اقتصادالرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

حروب السدود: هل تتجه إثيوبيا وتركيا وإيران إلى معركة مائية؟

محمد تركي بني سلامة - جامعة اليرموك

الملخَّص
نقص المياه مشكلة عالمية، ويتحرَّك العالم بسرعة نحو أزمة المياه العذبة. تتوزَّع الموارد المائية بشكلٍ غير منتظم، ويُعتبَر الشرق الأوسط من أكثر المناطق جفافاً في العالم. ثلاثة أرباع كتلتها الأرضية قاحلة، وتنبع معظم موارد المياه من خارج المنطقة. ستؤدّي الممارسات الحالية المستمرّة إلى إغراق المنطقة في أعمق أزمة، الأمر الذي يخلق ظروفاً تصبح فيها الصراعات والحروب على الموارد الشحيحة على المستويين المحلي أو الوطني أمراً لا مفرَّ منه.
يمكن للتنافس على موارد المياه الشحيحة أن يدفع الدول إلى التفكير في الوصول إلى الماء من مسائل الحياة والموت، وهي قضية تتعلّق بالأمن القومي. توضِّح هذه المقالة الروابط بين المياه والصراع في الشرق الأوسط، مع التركيز على النزاعات حول المياه المشتركة، بما في ذلك أنهار النيل والفرات ودجلة. تمثل إثيوبيا وتركيا وإيران تهديدات لأمن الشرق الأوسط، وقد تؤدّي سياساتهم المائية إلى صراعات عنيفة.
لطالما اعتبِرَت المياه هدية من الطبيعة، وهي المكوِّن الأساسي للحياة التي بدونها لن يكون أي نشاط بشري ممكناً. الصراع على الموارد المائية مستمر منذ بداية الزمن، تعرَّضت الموارد والأنظمة المائية خلال الحروب للهجوم. كانت المياه وأنظمة إمدادها من أسباب الحرب وأدواتها. التاريخ حافل بأمثلة للنزاعات حول موارد المياه المشتركة.
قد يصبح الوصول إلى المياه عاملاً حاسماً في بدء الحروب، وإمدادات المياه هدف الغزو العسكري. هناك ستة متغيّرات تجعل المياه مصدراً للمنافسة الاستراتيجية:
-درجة الندرة.
-عدد الولايات أو المناطق التي تتشارك في موارد المياه.
-القوة النسبية لدول الحوض.
-سهولة الوصول إلى مصادر المياه العذبة البديلة.
-موقع الدولة في الحوض، المنبع أو المصب.
-القوّة الاقتصادية والسياسية والعسكرية للبلاد.
تحدث العديد من الصراعات الدينية والأيديولوجية والجغرافية في منطقة الشرق الأوسط شديدة الجفاف، ولكن في الماضي، كانت هناك موارد مائية وفيرة في وادي النيل في مصر، وفي حوضَي دجلة والفرات في العراق. ولكن حتى في هذه البلدان، أدّى النمو السكاني الهائل، والاستخدام المفرط الحتمي للمياه، وبناء السدود في الروافد العليا لمتجمعات المياه، إلى انخفاض العرض الذي سيؤدّي إلى ندرة شديدة في المستقبل. لذلك، بما أن المياه أدَاة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وبيئية وأهداف أخرى، فإن السّيادة على المياه لا تقلّ أهمية عن السّيادة على الأرض.
المنطقة العربية غنية بالنفط والغاز والموارد المعدنية لكنها تفتقر إلى المياه. في حين أن الحياة بدون النفط قد تكون ممكنة، فإن الحياة بدون الماء ليست كذلك، فقد أصبح الماء مصدَراً للصراع. يعيش ما يقرب من 5 في المائة من سكان العالم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يوجد أقل من 1 في المائة من المياه العذبة المتجدّدة. تُشير التقديرات إلى أنه لا يمكن تلبية 44 في المائة من طلب المنطقة على المياه. علاوة على ذلك، فإن أكثر من 85٪ من موارد المياه في العالم العربي تسيطر عليها تسع دول غير عربية: إثيوبيا، وجنوب السودان، وأوغندا، وكينيا، وزائير، والسنغال، وغينيا، وتركيا، وإيران.
وبالتالي، فإن الأزمة سوف تتفاقم، حيث أن الدول المجاورة قادرة على التحكُّم في تدفق ومستوى الأنهار. يمكنهم أيضاً بناء السدود، وهو ما يؤثر على حصّة المياه التي تحصل عليها الدول العربية، هذا هو الحال بالنسبة لنهر النيل والفرات ودجلة. يأتي ثلثا مصادر المياه في العالم العربي من خارج المنطقة. يؤدّي العجز الديمقراطي في العالم العربي إلى تضييق آفاق حل نزاعات المياه.

مصر والسودان: النيل
ادّعى المؤرّخ اليوناني هيرودوت منذ عدة قرون، أن مصر كانت هدية النيل، وتعتمد كلياً على هذا النهر، وبدون النيل لكانت البلاد صحراء. سيطرت مصر منذ العصور القديمة، على كامل مياه النيل. لكن في عام 2010، عقدت الدول المجاورة اجتماعاً في عنتيبي بأوغندا، واتخذت خطوة غير مسبوقة. ووقّعت ست دول من الدول الثماني على اتفاقية جديدة تمنحها مزيداً من الاستقلال عن القرارات المتعلّقة بمياه النيل. رفضت مصر والسودان، لعلمهما بموضوع الاجتماع، المشاركة.
عُقدت منذ عام 2015، أكثر من 20 جولة من المفاوضات بين مصر وإثيوبيا، وكلّها غير حاسمة. كان الصراع الأساسي حول اللوائح الخاصّة بملء الخزان، مثل المدة الزمنية وكمية المياه. أرادت مصر أن يتم ملء السد في غضون سبع سنوات، وأن يتم ذلك في حزيران/يونيو وتمّوز/يوليو، عندما تهطل الأمطار بغزارة. من ناحية أخرى، أرادت إثيوبيا إنهاء المهمة في غضون سنتين إلى ثلاث سنوات، والعمل الذي تمَّ على مدار العام، على أساس أنه مسألة تتعلّق بالسيادة الوطنية.
المرحلة الأولى، ملء السد بـ 15 مليار متر مكعب من المياه، ستحرم مصر من 25 في المائة من حصّتها. وترفض إثيوبيا مناقشة الحقوق التاريخية. تؤثر الأزمة على الأمن القومي والاقتصاد والزراعة، من بين مجالات أخرى. في حديثه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/سبتمبر 2019، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إنه لن يسمح أبداً لإثيوبيا بفرض “وضع واقعي” من خلال ملء السد دون اتفاق: “بينما نعترف بحق إثيوبيا في التنمية، فإن مياه النيل مسألة حياة ومسألة وجود لمصر”.
إحدى النتائج السلبية المتوقعة هي أنه في غضون خمس سنوات، ستصبح مناطق شاسعة على طول نهر النيل مقفرة، الأمر الذي قد يتسبّب في أضرار أخرى ويترك السد العالي بأسوان غير قادر على توليد الكهرباء، ستعاني البلاد من فقر المياه. توقعت دراسة نشرتها الجمعية الجيولوجية الأمريكية في أيار/مايو 2017 أن يتسبَّب سد النهضة الإثيوبي الكبير في أضرار جسيمة لمصر. ستعاني البلاد من نقص بنسبة 25 في المائة في حصّتها السنوية من المياه إذا تمّ ملء السد في غضون خمس إلى سبع سنوات. وستواجِه دلتا النيل مخاطر بيئية، وستتوقف مشاريع استصلاح الأراضي، وستتوسّع الفجوة الغذائية بسبب النمو السكاني. صُمِّمَ السد ليس فقط لتوليد الكهرباء، ولكن أيضاً بهدف سياسي طويل المدى يتمثل في إضعاف مصر. بعد انهيار المفاوضات بين إثيوبيا والسودان ومصر برعاية أمريكية في أيار/مارس 2020، بعث رئيس إثيوبيا، سهل وورك زودي، برسالة إلى الشعب الإثيوبي:
“السد هو أكثر من مجرّد مشروع تنموي جاء عندما تم إطلاق برنامج جمع الأموال من المجتمع لدعم السد … سد النهضة هو سلاح إثيوبيا العظيم للتغلُّب على الفقر وإحياء الأمل في التنمية المستقبلية”.
نُوقِشَتْ الآثار الضارّة لسد النهضة الإثيوبي على مصر بشكل متكرّر، ومع ذلك، فقد قيل القليل عن مساوئها بالنسبة للسودان. ونتيجة لهذا السد، فإن هذا البلد سيحصل أيضاً على كميات أقل من المياه، الأمر الذي يؤدّي إلى أضرار اقتصادية واجتماعية وبيئية، بما في ذلك نقص المياه الجوفية وانتهاء سلسلة من مشاريع الري. كما أنه سيؤدّي إلى توتر سياسي. من شأن السد أن يفيد إثيوبيا على حساب كل من السودان ومصر، وهو ما يُمَكّن أديس أبابا من تحويل توازنها الجغرافي الاستراتيجي في المنطقة. وستكون إثيوبيا قادرة أيضاً على تعزيز موقعها الإقليمي من خلال التحكُّم في وسائل العيش للدول التي تتقاسم حوض النيل الشرقي. السد مشروع سياسي لا يستفيد منه كل الاطراف في المنطقة. علاوة على ذلك، يبعد السد حوالي 12 كيلومتراً عن الحدود السودانية. إذا انهار، فسيتم تدمير السودان بالكامل. هذا هو أخطر تهديد يمثله.
لا تقتصر التحدِّيات التي تواجهها مصر والسودان على مشاريع السدود في إثيوبيا. يتم تنفيذ بناء سد مماثل في بلدان أخرى حيث يتم توليد موارد النيل -أوغندا وتنزانيا ورواندا والكونغو. ويتم حالياً إنشاء 25 سد على النيل.

تركيا والفرات ودجلة
تُعد تركيا فيما يتعلق بالموارد المائية، من بين أغنى البلدان في المنطقة. ومع ذلك، فإنها تستخدم ثروتها للضغط على جيرانها العرب، وتسعى جاهدة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية. في حين أن النيل مهم لمصر والسودان، فإن نهرَي دجلة والفرات لا يَقلان أهمية بالنسبة لسوريا والعراق. تؤثر مشاريع السدود التي تنفذّها تركيا على هذين النهرَين على كمية المياه التي تستقبلها سوريا والعراق. يمكِن لتركيا التأثير على جيرانها العرب من خلال تحويل المياه أو التهديد بذلك.
بدأت تركيا في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، في وضع خطط لاستغلال نهرَي دجلة والفرات لتوليد الكهرباء، ورَي الأراضي الزراعية الجديدة، وتحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية. خطّطت تركيا فيما يسمّى بمشروع جنوب شرق الأناضول، لإنشاء عدّة سدود على نهرَي دجلة والفرات.
الأول، يُسمىّ كيبان، تأسّس على نهر الفرات عام 1974. ووفقاً لالتزامات تركيا تجاه البنك الدولي، تم ملء هذا السد ببطء وتدريجياً، وهو ما قلّل من الآثار السلبية على سوريا والعراق.
في عام 1981، بدأت تركيا في بناء رابع أكبر سد في العالم، أتاتورك. رفض البنك الدولي نظراً لحجمه وتأثيره على سوريا والعراق، تمويله ما لم يتم التوقيع على اتفاقية من قبل الدول الثلاث -تركيا وسوريا والعراق.
قطعت تركيا بعد الانتهاء من بناء السد في عام 1990، إمدادات المياه عن العراق وسوريا، معتبِرة ذلك قراراً سيادياً. كان بإمكان تركيا أن تفعل ما فعلته بسد كيبان، بملئه تدريجياً، دون قطع المياه بالكامل. ومع ذلك، أرادت أنقرة أن تشكِّل تهديداً لجيرانها، وخاصّة سوريا.
كافح العراق وسوريا بعد قرار تركيا بقطع المياه، مع العواقب. انخفض توليد الكهرباء، وتضرَّرت أراض زراعية واسعة، ونتج عن ذلك نقص في مياه الشرب. اقترح الرئيس التركي تورغوت أوزال في ضوء هذه الأزمة، مشروع خط أنابيب السلام لنقل المياه إلى الدول العربية وإسرائيل. لكن العرب عارضوا المشروع لأنه سيفيد إسرائيل أيضاً.
يمكن الاستنتاج أن تركيا تهدف إلى استخدام وفرة مواردها المائية لتحقيق أهداف استراتيجية من خلال إبراز دورها المحوري في الشرق الأوسط، وحتى إحياء الإمبراطورية العثمانية. تهدف تركيا على المستوى الاقتصادي، إلى الاستفادة من مواردها المائية الوفيرة لتعويض نقص النفط. أشار الرئيس التركي سليمان ديميريل إلى ذلك في عام 1992، عند افتتاح سد أتاتورك لأول مرّة: ” لا يمكن لسوريا أو العراق المطالبة بملكية أنهار تركيا أكثر مما تستطيع أنقرة المطالبة بنفطها. هذه مسألة سيادة. موارد المياه لتركيا، ومصادر النفط هي مواردهم. نحن لا نقول إننا نشارك مواردهم النفطية، ولا يمكنهم القول إنهم يشاركوننا مواردنا المائية”.

سياسة إيران تترك العراق جافّاً
يُعتبَر نهرا دجلة والفرات من مصادر المياه الرئيسية في العراق. كانت الأرض الواقعة بين النهرين منذ زمن السومريين تُروى قبل 7500 عام، عن طريق القنوات لزراعة القمح والشعير. هذه الأنهار هي المصادر الرئيسية لمياه الشرب والمياه الزراعية في المنطقة، وبالتالي فهي مصدر رئيسي للصراع.
تمثل الموارد المائية التي تنبع من إيران ما يقرب من 35 في المائة من إجمالي موارد المياه السنوية في العراق. كانت هذه التجارة خلال النصف الأول من القرن الماضي، دون عوائق. ومع ذلك، نُفِّذَتْ سياسة حرب المياه في الخمسينيات من القرن الماضي، عندما بدأت إيران في بناء العديد من مشاريع تحويل الأنهار والسدود في المناطق المتاخمة للعراق لأغراض الري. وقد أدّى ذلك إلى انخفاض التدفق الطبيعي للمياه إلى العراق. وزعم المسؤولون الإيرانيون أن لإيران كل الحق في استخدام المياه داخل حدودها. واحتج العراق على أن تصرُّف إيران الأحادي يُعد انتهاكاً خطيراً للاتفاقيات الدولية التي تحث على احترام حقوق دول المَصَبّ. وزعمت بغداد أنه عمل عدواني ينتهك حقوق العراق التاريخية في هذه المياه. ومع ذلك، لم تُعَد الاتفاقيات والاتفاقيات أكثر من حبرٍ على ورق. وواصلت إيران تجاهلهما وتجاهلت الدعوات الدولية لوقف الإبادة الممنهجَة للشعب العراقي.
تُواصِل إيران، وهي دولة منبع، سياسة العطش التي تستهدف الطبيعة والبشر في العراق. لقد أضرَّت السدود ومشاريع النقل والزراعة على الجانب الإيراني من أحواض الأنهار المشتركة مع العراق بنوعية وكمية الموارد المائية لهذا الأخير. وصلت على مدى العقدين الماضيين، كمية أقل من المياه إلى نهر دجلة من الجانب الإيراني نتيجة لبناء السدود على أنهار الروافد التي تغذّي العراق، والأهم من ذلك، الزاب الصغير، والكرخ، وكارون، والوند، وديالى.
وفقاً لتقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش، بين عامي 2011 و2019، بُنِى حوالي 12 سداً على نهر سيروان، الذي يغذّي رافد ديالى. بُنِى بين عامي 2011 و2017، حوالي خمسة سدود على رافد الكرخ. وبُنِى في عام 2012، مبنى ضخم، على رافد كارون، وهو المسؤول تقريباً عن 75 بالمائة من استهلاك البصرة. كما ساهمت سياسة السدود الإيرانية في تقليص مساحة الأهوار التاريخية في جنوب العراق ونهر شط العرب.
قطعت إيران في السنوات العشر الماضية، حوالي 35 رافداً رئيسياً يمر عِبر العراق، واستحوذت على 80 في المائة من هذه المياه. لم تَقُم إيران بإغلاق هذه المياه العذبة فحسب، بل استخدمت أيضاً روافد جافة لدفع المياه المالحة إلى الأراضي العراقية، وهو ما أدّى إلى إغراق جزء كبير من الحدود بين العراق وإيران في البصرة، بما في ذلك المراكز الحدودية. وقد أجبر ذلك على التراجع إلى أعماق العراق هرباً من الأذى والفيضانات المحتمَلة. في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، وصلت المياه الملحية من إيران إلى مستوى غير مسبوق، مهدِّدة بانهيار سد ترابي بدائي (من مخلفات الحرب العراقية الإيرانية). وهدَّد التدفُّق المالح بتلوُّث البصرة التي تعاني أصلاً من الملوحة والتصحُّر وانكماش الأراضي الزراعية والتلوُّث النفطي وزيادة معدَّلات الإصابة بالسرطان.
اندلعت النزاعات المحلية نتيجة لندرة المياه بين مستخدِمي المياه. تشهد منطقتَي الفرات الأوسط وجنوب الفرات تصعيداً في الخلاف القبَلي على شحّ المياه.
تقاتلت العشائر في السنوات القليلة الماضية، فيما بينها لتأمين حصَص المياه لري أراضيها. وتقول الشرطة إن معدَّل الجريمة ارتفع بنسبة 40 في المائة في المناطق الريفية نتيجة تدَهور الزراعة. كما تسبَّب الجفاف وندرة المياه في حدوث نزوح داخلي وتوسُّع حضَري غير مخطَّط له. قدّر مراقبون من المنظّمة الدولية للهجرة أن 4،263 أسرة (25،578 فرداً) قد نزَحت بسبب آثار الجفاف المستمر في العراق، ومعظمهم يهاجرون إلى المراكز الحضرية، الأمر الذي يُلقي ضغطًاً إضافياً على الخدمات العامة التي تعاني بالفعل من النقص.
لم يضع العراق منذ منتصف القرن الماضي حَلّاً نهائياً للأزمة المتكرِّرة التي أصبحت ورقة رابحة في أيدي دول المنبع وتركيا وإيران لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من خلال السيطرة المطلَقة على نهرَي دجلة والفرات. يبدو أن الحكومات العراقية قد فشلت في التوقيع على اتفاقية ملزمة مع الجارتين من شأنها أن تضمن بشكلٍ دائم حقوق بلاد ما بين النهرين. لم تفعل الحكومة العراقية شيئاً لإصلاح مشاكلها مع إيران، التي أمضت العقود القليلة الماضية في بناء السدود -حوالي 600، مع تخطيط 13 أخرى -بعضها للتحكُّم و “إنقاذ” المياه التي تدخل العراق، وخاصّة الروافد والأنهار. لا توجد اتفاقية مشارَكة بين طهران وبغداد حول نهريهما المشتركين، ولا توجد شهية سياسية لتنفيذ حل طويل الأمد.
الوضع الداخلي في العراق وثيق الصلة هنا. وعلى الرغم من تجاوزات المياه الإيرانية الناجمة عن الحصار الخانق للأراضي الرئيسية والمواسم الزراعية، لم تشتك الحكومة المركزية من السلوك الإيراني، رغم الاتفاقيات الدولية التي تنظِّم تدفُّق المياه بين الدول. وشدَّدت اللقاءات غير المثمِرة بين بغداد وطهران في هذا الصدد على توفير تسهيلات كبيرة والتطبيع الكامل. غالباً ما يتم تجنُّب الإشارة إلى الضرر الذي أحدثته إيران والمسؤولية الكاملة لأنقرة عن حرمان العراق من المياه العذبة، وفي حين تُعقد لقاءات متكرِّرة مع المسؤولين الإيرانيين لتحسين التبادل التجاري أو التنسيق السياسي، لم تتم معالجة مشكلة المياه. وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة التي تربط السلطة العراقية الجديدة بطهران، فإن الأخيرة لا تراعي المصالح العراقية. يَزعم الإيرانيون أنهم يدعمون العراق، وأنهم “أصدقاء” في السياسة، لكنهم في الواقع معادون وينفذون السلوك غير القانوني بكل أنواعه. َتعمل إيران على تأجيج العداء المائي مع العراق على الرغم من خطابها الرسمي. ولم تسفر المحادثات مع طهران حول تدفُّق الروافد الإيرانية خلال العامين الماضيين عن أيّ تنازلات.

سلاح سياسي ضد العرب
يؤدّي التفاعل بين ثلاثة عوامل إلى تفاقم قضية المياه، الأمر الذي يؤدّي إلى احتمال نشوب حرب في المستقبل القريب:
-تقع الأنهار الرئيسية وروافدها ومواردها ومجاريها المائية خارج سيطرة الدول العربية. فمصر والسودان، على سبيل المثال، تعتمدان كلياً على النيل، الذي ينبع من دول أجنبية.
هذا هو الحال أيضاً بالنسبة لنهرَيّ دجلة والفرات، اللذين ينشآن في تركيا. الأنهار لا تحترم الحدود، وكل نهر رئيسي في المنطقة يَعبر الخطوط الدولية.
-هناك انخفاض تدريجي ومستمر في كمية مياه الأنهار التي يمكن للدول العربية الوصول إليها. وقد حدث هذا منذ أن قرّرت دول المصدَر -تركيا وإثيوبيا وإيران -تنفيذ مشاريع متعلقة بالمياه وإنشاء سدود كبيرة.
-تعاني معظم الدول العربية من عدم الاستقرار السياسي. وهذا يشجّع الدول الأخرى التي لديها سلطة على الموارد المائية على استخدامها لممارسة الضغط على الدول العربية التي لا تملك القوّة لمقاومة هذه الضغوط.
تسود في الوقت الحاضر سياسة “الأمر الواقع” في الشرق الأوسط، وهو ما يسمح لدولة واحدة بالسيطرة على موارد المياه دون مراعاة حقوق الآخرين. ليس لأيّ من الاتفاقيات المتعلّقة بحقوق المياه أيّ تأثير كبير. الاتفاقات النافذة هي تلك التي تفضّلها الدول التي لها قوّة عسكرية. إنهم لا يرضون الأمم على الروافد العليا للأنهار.
يدرك سكان المنطقة العربية جيداً العلاقات بين النزاعات السياسية والإقليمية والموارد المائية للبلدان المشاركة فيها. تَستخدِم تركيا وإثيوبيا وإيران المياه لتحقيق أهدافها السياسية، وممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الدول المتبقية في المنطقة. وعلى الرغم من العلاقات الجغرافية والتاريخية بين العرب وتركيا، وكذلك مع إثيوبيا وإيران، فقد شكَّلت هذه الدول الثلاث مؤخّراً تحالفاً يهدّد الأمن المائي للمنطقة العربية.
من ناحية أخرى، تمارس تركيا سلطتها على نهرَيّ دجلة والفرات، في حين أن مسؤوليها يتخيَّلون الإمبراطورية العثمانية. لدى أنقرة طموحات سياسية واقتصادية في المنطقة، والنهران أداتان لتحقيقها. خطّطت تركيا لإنشاء عدة سدود وتحويل المناطق المحيطة إلى مركز لزراعة الحبوب والفواكه والخضروات التي يمكن أن تلبّي احتياجات دول المنطقة. علاوة على ذلك، ولإرضاء الولايات المتحدة وإسرائيل، اقترحت تركيا تنفيذ مشروع خطوط أنابيب السلام: بناء خَطَّي أنابيب لنقل المياه من تركيا إلى دول أخرى في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل.
لطالما ارتبط الصراع بين إثيوبيا من جهة ومصر والسودان من جهة أخرى بتناقضات حادّة في السياسة الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، عكست معالجة قضية المياه من قبل الطرفين على الدوام علاقتهما المعقدة. وعلى الرغم من تغيير النظام الإثيوبي، إلا أن إثيوبيا لم تتخلَّ عن مشاريعها لحرمان مصر والسودان من حصّتهما من مياه النيل. اليوم، يساعد خبراء إسرائيليون إثيوبيا في إنشاء السدود، وأهمها سد النهضة الإثيوبي الكبير. هذا الأمر مهم من الناحية الاستراتيجية لإسرائيل، لكنه قد يكون كارثياً لمصر والسودان.
من المرجَّح أن يدخل العراق في نزاع رئيسي على المياه مع إيران، حيث تسبَّبت ندرة المياه في مشاكل اجتماعية وسياسية وأمنية كبيرة للعراق. ويُحمِّل إيران مسؤولية تحويل الأنهار التي تصب في نهرَيّ دجلة والفرات، وكذلك بناء السدود في انتهاك للقانون الدولي. تعتقد إيران أنه يمكن حل المشكلة من خلال “دبلوماسية المياه” الاستباقية مع العراق، لكنها تعترف بأن مثل هذه السياسة غير موجودة.
لا يوجد حل واضح لكيفية إدارة أزمة المياه في إيران على طول حدودها مع العراق. وبدلاً من مواجهة المشكلة، تفضِّل إيران عموماً التعامُل مع نزاعات المياه مع العراق باعتبارها قضية داخلية وليست إقليمية. غالباً ما تتجاهَل إيران المعايير الدولية ذات الصلة التي تنطبق على الدول التي تدير المياه المشترَكة، معتبِرَةً ندرة المياه على طول حدودها مع العراق مسألة تتعلّق بالأمن القومي.
يواجِه العراق حالياً نقصاً مزمناً في المياه، ومن المتوقَّع أن يتفاقَم في المستقبل. ستُسهِم سياسة طهران في نضوب المياه في العراق حيث تواجِه البلاد انخفاضاً سريعًا ومستمرّاً في مواردها المائية. فقدَ العراق خلال العقود الثلاثة الماضية، ما يقرُب من نصف المياه التي كان يتمتّع بها خلال النصف الأول من القرن الماضي.
يمكن للمرء أن يتوقع وفقاً لمؤشِّرات المياه العالمية، وأبرزها مؤشِّر الإجهاد المائي، أن يكون العراق أرضاً خالية من الأنهار بحلول عام 2040، وأن النهرين العظيمين لن يصِلوا إلى مصبّهم النهائي في البحر. ستكون ملامح الجفاف الشديد بعد خمس سنوات من الآن، في عام 2025، واضحة للغاية في جميع أنحاء العراق: جفاف شامل في نهر الفرات إلى الجنوب، وتحوُّل نهر دجلة إلى مَمرّ مائي صغير بموارد محدودَة. يُعتبر انخفاض التدفُّق في النهرَين أزمة وطنية وسيكون لها عواقب سلبية وخيمة على الصحة والبيئة والصناعة والتنمية الاقتصادية.
العراق في موقفٍ صعبٍ حيث يحاول إعادة بناء نفسه بعد عقود من الحرب والحكم الديكتاتوري. مشاكل نقص المياه الحالية ناتجة عن عوامل مختلفة، بما في ذلك السياسات التركية والإيرانية. العراق في حاجة ماسّة إلى سياسة فعَّالة للمياه العذبة، وهي المفتاح لتحقيق الأمن القومي وكذلك الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

اقتراحات للتغلُّب على الأزمة
إن أزمة المياه هي قضية إقليمية ودولية لا يمكن حلّها إلا من خلال التعاون في تنمية الموارد المائية وترشيد استخدامها. بهذه الطريقة، يمكن حَلّ العديد من القضايا الصعبة، مثل التنمية الاقتصادية والأمن، وكذلك القضايا المتعلّقة بالحدود والبيئة. قضية المياه أمر حيوي لجميع البلدان وفي المنطقة. كانت مهِمّة حتى في الماضي، حيث كانت المياه سبب معظم النزاعات في المنطقة، وستكون أحد محدِّدات التغيير في المستقبل. وبالتالي، فإننا نقدّم الاقتراحات التالية:
المستوى الدولي
يجب على دول الشرق الأوسط التي تفتقر إلى الموارد المائية أن تتبنّى سياسات جديدة لاستخدامها الفعّال، على سبيل المثال، من خلال اعتماد التكنولوجيا الحديثة لتحلية مياه البحر والمياه قليلة الملوحة للاستخدام المنزلي. يُمكن لدول الشرق الأوسط الاستثمار في محطّات تحلية المياه، وإجراء تحسينات في أساليب الري، وتحويل موارد المياه إلى النمو الصناعي، وهو أقل استهلاكاً للمياه من الزراعة، وبالتالي تشجيع الممارسات الزراعية الأفضل وتطوير المؤسّسات المحلّية للاستخدام المستدام للمياه.
المستوى العربي
لا يمكن للدول العربية اللجوء إلى الخيارات العسكرية في ظل أوضاعها الداخلية والوضع الإقليمي بشكل عام. إن استخدام القوّة العسكرية في الوقت الحاضر، ليس خياراً قابلاً للتطبيق. هناك عدد من الحقائق والظروف التي ستؤثر بشكلٍ كبيرٍ على أي قرار يتعلّق باستخدام القوّة العسكرية، فضلاً عن تداخُل العلاقات الإقليمية والمشاكل الداخلية لدول الشرق الأوسط. ما هو الخيار إذاً الذي يمكن أن تلجأ إليه الدول العربية سياسياً ودبلوماسياً؟ هل ستؤتي ثمارها في ظل خطاب إثيوبيا وتركيا وإيران الذي يؤكد أن قضايا المياه هي من صميم سيادتها على الأراضي والمياه؟
إضافة إلى ذلك، يمكن للدول العربية اللجوء إلى خلق أوراق ضغط سياسية ودبلوماسية لتعزيز عدالة قضاياها ونزاهة مواقفها، بما في ذلك الذهاب إلى مجلس الأمن والتحكيم الدولي لحل الخلافات، وكذلك اللجوء إلى الإجراءات الدولية والإقليمية. بالإضافة إلى الأمم المتحدة، بما في ذلك منظّمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي.

التقنيات
مواجهة الموضوع بأسلوب قومي يقوم على استراتيجية مائية شاملة. يجب أن تكون هذه الاستراتيجية علمية واستشرافية بهدف ترشيد استهلاك المياه. كما يجب أن تتضمّن إقامة سدود مشتركة للحفاظ على المصالح الحيوية للدول العربية وحمايتها من المخاطر الوجودية.
إنشاء هيئة دولية على غرار أوبك. ستكون مثل هذه الهيئة الإقليمية ذات الطابع الدولي مسؤولة عن حل قضية المياه. يمكِن أن يتم ذلك من خلال التعاون والتنسيق وتشجيع الدول الأعضاء لتوفير الظروف المناسبة لتقاسم موارد المياه بشكل عادل ومعقول.
بناء الثقة بين الدول العربية وتركيا وإثيوبيا وإيران. ويتم ذلك من خلال الاتفاق على اتفاقيات شاملة ومشتركة تتعلّق ببناء السدود وردمها. يجب أن يكون لدى الأطراف نهج مشترك وأن يكرِّسوا جهودهم للتعاون وتقاسم الموارد لتجنُّب النزاعات في المستقبل. يجب أن تكون هذه البلدان أكثر عزماً على تقاسم موارد المياه بدلاً من تقسيمها.
تشجيع مصر على التوصُّل إلى اتفاق مع السودان في القضايا السياسية والمتعلِّقة بالمياه.
بالإضافة إلى ذلك، يجب إيجاد حل لقضية حلايب. إذا حدث ذلك، يمكِن للبلدين إقامة تعاون وتضامُن وتكامُل في الزراعة وغيرها من المشاريع المشتركة.
وضع خطّة يمكن بموجبها للعراق وسوريا مواجهة إيران وتركيا. سيتم تخفيف الضّرر الواقع على كلا البلدين، كما سيتم حل الصراع مع تركيا. وهذا من شأنه أيضاً أن يُحبِط استراتيجيات إيران وتركيا في أن تصبحا قوى عظمى في المنطقة على حساب الدول العربية الإقليمية.
بناء قدرة عربية داخلية. هذا سيكون له جوانب عسكرية وغذائية ومائية ويمكن تأسيسه من خلال الوحدة. يمكن أن تكون إما جزئية أو مؤقتة ويتم إنشاؤها من خلال التضامن والتكامل. لكن للأسف، نحن نعيش في زمن يسود فيه منطق القوّة. وكما قال الشاعر العربي المتنبي ذات مرّة: “لقد كان السيف دائماً الجانب الحقيقي في كل الصفقات والمعاهدات”.

استنتاج
تتطلّب أزمة المياه في منطقة الشرق الأوسط والتحدّيات المصاحبة التي سيواجهها سكانها في المستقبل من صانعي القرار مواجهة هذه القضية من خلال التعاون المشترك. وهذا من شأنه ضمان مستقبل آمِن ومزدهر للأجيال القادمة.
لكل الدول المحيطة بوادي النيل ونهري دجلة والفرات الحق في التطوُّر والازدهار. الطريقة الأكثر فعّالية لضمان الرخاء المشترك ليست أن يَفرض أحد الأطراف إرادته على الآخرين، ولكن أن يتفق جميع الأطراف. وبهذه الطريقة، فإن المكاسِب من التعاون تفوق الخسائر في حالة الصراع. يَقبل المصريون والسودانيون والسوريون والعراقيون أن على شركائهم في النيل والفرات ودجلة إنشاء محطات لتوليد الكهرباء. ومع ذلك، فهم غير مستعدّين للسماح لهم ببناء سدود من شأنها أن تسبب عجزاً مائياً. بالإضافة إلى ذلك، سيؤدّي النمو السكاني والتنمية الاقتصادية لهذه الأحواض إلى زيادة الطلب على المياه، وهذا بدوره سيزيد من التوترات، ويؤدّي إلى تفاقم الصراعات، بل ويؤدّي إلى الحرب.
أخيراً، في حين أن المياه هي سبب الصراع في هذه المنطقة، وعدم الاستقرار السياسي وكذلك الاقتصادي والاجتماعي، يمكن أن تكون أيضاً مفتاح التنمية والازدهار والرفاهية. بل يمكن أن تكون مصدر تعاون وشراكة، وأساساً للاستقرار، إذا تمَّ التعامل معها بحكمة وعقلانية، دون مواقف هيمنة أو سيطرة.

الرابط الأصلي:
https://www.researchgate.net/publication/351492987_Dam_Wars_Are_Ethiopia_Turkey_and_Iran_Leading_to_Water_Armageddon

ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري

زر الذهاب إلى الأعلى