أمنية وعسكريةالرئيسيتقدير موقف

السويداء: اللا سياسة والموقف الدفاعي

جمال الشوفي

توطئة:
لا سياسة في السويداء! يبدو للوهلة الأولى عنواناً ذا مضمون سيء، ولكنه قد يحمل معنى إيجابي في طياته لتجاوز مرحلة معقدة.
تشير المعطيات الواقعية على أن السويداء، المحافظة الواقعة في جنوب سورية ذات الأغلبية الدرزية المعروفية والأقلية السورية، لم تتبلور بها سياسة واضحة لليوم، سواء على صعيد السلطة القائمة، أو على مستوى فصائلها الدينية والأهلية المستقلة عن السلطة، أو على صعيد موقفها الشعبي العام، أو حتى على مستوى معارضتها التقليدية وقواها المدنية الناشئة.
النظر للواقع الحالي بإمكانياته واحتمالاته يشي بشيء من الجمود أو اللاموقف، وذلك خلافاً لتاريخ هذه المنطقة بمرجعيتها الوطنية العامة لموقع السويداء التاريخي في الثورة السورية الكبرى، حيث كانت نواة عمل وطني عام على المستوى السوري، حين التقت إرادات وطنية سورية عدة متمثلة بالبرجوازية الوطنية الدمشقية بقيادة عبد الرحمن الشهبندر، مع ثوار جبل العرب بقيادة سلطان الأطرش، في مواجهة الاستعمار الفرنسي، فكانت محركة أحداثه الكبرى وبوصلة عمل وطنية عامة تلخصت بمقولة “الدين لله والوطن للجميع” كمقولة وطنية تمثل نواةٌ علمانية ومدنية وأساس لدولة عصرية لم يقدر لها لليوم أن تكتمل حلقات تحققها.
هل فقدت السويداء اليوم هذا الموقع؟ وهل اللا سياسة موقف اليوم؟ أم تعبير عن فراغ عام؟ وهل ثمة مواقع أخرى بين طيات هذه الأسئلة تشي بسياسات مرحلية غير معلنة قد تخطئ أو تصيب في هذه المرحلة؟ ليبرز هنا الدور الهام للمؤثرين والفاعلين في شؤون السويداء محلياً وإقليمية ودولياً، فهل تستطيع السويداء حمل عبئها؟

ملاحظات ومحددات عامة:
اللاسياسة ونقصد بها تحديداً غياب العمل السياسي بوصفه ممارسة في الشأن العام. فرغم تصنيف السويداء من قبل السلطة القائمة على أنها نموذج متمرد على السلطة المركزية، ولكن لم تتضح لليوم سياسة محددة لمحافظة السويداء تكون ذات روافع اجتماعية عامة تفرض شروطها وحضورها في المشهد العام، كما فعلته سابقاً. فالمشهد السوري اليوم لا يمتلك مقومات المرحلة السابقة، ولا حلول عامة مرتقبة على المستوى المنظور فيها، وتكاد تهيمن عليها العطالة وشبهة الحلول الجزئية التفكيكية، وهذا ما ينعكس بنتائجه على الساحة العامة السورية، والسويداء خاصة.
في ملاحظات وخلاصات كثيفة للمشهد العام بالسويداء نجد:
-رغم محاولات عدة لمعارضتها التقليدية لتشكيل جسم سياسي يمتلك الحضور العام، لكنها عاجزة اليوم عن أن تمتلك رصيداً شعبياً عاماً، وذلك لارتباطها بالحل السوري العام المعطل، كما ولغرقها في تبايناتها الداخلية وشدة خلافاتها حول تقييم المرحلة الحالية.
-الشارع الشعبي العام ورغم رفضه للسياسات القائمة للسلطة، ولكنه لم يشكل له أبعاداً سياسية واضحة، وغارق في همومه المطلبية القهرية، ويكاد لا يثق بأي أطراف المعادلة في الواقع، معارضة أو سلطة.
-الموقف الأوضح نسبياً المتمثل بالعمق الديني الشعبي الأقلوي، ورغم انضوائه في فصائل عسكرية عدة خارج منظومة السلطة القائمة، بهدف الحماية العامة مما قد تتعرض له هذه الأقلية من تهديدات، إلا أنها لليوم تمتنع عن التقدم بخطوات سياسية واضحة سواء بالتقارب من المعارضة، أو توحيد مرجعيتها العامة مع القيادة الروحية للطائفة، أو فرض شروطها المرحلية من ناحيتي الأمن والاستقرار وكسب الرصيد الشعبي العام.
-بين هذه وتلك ثمة محاولات مدنية شبابية تحاول تمييز نفسها بموقف متقدم وفق رؤيتها وأحلامها المدنية، لكنها تبقى لليوم أسيرة الرومانسية المُعَطلة بفعل المعطيات الواقعية.
-لتبقى أدوات السلطة ذاتها تمارس دورها الأمني والسياسي دون الاحتكاك المباشر بالمجتمع سوى إدارة أزماته، وتمرير الأجندات الأمنية الخفية وإشاعة الفوضى الأمنية وانتشار فوضى السلاح وحماية الخارجين عن القانون من عصابات الخطف والسلب والنهب والقتل والاتجار بالمخدرات، وتغلب عليها سمة اللامبالاة بالواقع العام وترك المحافظة تغرق في اشكالياتها المحلية وفوضاها الأمنية.
-فيما عدا هذا، تبرز بين الفينة والأخرى جملة من المشاريع المشبوهة والأصوات قليلة العدد تخلط بين النزعة الانفصالية الطائفية واللامركزية الإدارية والإدارة الذاتية كما في المنطقة الكردية، لم تتضح معالمها ولا مقوماتها ولا إمكانياتها التي تشي بالحد الأدنى اقتصادياً واقليمياً وسياسياً بمشابهاتها بالمنطقة الكردية، فتخبو وتطفو بين الفينة والأخرى.
وكأن ساحة المحافظة خالية من العمل السياسي!

الخلفية والمعطيات الواقعية:
رغم أن نزع السياسة من المجتمع هي سياسة ممنهجة درجت عليها سلطة البعث العسكراتارية القائمة في سورية، إلا أن تحولات جمة في سنوات الثورة السورية الماضية ومتغيرات محاورها الطويلة، أعادت السياسة وممارستها لواجهة الصدارة في أحداثها العامة. والمقصود بالسياسة هنا ليس ممارسة العمل السياسي من خلال الأحزاب وحسب، بل ممارسة شتى صنوف العمل السياسية المتعلقة بالشأن العام علانية ومجاهرة، ومنها التظاهر السلمي والاعتصام المدني، وتشكيل حلقات المناصرة، والخروج عن سياسة الترويض المجتمعي وبوابته الوحيدة من خلال السلطة وحسب، حتى الخروج عن سلطتها المركزية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً كما في شمال غرب وشمال شرق سورية، والتمرد الموصوف بالسويداء.
لطالما حاولت السويداء أن تمارس السياسة خروجاً عن هذه المركزية المهيمنة للسلطة بطرق متعددة أهمها:
-ممارسة التظاهر السلمي، أو الاعتصامات الشبابية التي لم تتوقف لليوم رغم انقطاعاتها الزمنية.
-رفض شبه عام للالتحاق بالجيش وتشكيل حاضنة واسعة لمقولة حرمة الدم السوري وعدم الانجرار للمقتلة السورية العامة، وتشكيل فصائل الحماية الذاتية خاصة رجال الكرامة.
-ممانعة انخراطها العام في المشاريع الإقليمية والدولية سواء الروسية بالاستقلال الذاتي بقرارها المنفصل على غرار منطقة بصرى في درعا تحت عنوان التبعية العسكرية لروسيا مباشرة بعد تسويات ملفاتها الأمنية، أو الالتحاق بموقف سياسي عام للمعارضة السورية وحلفائها الاقليمين، كما ورفض الهيمنة الأمنية المطلقة في المحافظة وعودتها لسابق عهدها، ومعاوقة الانجرار لمقتلة مع الجوار أو فتنة داخلية تحيكها الغرف الأمنية.
ومع هذا تبدو اللا سياسة سمة هذه المرحلة، فالجميع اليوم يكاد يفقد مقومات الفعل الواقعي والتأثير في الحدث العام ما يجعل رفض السياسة ورقة واقعية لها مقوماتها ومعطياتها العامة.
السويداء ذات الأغلبية الدينية المعروفية الأقلية، مع نسبة تقارب ال 10% من المسيحين والسنة من عشائر البدو، لكنها ليست ديانة تبشيرية ولا تفرض التدين حتى على أبنائها، ما سمح بحراكها المدني واسع الانتشار. ومحددات واقعها الاقتصادي المعتمد على الزراعة البعلية واقتصاد الوظيفة الريعي الذي لا ينمي شروط الاستقلال بالقرار بقدر الارتباط بالسلطة، واعتمادها العام على نسبة كبيرة مما يقدمها مغتربوها الذي تصل نسبتهم لما يزيد عن 40% من النسبة العامة، مع ملاحظة زيادتها الكبيرة خاصة السنوات الأخيرة بين أوساط الشباب، لكنها أيضاً تشكل مجرد معاش يومي لشهر وحسب. لتبدو السويداء محافظة مهمشة اقتصادياً وسياسياً بشكل تاريخي، لا بل ودائمة الاتهام بالتخوين والعمالة الخارجية من قبل السلطة القائمة، منذ العام 1966 لليوم.

الموقع الدفاعي وسياسية اللاسياسة:
شكلت الفوضى الأمنية وانتشار فوضى السلاح وما ينتج عنه من خطف وسلب وترويج لكل مظاهر الموبقات، عنوانا عاما للسويداء في السنوات الأخيرة، مع غياب دور السلطة القضائية وجهاز الأمن الجنائي والشرطة عن متابعة مهامها في كبح هذه الظواهر، ما جعل عصابات الخطف المدارة من الأجهزة الأمنية سواء بشكل مباشر أو بالمهمات والتسهيلات الأمنية، على قلة عددها، تنمو وتكبر وتصبح معادلة صعبة الحل. برز في الجهة المقابلة محاولات لتشكيل ميليشوي مقابل بجناح سياسي أعلن عن محاربته لها ومحاربة التهديد الداعشي والتمدد الإيراني الميليشوي في المحافظة عبر هذه الأجهزة. ورغم عدم وضوح أدواته ومموليه وقدراته في ذلك، سوى ما تسرب عن لقائي عمان والعقبة في الأردن نيسان الماضي، وبعد الأحداث والصدامات فردية الطابع مع بعض أفراد العصابات بطريقة لعبة القط والفأر، إلا إنه سرعان ما خبا أو قرر التراجع، بعد ضغط حركة رجال الكرامة الأخير المتمثل بمحاصرة الأفرع الأمنية ومطالبتها بتفكيك عصابات الخطف المرعية من قبلها. الموقف الذي وقفت السويداء بحاضنتها الشعبية كاملة معه، وعاشت أسبوعاً من الترقب الحذر من نتائج مجرياته، لتنتهي العملية دون نتائج أو توضيحات أو بيان يفسر سبب عودة الحال لما هو عليه. ولكن الملحوظ هو خبو صوت الجميع، العصابات وأجهزة السلطة من جهة، ومشيخة العقل الروحية من جهة أخرى، والتشكيل الجديد الذي ادعى محاربة تلك العصابات، وصمت الفصائل ذاتية التسليح وعلى رأسها حركة رجال الكرامة أيضاً.
حرمة دم الدرزي على الدرزي، عدم وجود بديل أمني للسلطة القائمة، غياب مقومات العمل السوري السياسي العام، خفايا الأجندات الدولية التي تحيك الثوب السوري بطرق مقززة، وغياب الصوت السياسي الوطني، رغم حضوره العلني، من أن يشكل حاضنة عامة، جميعها عوامل تطرح تحديات كبرى على محافظة كالسويداء! فالانجرار للدم والاقتتال الداخلي قد يعيد السلطة لواجهة الحدث فيها وتفرض مواجه معها يتجنبها لليوم كل الأطراف، وقد يشكل ذريعة لتنفيذ أجندات الغرف السرية الاستخبارتية بالتدخل المباشر بالسويداء، وما قد ينتج عنه من تمرير مشاريع انفصالية وطائفية انعزالية، خاصة وأنه لا مصلحة اقتصادية للاعبين الدوليين الروس أو الأمريكان أو الجوار الأردني والعمق الإسرائيلي في السويداء سوى بوجودها بمنطقة حدودية كممر عام، وبوجود رصيد شبابي كبير فيها يمكن استثماره ميليشاوياً.
وجميع هذا يفيد بأن أي فعل سياسي غير محسوب النتائج قد يؤدي إلى انزلاق السويداء لإحدى الكوارث التي تتجنبها، وقد ينقلب لورقة انفصالية بذاتها حين تمرر على أجندات مشبوهة. ما يجعل الموقف الدفاعي العام والتمسك بالثوابت الوطنية والحل السوري العام، ورقة متداولة بين جميع الأطراف دون أن تشكل بعداً سياسياً واضحاً، يؤهل اللا سياسة لأن تكون فعلا مجتمعيا عاما يبرر الموقع المعقد لهذه الأقلية ولهذه البقعة الجغرافية من سورية، لكنه غير كافٍ لمواجهة تحديات المرحلة بكافة أبعادها.
ربما على المؤثرين بالقرار العام بالسويداء أن يتسائلوا: إن كان لابد من تجنب المشاريع الانفصالية، وعدم الانجرار لمقتلة داخلية، مع عدم القبول بالسلطة الحالية، فهل القبول بوضعها الحالي موقف صحيح؟ وبالضرورة سؤال آخر مفاده هل ثمة إمكانية للعمل على خطوط متوازية، إن كان أوضحها التماسك الداخلي والحفاظ على خطوط الدفاع الرادعة، ألم يحن الأوان لفتح حوار عام مع القوى السياسية والمدنية والدينية المحلية، والانفتاح على الشأن السوري المدني والسياسي، بغية تشكيل نواة عمل وطنية عنوانها الأبرز: الحل السوري العام من بوابة السلم لا الحرب، والحل السياسي السلمي المفروض بقوى الردع المحلية، والضغط متعدد الأطراف دولياً واقليمياً؟
تشكيل عوامل الاستقرار والأمان في المسألة السورية عامة سينعكس على وضعها السياسي والاقتصادي وعلى الجوار المحيط عامة، ويؤهل السويداء لتجنب منزلقات خطرة تحاك لها، وانفتاحها السياسي بخطوط متوازية سيقدمها لأن تلعب دور بيضة القبان في رسم السياسة السورية القادمة، وهذه ضرورات وتحديات مرحلية. فهل تمتلك أو تُقدر لها الإمكانيات الذاتية والموضوعية لهكذا فعل ينتج عن الموقع الحالي المعنون باللا سياسة كموقف دفاعي يجنبها المجازفات غير المحسوبة، ولكنه بذات الوقت لا ينجيها من تبعاته التي قد تفرض بشكل مفاجئ ومختلف؟

 

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية.. دكتوراه في الفيزياء النووية

زر الذهاب إلى الأعلى