الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

البحث عن توازن جديد لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

نظرة على الأشهر الستة الأولى لإدارة بايدن

أثارت الأزمة المستمرّة في أفغانستان مخاوف بشأن أفضل السبل التي يمكن للولايات المتحدة أن تدير بها وتوازن مصالحها وقيمها في أماكن معقدة حول العالم. ستؤثر تداعيات الأحداث في أفغانستان على نهج أمريكا في مناطق رئيسية أخرى في العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط. كما هو الحال مع تحرُّكاتها الأخيرة في أفغانستان، أشارت إدارة بايدن إلى أنها تسعى لتقليل مشاركتها العسكرية في الشرق الأوسط الكبير.
ركّزت الأشهر الستة الأولى لإدارة بايدن في الشرق الأوسط على الحدِّ من التدخُّل الأمريكي المباشر في المنطقة، وبدلاً من ذلك أعطت الأولوية للاستجابة لوباء COVID-19 والأزمة الاقتصادية في الداخل مع البدء في معالجة التحدّيات العالمية الرئيسية مثل تغيُّر المناخ والمنافسة مع الصين وروسيا. من المعتقدات الشائعة بين بعض أعضاء فريق الشرق الأوسط الجديد في إدارة بايدن “لا مزيد من الدول الفاشلة”، الأمر الذي يشير إلى أهداف متواضعة وعملية لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. هذا النهج الجديد أكثر حذراً من جهود الإدارة السابقة في الشرق الأوسط، التي جازفت في سياساتها تجاه إيران وأرسلت إشارات متضاربة بالتأكيد حول الموقف العام لأمريكا في المنطقة.
بالنظر إلى الأشهر الستة المقبلة وما بعدها، من المرجَّح أن تواجِه الولايات المتحدة تحدّيات على جبهتين رئيسيتين. أولاً، لم تسفر الدبلوماسية مع إيران بشأن إحياء الاتفاق النووي عن اختراق في وقت تواصِل فيه إيران ووكلائها تهديد القوات الأمريكية وشركاء الولايات المتحدة. تستمر هذه القوّات في تقويض الاستقرار في أجزاء رئيسية من الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق وسوريا ولبنان والأردن وإسرائيل والأراضي الفلسطينية واليمن. ثانياً، يمكن أن تندلع التوترات القائمة بين إسرائيل وبعض جيرانها، بما في ذلك حماس في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان، ومجموعة من الجماعات التي تعمل من الأراضي السورية، إلى صراع أوسع. إن الإبحار في هاتين الجبهتين -إيران والجبهة العربية الإسرائيلية -بطريقة تنتج استقراراً متزايداً وتقلّل من التهديدات من الجماعات الرجعية سيكون أحد التحدّيات الاستراتيجية المركزية لإدارة بايدن في الشرق الأوسط.
لكن التحدّي الأكبر الناشئ الذي يواجه المنطقة يظل تحدّيات الأمن البشري المزمنة التي تهدِّد بإحداث قدر أكبر من العنف والاضطراب. أولها جائحة COVID-19 المتحوِّل. بالإضافة إلى ذلك، شهد هذا الصيف موجات حرارة قياسية أدّت إلى نقص واسع النطاق في الكهرباء في البلدان الرئيسية في الشرق الأوسط التي تعاني بالفعل من سوء الخدمات والحوكمة التي يعوقها الفساد المستشري. علاوة على ذلك، أدّت أزمة المناخ التي تلوح في الأفق بالفعل إلى تحدّيات أكثر حدّة للأمن المائي في أماكن مثل إيران. أخيراً، يمثل العجز الواسع في الحرّية عبر معظم أجزاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -التي لا تزال تسيطر عليها الحكومات الاستبدادية -تحدّياً ساحقاً آخر لهدف دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
سعت إدارة بايدن في وقت مبكر، إلى وضع الدبلوماسية أولاً من خلال العمل مع الشركاء الأوروبيين والقوى العالمية الأخرى لإعادة إشراك إيران في المحادثات الدبلوماسية التي تهدُف إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015. كما عيَّنت مبعوثين خاصّين مكلَّفين بإنهاء النزاعات في اليمن وليبيا بالإضافة إلى مبعوث واحد لمعالجة قضايا متعدّدة في القرن الأفريقي. شاركت جميع هذه الجهود لاعبين إقليميين مثل المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والإمارات العربية المتحدة. استضاف بايدن هذا الصيف قادة الأردن والعراق وإسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، بدأ وزيرا الخارجية والدفاع في إدارة بايدن وفرق الشرق الأوسط التابعة لهما في إشراك القادة والمسؤولين في إسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية وشركاء رئيسيين آخرين لتنسيق نهج جديد في المنطقة.
كما أشارت إدارة بايدن إلى نيّتها إعادة التوازن إلى الموقف العسكري الأمريكي في منطقة عمليات القيادة المركزية أثناء إجرائها مراجعة عالمية للوضع. كانت أهم خطوة اتّخذتها الإدارة في منطقة العمليات الأوسع هذه هي الانسحاب الكامل للقوَّات من أفغانستان، وهو جهد جاء مع تعقيدات كبيرة لا تزال تديرها الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، أعادت إدارة بايدن مواقع الأصول والمَعدّات العسكرية من أجزاء رئيسية من الشرق الأوسط. وحتى مع سعي الإدارة لإعادة التوازن في نهجها، فقد شنّت ضربات عسكرية ضد خصوم يهدِّدون القوات الأمريكية والدول الشريكة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك ضربات ضد الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وسوريا.
دفع نزاع أيار/مايو بين إسرائيل وحماس الولايات المتحدة بشكلٍ مباشر إلى القضية الإسرائيلية الفلسطينية أكثر ممّا خطَّطت له إدارة بايدن في البداية. أدّى الجمود السياسي المطوَّل في إسرائيل والانقسامات المستمرّة بين الفلسطينيين إلى تبنّي هذه الإدارة نهجاً منضبطاً يتضمّن تجديد بعض المساعدات الأمريكية التي أوقفتها الإدارة السابقة واستئناف الاتصالات الدبلوماسية مع قادة السلطة الفلسطينية. دفعت الأزمة التي اندلعت في أيار/مايو الولايات المتحدة إلى دور العمل مع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين مثل مصر واتخاذ إجراءات عملية لإنهاء الصراع. لكن البيئة الحالية على الجبهة الإسرائيلية الفلسطينية لا تزال تواجه تحدّيات من ثغرات كبيرة في الأمن البشري الأساسي، بما في ذلك الوباء المستمر.
باختصار، لا تزال الظروف التي أدّت إلى انتفاضات شعبية في أجزاء رئيسية من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عام 2011 موجودة، حيث يمكن أن تؤدّي المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الهائلة والمتعلقة بالأمن البشري إلى تحرُّكات من أجل التغيير وتوليد عدم الاستقرار. تمثل هذه التحدّيات فرصة للولايات المتحدة لإعادة صياغة مشاركتها الشاملة مع الشرق الأوسط لإعطاء أولوية أعلى للدبلوماسية المدعومة باستراتيجية أمنية متوازنة، مع تركيز أقوى على قضايا الأمن البشري الأوسع التي ستؤثر على المنطقة وتؤثر حتماً على نظام دولي أوسع.
يسلِّط هذا الموجز الضوء على تصرُّفات إدارة بايدن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الأشهر الستة الأولى على خمس جبهات رئيسية: الأمن البشري، وحلّ النزاعات، وإيران، والشؤون العربية الإسرائيلية، والموقف العسكري الأمريكي العام والمشاركة في المنطقة. إنه يقدّم تقييماً للمكان الذي نجحت فيه الإدارة حتى الآن وأين فشلت. بالإضافة إلى ذلك، يتطلع هذا الموجز إلى التحدّيات التي ستطرحها المنطقة في المستقبل.

الأمن البشري
قدَّمت إدارة بايدن مساعدات مستهدَفة لـ COVID-19 ومساعدات أخرى تهدف إلى مساعدة شعوب المنطقة ودعم بعض الحكومات الرئيسية. طغت على هذه التحرُّكات الأوَّلية أزمات مثل الصراع بين إسرائيل وحماس والدبلوماسية والتوترات مع إيران. ومع ذلك، فإن التحرُّكات التي اتخذتها إدارة بايدن على جبهة الأمن البشري تمثل خطوات مهمّة لإشراك شعوب المنطقة ومعالجة المخاوف التي تؤثر على الأمن الإقليمي والديناميات السياسية.

استجابة COVID:
أولوية سياسية محلّّية وعالمية مع إجراءات محدَّدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
لقي أكثر من 230 ألف شخص في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حتفهم بسبب فيروس كورونا المستجد، وكانت تونس وإيران ولبنان الأكثر تضرُّراً كنسبة من سكانها. تمَّ تطعيم أكثر من 56.4 مليون شخص في المنطقة بشكلٍ كامل ضد COVID-19، مع معدّلات تطعيم في الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وإسرائيل بنسبة 60٪ أو أعلى.
قدَّمت الولايات المتحدة أكثر من 3 ملايين جرعة لقاح COVID-19 لدول المنطقة. تلقت تونس مليون جرعة من موديرنا عبر COVAX -آلية توزيع اللقاحات الدولية -بالإضافة إلى 200000 جرعة من شركة Pfizer سُلِّمَتْ بموجب عقد خاص مع الحكومة التونسية، تم تسليم 500000 جرعة من شركة Pfizer مباشرة إلى الأردن، وتمَّ تسليم 500000 جرعة من شركة Pfizer إلى العراق عبر COVAX، تمَّ تسليم 500000 جرعة من موديرنا إلى الضفة الغربية وقطاع غزة عبر COVAX، وتمَّ تسليم 302400 جرعة من جونسون وجونسون للمغرب عبر COVAX . في آب/أغسطس، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها قدّمت 151200 جرعة من لقاح جونسون وجونسون لشعب اليمن.

المشاركة الاقتصادية والمساعدات: إعادة تشغيل بعض البرامج وبدء جهود جديدة
أعادت إدارة بايدن أكثر من 250 مليون دولار من المساعدات للفلسطينيين التي قطعتها إدارة ترامب، و183 مليون دولار لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، 150 مليون دولار للمساعدة الاقتصادية، و15 مليون دولار للاستجابة الطارئة لفيروس كورونا.
أعلنت مؤسّسة التنمية المالية الدولية الأمريكية إطلاق مبادرة الاستثمار المشترك من أجل السلام، وهو برنامج جديد أنشأه قانون الشراكة من أجل السلام في الشرق الأوسط Nita M. Lowey والذي سيركّز على تشجيع الاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسِّطة المملوكة لفلسطينيين التي تعمل مع شركاء أمريكيين وإسرائيليين.
أعلنت إدارة بايدن في أوائل آب/أغسطس، عن 100 مليون دولار كدعمٍ اقتصادي إضافي للبنان و165 مليون دولار بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية لليمن.

تغيُّر المناخ: زرع بذور التعاون المستقبلي
ضربت موجات حر قياسية الشرق الأوسط هذا الصيف، حيث وصلت درجات الحرارة إلى أكثر من 120 درجة فهرنهايت في الكويت وعمان والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق وإيران خلال الصيف. تأذّت شبكات الكهرباء، مع انقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه وهو ما أدّى إلى احتجاجات في إيران والعراق ولبنان.
سافر المبعوث الرئاسي الخاص للمناخ جون كيري إلى المنطقة، وزار الإمارات العربية المتحدة في أوائل أبريل لحضور منتدى مناخ إقليمي في أبو ظبي وسافر إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر في حزيران/يونيو لمناقشة قضايا المناخ والطاقة المتجدّدة مع الدول الثلاث. ستستضيف مصر الدورة القادمة لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ.
تمت دعوة قادة إسرائيل والسعودية والإمارات لحضور قمة المناخ الافتراضية التي عقدها الرئيس بايدن في نبسان/أبريل. اتفقت الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة في القمّة، على إنشاء مهمّة الابتكار الزراعي للمناخ -وهي مبادرة ستُطلَق رسمياً في قمة COP26 في غلاسكو وتشمل إسرائيل -بينما وافقت قطر والمملكة العربية السعودية على إنشاء منتدى Net-Zero Producers جنباً إلى جنب مع وزارات الطاقة في الولايات المتحدة وكندا والنرويج.

حلّ الصراع
تولَّت إدارة بايدن السلطة في سعيها إلى خفض التوترات في جميع أنحاء المنطقة، وكانت نشِطة في الساحة الدبلوماسية في اليمن وليبيا والقرن الأفريقي. لقد اتخذت خطوات متواضعة للتعامل مع الصراع السوري، مع التركيز على إيصال المساعدات الإنسانية.

اليمن: الإشارة إلى السلام كأولوية ولكن إيجاد مسارات دبلوماسية صعبة الإبحار
عيّنت إدارة بايدن الدبلوماسي المخضرم تيم ليندركينغ مبعوثاً خاصاً إلى اليمن وصرَّحت علناً أنها تنهي الدعم الأمريكي لـ “العمليات الهجومية” التي ينفذها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح كيف يتم تعريف ذلك. قام ليندركينغ برحلات مكوكية ذهاباً وإياباً إلى المنطقة عدّة مرَّات في إطار جهوده لإنهاء القتال، ولا سيّما ملاحظته في أوائل حزيران/يونيو أن الحوثيين “يتحمّلون مسؤولية كبيرة عن رفض الانخراط بشكلٍ هادف في وقف إطلاق النار”. ومع ذلك، فإن هذه الجهود السياسية لم تجعل الصراع أقرب إلى الحل.

ليبيا: العمل من أجل استقرار أكبر وتجديد المشاركة السياسية
عيَّنت إدارة بايدن السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند مبعوثاً خاصاً لليبيا، بينما شارك وزير الخارجية أنطوني بلينكين في مؤتمر برلين الثاني حول ليبيا. أعاد المؤتمر والمناقشات الثنائية اللاحقة التأكيد على الدعم الأمريكي والدولي للانتخابات الوطنية المزمَع إجراؤها في كانون الأول/ديسمبر. في حين أن المرتزقة الأجانب لم يغادروا البلاد بعد على النحو المنصوص عليه في شروط اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2020، فإن عناصر أخرى -مثل إعادة فتح الطريق الساحلي بين بلدتي مصرَاتة وسرت -قد مضت قدُماً.

القرن الأفريقي: الانخراط في الدبلوماسية الوقائية بهدف وقف التوترات الأوسع نطاقاً
عيّنت إدارة بايدن وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة جيفري فيلتمان مبعوثاً خاصّاً للقرن الأفريقي، مكلّفاً بالتوسُّط في النزاعات الإقليمية حول سد النهضة الإثيوبي الكبير وصراع تيغراي. “نزاع مسلح ما زال مستمراً بدأ منتصف ليل 3-4 تشرين الثان/نوفمبر عام 2020 في منطقة تيغراي في إثيوبيا. تدور هذه الحرب بين حكومة إقليم تيغراي، بقيادة جبهة تحرير تيغراي الشعبية، وقوات الدفاع الوطني الإثيوبية (إي إن دي إف) بمساعدة الشرطة الفيدرالية الإثيوبية وشرطة الولاية الإقليمية وقوات الدرك في منطقة أمهرة المجاورة ومنطقة عفر مع ذكر تورُّط قوات الدفاع الإريترية. وقد ارتُكبت جرائم حرب من قبل الطرفين أثناء النزاع. المترجم”.
فرض وزير الخارجية بلينكين قيوداً على التأشيرات على الأفراد المتورِّطين في القتال في تيغراي بالإضافة إلى “قيود واسعة النطاق على المساعدة الاقتصادية والأمنية لإثيوبيا”، بينما أعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عن توفير 149 مليون دولار إضافية كمساعدات إنسانية للمنطقة.
يستمر نزاع تيغراي في التصعيد، مع قيام الحكومة الإثيوبية بتعبئة القوات شبه العسكرية على الرغم من الدعوات الدولية للتفاوض. وطلبت مصر والسودان تدخُّل مجلس الأمن الدولي بشأن سد النهضة الإثيوبي، قائلة إن المفاوضات مع إثيوبيا بشأن المشروع باءت بالفشل.

سوريا: لا تحوُّلات استراتيجية كبيرة
قادت الولايات المتحدة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، جهداً دبلوماسياً ناجحاً لتجديد آلية المساعدة الإنسانية عبر الحدود لسوريا لمدّة عام إضافي. بالإضافة إلى ذلك، أعلن وزير الخارجية بلينكين عن 436 مليون دولار كمساعدات إنسانية إضافية للسوريين في سوريا والدول المجاورة. لا تزال سوريا منقسِمة بين النظام السوري، وجيب حول إدلب تديره مجموعة تابعة للقاعدة، ومنطقة تركية على طول الحدود الشمالية ومنطقة كردية مدعومة من الولايات المتحدة في شمال شرق البلاد.

إيران: توترات دبلوماسية وأمن إقليمي
جعلت إدارة بايدن الانضمام إلى الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران ركيزة أساسية في نهجها تجاه الشرق الأوسط وأحرزت بعض التقدُّم المهم نحو هذا الهدف في المحادثات غير المباشرة في وقت سابق من هذا العام. ومع ذلك، فقد كان عليها أيضاً أن تتعامَل مع دور إيران الأمني المستمر المزعزِع للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.
بدأت المحادثات غير المباشرة لإحياء الاتفاق النووي في فيينا في 6 نيسان/أبريل. وعلى الرغم من الإبلاغ عن بعض التقدُّم بحلول منتصف حزيران/يونيو، إلا أن إيران علّقت المحادثات إلى ما بعد تولّي الرئيس الإيراني الجديد، إبراهيم رئيسي، منصبه في آب/أغسطس.
نفذ الجيش الأمريكي في شباط/فبراير وحزيران/يونيو، مجموعتين من الضربات الجوية ضد الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وسوريا ردّاً على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيَّرة التي شنّتها تلك الميليشيات على المنشآت العسكرية الأمريكية في العراق. ومؤخّراً، حمَّلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل إيران مسؤولية هجوم مميت بطائرة بدون طيار على ناقلة نفط قبالة سواحل عمان.
التقى وزير الخارجية بلينكين ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان بالناشطة الإيرانية الأمريكية مسيح علي نجاد بعد أن اتهمَت وزارة العدل أربعة مسؤولين إيرانيين بالتخطيط لاختطافها.
حذَّر مسؤولو إدارة بايدن من أن المحادثات النووية مع إيران لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، مع انتهاك إيران لشروط الاتفاق النووي لعام 2015 ومنع المفتشين من دخول مفاعل التخصيب الرئيسي في نطنز.

الشؤون العربية الإسرائيلية: إدارة الأزمة تلقي بظلالها على انفتاحات إقليمية أوسع
دخلت إدارة بايدن السلطة على عكس سابقاتها، دون خطط طَموحة على الجبهة العربية الإسرائيلية بما يتجاوز التراجُع عن السياسات السلبية لإدارة ترامب. أجبر القتال في غزة في أيار/مايو الإدارة على إيلاء اهتمام أكبر للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومع ذلك، فإن ظهور حكومة إسرائيلية جديدة يحمل في طياته إمكانية إعادة العلاقات الثنائية.
أعلنت إدارة بايدن عن مساعدات بقيمة 388.5 مليون دولار للفلسطينيين، بما في ذلك استئناف خفض التمويل من قبل الإدارة السابقة. ويشمل هذا التمويل 183 مليون دولار لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، 150 مليون دولار للمساعدة الاقتصادية، و38 مليون دولار للمساعدات الإنسانية.
انخرطت إدارة بايدن خلال الصراع الأخير في غزّة، في دبلوماسية هادئة مع إسرائيل ومصر لتحقيق وقف إطلاق النار بعد 11 يوماً من القتال. تشاور بايدن مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وأرسل وزير الخارجية بلينكن إلى إسرائيل والضفة الغربية والأردن ومصر.
اتخذت حكومة نفتالي بينيت يائير لابيد الجديدة في إسرائيل خطوات لتحسين العلاقات مع الأردن، وحاولت المحاكم الإسرائيلية التوصُّل إلى حل وسط في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية -نقطة الاشتعال في قتال الربيع الماضي. يواجه رئيس السلطة الفلسطينية عباس تحدّيات سياسية متجدّدة في الداخل بعد مقتل معارض من الضفة الغربية في سجن قوّات الأمن الفلسطينية.
كانت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت في آب/أغسطس إلى واشنطن العاصمة للقاء الرئيس جو بايدن تهدُف إلى وضع العلاقات الثنائية على مسار أكثر سلاسة ممّا كانت عليه خلال العقد الماضي. فور هذه الزيارة، التقى وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في محاولة لتحسين العلاقات والتنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. يمثل هذا الاجتماع نوع النهج التدريجي الذي من المرجَّح أن تتبنّاه إدارة بايدن في التعامُل مع العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.

الجيش الأمريكي: البدء في إعادة التمركُز في المنطقة بينما لا يزال منخرطاً في الرّد على التهديد
اتّخذت إدارة بايدن مع الإجماع الواسع النطاق في دوائر السياسة الخارجية على أن الشرق الأوسط يفتقر إلى الأهمية الاستراتيجية لأوروبا أو منطقة آسيا والمحيط الهادئ، خطوات مبكرة نحو تقليل وتقويم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. لكن في الوقت نفسه، شنّت ضربات ضد الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وسوريا، بينما استخدمت القواعد الأمريكية في الخليج لتنفيذ جسر الإجلاء الجوي من أفغانستان.
اتفق الرئيس بايدن ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على إنهاء “المهمة القتالية” للجيش الأمريكي رسمياً في العراق بحلول نهاية عام 2021. ومع ذلك، فإن قلّة من القوّات الأمريكية ستغادر العراق وسيبقى معظمها في البلاد في مهمة تدريبية واستشارية.
سحب وزير الدفاع لويد أوستن ما لا يقل عن 11 بطارية صواريخ باتريوت وثاد من العراق والكويت والأردن والمملكة العربية السعودية منذ بداية إدارة بايدن. في الوقت نفسه، أبرم الجيش الأمريكي اتفاقيات أوّلية مع المملكة العربية السعودية للوصول إلى القواعد في غرب البلاد.
أطلق الوزير أوستن في شباط/فبراير، مراجعة عالمية أوسع للوضع من أجل “التأكُّد من أن حجم تواجد أعضاء الخدمة الأمريكية في جميع أنحاء العالم يتم بشكل صحيح ويدعم الاستراتيجية”.

استنتاج
أظهرت إدارة بايدن في الأشهر الستة الأولى من ولايتها، رغبة واضحة في الحدِّ من المشاركة الأمريكية المباشرة في الشرق الأوسط لصالح التركيز على أولويات السياسة الخارجية العليا مثل آسيا وأوروبا والتحدّي العالمي لوباء COVID-19. على الرغم من أنها قامت ببعض التحرُّكات البارزة مثل بدء محادثات لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، وتجديد الدبلوماسية لإنهاء القتال في اليمن، وتمديد وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا لمدّة عام آخر، اعتمد فريق بايدن بشكل عام، نهجاً يسعى للحدِّ من تكاليف المشاركة الأمريكية. ومع ذلك، فإنه يخاطر بوضع الولايات المتحدة في موقف استراتيجي تفاعلي، والالتزام بالأحداث بدلاً من السعي إلى تشكيل الاتجاهات بشكل استباقي من خلال الدبلوماسية وأشكال المشاركة الأخرى.
قد ينتهي ميل إدارة بايدن نحو نهج عدم التدخُّل إلى وضع الولايات المتحدة في وضع إدارة الأزمات على غرار ذلك الذي تجاوز إدارة أوباما من 2014 إلى 2016 كرد فعل على صعود تنظيم الدولة الإسلامية. إذا لم يكن من الممكن إحياء الاتفاق النووي الإيراني -وهو ما يبدو الآن مرجّحاً أكثر ممّا كان عليه قبل ستة أشهر -فستظلّ التوترات بين طهران وواشنطن عالية. ولكن على مستوى أكثر جوهرية، فإن مشاكل الأمن البشري الأساسية في المنطقة لن تختفي، ولا سيّما تلك التي يُحتمَل أن تكون ناجمة عن تغيُّر المناخ. نتيجة لذلك، حتى الأهداف الأكثر تواضعاً وواقعية التي حدَّدها فريق بايدن لنفسه في الشرق الأوسط ستتطلّب إعادة مشاركة استراتيجية في منطقة كانت إلى حدٍ كبير في حالة تأخُّر خلال الأشهر الستة الأولى للإدارة.

بريان كاتوليس هو زميل أقدم في فريق الأمن القومي والسياسة الدولية في مركز التقدّم الأمريكي.
بيتر جول كبير محلِّلي السياسات في فريق الأمن القومي والسياسة الدولية في مركز التقدُّم الأمريكي.

 

رابط البحث
https://www.americanprogress.org/issues/security/reports/2021/09/07/503429/seeking-new-balance-u-s-policy-middle-east/

 

ترجمه لمركز أسباريوسف سامي مصري

زر الذهاب إلى الأعلى