الرئيسيمقالات

الاستخبارات التركية ـ عمليات تصفية ضد المعارضة وشبكات تجسس واسعة حول العالم

جاسم محمد

مازالت حكومة أردوغان تعتمد في علاقاتها، على السياسات الصلبة وفرض الأمر الواقع والتدخل العسكري، وتصفية المعارضين والتجسس، وهذا ما يفقد تركيا الكثير من مصداقيتها في علاقاتها الدبلوماسية حول العالم، إقليميا ودوليا.
أعلن مكتب الادعاء الألماني، يوم الأول من أكتوبر 2021 ، أنه يحقق مع رجل تركي اعتقل في دوسلدورف للاشتباه في أنه تجسس على أنصار حركة رجل الدين فتح الله غولن أثناء عمله نيابة عن المخابرات التركية. تم القبض على المشتبه به، الذي تم تحديده فقط على أنه “علي د.” تماشيا مع قواعد الخصوصية الألمانية، في فندق دوسلدورف في 17 سبتمبر2021 بعد أن عثرت الشرطة على سلاح بحوزته. وقال مكتب الادعاء الفيدرالي، بأنه تسلم القضية من المحققين في دوسلدورف.

وأعلن أيضا، مكتب الادعاء في بلجيكا في الأول من أكتوبر 2021 ـ  الانتهاء من التحقيق في بلجيكا حيال محاولة اغتيال القادة الكرد، والتي تستمر فيها التحقيقات منذ عام 2017 واكتمل التحقيق الذي بدأ في بلجيكا، حيال محاولة اغتيال الرئيس المشترك لمؤتمر الشعب KONGRA-GEL رمزي كارتال وعضو المجلس التنفيذي لمنظومة الحزب الكردستاني KCK، زبير أيدار؛ حيث يتضمن التحقيق أدلة دامغة وإثباتات وصلت إلى أنقرة، رغم وجود قرار “السرية” بعدم الكشف عن حيثيات الملف. ووفقاً للمعلومات الواردة من مصادر مطلعة على القضية، ادعى المدعي العام البلجيكي في البداية “بشكل غريب” أنه لا توجد حاجة للتحقيق وطلب إغلاق القضية. وتم تأجيل قرار إغلاق القضية أو فتحه الذي اتخذته محكمة بروكسل الابتدائية في 27 ابريل 2021.

كشف ملف قضية يتعلق باختراق وكالة المخابرات الوطنية التركية (MIT) تفاصيل مهمة حول كيفية استخدام وكالة التجسس التركية للصحفيين كعملاء، وإنشاء منافذ إخبارية لجمع المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الصحفيين الأجانب واتصالاتهم. أعطت تصريحات مصطفى أوزر، المصور الصحفي البالغ من العمر 47 عامًا والذي عمل مع وكالة رويترز قبل الانضمام إلى وكالة فرانس برس في عام 2003، أدلة على طريقة عمل جهاز المخابرات التركي في استخدام الصحفيين والإعلاميين كوكلاء وأصول ومخبرين.

هذه الممارسات ، التي لا تزال مستمرة حتى اليوم ، قوضت بالتأكيد مصداقية الصحفيين الأتراك ووجهت ضربة خطيرة لنزاهة المنافذ الإخبارية ، التي من المفترض أن تعزز المصلحة العامة ضد إساءة استخدام سلطة الحكومة في المراقبة والتنميط غير القانوني للأشخاص المطمئنين. تم القبض على أوزر في حملة لمكافحة الإرهاب أطلقها مكتب المدعي العام في اسطنبول في ديسمبر 2011 والتي استهدفت شبكة حزب العمال الكردستاني المحظور، اكتشفت الشرطة أنه كان على اتصال بمشتبهين معروفين في القضية الجنائية، وتواصل مع أشخاص كانوا تحت المراقبة، وأرادوا إحضاره للاستجواب حول أنشطته.

تطبيق هاتفي تركي لغرض التجسس ـ  EGM

طورت وكالة المخابرات التركية تطبيقا هاتفيا يسمى EGM  حيث بإمكان أي مواطن تركي يعيش في ألمانيا الإبلاغ عن أي شخص  بغض النظر عن جنسيته ـ ينتقد تركيا، سواء شفهيا أو عبر الإنترنت. وتقوم قوات الأمن التركية بدورها بأرشفة الإخطارات وإصدار مذكرات توقيف بحق الأشخاص المبلغ عنهم، وإرسال أسمائهم إلى المعابر الحدودية والمطارات بهدف القبض عليهم بمجرد دخولهم الأراضي التركية. داهمت الشرطة الألمانية مقر شركة في مدينة ميونيخ، بعد انتشار مزاعم عن بيعها تركيا برمجيات تجسس حساسة لاستخدامها ضد الأحزاب المعارضة في يونيو 2020.

كشف تسريب وثائق سرية عن نظام المراقبة المعقد الذي نشرته حكومة رجب طيب أردوغان في تسعة عشر دولة على الأقل لإبقاء الأفراد المنتقدين للنظام تحت السيطرة. تصف الوثائق التي حصلت عليها نورديك مونيتور هيكلًا معقدًا يضم عملاء استخبارات وشرطة وحتى موظفين دبلوماسيين. وفقًا للبحث الذي أجراه الصحفي عبد الله بوزكورت ، كانت أنقرة تجمع معلومات استخبارية عن أفراد محددين – مواطنين أتراك يعارضون انجراف أردوغان الشمولي – في حوالي 20 دولة في عدة قارات منذ سنوات.

اتفاقية فينا للعمل الدبلوماسي لسنة 1961 ـ مادة 9 ـ تجسس

تنص (المادة 09 ) للدولة المعتمد لديها في أي وقت وبدون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس أو أي عضو من طاقم بعثتها الدبلوماسي أصبح شخصا غير مقبول أو أن أي عضو من طاقم بعثتها (من غير الدبلوماسيين) أصبح غير مرغوب فيه، وعلى الدولة المعتمدة أن تستدعي الشخص المعني أو تنهي أعماله لدى البعثة وفقا للظروف، ويمكن أن يصبح الشخص غير مقبول أو غير مرغوب فيه قبل أن يصل إلى أراضي الدولة المعتمد لديها.

الاستنتاج

بات معروفاً، ان دول العالم جميعا، لديها أنشطة استخبارات، وتتركز مهامها في حماية الأمن القومي من أية تهديدات محتملة من الخارج والداخل، ولكن ما يحصل مع الاستخبارات التركية هو استخدام مفرط للاستخبارات بالتوازي مع استخدام القوة الصلبة والجيش، لأغراض التوسع “القومي” لحكومة أردوغان.

إن سياسات أنقرة منذ عام 2016 شهدت منعطفا خطيرا، خلاله خسرت تركيا دبلوماسيتها، وخسرت أيضا علاقاتها الدبلوماسية على المستوى الإقليمي والدولي، وذلك من خلال اتباع سياسة فرض الأمر الواقع، والتدخل العسكري، والتجسس ، وتصفية المعارضين في الداخل والخارج.

لقد تحولت تركيا بالضبط إلى نظام شمولي بامتياز، وهذا بدون شك يضر في سمعة تركيا ومصالحها وعلاقاتها الدبلوماسية حول العالم، خاصة إذا تحدثنا عن علاقات حكومة أردوغان مع الاتحاد الأوروبي.

ومايعقد الأمر اكثر أن أغلب عمليات التجسس، ضد المعارضة التركية والكرد وجماعة غولن، كانت موثقة بالشهادات والاعترافات، وهذا ما يضعف موقف حكومة أردوغان كثيرا.
السؤال، كيف تتعامل الحكومات، خاصة أوروبا مع أنشطة الاستخبارات التركية؟ هل الاستخبارات الأوروبية على دراية بأنشطة عملاء تركيا وشبكة استخباراتها في أوروبا؟
بدون شك، الاستخبارات الأوروبية، على دراية، واطلاع بأنشطتها، ولكن يبدو أن الاستخبارات الأوروبية تعتبر تجسس أو استهداف الاستخبارات التركية للمعارضين والكرد وجماعة كولن،أهدافا لا تمثل درجة عالية من الخطورة على أمن أوروبا ـ من وجهة نظر الاستخبارات الأوروبية والأخذ بالاعتبار أن تركيا هي واحدة من دول الناتو، ومعلومات وتفاصيل الأمن والدفاع في الغالب مشتركة مع تركيا ولا تحتاج للتجسس على بعضها.

وهذا ماكان واضحا في رد فعل الاستخبارات الأوروبية ضد أنشطة الاستخبارات التركية في أوروبا، عندما يتعلق الأمر بتجنيد موظفين في دوائر الهجرة واللجوء ومؤسسات حكومية أوروبية بهدف الحصول على قوائم المعارضة التركية في أوروبا، وهذا ما لم تتهاون به الاستخبارات الأوروبية وتكشف عنه.
ولا يستبعد أن يكون هناك أيضا تراخٍ من قبل الحكومات الأوروبية في تعقب أو الكشف عن أنشطة الاستخبارات التركية، ماعدا فرنسا، وهذا يمكن أن يكون بسبب المواقف السياسية لدول أوروبا مع أنقرة، وهذا يعني أن عدم الكشف عن انشطة الاستخبارات التركية في أوروبا مرتبط بالموقف السياسي، أكثر من السلطات التنفيذية أو ما تكشفه أجهزة الأمن والاستخبارات الأوروبية.
وليس مستبعدا، أن تكون هناك “مقايضة” أو ربما، غض نظر مقصود من دول أوروبا للكشف أكثر عن أنشطة الاستخبارات التركية غير القانونية في أوروبا، وهو “مساومة” أردوغان أوروبا حول ” ملف الهجرة”. يبدو أن حكومة أردوغان مستمرة في سياستها، الصلبة، فرض الأمر الواقع، والتدخل العسكري وتصفية المعارضين، والتجسس المفرط، على الأقل بمنظور المستقبل القريب.

*رئيس المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 

زر الذهاب إلى الأعلى