الرئيسيدراسات وبحوثشمال أفريقيا

تونس ـ مسارات التصحيح والإصلاح

حازم سعيد

سيطرت “حركة النهضة” الذراع السياسي للإخوان المسلمين في تونس على المشهد السياسي خلال العقد الأخير، وبات يستشعر المجتمع التونسي والطبقات السياسية حجم الفساد والمحسوبية التي اتسمت بها القيادات داخل الحركة. أصبحت سياسات الحركة مسؤولة عن الانهيار الاقتصادي والفشل السياسي الذي عاشته تونس. حركة النهضة لم تنجح مع ذلك في أي استحقاق انتخابي في الفوز بأغلبية مطلقة. وكانت مضطرة للتحالف، كل مرة، مع أحزاب ليبرالية ما أربك قاعدتها الانتخابية المحافظة. وتعاني تونس في الوقت الحالي من تبعات سوء إدارة تنظيم الإخوان المسلمين وذراعه السياسي “حركة النهضة”، وقد تسببت سوء الأدارة والتهافت على السلطة إلى اعتمادها بشكل كبير على ‏المعونات والمنح والدعم الخارجي. وأدى عجز تنظيم الإخوان لمواجهة جائحة كوفيد19على اعتماها على الدعم المالي لاسيما من تركيا.

تصحيح المسار
تشكيل حكومة جديدة و تمديد الإجراءات الاستثنائية: تم تكليف “نجلاء بودن رمضان” في 29 سبتمبر 2021 بتشكيل الحكومة الجديدة، لتكون أوّل امرأة تكلف بهذه المهمة، ليس في تونس فحسب بل في العالم العربي. ومهمة “بودن” الجديدة تضعها، إضافة إلى التحديات التي تشكلها المرحلة السياسية الصعبة التي تمر بها البلاد، في مواجهة ملفات عديدة معقدة يأتي في مقدمتها الفساد إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والصحية. وتعد الخبرة التي اكتسبتها كمكلفة بتنفيذ برامج البنك الدولي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في تونس، أمراً مساعداً لها في تسيير الملف الاقتصادي.
وفق الفصول 16 و17 و18 و19 في المرسوم الرئاسي 117 أصبح رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء، وهو الذي يعين رئيس الحكومة والوزراء وكتاب الدولة (وكلاء الوزارات)، وأحيلت صلاحيات البرلمان التشريعية إلى مجلس الوزراء. وأُسندت لرئيس الجمهورية صلاحية الإشراف على كل مؤسسات الدولة الداخلية والخارجية وإصدار “أوامر رئاسية” و”مراسيم” تعوض القوانين التي يصادق عليها البرلمان.
ونص الفصل 19 من المرسوم 117 على أن “رئيس الحكومة يسير الحكومة وينسق أعمالها ويتصرف في دواليب الإدارة لتنفيذ التوجهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية، وينوب عند الاقتضاء رئيس الجمهورية في رئاسة مجلس الوزراء أو أي مجلس آخر”. كذلك، نص الفصل 14 من هذا المرسوم 117 على أنه “عند شغور منصب رئيس الجمهورية بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العجز التام يتولى رئيس الحكومة القيام بمهام رئيس الجمهورية إلى غاية تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة ويؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس الوزراء”.
قرارت تصحيحية: رصدت دراسة في 31 أغسطس 2021 أن “القرارات التصحيحية” التي أصدرها الرئيس سعيّد، تستهدف بشكل أساسي مواصلة عملية الإصلاح على كل الأصعدة، وهي بحاجة لمزيد من الوقت. وبحسب الدراسة، يأتي على رأس قائمة الأسباب التي دفعت سعيد لإصدار أوامره بتمديد العمل بالإجراءات الاستثنائية حتى إشعار آخر
⦁ أولا: حاجته للمزيد من الوقت الكافي لترتيب أفكاره والتأني في اختيار الشخصية التي سيقوم بتكليفها من أجل تشكيل حكومة جديدة تركز على مواجهة الأزمة الاقتصادية، وما لها من تداعيات بالغة على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية داخل المجتمع.
⦁ ثانيا: أنه “يبدو أن الرئيس التونسي قيس سعيّد يريد المحافظة على السلطة التنفيذية لتمكينه من تحقيق عدة أهداف، وعلى رأسها قطع شوط على صعيد التحقيقات الخاصة بملفات الفساد المالي والإداري والسياسي، فتمديد تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه كافة يساعده على تتبع أعضاء البرلمان كافة المتورطين في مثل هذه القضايا، خاصة أحزاب حركة النهضة وقلب تونس، حيث لاتزال التحقيقات الخاصة بتلقيهم تمويلات خارجية أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، قائمة”. ويقول الباحثون إن “قرارات سعيد بتعيين 9 مسئولين أمنيين كبار، بينهم سامي اليحياوي، مديراً عاماً جديداً للمخابرات، ومراد حسين مديراً عاماً للأمن العمومي، كما تم تعيين مكرم عقيد مديراً عاماً للقطب الأمني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، قد يساعده في إحكام سيطرته على الأجهزة الأمنية ومنع محاولات الأحزاب السياسية اختراق وزارة الداخلية، بما يمكنه من بسط سيطرته على السلطة التنفيذية خلال الفترة المقبلة.
⦁ ثالثا: تضييق الخناق على النهضة، فمن شأن تمديد القرارات الخاصة بتجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه كافة، أن يزيد من الخناق المفروض على حركة النهضة، الذراع السياسية للإخوان وحلفائهم في الداخل والخارج، خاصة أن كل ما يشغل قيادات الحركة هو العودة للمشهد السياسي مرة أخرى.
⦁ أخيرا: يتعلق الهدفان الرابع والخامس باستمرار الدعم العربي لسعيد والانشغال الدولي بتطورات أفغانستان، حيث يرى الباحثون أن تطورات الأوضاع السياسية الراهنة في أفغانستان أدت إلى انشغال القوى الإقليمية والدولية عن مستجدات الأزمة السياسية داخل تونس، وبالتالي تخفيف حدة الضغوط الخارجية على الرئيس سعيّد مقارنة بما كانت عليه قبل ذلك، خاصة الموقف الأميركي الذي يصر على سرعة إعادة البرلمان للعمل، بزعم الحفاظ على التجربة الديمقراطية في البلاد.

احتلت حركة النهضة المرتبة الأولى في آخر انتخابات في تونس عام 2019
تغيير في الخارطة الجيوسياسية: يرى المحلل السياسي “فتحي الورفلي” في 16 أغسطس 2021 أن الاستقالات التي عصفت بحزب “قلب تونس” هي نتاج طبيعي للتحالفات المتناقضة التي أبرمها هذا الحزب مع بعض المكونات السياسية. وأضاف: “حزب قلب تونس قدم نفسه للناخبين على أنه بديل للأحزاب التقليدية التي فشلت في ترجمة متطلبات الشعب الاجتماعية والاقتصادية ومن بينها حركة النهضة، ثم سارع إلى عقد تحالف معها بناء على مصالح ذاتية”. وأكد “الورفلي” إن تونس ستشهد تغيرا ملحوظا في الخارطة الجيوسياسية بعد أحداث 25 يوليو، وأن العديد من الأحزاب ستفقد شعبيتها بعد أن عبر الشعب التونسي عن غضبه من المنظومة القديمة ورغبته في القطع معها.وبين أن منسوب الثقة في بعض الأحزاب لن يتراجع فقط على مستوى الناخبين وإنما حتى على مستوى أعضائها وقياداتها، مستدلا على ذلك بالانشقاقات التي عصفت بحركة النهضة والتي أفقدتها العديد من الوجوه البارزة.

تقرير محكمة المحاسبات التونسية
انطلقت محكمة المحاسبات في إصدار أحكامها الابتدائية بخصوص المخالفات الواردة في تقرير المحكمة المتعلق بانتخابات 2019. وأكدت المحكمة إن تأخرها عن إعلان الأحكام القضائية كان بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا وغلق المحاكم في أكثر من مناسبة حيث حالت هذه التطورات دون التوصل إلى أحكام باتة بخصوص التجاوزات الواردة بالتقرير العام حول نتائج مراقبة الحملة الانتخابية الرئاسية السابقة لأوانها والانتخابات التشريعية لسنة 2019 ومراقبة مالية الأحزاب الصادرة في نهاية 2020.
رصدت محكمة المحاسبات خلال عملها الرقابي على الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها والانتخابات التشريعية لسنة 2019، العديد من الإخلالات التي شابت الحسابية المالية للمترشحين وشرعية الموارد ومجالات إنفاقها وعدم الإفصاح عن مصادر التمويل واستعمال مال مشبوه غير مصرح به في الحملات الانتخابية وعدم احترام أحكام مرسوم الأحزاب.كما نصت المحكمة على أن الإخلالات المرصودة تؤدي بالضرورة إلى حرمان القائمة أو المترشح المخل، من منحة استرجاع المصاريف الانتخابية كليا أو جزئيا وهو ما ستقوم به مختلف الهيئات الحكمية للمحكمة.
وأضافت محكمة المحاسبات في تقريرها الذي أثار الكثير من الجدل أن الحسابات المالية للمترشحين للرئاسية وللتشريعية لم تكن دائما مضبوطة، من ذلك أن (347) قائمة مترشحة للتشريعية لم تقدم حساباتها ولم تلتزم بمبدأ الشفافية الذي أقره القانون الانتخابي ولم تلتزم (23) قائمة تشريعية بنشر مختصر لحساباتها بجريدة يومية وينسحب الأمر ذاته على(8) مترشحين للرئاسية.
مخاوف إخوانية من التقرير: يرى مراقبون أن الطبقة السياسية في تونس متخوفة من الأحكام التي ستصدرها المحكمة خاصة وأنها تأتي بعد الإجراءات الاستثنائية. ورغم أن العديد من التيارات والكتل متهمة بتجاوز القانون لكن أبرز التهم وجهت لحركة النهضة الإسلامية وحلفائها خاصة حزب قلب تونس بالحصول على تمويلات خارجية وبتبييض الأموال والقيام بعقود لوبيينغ في مخالفة صريحة لقانون الانتخابات. وصرفت مليارات الدولارات في الحملة الانتخابية وأن بعض الأموال خصصت لشراء أصوات الناخبين أمام مراكز التصويت وهو ما دفع الناطق الرسمي للمحكمة الابتدائية بتونس والقطب القضائي الاقتصادي والمالي محسن الدالي للقول في يوليو 2021 أنه تم فتح تحقيق يشمل حزبي “حركة النهضة” و”قلب تونس” بتهمة “تلقي تمويل خارجي” أثناء الحملة الانتخابية. كما أن أن الإسلام السياسي تحصل على دعم مالي كبير من قبل الحليفين ”قطر وتركيا” لكن حركة النهضة تنفي ذلك وتؤكد أن تمويلاتها شرعية وهي من تبرعات أعضائها وأنصارها. لكن هذا المبرر لم يستطع إقناع الرأي العام التونسي الذي طالب بضرورة الكشف عن خبايا تمويل التنظيمات الإسلامية التي أصبح قادتها يملكون ثروات كبيرة.

مكافحة الفساد في تونس
كشفت السلطات التونسية في7 أغسطس 2021 عن وضع وزراء سابقين وقضاة وشخصيات عمومية تحوم حولها “شبهات فساد أو تجاوز للسلطة” تحت الإقامة الجبرية أو منعت من السفر . من بينهم أكبر المسؤولين عن قطاع القضاء “الطيب راشد والبشير العكرمي” و”أنور معروف” الوزير السابق للنقل وتكنولوجيا الاتصال القيادي في حزب “النهضة”.
قررت النيابة العامة في أغسطس2021 حظر سفر (12) من المشتبه بهم في شبهات فساد مالي وإداري، في صفقات استخراج الفوسفات ونقله، من بينهم وزير الصناعة الأسبق سليم الفرياني. ومدير عام سابق لشركة فوسفات قفصة، ومراقب مالية بوزارة المالية، ومديرين بشركة فوسفات قفصة، ووكلاء شركات مناولة خاصة والنائب في البرلمان المجمّد لطفي علي وشقيقه. وسبق أن أعلن الرئيس سعيد أن (460 ) شخصا نهبوا أموالا تونسية، عارضا عليهم تسوية حال إعادتها، مقدّرا حجم الأموال المنهوبة بـ (4.8) مليار دولار.
وضعت السلطات الأمنية التونسية الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد “شوقي الطبيب” قيد الإقامة الجبرية وذلك بعد إخلاء الشرطة مقر الهيئة في خطوة لعدم إتلاف أي ملفات فساد. وفتح القضاء التونسي قضيتين بحق “شوقي الطبيب” تتعلقان بضبط وثيقة مزورة وسوء إدارة الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد. كما تورطت قاضية تونسية في شبكة لتهريب العملة الأجنبية إلى ليبيا، بعد أن ألقي عليها القبض وهي تحمل في سيارتها الخاصة حقيبة بها نصف مليون يورو، قبل أن تتم إحالتها إلى التحقيق ورفع الحصانة عنها وإيقافها عن العمل.

مكافحة الإرهاب والتطرف
طالب أنصار الحزب الدستوري الحر، في 1 أكتوبر 2021، بغلق مقر “اتحاد القرضاوي” في تونس، لأنه أحد الأذرع الأساسية لتنظيم الإخوان. وتقول رئيسة الحزب الدستوري الحر “عبير موسي” بأن “الإخوان قاموا بترتيب قوانين في عام 2012، لضمان تغلغل اتحاد القرضاوي في تونس”، مضيفة أن “هذا الوكر (اتحاد القرضاوي) قام بتركيز أخطبوط كامل داخل تونس ضمن شبكة كاملة من الجمعيات تأخذ شكل المدارس”. ومضت قائلة إن “هذه المدارس لا تقوم بنشر الدين الإسلامي، وإنما تقوم غسل أدمغة الأطفال وفرض نموذج مجتمعي لا يؤمن بحقوق المرأة ولا منظومة تعليمية مدنية”. وينشط الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تونس منذ عام 2012 تحت حماية الحكومات الإخوانية المتعاقبة. كما طالب تونسيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، بغلق هذا المقر ومحاسبة زعيم إخوان تونس، راشد الغنوشي، وفتح ملفات مخالفاته المالية وأنشطته الإرهابية.
قررت “اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب” في تونس في سبتمبر 2021 ، تجديد تجميد أصول وموارد اقتصادية تعود إلى (43) شخصا، بسبب ارتباطهم بالإرهاب حيث تشمل (42) تونسيا وأجنبي إيطالي الجنسية. وكانت لجنة مكافحة الإرهاب جمدت في 16 يونيو 2021، أموال وأصول (3) أشخاص بينهم لاعب كرة القدم السابق نزار الطرابلسي المتهم بالانتماء إلى تنظيم القاعدة والتخطيط للقيام بعمليات إرهابية في بلجيكا. وقامت السلطات التونسية ، بوضع وكيل الجمهورية السابق للمحكمة الابتدائية في العاصمة تونس “البشير العكرمي” تحت الإقامة الجبرية، بعد اتهامه بالتلاعب بملفات تتعلق بعمليات إرهابية.
فرض الجيش التونسي حالة من الاستنفار الأمني المكثف على الحدود الشرقية للبلاد بغرض إفساد مخططات جماعة الإخوان، بتهريب عناصر من المرتزقة والمليشيات التابعة له إلى الداخل لتنفيذ عمليات إرهابية وإحداث حالة من الفوضى. شهدت الفترة الحالية عدة محاولات لهروب عناصر إخوانية متورطة في قضايا فساد، مع عائلتهم إلى خارج البلاد. استطاعت وحدات من الاستخبارات التونسية من الجيش والحرس الوطنيين اعتقال القيادي الداعشي “ابو زيد التونسي” ، حيث تسلل إلى تونس، وراقبته الأجهزة الأمنية حتى وصوله الى القيروان وانطلقت تجميع المعلومات من ليبيا أين كان يتواجد في مدينة الزاوية التي تسيطر عليها ميليشيات اخوانية مدعومة من تركيا.

تصحيح المسار الاقتصادي ومراجعة اتفاقية التبادل التجاري مع تركيا
قررت السلطات التونسية رسميا مراجعة اتفاقية التبادل التجاري الحر، التي وقعتها مع تركيا منذ 16 عاما، وذلك بهدف الحد من عجز ميزانها التجاري مع هذا أنقرة بعد أن بلغ 2.5 مليار دينار (900 مليون دولار) عام 2021. خاصة وأن هذه الاتفاقية مجحفة بالنسبة للجانب التونسي وغير متكافئة وتستوجب التعديل بهدف خفض عجز الميزان التجاري مع تركيا من جهة وإنقاذ بعض المنتجات المحلية التي تضررت بسبب مزاحمة المنتجات التركية واكتساحها السوق التونسية.
شهد الاقتصاد التونسي ووفق المؤشرات الاقتصادية، معدل نمو منخفضا بمتوسط (1.8% ) في المئة في الفترة من عام 2011 إلى 2019. وفي عام 2020 انكمش الاقتصاد التونسي بنسبة (8.8 %)وتراجع الناتج المحلي الإجمالي (9%) عام 2020 وتفاقم العجز التجاري إلى (11.2 %)من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني مواصلة الاقتراض الخارجي. ويتوقع الخبراء أن تحتاج تونس إلى تمويل خارجي يصل إلى (6.7 ) مليار دولار لموازنة 2021، وذلك لمواجهة زيادة أسعار البترول. ونتيجة لتراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي في البنك المركزي التونسي إلى (7.7 ) مليار دولار، تراجعت قيمة الدينار التونسي بنسبة (43%) مما أدى إلى زيادة أسعار السلع الغذائية الأساسية. تسارع الحكومة التونسية حزمة قرارات اقتصادية حاسمة جديدة، من شأنها ضبط الاستثمارات وضبط الأسواق والتصدي للفاسدين والمحتكرين، وذلك بالتزامن مع ارتفاع حاد بأسعار السلع، ومصادرة كميات ضخمة مخزنة منها بغرض المضاربة.

خلافات داخل النهضة وتراجع شعبيتها
أعلن “راشد الغنوشي” في 1 أكتوبر 2021 أن البرلمان، الذي قرر رئيس البلاد تعليق عمله، في حالة انعقاد دائم داعيا أعضاء البرلمان إلى استئناف الجلسات. وأكد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي في تغريدة على تويتر إن “مكتب مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم”. وهاجم قيادات تاريخية من حركة النهضة التونسية ووجهت انتقادات حادة لرئيسه راشد الغنوشي، الذي يواجه يوماً بعد يوم غضب التيار الإصلاحي، الذي بات طاغياً داخل الحركة، والذي وقع عريضة الـ(100) للمطالبة بمراجعة سياسة الحزب، وهي العريضة التي تسببت في خروج تصريحات عنيفة وردود أفعال قوية داخل هياكل الحركة، انتهت بتجميد أعضاء المكتب التنفيذي للحزب، إثر تقديم (12 ) عضواً من المكتب التنفيذي استقالتهم إلى الغنوشي. وشهدت حركة النهضة مؤخراً موجة من الاستقالات، كان أبرزها استقالة “زياد العذاري، وعبد الحميد الجلاصي”. إضافة إلى مجموعة من الاستقالات داخل الصف الثاني من القيادات.
ومن بين المستقيلين (8) نواب في البرلمان المجمد وعددد من الوزراء السابقين أبرزهم النائب والقيادي، عبد اللطيف المكي، الذي شغل منصب وزير الصحة في وقت سابق، والنائب سمير ديلو، والنائبة جميلة الكسيكسي، إلى جانب قياديين في مجلس الشورى، الهيئة الأعلى لحركة النهضة، وهياكل أخرى مختلفة.وهذه أبرز أزمة يواجهها الحزب منذ مباشرة نشاطه السياسي في العلن بعد ثورة 2011 وتصدره المشهد السياسي بعد عقود من العمل السري. وأكد الموقعون على بيان استقالتهم إن استحواذ راشد الغنوشي على القرارات إلى جانب فشله في إدارة البرلمان وإدارة تحالفات غير سليمة في البرلمان وتعثر تأسيس المؤسسات الدستورية طيلة السنوات الماضية كان من أهم أسباب الاستقالة. وأضاف الموقعون إن هذه الأخطاء كانت أحد الأسباب المباشرة التي أدت الى إعلان الرئيس لقرارات 25 يوليو2021 وانفراده الكامل بالسلطة اليوم.
كشف استطلاع للرأى أجراه معهد “إمرود كنسلتينج” في 5 سبتمبر 2021 أن ” الحزب الدستورى الحر فى تونس” تصدر نوايا التصويت بنسبة (36 %) ، أى أنه تقدم بـ(8 % )مقارنة بشهر يوليو2021 وكشف الاستطلاع أن الحزب الذى تقوده عبير موسى تقدم على حركة النهضة التى حصلت على (23 %) بينما جاء حزب “قلب تونس” ثالثا بـ(6 %)، وهى نفس النسبة التى حصل عليها ائتلاف “الكرامة”، المقرب من حركة النهضة، فى استطلاع نوايا التصويت. وأكدت نتائج استطلاع الرأى استمرار تراجع شعبية حركة النهضة.
كتبت صحيفة “فرانكفورته ألغماينه تسايتونغ” في 9 أغسطس 2021 مقالا موسعا استغربت فيه التآكل المتسارع للدعم الشعبي لحزب النهضة التونسي، وقالت بهذا الصدد “لم يعد حزب النهضة يحظى بشعبية كبيرة بين التونسيين، فرغم جائحة كورونا التي سجلت في البلاد إحدى أعلى معدلات الوفيات في العالم، واصل النواب في البرلمان صراعاتهم الأيديولوجية. ولم يقنع عمل البرلمان المنقسم سياسيًا، التونسيين. ونفس الأمر يشمل حصيلة الإسلاميين في الحكم، الذين استخدموا مجلس النواب كمنبر حزبي وسياساوي”.
أفاد موقع “ميدل أيست أون لاين” البريطاني في تقرير له في 2 سبتمبر 2021 خلاصته أن هناك مَن يتحدث عن الديمقراطية الدينية رافعا شعار الدفاع عن حرية التعبير. تونس تعيش في ما يُسمى بمعصية الرئيس بالرغم من أن نبيل القروي وهو زعيم حزب قلب تونس قد ألقي عليه القبض في الجزائر هاربا من سؤال حرية التعبير الذي ترفعه حركة النهضة شعارا لها في مواجهة الخوف من الرئيس قيس سعيد الذي قرر أن يضع الجميع في مواجهة ما اقترفته أياديهم عبر السنوات العشر الماضية. وأضاف التقرير: كان مخطط الثورة يقوم على استهلاك ما هو فائض من الوجدان الشعبي.
واستكمل التقرير: في سنة واحدة كشف الإخوان أنهم في مكان والثورة في مكان آخر. فالتنظيم الذي كان فوزه في الانتخابات محصلة لسنوات طويلة من الفوضى قطف ثمار ثورة لم يشارك فيها وليس له علاقة بأهدافها ولا بمصير مادتها البشرية. أما حين انقلب الشعب على حكم الإخوان فقد انتشر مصطلح قوى الثورة المضادة والشعب هنا هو المقصود بالرغم من أن وسائل اعلام غربية مارست الكثير من التضليل من أجل أن يبدو أن هناك مؤامرة لإفشال الربيع العربي وحرمان الشعوب من فرصة التمتع بالديمقراطية.
أما حركة النهضة، بزعامة راشد الغنوشي فقد اقتطعت عشر سنوات من حياة الشعب التونسي لتثبت في كل لحظة أن على الشعب الذي ارتكب خطأ انتخابها أن يدفع الثمن. لذلك فإنها لم تُصدم حين انفض الشعب عنها ما أن أعلن الرئيس سعيد عن قراراته الثورية، إخوان تونس تركوا قوى اليسار المريض تدافع وحدها عن الديمقراطية، أما هم فإنهم يعرفون أن هناك دولا وقوى وأجهزة إعلام ستدافع عنهم في مواجهة “قوى الثورة المضادة” التي هي من وجهة نظرهم تخون الثورة التونسية من غير أن تخرق الدستور. واختتم: انتظرت تونس طويلا لتقول كلمتها القاطعة الأخيرة في كل ما اقترحه ربيعها من تحولات. واثقة هي اليوم أكثر من أية لحظة في تاريخها من أنها تسير في خطها الوطني الصحيح.

أبرز المستقيلين من حركة النهضة
زياد العذاري: نائب برلماني
عبد الحميد الجلاصي: قيادي بحركة النهضة
عبد اللطيف المكي: وزير الصحة
جميلة الكسيكسي: نائبة برلمانية

لجوء حركة النهضة إلى الخارج
التغييرات التي أحثتها قرارات الرئيس التوسي “قيس سعيد” من تجميد البرلمان وتجريد أعضائه من الحصانة وإقالة الحكومة. أدت إلى لجوء حركة النهضة إلى الخارج، بعد فشلها في تحقيق تعبئة شعبية وسياسية داخلية. وفتحت السلطات القضائية جديدا ضد حركة النهضة، بعد الكشف عن عقد (لوبينغ) وهي -شركة ضغط-، أبرمته الحركة للقيام بحملة لصالحها في الولايات المتحدة الأميركية بغرض تحسين صورتها والتلاعب بالرأي العام، من أجل تشكيل مجموعة ضغط ضد الرئيس “قيس سعيد” بعد قراراته الاستثنائية. وتم التوقيع مع “بورسن كوهن أند وولف” بتاريخ 29 يوليو 2021، بقيمة (30) ألف دولار، هدفها يسير تواصل الحزب مع الفاعلين الرئيسيين بالولايات المتحدة الأميركية، وتوفير دعم وسائل الإعلام وتقديم استشارة في الاتصال الاستراتيجي، وهو الأمر الذي يمنعه ويعاقب عليه القانون التونسي الذي يحظر حصول الأحزاب السياسية على دعم أجنبي و حيازة الأموال من الخارج.

لماذا يتم رفض مباردات الإخوان على المستوى الداخلي؟
أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل في 6 سبتمبر 2021 رفض دعوة حركة النهضة تنظيم حوار وطني، بعد إجهاضها وتعطيلها لمبادرته السابقة لحلّ وإنهاء الأزمة في تونس. جاء ذلك رداً على الدعوة التي وجهتها حركة النهضة، إلى الأطراف السياسية والمنظمات الوطنية من أجل “التعجيل بتنظيم حوار وطني بين مختلف الفاعلين حول مختلف القضايا الخلافية بما في ذلك ما يتعلق منها بالنظام السياسي والقانون الانتخابي”. ذكر “سمير الشفي” الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل إن “حركة النهضة كانت أول من ناور من أجل معارضة دعوة المنظمة الشغيلة إلى حوار شامل، واليوم أصبحت تنادي بضرورة الحوار”، مضيفاً أن “عدة قوى من بينها النهضة كانت ترفض قطعياً تغيير النظام السياسي وحتى مجرد تحيين ومراجعة بعض الفصول”. وأضاف الشفي أن الحوار بعد 25 يوليو “بصيغته القديمة وبالأطراف التي كانت مشاركة فيه أصبح عبئاً ولم يعد له معنى”، مشيراً إلى أن “الاتحاد يتطلع إلى حوار مع القوى المؤمنة بتصحيح المسار وإعادة الاعتبار لاستحقاقات الثورة” وأن “الاتحاد مع الحركة الإصلاحية وإعادة صياغة المشروع الوطني بما يخدم مصالح كل التونسيين”.

القرارت التونسية تلقى قبولا على المستوى الخارجي
وعلى المستوى الخارجي لاتزال قرارات “قيس سعيد” تلقى قبولا دوليا، إذ يقول المحلل السياسي التونسي” بلحسن اليحياوي” إن دخول فرنسا على خط الأزمة السياسية في تونس وإعلان دعمها للرئيس، قيس سعيد، يعني أن الطريق الذي اتخذه الرئيس بدأ يلاقي قبولا على المستوى الدولي بعد الحذر الكبير في بداية الأزمة.وأكد على وجود “ملفات صاحبة الأولوية” في المرحلة المقبلة أهمها: الملف الصحي وتوفير اللقاحات وكذلك ترتيب البيت الأمني ووزراة الداخلية .وأوضح أن “ملامح خارطة الطريق تتعلق بإنقاذ المالية العمومية خاصة مع حلقات الفساد المنتشرة داخل الدوائر الرسمية ومن ثم تعيين رئيس حكومة يحظى بقبول في الداخل”.
يقول جمال الكشكي في صحيفة البيان الإماراتية حول تحركات حزب النهضة الأخيرة “حركة النهضة في تونس نموذج صارخ لفكرة التحول والخداع والتلون السياسي، خلال الأيام الماضية حاول زعيمها راشد الغنوشي أن يقوم بدور (الماكيير)، ليحدث عملية تجميل لحركته الفاشلة ظناً منه بقدرته على خداع الشارع التونسي”. وأضاف “الغباء السياسي دائماً ينحاز لهذه الجماعة وروافدها، سلوكها على الأرض لا يمكن أن يمنحهم أي درجة من الثقة، تولوا المسؤولية، وتركوا بصمات الفشل على جدران المؤسسات التي حاولوا السيطرة عليها”. وتابع “أدركوا جيداً أنه لا رغبة في استمرار حركة النهضة، فتقدموا باستقالات جماعية، حاولوا بيع الوهم للشعب التونسي بدعوى أنهم يؤسسون حزباً جديداً يناهض أفكار وسلوكيات وأيديولوجيات كبيرهم راشد الغنوشي، لم تنطلِ هذه الأكاذيب على التونسيين أبناء وطن الحرية والحضارة والثقافة والتنوير والانفتاح، فالتجربة واضحة، والشعب تعلم الدرس جيداً، من الحمق تكرار نفس الأخطاء، الخلاص من حكم وفساد النهضة بات أمراً لا يقبل التأجيل أو القسمة على وجهات النظر، عقارب 25 يوليو 2021 لن تعود إلى الوراء”.

التقييم
تتراوح الأزمة التونسية بين الضغوطات الخارجية والداخلية المطالبة بالإسراع في تشكيل حكومة جديدة واتخاذ تدابير إصلاحية جديدة. ويعد تعيين رئيس للحكومة في تونس خطوة مهمة وإيجابية لتشكيل حكومة تعمل على تسيير البلاد وحل المشاكل العالقة. وهناك احتمالية أن يعتمد تشكيل الحكومة الجديدة في تونس على الكفاءات والخبرة ومن المتوقع أن يحمل تشكيل الحكومة التونسية الجديدة مفاجأت كثيرة.
كان حزب النهضة أقوى حزب في تونس منذ ثورة 2011 ، ومع ذلك ، فقد الدعم مع ركود الاقتصاد وتراجع الخدمات العامة. واعترف الحزب أنه مسؤول جزئياً عن تولي سعيد السلطة التنفيذية.مع تفش وتدهور للأوضاع الاقتصادية والصحية من جهة، والعقم ‏السياسي من جهة ثانية سن مجموعة قرارات، تضمنت تجميد كل سلطات مجلس النواب ‏ورفع الحصانة عن جميع أعضاء البرلمان، بجانب إعفاء رئيس الوزراء، ‏هشام المشيشي، من منصبه‎.
تشير التقديرات إلى تراجع شعبية حركة النهضة التونسية والحلفاء المرتبطين بها. حيث أدرك الشارع التونسي أن تيارات الإسلام السياسي في تونس استغلت الخطاب الديني لفرض أجندتها السياسية لاسيما بعد تورط هذه التيارات في ملفات فساد مالي وتهريب ومتورطة في عمليات إرهابية كالاغتيالات السياسية.
تسببت الاجرءات التي اتخذتها تونس في انقسامات وانشقاقات حادة داخل صفوف حركة النهضة التونسية ووصلت حدة الخلافات داخل الحركة إلى تزايد المطالبات بتغيير القيادات داخل الحركة وتحميلها مسؤولية الفشل في الاستجابة لمتطلبات الشارع التونسي. يواجه حلفاء تنظيم الإخوان المسلمين حركة “قلب تونس” وكذلك الحلفاء من تيارات الإسلام السياسي الأحكام القضائية لاسيما بعد اتهام قاداتها وأن رئيس الحزب نبيل القروي اتهم بتوقيع عقد بملايين الدولارات مع شركة للتأثير في صناعة القرار.
نجد أنه مازال هناك تضامن دولي مع الإجراءات التونسية ضد الإخوان المسلمين والإطاحة بالتنظيم لاسيما بعد سلسلة الاخفاقات وسلسلة الخيبات ‏والمؤامرات الإخوانية، تسببت بها وحاكتها النهضة وارتباطاتها في الخارج. ‎ولاننسى أن الحركة كانت سببا في حرق المقرات المؤسسات التعليمية والأمنية، ‏ولم تنج الأحزاب السياسية التونسية من المؤامرات التي حاكتها لها الجماعة للانفراد بالسلطة في البلاد.

الهوامش
تونس.. اتحاد الشغل يرفض دعوة النهضة لـ”الحوار”
https://bit.ly/3oo4uTR
تونس: قيادات تاريخية من «النهضة» تهاجم الحركة ورئيسها
https://bit.ly/3uvAkPP
نجلاء بودن: من هي رئيسة الوزراء المكلفة في تونس؟
https://bbc.in/3irJIPp
صفعات الشعب التونسى ضد حركة النهضة.. استطلاع رأى يكشف تصدر حزب الدستورى الحر فى التصويت ويتقدم على الحركة بعد تراجع شعبيتها.. وتونسيون يرفعون شعارات مناهضة للغنوشى أثناء تشييع جثمان قتيل هجوم سوسة
https://bit.ly/3mcouGq
تونس.. 5 أسباب دفعت الرئيس لتمديد الإجراءات الاستثنائية
https://bit.ly/2Y8djX5
بعد 16 سنة على توقيعها… لماذا قررت تونس مراجعة اتفاقية التبادل التجاري مع تركيا؟
https://bit.ly/2Y9XbUG
أحداث 25 يوليو تغير التوازنات السياسية والحزبية في تونس
https://bit.ly/3a0LlPs
تقرير بريطانى: حكم الإخوان فى مصر وتونس اتسم بالفوضى
https://bit.ly/3BbCW7I
مطالب تونسية بغلق مقر “اتحاد القرضاوي” الإخواني
https://bit.ly/2WH2xqk
بعد تورط قضاة في ملفات فساد وإرهاب ومحسوبية… دعوات لإصلاح القضاء التونسي
https://bit.ly/3a5iycG
القضاء التونسي يفتح تحقيقا في أكبر ملفات الفساد
https://bit.ly/3oxj23S.
وضع مسؤولين تونسيين تحت «الإقامة الجبرية»
https://bit.ly/3uzk4gH
الرئيس التونسي يتوعد بحملة لملاحقة الفساد المالي والإداري
https://bit.ly/2YfMeBI
تونس.. تحقيق جديد ضد النهضة بشبهة الحصول على دعم أجنبي
https://bit.ly/3FdwCit
خبير: دعم فرنسا لتونس يعني أن قرارات سعيد تلقى قبولا دوليا
https://bit.ly/3A3sGgr
وسط انقسامات عميقة.. استقالة أكثر من 100 قيادي من حزب النهضة التونسي
https://bit.ly/3mqEt3A
نظرة إلى صلاحيات رئيسة الحكومة التونسية في المرحلة الانتقالية الجديدة
https://bit.ly/3BeBku4
تونس تجمد أرصدة العشرات من المشتبهين بالإرهاب
https://bit.ly/3ivgIGF
«محكمة المحاسبات» ستصدر أحكامها.. هل سيحاسب إخوان تونس لخرقهم قانون الانتخابات؟

*باحث بالمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

زر الذهاب إلى الأعلى