الرئيسيدراسات وبحوثسوريا

العقوبات الاقتصادية كوظيفة جيوبوليتيكية، “سيزر” مثلًا

جمال الشوفي

– توطئة:
تعتبر العقوبات الاقتصادية طريقة سلمية لردع العنف والإرهاب وحماية السلم العالمي، أقرته وثائق الأمم المتحدة وخولت مجلس أمنها بالمادة 41 من فصلها السابع، باتخاذ كافة الإجراءات القانونية والعمليات المالية والاقتصادية لضمان تنفيذه أعراضه، حتى وإن وصلت لمرحلة أعلى بتطبيق المادة 42 بتنفيذ العمل العسكري المباشر.
القانون الدولي الإنساني الذي ترعاه منظمات أممية ترى أنه ضار بشؤون السكان إنسانيًا وطبيًا وحياتيًا، من جهة. ومن جهة أخرى فإن عجز مجلس الأمن سواء بالتوافق العام، أو باستخدام حق النقض “الفيتو”، على اتخاذ قرارات رادعة للدول التي تمارس خرق القانون الدولي، أحال القوى العالمية لإمكانية تطبيق وتوقيع العقوبات الاقتصادية منفردة.
مرحلة اختلال القطبية العالمية المنفردة الأمريكية، غيرت في طريقة إدارة الملفات الدولية، وقدمت التحالفات الجيوبوليتيكية لواجهة الصدارة العالمية. ما يفسر ترجيح كفة استخدام العقوبات الاقتصادية كوسيلة ردع جيوبوليتيكية وبوابة تفاوض سياسية جزئية، حيث لم تثبت العقوبات الاقتصادية تاريخيًا قدرتها على احداث تغيرات جذرية في ملفاتها المعلنة، بقدر فرض حلول جزئية أكثر مطواعية وفق معايير الشرعية الدولية أو مصالح الدول القائمة عليها.
قانون معاقبة سورية المعروف باسم “سيزر” المقر أمريكيًا مثال على التغيرات العالمية الحادثة على سطح الكوكب في عقدها المنصرم. بحيث باتت العقوبات الاقتصادية أداة ضغط محدودة الأهداف المرحلية، ووسيلة التفاف على عدم تحقق الشرعية الدولية من جهة، وعلى ضرورات الأخذ بالقانون الإنساني الدولي من جهة أخرى.
الدراسة الحالية، تستهدف القاء الضوء على العقوبات الاقتصادية من بوابة القانون الدولي، ومحددات حضورها العالمي بعد التغيرات الجيوبوليتيكية التي أحدثتها السياسة الروسية فيها. فيما سيكون قانون “سيزر” مثالًا لهذه التبدلات العالمية، بينما سنترك للجزء الثاني منها دراسة فعالية العقوبات الاقتصادية هذه، سواء في عملية التغيير السياسي الممكنة، أو آثارها الاقتصادية والإنسانية على السكان المقيمين في سورية حاليًا ودراسة التغيرات الاقتصادية الطارئة فيها ومدى تأثرها بقانون “سيزر”، والاحتمالات الممكنة بين هذه وتلك.

أولًا: العقوبات الاقتصادية من منظار القانون الدولي
تشير المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة في فصله السابع: ((لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء “الأمم المتحدة” تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفًا جزئيًا أو كليًا وقطع العلاقات الدبلوماسية))، المتعلق بالإجراءات الممكنة للوقوف أمام الأعمال التي تؤدي لتهديد السلم العالمي. ما يؤهل العقوبات الاقتصادية الجزئية أو الكلية لأن تكون درجة من درجات عمل القانون الدولي في فرض السلام العالمي. والتي قد تتطور للمادة 42 التي تتيح استخدام القوة العسكرية.
يرى بعض الفاعلين في المنظمات الأممية أن العقوبات الاقتصادية الأممية تسبب ضررًا ماديًا وإنسانيًا لسكان الدولة التي تقع عليها العقوبات، وتجعل مساحة العمل الإنساني أضيق ومحفوفة بالمخاطر. ما يستلزم ضرورة الاخذ بالقانون الدولي الإنساني بتوفير المساعدات الإنسانية، كالطبية منها والغذائية، والسماح لبعض المنظمات الإنسانية العمل بحرية وحياد كالصليب الأحمر الدولي بموافقة أممية، وتتيح الدولة الموقعة عليها العقوبات العمل لها بحرية على أرضها أيضًا. هذا فيما تدعو منظمات دولية من منبر الأمم المتحدة لرفع العقوبات الاقتصادية أو التخفيف من حدتها خاصة في الحالات الاستثنائية والكوارث العامة، كما في جائحة كوفيد 19، وذلك لتلافي العجز الاقتصادي العام الذي تسببه الجائحة .
في تاريخ الأمم المتحدة، تزايدت عدد مرات فرض العقوبات الاقتصادية كوسيلة ردع أممية في السنوات الأخيرة، كما في يوغسلافيا والعراق والصومال والسودان وليبيا ورواندا…. علمًا انها لم تطبق في السابق إلا في حالتي روديسيا 1966 وجنوب أفريقيا 1977، في إشارة واضحة لفترة الحرب الباردة العالمية المتعادلة دوليًا بين القطبين الناتو ووارسو، وتبدل مسار تطبيقها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفرض هيمنة القطب الواحد الأمريكي بإرادة منفردة دوليًا من خلال الشرعية الدولية لمجلس الأمن عند غياب المنافس العالمي عن الساحة الدولية.
العقوبات الاقتصادية كأداة دولية تستخدم أوليًا من قبل مجلس الأمن، لكن يمكن تطبيقها من قبل دولة وحيدة، أو مجموعة من الدول، وتعرف قانونيًا على أنها ((إجراءات مقيدة للسلوك تُفرض لإقناع فاعل ما بتغيير سلوكه وتقييده لمنعه من الانخراط في بعض الأنشطة المحظورة، ومنعه من انتهاك المعايير الدولية)). وتأتي هذه العقوبات بهدف تغيير سلوك الدولة بحيث تكون مؤثرة وذكية، ويمكن مضاعفتها او تخفيضها بعد المراجعة. ولكن لوحظ أن بعض الدول تعود لخرق القانون الدولي عند رفع العقوبات عنها كما فعلت إيران عام 2017 بعد انجاز اتفاقها النووي. هذا بينما تحقق العقوبات غايتها بالردع كما في العراق وليبيا. هنا تجدر الإشارة إلى أنه لم تكفِ العقوبات غرضها أمام تنفيذ السياسات المراد تحقيقها في الهيمنة، فوصلت العقوبات الأممية للضربات العسكرية المباشرة خاصة في العراق 2003، وهذا ذو دلالة على طبيعة الاستحواذ العالمي وحيد القطب في نهاية الألفية الثانية وبداية الثالثة. فماذا عن عالم متواز السياسات الدولية جيوبوليتيكيًا؟
تعتبر العقوبات الاقتصادية مرحلة وسط بين الديبلوماسية والإجراءات العسكرية، تختلط الأبعاد القانونية والسياسية أثناء تطبيقها، لكنها تعتبر أهم خطوات الردع الدولية للدول التي تمثل تهديدًا للسلم العالمي، واداة ضغط فعالة على الدول التي تمارس خرق القانون الدولي لرجعتها للشرعية الدولية في ظل التحديات الجيوبوليتيكية الدولية المحدّثة.
تشتمل العقوبات الاقتصادية على اجراءات متعددة من قبيل: منع شراء السلاح وتجميد الأصول المالية وحظر الطيران، وفرض عقوبات على شركات وأشخاص فاعلين ومؤثرين في سياسة الدولة المستهدفة. وهي مرحلة أعلى من العقوبات الديبلوماسية التي تقوم أساسًا على سحب السفارات وطرد الديبلوماسيين وفرض قيود على سوق الدين السيادي، كتلك العقوبات التي فرضتها أمريكيا في نيسان 2021، على روسيا بسبب تدخلها في الانتخابات الامريكية قبل أكثر من عام منها.
بالعموم، ووفقًا للقانون الدولي فإن العقوبات الاقتصادية تصنف على أنها:
وسيلة ردع وتغيير سلوك الدولة المستهدفة بالعقوبات.
موقع وسط بين الحدود الديبلوماسية الناعمة والعمل العسكري الرادع والعنيف.
فرض العقوبات الاقتصادية يعمل على تلافي استخدام القوة العسكرية.
تؤدي بنتيجتها لتحقيق غرض سياسي دولي محدد.
توظف العقوبات الاقتصادية للحفاظ على السلم العالمي ومكافحة الإرهاب والعنف عامةً.
يتنازع القانون الدولي مع القانون الإنساني في تحجيم الأضرار الإنسانية الناجمة عن العقوبات الاقتصادية، ما يفتح بوابات التفاوض السياسية دونها.
مجلس الأمن هو المخول بإقرار هذه العقوبات أمميًا، ولكن يمكن أن تمارسه الدول منفردة أيضًا دون الرجعة إليه، أو عند عدم توافقه العام على إقرار العقوبات خاصة عند استخدام حق النقض الفيتو كما في المسألة السورية وقضية “سيزر”.
لا يمكن مناقشة العقوبات الاقتصادية وفق القانون الدولي دون ترسيم الحدود الدولية السياسية السائدة في فترة معينة. ولا يمكن الاكتفاء ببعدها القانوني النظري دون النظر للوحة الدولية وعناصر الهيمنة والتحكم فيها، خاصة في مسألة القرن الحالي، المسألة السورية، ودور الجيوبوليتيك الدولي في ترسيمها، وهو ما سنناقشه أدناه.

ثانيًا: العقوبات وعوالم الجيوبوليتيك المتوازية
اختلفت محاور التموضعات العالمية وموازين قواها منذ العام 2011، وزادت معها حدة التنافس الدولي مع عودة الجيوبوليتيك الروسي تدريجيًا لمقدمة أحداثها، منذ تدخلها في المسألة السورية. ديبلوماسيًا بدايةً، عبر استخدام حق النقض “الفيتو” بشكل متتال من بوابة مجلس الأمن، التي أعاقت تطبيق القانون الدولي في معاقبة سلطة النظام السوري، وبعدها بالعمل العسكري المباشر منذ 2015، لتفرض معادلات دولية مختلفة عن هيمنة القطب الواحد.
الجيوبوليتيك الروسي، كما دُرس سابقًا، كان نتيجة تطبيق عملي لنظرية رابعة في السياسة الروسية، التي تستهدف نتيجةً عودة روسيا القيصرية لموقع الند والمنافس العالمي على قطبية العالم بمواجهة العولمة الجيوبوليتيكية الأمريكية، حسب وصف منظرها الأول ألكسندر دوغين ((روسيا كقلب الجزيرة الأوراسية، كقلب العالم، استطاعت في الوضع الجيوبوليتيكي الحيوي، وبصورة أفضل من جميع الأقاليم الأخرى، أن تواجه الجيوبوليتيكية الأطلسية وأن تكون مركز المجال الكبير البديل)).
العالم الذي بدا وكأنه أرسى قواعد وشروط العولمة ذات النظام العالمي وحيد القطب منذ العام 1991، بدأت معالمه بالتغير في العقد الأخير، مترافقًا مع زلزال ثورات الربيع العربي. والتي مثلت تغيراته وآثاره المحتملة طريقًا شائنًا لعودة التنافس العالمي مجددًا على خارطة تقاسم النفوذ الدولي مجددًا، سواء بالقوة العسكرية المباشرة كما فعلت روسيا في سورية، أو بالتحالفات السياسية والاقتصادية ذات سمات التبعية العامة. وبرزت أنماط تقاسم النفوذ هذه بمحاور واستقطابات متعددة، فاقليميًا تجلت بتمدد إيراني متسع في الشرق الأوسط في أربعة عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء) ما استدعى استنفار إقليمي مقابل تركي وخليجي. ودوليًا متمثل بشكل رئيسي بعودة روسيا البوتينية لصدارة الحدث العالمي من خلال البوابة السورية، واحداث تغيرات في طبيعة التحالفات الدولية، تلك التي جعلت الشؤون الخارجية في الإدارة الأمريكية تصدر تقريرًا مكثفًا عام 2014 محذرة من عودة الجيوبوليتيك والقوة العسكرية التقليدية للعلب الدور الرئيسي في العلاقات الدولية، وذلك لتلافي نتائجها الممكنة على التفرد الأمريكي بالقطبية العالمية وانعكاساته على السلم العالمي حسب رؤيتها الجيوبوليتيكية للعالم، ليشهد العالم بعدها ماراثون من المفاوضات السياسية والحوارات الشاقة في استيعاب المرحلة الحالية وتهدئة سعيرها المتصاعد.
التغيرات الدولية هذه بدأت تظهر نتائجها على الصعيد العالمي من خلال نقاط عدة، أهمها:
عودة التنافس على قطبية العالم بطريقة جيوبوليتيكية تذكر بمجريات التحالفات الدولية قبيل الحرب العالمية الأولى والثانية، والمسماة بالسياسات الشائنة لكوارثها المحققة.
فشل مجلس الأمن مرات عدة في الاتفاق على قرارات تتعلق بالبند السابع سواء في مسائل العقوبات الاقتصادية بمرجعية المادة 41، أو العسكرية بمرجعية المادة 42.
تغير موازيين القوى العالمي ونمط تحالفاته، وتهديد السلم العالمي بإمكانية نشوب حرب إقليمية كبرى تتمدد لعالمية. ومحاذرها القوية المتمثلة بخطر الزر النووي كخط أحمر فيها، ما جعل إمكانية التمدد الجيوبوليتيكي دونه وممارسة العمل العسكري الموضعي، والعمل على خطوط حافة الهاوية أكثر مجازفة من قبل، خاصة من قبل روسيا وإيران تنفيذًا لسياسة القبول بالأمر الواقع والتفاوض بعده.
تبدل الاستقطابات الدولية وتحالفاتها المرحلية، ومحاولة روسيا استعادة محيطها الحيوي “الاوارسي” ووصل أوروبا بأسيا وفق مركزية تكون هي محورها، والمتمثل بإدخال تركيا باتفاقاتها الدولية بجانب إيران عبر بوابة اتفاقات الاستانة السورية، والضغط المستمر على أوروبا، الرافضة للحرب أساسًا، من بوابة الطاقة والغاز.
رغم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بروسيا كند عالمي في لقاء ترامب-بوتين في هيلسينكي 2018، إلا أن أمريكيا لم تتخل عن محاولة تفردها في قيادة النظام العالمي، ومحاولة ترويض واستيعاب روسيا في المعادلة العالمية. إضافة لتمسكها بدور اللاعب المحوري في السياسات الدولية وضابط ايقاعها. فرغم انسحابها العسكري التدريجي من ملفات الشرق الأوسط عسكريًا: العراق 2011، وحصر وجودها في مثلث “التنف” الحدودي السوري بعد 2015، وانسحابها الأخير من أفغانستان 2021، إلا أنها بدأت بتبديل سياساتها من فرض القوة العسكرية المباشرة، إلى العقوبات الاقتصادية، المسماة بالذكية، ذات النتائج المحددة والمرحلية جيوبوليتيكيًا، وفتح بوابات التفاوض السياسي بعدها.
في نظام القطبية الوحيد، كان يمكن لأمريكيا فرض إرادتها الدولية منفردة من بوابة مجلس الأمن دون اعتراض عليه، سواء بالعقوبات الاقتصادية أو بفرض شروط التوسع العسكري المهيمن ، وهذا خلاف ما قبلها حين كان العالم نظامًا ثنائي القطبية. وأيضًا مع عودة التنافس الجيوبوليتيكي وعودة تشكيل محاوره الدولية الحديثة بات من الصعوبة تنفيذ شروط البند السابع سواء عسكريًا أو بفرض عقوبات اقتصادية من خلال مجلس الأمن، ما جعل معادلة الترويض العالمي هي أيضًا معادلة كلاسيكية تكافئ وتعادل الجيوبوليتيك الكلاسيكي، أساسها العقوبات الاقتصادية المنفردة.
النقاط الرئيسة أعلاه، مقدمة عامة لإلقاء الضوء على الصورة التي أتت بها العقوبات الدولية الأمريكية المسماة باسم قيصر “سيزر”، الاسم الحركي للضابط السوري المنشق، والذي سرب 55 ألف صورة عن جرائم مرتكبة بحق 11 ألف من المعتقلين السوريين بين العامين 2011 و2014، والتي تحولت بعد ست سنوات منها لقانون يسمى باسمه، تطبق من خلاله العقوبات الاقتصادية الأمريكية على سلطة النظام وحلفائه الروس والإيرانيين.

ثالثًا: قانون قيصر: وظيفة جيوبوليتيكية وليس حلًا دوليًا
في بيانها الصادر في أغسطس 2018، والمتعلقة بفرض العقوبات على روسيا، قالت وزارة الخارجية الأمريكية ((أن الحكومة الروسية استخدمت أسلحة كيمياوية أو بيولوجية، في انتهاك للقانون الدولي، أو استخدمت أسلحة كيمياوية أو بيولوجية قاتلة)) . كما فرضت مثلها على شركات صينية اشترت طائرات سوخوي من روسيا. والأساس التي استندت عليه أمريكيا في إقرار العقوبات، هو الوثائق التي تم التحقق منها كجرائم حرب، واهمها صور ووثائق “سيزر” المسربة منذ 2014، والموافق عليها في الكونغرس الأمريكي من الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء أواخر العام 2016. فلماذا تأخرت أمريكيا بفرض عقوباتها تلك؟
في السنوات العشر الأخيرة، شملت برامج العقوبات الأمريكية ما يزيد عن 36 نظامًا من العقوبات المنفردة في مواقع عدة من العالم، إحداها الموقعة على سورية وحلفائها المقرة منذ كانون أول 2019، والموضوعة قيد التنفيذ منتصف العام 2020. كما لوحظ أن الاتحاد الأوروبي ودول مثل روسيا والصين واليابان تمارس العقوبات ذاتها منفردة. في دلالة على توسع ملحوظ في استخدام العقوبات الذكية الأحادية التي باتت محورًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات التفاعلات الدولية.
السياسية الأمريكية هي سياسة متغيرة وبراغماتية، وهي أيضًا سياسة ترتسم بسياق عام استراتيجي تبنيه مراكز دراستها المختصة وفق سيناريوهات متعددة تستطيع من خلالها وضع تصور عام وخطط استراتيجية ومرحلية لتنفيذها. وفيما يتعلق بملفات المنطقة عمومًا وسورية والعقوبات الموقعة خاصة لنرقب ما يلي:
كتب بن رودس، مستشار الأمن القومي الأمريكي في فترة حكم باراك أوباما، في كتابه The World As It Is”” أن جل اهتمام أمريكيا وعلى رأسها أوباما في ذلك الوقت من الربيع العربي، هو انجاز صفقتي الكيماوي السوري والنووي الإيراني، والتي قال فيها أوباما حينها “تمت المهمة ولا أريد أن أسمع عن سوريا بعد اليوم”.
في عام 2015 أنجز مركز راند الأمريكي دراسة عنوانها “خطة سلام من أجل سورية”، تستند الخطة إلى تقسيم سورية إلى مناطق آمنة كأساس للاستقرار والحل فيها، فتقول الدراسة: ((إن أفضل الآمال من أجل وقف المقتلة السوريّة، هو القبول بمناطق مُتفّق عليها، تأخذ في حسبانها التقسيمات الإثنو-طائفية، والخطوط الحالية للمعركة)). ما يشير لعدم جدية أمريكيا بالمساهمة الفعلية لإيجاد حل للمسألة السورية بقدر التحكم بإدارة وقائعها على الأرض.
درجت حكومة رونالد ترامب على إدارة ملفات المنطقة بطريقة الابتزاز السياسي العام لجميع الأطراف الإقليمية سواء الخليجية أو التركية، وذلك في سياق سياسة نفعية محضة، فحافظت على مواقعها الاستراتيجية ذات العصا الطويلة في إدارة ملفات المنطقة، خصوصًا من خلال تموضعها في مثلث التنف السوري، لتضغط بذلك على جميع الأطراف الفاعلة في الملف السوري سواء الروس أو الأتراك أو إيران ومن خلف الجميع سلطة النظام، دون الدخول في مواجهات مع أي منها، بقدر الحفاظ على الاستقرار النسبي شرق الفرات وترك الملف السوري لفوضى عارمة دون أحداث بوادر حل جدية فيها.
بعد إقرار قانون سيزر بمدة قصيرة، وضعت ملفات المنطقة بيد حكومة بايدن الديموقراطية. أظهرت خلالها السياسة الأمريكية تبايناً واضحاً في تصريحات سياسيها إزاء سورية، فبينما تصر خارجيتها على ضرورة الحل السياسي السوري والضغط باتجاه تسوية سياسية في سورية بمرجعية 2254/2015، فيما اكتفت مرارًا بالتصريح بأنها تنوي تغير سلوك سلطة النظام، حسب تصريح مساعد وزير خارجيتها. هذا مع احتفاظها بإدارة ملفات متعددة بذات الوقت في سورية والشرق الأوسط، وشرق أسيا في أفغانستان وذلك بالاستناد لقوة وفاعلية القرار الأمريكي على الساحة الدولية، وتفوقها العام في الاقتصاد والقوة العسكرية والتقنية.
في هذا السياق يمكن وضع محددات عامة تقوم بها السياسة الأمريكية وتشمل الفاعلين في صناعة قراراتها نلخصها في نقاط عدة دون استنفاذ غيرها:
بقاؤها على رأس قمة الهرم العالمي في نظام أحادي القطب تنافسها عليه بالوقت الحالي كل من روسيا جيوبوليتيكيا والصين تقنيًا واقتصاديًا. ما يؤهل سياستها لتجنب المواجهات الحادة مع كليهما، خاصة روسيا المتمسكة بعودتها لمربع القطبية العالمية من خلال البوابة السورية، بقدر العمل على ترويضها في سياق ذات النظام. وكل الطرفين الأمريكي والروسي يتقنان اللعب بأوراق متعددة بذات الوقت وفق معايير مصالحها المرحلية والاستراتيجية، لتبدو أنه ثمة نقطتي اتفاق بينهما، خلاف ذلك، تتمثل بـ:
تحجيم أدوار اللاعبين الإقليمين التركي جزئيًا والإيراني كليًا في منطقة الشرق الأوسط،
إيجاد محيط آمن لما يسمى بالأمن القومي الإسرائيلي المتشارك والمتداخل مع الدور الأمريكي من جهة والروسي من جهة أخرى خاصة في المسألة السورية.
ما يشير بوضوح إلى المسألة السورية هي موقع تفاوضي على تقاسم النفوذ والأدوار العالمية، وليست هي الشأن الرئيسي لتنفيذ الشرعية الدولية وإنصاف شعبها الكليم. ما يعني نتيجة أن العقوبات الاقتصادية الموقعة تستهدف الضغط على الدول الفاعلة في ملفاته ليس إلا.
أمام أمريكيا سلة متكاملة للعمل في الشرق الأوسط سواء في العراق أو سوريا أو في الخليج العربي وشرق أسيا، ما يجعل السياسة الأمريكية اليوم لا تمتلك خطة واضحة متكاملة أو تصوراً واضحاً حول آلية التعامل مع المنطقة لليوم ضمن هذه الملفات المعقدة، سوى بتنفيذ العقوبات الاقتصادية كبوابة تفاوض سياسية محدودة الغرض جيوبوليتيكيًا.
خطوط المواجهة الروسية الأمريكية في سورية لا يمكنها تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة تحت عنوان عريض للقوى الكبرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بحيث لا يمكن حدوث مواجهة مباشرة بينهما في منطقة معينة بقدر اللجوء للعقوبات الاقتصادية، الذراع الفعال في السياسة الأمريكية لليوم، ومع هذا لم ينفع قانون عقوبات “قيصر” في جعل الروس يميلون للحل السياسي في سورية لليوم. سوى أن سياسة لا إعادة إعمار في سوريا بلا حل سياسي تبدو ورقة قابلة للتنفيذ والتقارب بين السياستين، وذلك بالتفاوض المرحلي، وهو ما لخص بمبادرة خطوة مقابل خطوة، والتي اتضحت بموقعتين لليوم هما: اتفاق مرور المساعدات الإنسانية عبر معبر باب الهوى لمدة عام، ومرور الغاز العربي عبر الجنوب السوري إلى لبنان، في محاولة لتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية بمقابل الاقتراب من الحل السوري وفق 2254/2015.

رابعًا: الخاتمة
لم تنجح العقوبات الاقتصادية بأن تكون طريقة فعالة بإنصاف الشعوب، وربما تكون ذات آثار إنسانية سيئة عليها مع بقاء سلطاتها بمنجى عنها، وهذا يحتاج لدراسة أخرى منفردة. لكنها لليوم تمثل سياسة وسطاً في تعديل سلوكيات الدول التي تخرق القانون الدولي. هذه الدول المستهدفة بقانون سيزر هي روسيا أولًا وإيران ثانيًا، وبالنتيجة سلطة النظام، إذا ما استجابت الأوليتين لها. فإن كانت إيران تحاول التمسك بمواقع نفوذها في أرض الواقع وتفاوض عليه من خلال ملفها النووي، فإن روسيا تفاوض الجميع على موقعها العالمي الجيوبوليتيكي اليوم. ما يجعل الملف السوري معقد طويل الأجل لا يمكن حسم وقع آثار العقوبات الاقتصادية فيه في وقت قصير، كما لا يمكن الخوض بأي عمل عسكري ذو مخاطر عامة على السلم العالمي.
فاذا ما أخذت سياسات الدول الكبرى في الحذر بخطوطها الحمراء القوية هذه من تفادي المواجهات الحادة، فان المسألة السورية قد تصبح قريبًا على طاولة التفاوض العالمي متعدد الأطراف لإيجاد حل فيها، وإيلاء الأوربيين دوراً فعالاً فيها كحل وسط بين جميع الأطراف، وهذا ليس إرضاء للسوريين ومظالمهم بقدر تفادي هذا الاحتكاك الخطر على السلم العالمي. وأظن هذا ما يمكن الحوار حوله بوضوح بين أروقة الفاعلين السوريين سياسيًا، دون مجازفات أيديولوجية لازلت تمارسها معظم صنوف المعارضة السورية خاصة مع غياب دور مراكز الدراسات السورية عن التأثير في قراءة المشهد العام، ليبرز على السطح في هذا السياق دور العقلانية والحوار الهادئ والمنتج في تحديد أولويات العمل الممكن وكيفية الاستفادة من هذه التباينات الدولية ولو بحدها الأدنى في وضع تصور للحل السوري وان كان جزئيًا ومرحليًا. لكنه يبدأ بطوي صفحة الحرب والقتل الجزافي والتوجه نحو السلام العام كنقطة ارتكاز دولية مطلوبة اليوم وكل يوم، وتميل كفة رجحانه توازي الخطوط الدولية في تناولها، خاصة وأن روسيا تحتاج لإعادة الإعمار وإلغاء العقوبات الاقتصادية الموقعة على شركاتها – دائمة إثارة غضبها وقلقها ومحط عدم استقرار لها – لتحقق خطوة واسعة لها على سلم القطبية العالمية.

– المراجع:
أنا سيغال، العقوبات الاقتصادية القيود القانونية والسياسية، المحلة الدولية للصليب الأحمر، عدد 836، 31/12/1999.
مركز أنباء الأمم المتحدة، الموقع الرسمي، https://news.un.org/ar/story/2020/04/1052492
أمال يوسفي، العقوبات الاقتصادية الدولية في إطار نظام الأمم المتحدة، مجلة القانون الدولي والتنمية، عدد 1(2)، ص 99- 107، 2017.
جمال الشوفي، المسألة السورية ومرايا الجيوبوليتيك الدولية، ليفانت للنشر والثقافة، الاسكنددرية، مصر، 2021.
صباح عبد الصبور، إيران نموذجًا: هل تضمن العقوبات الدولية تغير سلوك الدول؟ المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 31/10/2018.
رشدي عميش ورغدة بحوش، العقوبات الاقتصادية كوسيلة ردع على المستوى الدولي، رسالة ماجستير في الحقوق والعلوم السياسية، جامعة ام البواقي، تونس، 2017.
بن طاع زهيرة، العقوبات الاقتصادية كأداة في السياسة الدولية، مجلة المفكر للدراسات القانونية، عدد 6، 6/2019.
ألكسندر دوغين، المشاكل الجيوبولتيكية وقوانين المدى الكبير والعولمة والمفارقة الروسية، مركز كاتخيون للدراسات، 14/10/2016.
محمد عبد الغني سعودي، الجغرافية السياسية المعاصرة/ دراسة الجغرافية والعلاقات السياسية الدولية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2010.
صموئيل هنتنجتون، القوة العظمى الانفرادية/ البعد الجديد للقوة، مركز فلسطين للدراسات والبحوث، 1999.
القدس العربي، الكونغرس الأمريكي يقر قانون سيزر، 23/1/2019،https://www.alquds.co.uk
عبد المجيد أبو العلا، دوافع مختلفة: تزايد توظيف العقوبات في العلاقات الدولية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 6/2021.
خطة مؤسسة راند الأمريكية للحل في سورية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة،11/تموز 2016.
https://www.reuters.com/article/usa-russia-sanctions-ea6-idARAKBN2C205L
Walter R. M.,”The Return of Geopolitics, The Revenge of the Revisionist Powers”, Foreign Affairs, USA, May/June 2014.
https://arabic.sputniknews.com/trend/Putin-Tump-Helsinki-talks/
Russian Harmful Foreign Activities Sanctions, Department of the Treasury,
https://home.treasury.gov/policy-issues/financial-sanctions/sanctions-programs-and-country-information/russian-harmful-foreign-activities-sanctions
Josh Rogin, Congress launches Syria sanctions drive. The Washington Post, 14/6/2016.
Sanctions Programs and Country Information, U.S. Department of the Treasury,
https://home.treasury.gov/policy-issues/financial-sanctions/sanctions-programs-and-country-information

 

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية، دكتوراه في الفيزياء النووية

زر الذهاب إلى الأعلى