اقتصادالرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

العقوبات الأوروبية على لبنان ـ سياسة العصا والجزرة

علا بياض

مازال لبنان يعيش “كارثة إنسانية”، من صنع ساسة هذا البلد وبسبب وجود حزب الله في التشكيلة الحكومية، زاد الأمر تعقيدا على حكومة نجيب ميقاتي، التي أعلن عن تشكيلها منتصف شهر سبتمبر 2021 . التحديات كبيرة أمام حكومة ميقاتي وتضعه على المحك في تخطي الأزمات وتسيير الحكومة حتى موعد الانتخابات القادمة المقررة خلال شهر مايو 2022. وكانت خطوة إيجابية من الاتحاد الأوروبي بتعليق العقوبات على لبنان، لتعطي الحكومة فرصة لتنفيذ الإصلاحات وإنقاذ البلد، لكن الشكوك مازالت تلقي بظلالها حول نجاح الحكومة، طالما أنها تتضمن بعض الشخصيات التي كانت متورطة بتدهور الأوضاع في هذا البلد.

أعلن مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، يوم 14 سبتمبر 2021، تعليق نظام العقوبات على لبنان بعد تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة. وقال بوريل : “تم تعليق نظام العقوبات الأوروبي بشأن لبنان بعد تشكيل الحكومة وسنزيد المساعدات ونسهل مفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي”. بعد أيام من تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل حكومة، وفي مسعى من بروكسل لتسريع التأليف ووضع إصلاحات بنيوية على سكّة التنفيذ لإخراج البلد من مأزقه، أكد الاتحاد الأوروبي وضع أسس قانونية لـ”فرض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولة عن التعرّض للديمقراطية أو لسيادة القانون في لبنان”. [1]

وسبق أن انتقد مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ، يوم 19 يونيو 2021، السياسيين اللبنانيين للتأخير في تشكيل حكومة جديدة ، محذرا من أن الاتحاد قد يفرض عقوبات على من يقفون وراء الجمود السياسي في البلد الذي ضربه الأزمة. وأدلى جوزيب بوريل بتصريحاته في القصر الرئاسي قرب العاصمة بيروت بعد لقائه بالرئيس ميشال عون. جاءت تصريحات بوريل وسط تقارير في وسائل الإعلام اللبنانية تفيد بأن فرنسا والاتحاد الأوروبي يعدان مقترحات لحظر سفر محتمل وتجميد أصول بعض السياسيين. وقال بوريل إنه يتعين على السياسيين اللبنانيين تشكيل حكومة جديدة بسرعة وتنفيذ إصلاحات والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لبدء إخراج البلد الصغير من أزمته الاقتصادية والمالية المشلولة. [2]

قال الاتحاد الأوروبي يوم 30 يوليو 2021 إنه اعتمد إطارا قانونيا لنظام عقوبات يستهدف أفرادا وكيانات لبنانية بعد عام من الأزمة التي جعلت لبنان يواجه الانهيار المالي والتضخم المفرط ونقص الغذاء والوقود وأعلن الاتحاد الأوروبي في بيان إن الإطار ينص على إمكانية فرض عقوبات على المسؤولين عن تقويض الديمقراطية أو سيادة القانون في لبنان.

ضغوطات أوروبية على لبنان بهدف تشكيل الحكومة
جاء في بيان الاتحاد الأوروبي “من الأهمية القصوى ، أن تنحي القيادة اللبنانية خلافاتها جانبا وتعمل معا لتشكيل حكومة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوجيه البلاد نحو انتعاش مستدام”. بقيادة فرنسا، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف الضغط على السياسيين المتنازعين في لبنان، كجزء من الجهود الدولية الأوسع لإجبار حكومة مستقرة قادرة على تنفيذ إصلاحات حاسمة للخروج من الفوضى السياسية والانهيار الاقتصادي في أعقاب الانفجار الذي دمر ميناء بيروت منذ عام. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية إن “فرنسا مستعدة مع شركائها الأوروبيين والدوليين لزيادة الضغط على السياسيين اللبنانيين لتحقيق ذلك.”[3]

رحبت الولايات المتحدة في أعقاب ذلك بتبني الاتحاد الأوروبي لإطار قانوني لنظام عقوبات يستهدف الأفراد والكيانات المسؤولين عن تقويض الديمقراطية أو سيادة القانون في لبنان. يُنظر إلى نظام العقوبات على أنها ثمرة تعاون بين واشنطن والاتحاد الأوروبي. جاء ذلك وسط تقارير تنبأت بأن الولايات المتحدة قد تتخذ خطوة مماثلة في المستقبل القريب. قال وزير الخارجية أنتوني بلينكين ووزيرة الخزانة جانيت يلين في بيان: “تهدف العقوبات ، من بين أمور أخرى ، إلى فرض تغييرات في السلوك ، وتعزيز مساءلة الفاعلين والقادة الفاسدين. [4]

مضى عام على انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف إلى مستويات قياسية ، هكذا هي درجة الحرارة السياسية في لبنان. لقد عانى أهالي ضحايا الانفجار 12 شهرًا من انعدام المساءلة والتدخل السافر في العملية القضائية. يتصاعد الغضب العام ويهدد بأن يتحول إلى موجة أخرى من الاضطرابات. مع اقتراب الذكرى المؤلمة، أعلن الاتحاد الأوروبي عن إطار عمل “ينص على إمكانية فرض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولين عن تقويض الديمقراطية أو سيادة القانون في لبنان”. الخطوة التي طال انتظارها هي في الواقع طلقة تحذير تهدف إلى الضغط على النخب اللبنانية المتعنتة لإجراء إصلاحات. [5]

تشكيل حكومة ميقاتي وتعليق العقوبات
قال البرلمان الأوروبي ، يوم 16 سبتمبر 2021، إن على الاتحاد الأوروبي أن يفكر في فرض عقوبات على السياسيين اللبنانيين الذين يعرقلون تقدم الحكومة الجديدة، واصفا أزمة لبنان بأنها كارثة من صنع الإنسان. قال منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، للبرلمان الأوروبي، إنه بينما تم كسر النموذج الاقتصادي للبنان، انقضت لحظة العقوبات لأن السياسيين شكلوا حكومة في 10 سبتمبر2021 في إشارة إلى تشكيل حكومة لبنان بعد أكثر من عام من الجمود السياسي ، أصدر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ قرارًا يقول إن حكومات الاتحاد الأوروبي لا يمكنها بعد تخفيف الضغط على البلاد.

وصوت البرلمان 575 لصالحه مقابل 71 ضده وامتناع 39 عن التصويت. وقال قرار مجلس النواب ، غير الملزم ، إن مجلس النواب “يحث القادة اللبنانيين بشدة على الوفاء بوعودهم وأن يكونوا حكومة فاعلة”، عن الحكومة اللبنانية الجديدة التي تعهدت بمعالجة واحدة من أسوأ الانهيارات الاقتصادية في العالم. وحذر مشرعو الاتحاد الأوروبي من أن “فرض عقوبات محددة الهدف لعرقلة أو تقويض العملية السياسية الديمقراطية يظل خيارًا”. [6]

البرلمان الأوروبي يحمل حزب الله مسؤولية زعزعة الاستقرار في لبنان
تبنى البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة قرارًا يوم 19 سبتمبر 2021 ألقى باللوم على حزب الله المدعوم من إيران كأحد الأسباب التي تسهم في زعزعة الاستقرار والفساد في لبنان. تشير الفقرة “س” من القرار إلى أن حزب الله، الذي تم إدراجه كمنظمة إرهابية من قبل العديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي، لا يزال يسيطر على الوزارات الرئيسية في الحكومة اللبنانية على الرغم من تشكيل الحكومة الجديدة بعد استقالة حكومتها السابقة في أعقاب انفجار في مرفأ بيروت أدى إلى مقتل أكثر من 217 شخصًا وإصابة الآلاف وتدمير جزء من العاصمة في 4 أغسطس 2020.

يشير القرار، إلى أن حزب الله أظهر أن لديه “ولاء أيديولوجيًا” قويًا لإيران ويعمل على زعزعة استقرار الحكومة اللبنانية. يقدم القرار المطول قائمة طويلة من مشاكل الأمة على أمل أن تفي الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي – التي تشكلت في 10 سبتمبر2021 بعد أكثر من عام من الجمود – بوعودها الديمقراطية. وإلا فإن القرار يهدد بفرض عقوبات على لبنان “لعرقلة وتقويض العملية السياسية الديمقراطية”.[7]

تخفيف الأزمات
يمكن للحكومة اللبنانية الجديدة أن تخفف من أزمات البلاد من خلال إجراء إصلاحات اقتصادية أساسية. لكن الاقتتال السياسي داخل الحكومة الطائفية سيعيق مرة أخرى قدرة بيروت على تأمين الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي المتدهور بسرعة في البلاد. أعلن رئيس الوزراء اللبناني المكلف نجيب ميقاتي تشكيل حكومة جديدة في 10 سبتمبر 2021 بعد 13 شهرًا من دون حكومة والعديد من المحاولات الفاشلة لتشكيل حكومة. ويتألف مجلس الوزراء من 24 عضوا وهم مزيج من المطلعين السياسيين والتكنوقراط ، بما في ذلك العديد من الوجوه الجديدة.

ومع ذلك ، من حيث الأحزاب والطوائف الممثلة ، لا تزال الحكومة تشبه بشكل عام حكومة كل من رئيس الوزراء السابق حسان دياب وسلفه سعد الحريري ، ما يشير إلى أن حكومة ميقاتي الجديدة ستواجه تحديات مماثلة في تنفيذ الإصلاحات الشاملة اللازمة لتخفيف أزمات لبنان التي لا تعد ولا تحصى.

كشف نجيب ميقاتي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء مرتين من قبل، النقاب عن حكومة مؤلفة من 24 وزيرا، واحدة منهم فقط امرأة. الفريق الجديد بحاجة ماسة إلى إخراج لبنان مما وصفه البنك الدولي بأنه إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية على كوكب الأرض منذ خمسينيات القرن التاسع عشر. وخسرت الليرة اللبنانية أكثر من 90 في المائة من قيمتها مقابل الدولار في السوق السوداء، وارتفع التضخم، وعلقت مدخرات الناس في البنوك. مع انخفاض احتياطيات العملات الأجنبية، تكافح الدولة التي تعاني من ضائقة مالية لمواصلة دعم السلع الأساسية. أصبح البنزين والأدوية شحيحين، ولا تكاد الدولة توفر الكهرباء لمدة ساعتين في اليوم، ويعيش الآن ما يقرب من 80 في المائة من السكان في فقر. قالت مها يحيى، مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط: “ستكون الأولوية الأولى للحكومة فعلاً وقف الانهيار”.

هل الحكومة الجديدة قادرة على إحداث تغيير في الواقع اللبناني
من غير المرجح أن تقوم الحكومة الجديدة بتطبيق تعديلات على هذه المشاكل العميقة الجذور، وأصوات بعض الأحزاب الطائفية التقليدية في لبنان. المشكلة التي تواجه لبنان هي إفلاس الدولة ومديونيتها. وهذا يعني أن هناك تحد أمام حكومة ميقاتي في استعادة الحياة اليومية الطبيعية على الاقل للمواطنين، أي تامين الحاجات الضرورية.

يبقى سد العجز المالي للدولة اللبنانية هو التحدي الأكبر، ويعود ذلك الى تراكم عبء الديون، ناهيك عن عدم تقديم الدعم المالي والمساعدات للشعب اللبناني أو انقاذ الحكومة اللبنانية الحالية، وهذا ما يثير الكثير من الشكوك حول قدرة الحكومة في تخطي الأزمات.

يقول ميقاتي إن هذه “فترة انتقالية نحو التغيير” وأنه يأمل في قيادة حكومة “ستأخذ البلاد نحو الانتخابات وتترك الناس يقررون من يريدون لاحقًا”. ومن المقرر إجراء الانتخابات العامة المقبلة في لبنان في مايو 2022 المقبل إذا لم يتم تأجيلها .
إن لبنان يحتاج بالفعل إلى الدعم الدولي من الأطراف الدولية والإقليمية، وأن لاتؤخذ الأطراف الدولية لبنان بجريرة حزب الله، فما ذنب الشعب اللبناني أن يدفع ثمن ارتباط حزب الله بإيران وتورط الأحزاب الأخرى بالطائفية والفساد، وأن تفرض عقوبات على لبنان، رغم عبء الديون والتحديات. يعيش المواطن اللبناني، قصة تحد يوميا لتوفير متطلباته الضرورية للعيش، منها تامين الطاقة والوقود والخبز اليومي، جميعها تحديات جديدة للمواطن اللبناني. تبقى الشكوك في نجاح حكومة ميقاتي قائمة،في تنفيذ الاصلاحات، كون الحكومة اللبنانية الحالية، مازالت تتضمن أشخاص متورطين في الفساد وتدمير البلد.
ما ينبغي أن يقوم به الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة هو تقديم الدعم إلى الشعب اللبناني مباشرة بالتوازي مع فرض العقوبات على الأشخاص والكيانات بطريقة لا تؤثر على حياة المواطن اللبناني في تأمين قوته اليومي ومتطلباته الضرورية. يمكن فرض العقوبات على الأشخاص والكيانات بتجميد الأموال وحظر السفر.

 

الهوامش:

العقوبات الأوروبية بين الترهيب والترغيب… والإنقاذ بالإصلاح[1] bit.ly/2YcnYQC
[2]EU threatens Lebanese politicians with sanctions over crisis
bit.ly/3B4Duw
[3]EU adopts framework for sanctions on Lebanon to aid formation of a government
bit.ly/3m97u3W
[4]EU adopts framework for sanctions on Lebanon to aid formation of a government
bit.ly/3m97u3W
[5]Here is why the EU should sanction Lebanon’s bankers | Beirut explosion | Al Jazeera
bit.ly/2Y0VRnK
[6]EU lawmakers call for Lebanon sanctions if new government fails
yhoo.it/3ukSALo
[7]Eu-resolution-condemns-iran-hezbollah-for-crisis-in-lebanon/
bit.ly/3EZlbuG
[8]The main challenges facing Lebanon’s new government
bit.ly/3kLNIMq

 

*رئيسة تحرير مجلة عرب أستراليا

زر الذهاب إلى الأعلى