الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

أوروبا والمسألة السورية كعقدة دولية جيوبوليتيكية

جمال الشوفي

رغم ميراثها الطويل في ثقافة الحريات والحقوق العامة والخاصة المتجسدة في الدولة الحديثة كدولة حق وقانون، وضلوعها بملفات الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وحق تقرير المصير للشعوب، إلا أن أوروبا والاتحاد الأوروبي لم تستطع أن تلعب دوراً محورياً في المسألة السورية، كما في الحالة الليبية 2011 أو محاولتها الموصوفة بالفشل في المسألة اللبنانية.
المسألة السورية باتت مسألة محورية عالمية، تتعقد ملفاتها وتتشابك وتتداخل وتتضارب فيها المصالح الدولية، بحيث غدت عقدة دولية كبرى، أهم ميزاتها أنها ذات طابع جيوبوليتيكي فرضته طبيعة الإيقاع الروسي. ما عطل جلّ حلولها الجذرية الممكنة، وتحولها لحلول جزئية تفكيكية تفاوضية، وذلك تجنباً لتأجيج أزمة عالمية تطال كل الأطراف الدوليين الكبار على سطح الكوكب خاصة الروس والأمريكيان والأوروبيين أيضاً.
هنا يبرز الدور الأوروبي، رغم ما يشوبه من تناقضات داخلية، ليلعب دور الوسيط الدبلوماسي في السياسة الدولية، وذو الأهداف الجيوبوليتيكية المحدودة ضمن سياق الناتو، كما ويبرز دوره الفعال في موضوعات العمل المدني ودعم منظماته المحدثة والمنظمات الحقوقية الإنسانية العاملة في الملف السوري، لكن دون مستوى الحل السياسي العام المفترض أممياً للمسألة السورية.

المسألة السورية كعقدة جيوبولتيكية دولية:
باتت المسألة السورية، ومنذ التدخل العسكري الروسي المباشر فيها عام 2015، نقطة ارتكاز رئيسية لاكتمال الدائرة التطبيقية للجيوبوليتيكا الروسية ومحورها الأورسالي (الجمع بين أوروبا وأسيا في المحيط الحيوي الورسي الذي مركزه موسكو)، هذا بينما تراوح المسارات الأممية في تذبذب وتردد منها، واضعة شرطان في الأفق المنظور:
الأول: عدم السماح لروسيا بتثبيت وجودها العالمي المنفرد كقطب جديد، وإن لم يكن بالإمكان ذلك إلا بخوض حرب عالمية ثالثة، وهذا مستبعد لخطره العالمي المدمر أولاً، وترفضه أوروبا المثقلة بذاكرة حربين عالميتين ثانياً. لتبدو كل المحاولات الأممية لليوم تتمحور حول تقييد روسيا وإلزامها بالضلوع في الحل في المسألة السورية وفق القرار 2254/2015، مع عدم السماح لها بتثبيت حلولها السياسية بشكل دولي وأممي حتى وإن ثبتت حلولها العسكرية.
الثاني: إعادة ترتيب أقواس التحالفات الدولية وفرض شروط التحكم والسيطرة الاقتصادية والمالية في دوائر توسع الوجود الروسي، ما ترجمه قانون “سيزر” الأمريكي ومتابعته الأوروبية، ومحاولة إيجاد مثيل أوروبي منفرد له.
المسألة السورية هي نقطة الالتقاء والعقدة الدولية اليوم، وأية مقاربة في الحلول السياسية الممكنة، لا تأخذ بعين الاعتبار مسارات وأدوات العمل الروسية الجيوبوليتيكية فيها، لن يقدم للمسألة السورية خطوة فيها. لتبدو خلاصة المشهد الدولي الجيوبولتيكي حول سورية تتمثل بنقطتين متباينتين عامة لكنها قابلة للتفاوض دونهما جزئياً:
-لا حل سياسي بلا إعادة إعمار، حسب روسيا.
-ولا إعادة اعمار بلا حل سياسي، حسب الأمم المتحدة وما صرحت به أوروبا مراراً في الطرف الآخر.
بين هذه وتلك تبدو مساحة العمل محفوفة بالمخاطر وتهدد السلم العالمي والديمقراطية وحقوق الإنسان، أضف لهدر حقوق السوريين من خلال جمل الملفات السورية من مهجرين ونازحين، تتحمل أوروبا التركة الأكبر في علاجها! وملفات المعتقلين والمغيبين قسريًا والتلف العام بالبنية الاجتماعية والاقتصادية وتهاويها للدرك الأسفل حسب تقارير أممية عدة. إضافة لتمدد المسألة السورية لتشمل خطوط جيوبولتيكية أخرى ذات ميزات تنافسية على خطوط الطاقة والغاز، كما في مشاكل ليبيا وأرمينيا، والدور التركي في موازاة الدور الروسي في ذلك، ما يؤثر على ملفات المسألة السورية الأممية وفق تصورها للحل فيها، وعلى الأوربيين خاصة.

المكانة الأوروبية ودورها العالمي:
بعيداً عن مشاكلها الداخلية، فإن أوروبا تقف اليوم أمام عدة مشاكل، تبرز أهمها وقوعها بين عزم مزدوجة استقطابي عالمي يتمثل بالتفوق الأمريكي، حليفها في الناتو، التقني والعسكري والاقتصادي من جهة، والفورة الروسية الجيوبولتيكية وتواجدها المباشر على المياه الدافئة في البحر المتوسط من خلال سورية، وقبله التغلغل الروسي في العمق الأوروبي من خلال مسألة القرم وأوكرانيا.
أوروبا والاتحاد الأوروبي حاولت تاريخياً أن تجد لكيانها العام حالة مميزة عن الاستفطابات العالمية حيث ترفض الحرب الشمولية لذاكرتها المثقلة بحربين عالميتين، وبذات الوقت نلعب دور الوسط السياسي بين طرفي التنافس الدولي بشقيه: المهيمن عسكرياً المتمثل بالصعود الروسي الجيوبوليتيكي في مواجهة التفرد الأمريكي، والتقني الاقتصادي المتمثل بالصين وأمريكيا. ما ينعكس على الاتحاد الأوروبي بعدم قدرته على التماسك الكلي ككتلة موحدة إزاء كل الملفات العالمية المطروحة على الساحة.
حسب مركز دراسات راند الأمريكي، وفي دراسة نشرها عام 2017 تحت عنوان “العلاقات الأوروبية مع روسيا، تصورات التهديد والاستجابات”، أنه رغم التدابير الأمنية والعسكرية الدفاعية والاقتصادية واحتمالات المواجهة المباشرة، التي اتخذتها أوروبا إزاء ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، إلا أن الكثير من الدول الأوروبية والضالعين في سياساتها أصروا على بقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو. فملفات الغاز والطاقة تشكل ضغطاً روسيا كبيراً، تحاول أوروبا إيجاد بدائل أخرى له، لكنها بذات الوقت ترفض الابتزاز الروسي الجيوبوليتيكي، كما وتتعاون مع أمريكيا من خلال حلف الناتو لوضع حد للتمدد الروسي.
ورغم أولوية مسألة القرم أوروبياً لكن المسألة السورية كعقدة عالمية رسخت التباعد الروسي الأوروبي، بما له من انعكاسات خطرة سواء على المسألة السورية أو على السلم العالمي، وبالأخص أثره المباشر في إمداد أوروبا بخطوط الغاز والطاقة. أضف إلى التقدم الصيني التقني، الحليف الروسي الخطر، وما يحمله من مخاطر اقتصادية برزت مع اشكاليات الجيل الخامس وفيروس كورونا 19 وما نتج عنه من كوارث عالمية لليوم، ولا أحد يمكنه التكهن بالمستقبل في حال تكرار موجات جديدة من أشباهه.
أوروبا والاتحاد الأوروبي تمثل نموذجًا عصريًا للدولة الحديثة سياسيًا واقتصاديًا، وتتنازع صفاتها هذه مع نموذج سياسات الهيمنة والتمدد الجيوبوليتيكي الوضعية القائمة. ومع هذا تحاول أوروبا الحفاظ على سماتها التاريخية بطريقة مختلفة عن الروس والأمريكان، حيث يتجلى النموذج الأوروبي بصفات تاريخية أهمها:
-ميراث طويل من العقلانية وثقافة التنوير الليبرالية والديمقراطية والعلمانية واحترام حقوق الأفراد بانتماءاتهم الفكرية والدينية وحرية العمل السياسي والمدني المؤسساتي.
-ترسيخ مفهوم المجتمع المدني ومعطياته الحقوقية والقانونية والعصرية.
-ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والمساهمة الفاعلة في تحقيقها دوليًا.
-المساهمة الفعالة في إرساء الاتفاقات الدولية المتعلقة بحق تقرير مصير الشعوب والمعاهدات الدولية التي تحث على إقامة السلام والاستقرار العالمي.
-اقتصاد متمركز على ذاته يتعامل بمرونة مع اقتصاديات العالم الآخر بمختلف أنواعه وتنافساته سواء الأمريكية أو الصينية أو الروسية وغيرها.
-انتشار ثقافة نبذ الحرب ومحاولة تجنبها خاصة بعد تجارب الحرب العالمية السابقة المريرة.

الدور الأوروبي الممكن في المسألة السورية
المكانة الأوروبية بين حدي التناقض العالمي الموصوف أعلاه تمكنها من لعب أدوار متوازية في المسألة السورية:
-دور جيوبوليتيكي يتمثل بالعمل الجزئي في مناطق الصراع السوري، فهي شريكة في الناتو وخلف القيادة الأمريكية فيه في حربها على داعش، وما نتج عنه من دعم القوة الكردية في شرق الفرات السورية، وما قد ينتج عنه في ملف الجنوب السوري.
-دور سياسي ديبلوماسي يتمثل بدور الوسيط المتحرك بين روسيا وأمريكيا، فمع أن أوروبا فقدت قدرتها الديبلوماسية في المشاركة بملفات أستانة الثلاثية الروسية-التركية-الإيرانية، وبقاؤها في دور الظل في ملفاتها الأممية، إلا أنها وحسب ملفات مركز الشرق الأوسط الصادر عام 2021، حول الحرب الأهلية في سورية، فإن خفة حدة الصراع العسكري في سورية تلقي بتبعات أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة، يمكن لأوروبا أن تلعب دوراً فيها من خلال مؤتمر المانحين في بروكسل، والذي أنتج بوساطة أوروبية، قرار استمرار دخول المساعدات الإنسانية لشمال غرب سورية عبر معبر باب الهوى.
-دور فعال في دعم منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الإنسانية المحدثة السورية. أشار تقرير معهد السلام الأمريكي لعام 2004 المعنون “الترويج للديموقراطية في الشرق الأوسط، المبادرات الأوروبية”، بأن الدعوات الأوروبية للديموقراطية لم تترجم لأفعال ملموسة بموازاة أمريكيا. إلا أن أوروبا حالياً، وحسب تقارير الدول المانحة الحديثة، وسجلات المنظمات المدنية المسجلة في أوروبا تشير إلى دورها الكبير للترويج لثقافة الحريات والعمل المدني وحقوق الإنسان والجندرة والحوكمة… ولكنها لليوم أيضاً تكاد لا يلمس أثرها الفاعل في المسألة السورية، نظراً لبقاء العمل المدني هذا منوطاً بتحقيق الاستقرار والسلام وتغيير طبيعة الحكم في سورية إلى طبيعة ديموقراطية حقوقية. ما يجعل كل الجهود الأوروبية في هذا السياق تكاد تكون أشبه بالتوثيقية وأقرب للمساعدات الإنسانية، وأقصاها الثقافية، وذلك لفقدانها الدور الفعلي المنوط بها حسب تاريخها أمام المتغيرات الدولية المشار إليها بداية.
في هذا السياق يمكن لأوروبا بمواصفاتها العصرية العريقة أن تلعب دورًا رئيسيًا في الاستقرار العالمي والسلام الممكن، وذلك إذا ما امتلكت مجموعة من المبادرات العملية والمساهمة الفعالة في حل المسألة السورية، والتي يمثل حلها بوابة استقرار عالمي هام وضروري يستبعد شبح الحرب الذي يهدد السلم العالمي، خاصة مع ارتفاع وتيرة النموذج الجيوبولتيكي الروسي الذي يذكر أوروبا أكثر من غيرها بمرارة وويلات الحرب العالمية التي ساقتها التحالفات الجيوبولتيكية الألمانية قبل قرن.
عليه، يمكن وضع عدة نقاط محورية يمكن أن تقوم بها أوروبا تجاه الملف السوري:
-ارتباط الملف السوري بمحاور دولية واقليمية باتت عبئًا على كل دول العالم خاصة أوروبا.
-ضرورة تمييز المحاور الإستئثارية التي تهدد السلم العالمي وأساسه الجيوبوليتيك الروسي والتمدد الإيراني في الشرق الأوسط والمزيد من تعقيد ملفاته في الجوار اللبناني.
-السعي الجاد لتنفيذ مقررات مجلس الأمن عبر القرار 2254\2015 بخلفية جنيف 1\2012 ما يستلزم تفعيل أدوار اللاعبين الإقليمين الضاغط على روسيا والنظام، خاصة تركيا وقطر والسعودية ومن خلفها المجموعة المصغرة حول سورية 5+1.
-إذا كانت أوروبا لليوم غير قادرة على الاستغناء عن الغاز الروسي، فإن حل المسألة السورية وفق شروط الانتقال والتغيير السياسي فيها، سيحد من إمكانية التحكم الروسي بخطوط الطاقة عبر سورية والبحر المتوسط، ويفتح بوابات الغاز القطري وغاز المتوسط، المتوقع إنتاجه القريب، بحرية الوصول لكل نقطة في العالم.
-على المجتمع الأوروبي العودة للاعتداد بميراثه المدني ودوره الحقوقي العالمي، والعمل على دعم الفعاليات والمنظمات السورية المدنية وتفعيل دورها في المساهمة مع المعارضة السياسية الديمقراطية القادرة على تحقيق شروط البديل العام عن سياسة النظام الحالية مؤسساتياً، وعدم الاكتفاء بالمبادرات المدنية الحالية الجزئية والمحدودة (وهذه تحتاج لورقة منفردة قادمة) ودعمها بالتفاهم مع الأمريكان والأتراك على خوض مفاوضات سياسية شاقة مع الروس، غرضها الحل السياسي والانتقال والتغيير الديمقراطي في سورية.
-البحث في الداخل السوري عن مناطق حيوية للعمل المدني الكفيل بالضغط على النظام السياسي وسلطته القائمة. وتبدو المنطقة الجنوبية السورية خاصة من محافظة السويداء، وموقعها الجغرافي الحيوي، التي لم تدخل في الصراع والاحتراب السوري المباشر، ولا زالت تكتنز على رصيد كبير من الشباب والفكر المدني والتحرري، قادر على الحوار مع كل أطياف الشعب السوري على أرضية المشترك الوطني، وتشكيل قاعدة عمل مدنية عريضة تستهدف التغيير السياسي العام أساسه: السلام والعدالة والحرية وتفعيل دور القانون الوضعي غير المسيس. وهذا ممكن إذا ما كفت يد الأجهزة الأمنية وأذرعها من الميليشيات الطائفية العاملة بالمنطقة برعاية إيرانية. ما يتطلب التفاوض مع الروس، القادرين على حل معيقات الاستقرار الأمني والردع الميليشوي وتوسع رقعتها لتشمل الجنوب السوري عامة وتعميمه على الساحة السورية تدريجياً.
إن استمرار المسألة السورية دون حل سياسي لليوم، وما يمثله من تهديد للسلم العالمي واستمرار لمأساة الشعب السوري الكارثية، يضع أوروبا وتاريخها التنويري التحرري والحقوقي والإنساني على محكات الواقع العالمي ومكانتها التاريخية فيه، وهذا ما ترفضه الإرادة الأوروبية العمومية بتاريخها الحضاري وموقعها العالمي، وهو ما تتطلع شعوب المنطقة لأن تمارسه أوروبا اليوم قبل الغد.

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية.. دكتوراه في الفيزياء النووية

زر الذهاب إلى الأعلى