة للعراق -إعادة ضبط يائسة وذات أولوية. وهذا يعني اتباع نهج أعمق وإيجابي وداعم لحركة تشرين وأعضائها، إلى جانب الاعتراف الواضح بإخفاقات الحكومة وشركائها الدوليين في السنوات الأخيرة. تظلّ قضايا الحوكمة وتقديم الخدمات العامة محجوبة من خلال دعم مئات المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية والجهات المانحة الدولية ومليارات الدولارات من المساعدات التنموية، لكن هذا النهج غير كافٍ ويساعد فقط المسار السلبي للبلد.
يجب دعم حركة تشرين بشكلٍ علني وفعَّال. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الدعم المادي لتنظيمها ونشاطها وزيادة الوعي أو التثقيف. يجب تسخير وسائل الإعلام المحايدة، التي أنشأها هذا الجيل الشاب الذي يتم تعبئته، وتعزيزها من خلال الدعم المُقدَّم إلى الجهات الفاعلة في المجتمع المدني. يجب أن يشجع توسُّعها وحمل رسالتها الشركاء الدوليون، الذين يجب ألا يفشلوا أبداً في ضمان أن تكون حماية الفضاء المدني والمساواة بين الجنسين والحقوق والحوكمة هي نقاط المناقشة ذات الأولوية في المشاركات الثنائية.
يجب أن ترُد مجموعة كبيرة من الجهات السياسية والأمنية على انتهاكات حقوق الإنسان والفساد وتقويض التطوُّر الديمقراطي. ينبغي على بعثة الأمم المتحدة مساعدة العراق إعادة النظر في ولايتها وتقليل وجودها وإعادة تشكيل مساعدتها الإنمائية في أعقاب الفساد المستمر. يجب على الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو أن يشترطوا الدعم الأمني ​​على الشجاعة السياسية للسياسيين لمواجهة ومعالجة نشاط الميليشيات في البلاد. في حين أن المجتمع الدولي لا يستطيع تغيير البلد والسياسة العراقية، فإن وجودهم وقوَّتهم الهائلة تعني أن الضغوط المحلّية لن تقع فقط على أكتاف حركة احتجاج مدنية شابة أو شخصيات دينية مثل آية الله السيستاني.

قد يبدو القول بأن النظام السياسي الحالي قد فشل أمراً مثيراً. لكن مسار البلاد يحرم العراقيين من حقوقهم المدنية والإنسانية والحماية القانونية والمادية. إن العدسة الدولية التي يُنظر من خلالها إلى العراق، في مشهد ما بعد 11 أيلول/سبتمبر الأمنية، هي نفسها تحرم المدنيين من حق تقرير المصير، وتهمش مجتمعات الأقليات، وتفرض مخاطر مميتة على أولئك الذين يسعون إلى المشاركة بنشاط، وفي النهاية سوف يدمرون بلد الملايين. إذا لم يكن الواجب الأخلاقي والأجندة القائمة على القيم التي روَّج لها المجتمع الدولي للتحالف مع حركة تشرين ودعم البلاد والانخراط في مصالحة هادفة دعوة كافية للعمل، إذاً يجب أن تكون دوافع الصراع الجديد بمثابة تحذير قوي لما سيحدُث إذا لم يتم اتخاذ أي إجراء.

رابط البحث

https://www.iai.it/en/pubblicazioni/iraqs-tishreen-movement-decade-protests-and-mobilisation

حفصة حلاوة

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى