الرئيسيالشرق الأوسطدراسات وبحوث

الحالة العراقية بعد الانتخابات الخامسة 2021 – المآلات والمسارات في ظل التجاذبات الداخلية والتدخلات الخارجية (رؤية تحليلية)

د. عماد علوّ

المقدمة

عكست نتائج الانتخابات التي جرت في العراق في 10/10/2021، ما حققته الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي هزت البلاد في أكتوبر/تشرين الأول 2019، من تغير على صعيد وجوه وأطراف الطبقة السياسية التي تحكم العراق منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ومنذ تشرين الأول 2019، شهد العراق، أحداثاً متسارعة وتحولات جذرية وعميقة في نظامه الاقتصادي والسياسي وحتى الاجتماعي، أسفرت عن نتائج وتطورات هامة، ووضعت أمنه الوطني أمام متطلبات وتحديات جديدة، فرضت عليه البحث عن سبل مختلفة تمكنه من مواجهة تلك التحديات التي باتت تهدد أمنه الوطني. ومن هنا فقد حاولنا في هذه الدراسة تسليط الضوء على أهم التحديات التي ستواجه الحكومة المقبلة التي ستتشكل في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة على صعيد الأمن الوطني العراقي والتي تشكل محفزات، للصراع وعدم الاستقرار في العراق، مما قد يهدد وحدته الوطنية. وبالرغم من تنوع وتعدد هذه التحديات والتي تمثلت بـ (الصراع الاجتماعي، والصراع السياسي، الاحتجاجات وعدم الاستقرار. معاضل الجيوش الرديفة. قضية المناطق المتنازع عليها. النزوح وعدم الاستقرار الأمني، تداعيات التدخل الدولي والإقليمي، سلبية التأثيرات المناخية).

ويبقى السؤال المطروح في ظل التجاذبات الداخلية والتدخلات الخارجية، ما إذا كان بإمكان الحكومة العراقية المقبلة، مواجهة التحديات وتلمس سبل مغادرة حالات الصراع وعدم الاستقرار التي تهدد وحدة العراق وأمنه الوطني؟

 

تحدي الصراع الاجتماعي  

إن أبرز التحديات التي تواجه الحكومة العراقية المقبلة، هو تحدي عدم الاندماج المجتمعي الذي برز وتفاقم بشكل ملفت للنظر بعد الاحتلال الامريكي للعراق في 2003، وأدى في مراحل لاحقة إلى حالة من عدم الاستقرار والصراع زادت من حدة الانقسام والتشرذم الأمر الذي انعكس سلباً ليس فقط على الأمن المجتمعي العراقي وحده، بل على الأداء المؤسسي للوزارات الحكومية ولتصبح تلك الحالة حالة مرضية مزمنة ممكن إن تهدد مستقبل وجود الدولة ككل وكذلك وحدة العراق وأمنه الوطني.

وبعد تحقيق القوات المسلحة العراقية، النصر على تنظيم داعش الإرهابي في تشرين الثاني / نوفمبر 2017، دخل العراق في مرحلة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار السياسي، تمظهرت في غياب أهم مؤشرات الاستقرار السياسي ألا وهي الوحدة الوطنية. فقد ظهرت لدى العديد من مكونات المجتمع العراقي النزعات الاستقلالية والانفصالية والصراعات الطائفية والعرقية والإثنية، في بيئة من عدم التجانس المذهبي والقومي. ولم تتمكن القوى السياسية المهيمنة على السلطة والعملية السياسية من الاتفاق أو التوافق على رؤية واستراتيجية واضحة للتعامل مع التنوع المذهبي والعرقي والثقافي من شأنها تحقيق التكامل الوطني في الدولة، وحل النزاعات والقضاء على النزعات الانفصالية (). وهذا كله شكل ولا يزال تهديدا” خطيرا” للأمن الوطني العراقي، لاسيما وأن البيئة العراقية غير المستقرة لا يمكن فصلها أو عزلها عن تأثيرات البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية، غير المستقرة نتيجة عوامل وديناميكيات خارجية وداخلية تهدد أنظمة الحكم واستقرار وأمن مجتمعات دول الشرق الأوسط.

إن عدم الاهتمام بإعادة الإعمار والمصالحة في مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم داعش الارهابي، خلق حالة من عدم الاستقرار قد تؤدي أيضا إلى تفاقم التوترات الطائفية، خصوصا مع عدم تشكيل نظام عدالة جديد للتعامل مع مخلفات وتركة تأثيرات “إرهاب داعش” المجتمعية، تقوم مجموعة من الجهات الفاعلة بتنفيذ العدالة الخاصة بها ضد أعضاء مشتبه بهم من داعش ، مما يخلق توترات مجتمعية ويخلق حالة عدم استقرار دائم، نتيجة استمرار التداعيات السلبية لحالات الهجرة والتهجير التي قد تنطوي على احتمال نشوب صراع بين المجتمعات المضيفة والنازحة حول الموارد المتجددة، وفرص العمل النادرة والخدمات العامة.

وقد لوحظ في سهول نينوى، انحياز الممثلين الدوليين بشكل مفرط بتقديم المساعدات والدعم إلى الإيزيديين والمسيحيين، دون غيرهم  مما يخلق عدم مساواة بين المجتمعات وهذا يخلق توترات بين المجتمعات التي قد تعزز الانقسامات وتؤدي إلى الصراع، في ظروف قلة الدخل، وانعدام الأمن الغذائي والمائي، والضغط على الموارد النادرة الشحيحة، والمخاطرة بتزايد التوترات داخل المجتمعات وفيما بينها، مما قد يدفع قوى سياسية مناطقية إلى المطالبة بإنشاء فيدراليات جديدة، حيث تسمح المادة 119 من الدستور العراقي بتشكيل مناطق فيدرالية جديدة من خلال استفتاء في المحافظة، إذا طلبها ثلث أعضاء مجلس المحافظة من المحافظات التي تعتزم تشكيل منطقة أو إقليم فدرالي، في حين أن القانون رقم (21)، لسنة 2008 وتعديلاته لسنة 2013 ، يسمح بتفويض القوى المهمة للمحافظات بذلك. ومن الجدير بالذكر أن العديد من المحافظات – بما في ذلك الأنبار والبصرة وديالى وكركوك ونينوى وصلاح الدين – تحدثت أو حاولت الحصول على مزيد من الاستقلالية، باعتبارها حق دستوري.

إلا أنه من المهم أن نلاحظ أن الدعوات إلى تطبيق الفيدرالية في بعض المحافظات، ليست على أساس طائفي، ولكنها جاءت من المنطق والمحافظات التي تشعر أنها قد تم تجاهلها، ولا سيما من منظور تنموي، أو تشعر أن الحكومة المركزية فشلت في تحقيق إنجاز اقتصادي رئيسي. وتعتبر البصرة مثالاً جيدًا لمحافظة تسعى إلى الحكم الذاتي بناءً على هذه المبادئ. لقد تحولت الاحتجاجات في البصرة إلى عنف وتهديدات من السياسيين في البصرة بأنهم سيسيطرون على حقول النفط ويتجاوزون سيطرة بغداد، يعني أن الصراع، كما يشهد مع الأكراد في كركوك، هو سيناريو غير مستبعد في ضوء عجز الحكومة العراقية المقبلة، والقوى السياسية الفاعلة في العملية السياسية باحتواء تلك التوترات. يضاف الى ذلك جملة من محفزات الصراع الاجتماعي () كان من أبرزها ما يلي: 

•  استمرار النزعات الطائفية والمذهبية والعرقية وتمظهرها بعمليات التغيير الديمغرافي والتطهير العرقي، والنزوح والتهجير، والمحاصصة الطائفية السياسية.

•  الغلو والتطرف الديني والمذهبي العنيف والإرهاب في المجتمع العراقي نتيجة ضعف نظام الحكم بعد عام 2003.

•  عسكرة المجتمع وتصاعد تأثير ظاهرة السلاح المنفلت والفصائل المسلحة خارج سيطرة الدولة.

• تعدد حركات الاحتجاج في جنوب ووسط العراق، لأسباب تتعلق بغياب فرص العمل والبطالة وغياب الخدمات الاساسية.

• تفشي ظاهرة الفساد الإاري والمالي وتحوله إلى ثقافة تعاظم تأثيرها في العديد من مفاصل الجهاز الإداري للدولة.

• عودة التوترات المجتمعية والعشائرية إلى التمظهر بشكل عنف مسلح في بعض مناطق العراق.

• التدهور البيئي والزراعي وانخفاض الموارد المائية والنقص التاريخي للاستثمار في البنية التحتية.

كل تلك المحفزات وربما غيرها وفرت فرصة كبيرة لانعدام الأمن والاستقرار بل ودوافع للصراع وتهديد السلم الأهلي في العراق. لذلك فإن الحكومة العراقية المقبلة سيكون عليها التصدي لمحفزات الصراع الاجتماعي، وما أفرزته من تطرف عنيف وإرهاب في أوساط المجتمع العراقي، في سبيل كسب ثقة ودعم الشعب العراقي..

 

تحدي الصراع السياسي 

لقد بات واضحا لكل المراقبين للمشهد السياسي العراقي أن التوترات بين رئيس الوزراء (المنتهية ولايته)، مصطفى الكاظمي والقوى السياسية المدعومة من قبل قطاعات كبيرة من قوات الحشد الشعبي (PMF)، تطرح قضية في المعارضة أو في السلطة، وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى نشوب صراع وعدم الاستقرار، لاسيما بعد اتخاذ واشنطن وطهران من العراق ساحة لتصفية حساباتهما باستخدام أدوات محلية ذات صلة بالعملية السياسية في العراق ليصل الحال إلى المواجهة المسلحة في بعض الأحيان ().

وفي إحاطتها إلى مجلس الأمن الدولي بتاريخ 26 آب 2020، ذكرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق السيدة جينين هينغيس بلاسخارت، “لقد تمت صياغة الدستور العراقي تحت ضغط كبير من الوقت في عام 2005، وكُرّسَت المبادئ العامة في النص مع ترك تنفيذها ليتم تحديده من خلال التشريعات الداعمة اللاحقة. ولكن بعد خمسة عشر عامًا، لا يزال هذا النقص في التحديد يُشّكّل الجدال بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. خمسة عشر عاماً دون اتفاق على التعزيز التدريجي للنظام الاتحادي؛ خمسة عشر عاماً من دون اتفاق بشأن توزيع الموارد الطبيعية أو حول المناطق المتنازع عليها؛ وخمسة عشر عاماً لم تُسَن القوانين التي تحدد بوضوح حقوق والتزامات كل من بغداد وأربيل.” (). إن عدم حل القضايا العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان يمكن أن تؤدي إلى صراع إذا زاد عدم الاستقرار في العراق.

إن فشل الحكومات منذ عام 2017 في احتواء حركة الاحتجاج الشعبية التي نشأت في الوسط والجنوب، وعدم الاستقرار الناجم عن ذلك، مصدر قلق للعراق، حيث تمثل حقول النفط في البصرة ومحطة تصدير البحر ما يقدر بنحو 95٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، علما أن العديد ممن تطوع للقتال ضد تنظيم داعش وساهم بالنصر عليه كانوا من الوسط والجنوب وعادوا إلى منازلهم مسلحين وبتدريب وخبرة عسكرية، إلا أن انعدام فرص العمل ووسائل كسب العيش وغياب الخدمات، خلق مساحة في النمو للسلاح المنفلت والشبكات الإجرامية. بالإضافة إلى القيود التي فرضها وباء كوفيد -19، فقد أدت هذه العوامل بالفعل إلى العنف ويمكن أن تتدهور أكثر مع استمرار حركة الاحتجاج. كما أن انعدام الأمن وعدم الاستقرار من شأنه أن يزود “داعش” بفضاء متزايد للعمل في المناطق التي ما زال يحتفظ بوجود فيها. كما أن استمرار الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة في العملية السياسية العراقية تنتهج سياسات قصيرة النظر وسياسات المحصلة الصفرية في محاولة لاختطاف المطالب المشروعة للشعب العراقي وهو ما يشكل عقبات رئيسة أمام التقدم.

ومن الجدير بالذكر أن قطاعات واسعة من المجتمع العراقي كانت قد فقدت الثقة، وتراجعت مشاركتها بالعملية الانتخابية، حيث بلغت نسبة مقاطعة التصويت في الانتخابات التشريعية العراقية نحو 59%، حيث أعلنت المفوضية العليا للانتخابات أن نسبة المشاركة “الأولية” تقدر بـ 41%، ووفق هذه الأرقام فإن نسبة المقاطعة تجاوزت تلك التي سجلت عام 2018. من جانبها اعتبرت رئيسة بعثة المراقبة الأوروبية فايولا فون كرامون أن نسبة التصويت الضئيلة “إشارة سياسية واضحة، وليس لنا إلا أن نأمل بأن تلتفت النخبة السياسية إلى ذلك”().

علاوة على ذلك، كانت هناك اتهامات بالاحتيال والتزوير في الانتخابات مع العديد من النتائج المتنازع عليها. إن انخفاض نسبة المشاركة سيكون متوقعا وذلك بسبب فقدان السكان إيمانهم وثقتهم، بأن أي من هذه الأحزاب يمكن أن يعالج المشاكل والتحديات التي يعاني منها العراق، وبالتالي، فإن هذا لا يجعل تشكيل حكومة على ضوء نتائج الانتخابات مهمة صعبة فحسب، ولكن يمكن أن يجهد أي ائتلاف قد يجري تشكيله، ويؤدي إلى مزيد من الاحتجاجات وبالتالي عدم الاستقرار والعنف.

 

تحدي الاحتجاجات وعدم الاستقرار 

شهد العراق ومنذ مطلع شهر شباط/فبراير عام 2011، موجة من الاحتجاجات الشعبية بدأت متأثرة بالاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 بعد سبعة عشر عامًا من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، تراكم العوامل – بما في ذلك آثار الانهيار الاقتصادي والفساد المستشري والتدهور البيئي الشديد والعنف القبلي والإجرامي ونقص الاستثمار في البنية التحتية ونقص فرص العمل وسوء الإدارة وتوفير الخدمات – أدى إلى فقدان ثقة الناس في النظام السياسي التقليدي وقادته. في وقت كانت فيه الاوضاع في العراق تشهد تفاقمًا في الأزمة الاجتماعية، ويشهد الوضع السياسي ازديادًا في التعقيد، دفعت إلى تفاقم الحركات الاجتماعية والاحتجاجية التي عمت عددا من محافظات العراق ومن ضمنها العاصمة بغداد. هذه التحولات في الحراك المجتمعي وارتباطها بالتحولات في المشهد السياسي، اكتسبت أهمية استثنائية، كونها تعكس جوهر الصراع المحتدم، بتجلياته السياسية والاجتماعية، واحتمالاته المفتوحة على أكثر من مآل، أدت في تشرين الأول/أكتوبر 2019، إلى اندلاع تظاهرات شعبية واسعة النطاق شهدتها المحافظات العراقية الوسطى والجنوبية، احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد الإداري والبطالة، واحتكار فرص العمل للأحزاب والقوى السياسية المتنفذة وتردي الخدمات الصحية والتعليمية والتباطؤ في اصلاح او إعادة إعمار البنى التحتية مثل شبكات الطاقة الكهربائية والماء والصرف الصحي(). حاولت حكومة عادل عبد المهدي قمع تلك التظاهرات باستخدام العنف المفرط، أسفر عن مقتل نحو 600 شخص وإصابة أكثر من 30 ألفا بجروح. وخلال السنتين الماضيتين، تعرض عشرات الناشطين للخطف والاغتيال أو محاولة الاغتيال، في عمليات نسبت إلى فصائل مسلحة موالية لإيران. مما أدى في النهاية إلى استقالة حكومة عادل عبد المهدي، وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة مصطفى الكاظمي الذي كان يشغل منصب مدير جهاز المخابرات العراقي، والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة.. وكان اللافت في سياق هذه التظاهرات واسعة النطاق دخول المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بقوة في تأييدها لمطالب المتظاهرين و تأكيد المرجع الديني الشيعي الأعلى في “العراق”، آية الله السيد “علي السيستاني”، على رفضه تدخلات القوى الخارجية لفرض رأيها على المتظاهرين في بلاده، في إشارة إلى “الولايات المتحدة” و ”إيران”، كما شددت المرجعية الدينية العليا على ضرورة احترام إرادة الشعب في اختياره لشكل نظام الحكم و “إن التغيير“ موكول إلى اختيار الشعب العراقي، وليس لأي شخص أو مجموعة أو جهة بتوجه معين، أو أي طرف إقليمي أو دولي أن يصادر إرادة العراقيين في ذلك، ويفرض رأيه عليهم”. استنادا” إلى ما سبق فان حركة الاحتجاجات التي اندلعت في تشرين الاول 2019، كانت حركة مطلبية، ولم تكن ذات طبيعة إثنوسكتيكية (Ethno sectarian Non) بمعنى ليست ذات طبيعة عرقية طائفية ().

إن الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية الكبيرة، التي يشهدها العراق اليوم، كانت تعبيرا واضحا عن حالة الصراع، الذي هو أساس التطور في وعي المجتمع العراقي باتجاه ضرورة التغيير وإصلاح النظام السياسي القائم على أساس المحاصصة الطائفية، وهو على الدوام، شيء غير ثابت، ومرتبط بتطور الأزمات الاجتماعية والسياسية وسواها، ومن الطبيعي القول إن الأزمة الاجتماعية والسياسية التي شهدها العراق في أعقاب الغزو الامريكي عام 2003، ارتبطت بمعاناة الناس المريرة في سائر ميادين الحياة، وهي التي أدت إلى عواقب اشتداد الصراع (الذي تمثل بتفاقم واستمرار الحركات الاجتماعية والاحتجاج)  الذي لا يمكن حله إلا بالتغيير. والتغيير المطلوب في العراق يعني، جوهريًا، ولادة جديد، وهي «عملية عسيرة ومعقدة تتم، عادة، في سياق الصراع بين القوى والأحزاب والتيارات السياسية التي تسلمت الحكم بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، التي تحاول الحفاظ على امتيازاتها بالاستناد إلى ثقافة المحاصصة الطائفية،  وقوى تتطلع إلى المستقبل، ساعية إلى التغيير، وبناء الجديد المتقدم، المنفتح على الاغتناء والتطور. وعلى الرغم من أن الاحتجاجات كانت ظاهرة شائعة في العراق، إلا أن الاحتجاجات في الجنوب تصاعدت أكثر من الاحتجاجات السابقة ويخشى عدم الاستقرار الخطير.

إن وجود عراق مستقر دون نزاع بين السكان والدولة، فضلاً عن ثقافة انعدام القانون، مهم في منع عودة ظهور تنظيم داعش الارهابي الذي قد يجد في جائحة وباء كوفيد-19 وحالة انتشار الاحتجاجات وانتقال القوات إلى الجنوب، المقترن بالعنف فضاء متزايد للأعمال الإرهابية وتهديد الأمن والاستقرار في العراق.

 

تحديات الأمن الوطني العراقي 

شخصت استراتيجية الأمن الوطني العراقي، والتي صادق عليها مجلس الأمن الوطني العراقي بجلسته رقم (21) في تشرين الاول 2015، ومجلس الوزراء في جلسته الاعتيادية رقم (66) بتاريخ 1/3/2016، معاضل قطاع الأمن الوطني العراقي وضرورة إجراء إصلاح شامل لهذا القطاع المهم وصولا إلى إنفاذ القانون وتحقيق العدالة لجميع العراقيين. وعند مراجعة ملف الأمن في العراق، نجد أن الأمن لا يسير بخط متوازٍ واحد، بل هناك مستويات متباينة جدا. ففي الوقت الذي حقق قطاع الأمن الوطني العراقي بأجهزته العسكرية والأمنية انتصارا حاسما على تنظيم داعش الارهابي، فإن الأمن والاستقرار داخل المدن العراقية لايزال يتعرض إلى الخروقات وإلى التراجع. ومن أبرز معاضل وتحديات قطاع الأمن الوطني العراقي ما يلي:

• عدم اكتمال وتشريع القوانين التي تنظم عمل المؤسسات العسكرية والأمنية.

• تعدد وكثرة مؤسسات الأمن في العراق، وهناك تقاطع في المهام والواجبات، وهذا يعني مشكلة بنيوية في هيكلية قطاع الأمن الوطن العراقي تمظهرت بانعدام المركزية والتنسيق والتعاون بين تلك المؤسسات.

• عدم وضوح الاستراتيجيات والسياسات وسياقات العمل لبعض المؤسسات الأمنية والعسكرية.

• الفساد الإداري والمالي وضعف الرقابة، والتدخلات السياسية في عمل الأجهزة والمؤسسات الأمنية.

• نقص واضح في مهارات الموارد البشرية في بعض التخصصات العلمية والتكنولوجية.

• ضعف الثقة وانحسار التعاون بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والمواطنين.

• التداخل وضعف التنسيق والتعاون والتكامل بين المؤسسات والأجهزة الاستخبارية.

• غياب منظومة قيادة وسيطرة مركزية تتمتع بصلاحيات تمكنها من حشد موارد البلاد البشرية والمادية والعسكرية لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

• زيادة حدة التوترات بين الأجهزة الأمنية والعسكرية الاتحادية وقوات البيشمركة الكردية وبعض قوات الحشد الشعبي.

 

تحدي الجيوش الرديفة

لم يغب عن أنظار ووعي الشعب العراقي والمراقبين المهتمين بالشأن العراقي التوترات التي طالما حصلت ولا تزال بين الجيش العراقي الاتحادي والأجهزة الأمنية الاتحادية من جهة وبين قوات البيشمركة وقوات الحشد الشعبي من جهة أخرى، لأسباب وخلفيات سياسية، في وقت تصاعد فيه حجم التأييد الجماهيري لكل من قوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركة بشكل كبير في أعقاب هزيمة داعش الارهابي، الأمر الذي جعل من طروحات تسريح أو دمج قوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركة بالمؤسسة العسكرية العراقية الاتحادية، مهمة صعبة المنال على الأقل في الوقت الراهن. من جهة أخرى تحتاج الحكومة الاتحادية إلى الأحزاب التي ترتبط بها قوات البيشمركة والحشد الشعبي للحفاظ على استمرارية الحكومة، ونجاحها في تطبيق برامجها، مما يمنح تلك الاحزاب والتشكيلات المسلحة المرتبطة بها الكثير من القوة لدفع أجندتهم الخاصة (). إلا أن الطبيعة المنقسمة والفردية لقوات البيشمركة وتشكيلات الحشد الشعبي والتي برزت بوضوح بالنسبة للبيشمركة إثر دخول القوات الاتحادية مدينة كركوك واستعادة المناطق المتنازع عليها في تشرين الأول 2017، وكذلك بالنسبة لتشكيلات الحشد الشعبي إثر استشهاد الحاج أبو مهدي المهندس في 3/1/2020، كل تلك العوامل قد تضع في الحسبان ترجيح انخراطها في نزاع عنيف. كما أن الطبيعة الإثنية لقوات البيشمركة وكذلك لبعض الفصائل ضمن قوات الحشد الشعبي (التركمان، الشبك، المسيحيين، اليزيديين)، قد يعني أيضا أن هناك فرصة أكبر للدخول في صراعات عرقية واثنية بوجود السلاح بيد قوى سياسية تدعي تمثيل تلك المكونات في مناطق مثل كركوك، وسنجار وسهل نينوى.

 

تحدي المناطق المتنازع عليها 

إن المناطق المتنازع عليها Disputed Areas، في العراق هي تلك المناطق التي تغيرت حدودها من قبل النظام السابق وهي تشمل مناطق في محافظة كركوك وديالى ونينوى وصلاح الدين ومقاطعات في إقليم كردستان العراق حيث يختلف حول ملكية هذه المناطق. ولم تنجح اي حكومة في التوصل إلى تنفيذ آليات لحل مشكلة المناطق المتنازع عليها ووضع حل رضائي ينهي التنافس بين القوميات الإثنية الطائفية المتنافسة حول ملكية الأراضي داخل المناطق المتنازع عليها، ما أدى في بعض الاحيان إلى نشوب صراعات عنيفة، في وقت تظل قضية السيطرة على تلك المناطق دون حل(). وقد أدى التنافس بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية للسيطرة على منطقة كركوك الغنية بالنفط إلى نزاع مسلح بين البيشمركة من جهة وبين الجيش العراقي، أدى إلى سيطرة القوات المسلحة الاتحادية على المنطقة في تشرين الاول /اكتوبر 2017، إلا أن القضايا المتعلقة بالملكية لأراضي منطقة كركوك ومناطق متنازع عليها أخرى بين سكان تلك المناطق، لا تزال قائمة ولم يتم حل النزاع حولها ما يجعل من احتمالات تحول النزاع إلى عنف مسلح واردة جدا الأمر الذي يهدد التعايش السلمي والسلم الأهلي.. ومما يزيد من حدة التوتر في المناطق المتنازع عليها، حالات التمييز الذي تقوم به المنظمات الدولية في تقديم الدعم والمساعدة داخل بعض المناطق المتنازع عليها خاصة في سهول نينوى، حيث تميل المساعدة إلى التركيز على المسيحيين واليزيديين، بينما تتجاهل بشكل كبير الشبك والعرب في نفس المنطقة، وهذا يخلق توترات بين المجتمعات وتعزز فرص الانقسام واحتمالات الصراع المجتمعي.

 

تحدي النزوح وعدم الاستقرار الأمني 

تنتشر العشرات من مخيمات النزوح في العراق منذ عام 2014، ويتركز وجود هذه المخيمات في الوسط والشمال، والتي أنشأت عقب أحداث 2014، وما تبع ذلك من معارك ضارية بين القوات الحكومية وعناصر تنظيم داعش الإرهابي، معارك أجبرت أكثر من خمسة ملايين شخص على النزوح من ديارهم والإقامة في مخيمات لا تتوفر فيها مستلزمات العيش والإقامة اللائقة. وفي إحاطتها إلى مجلس الأمن الدولي بتاريخ 26 آب 2020، ذكرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق السيدة جينين هينيس بلاسخارت “النازحين العراقيين المتبقين البالغ عددهم 1.4 مليون، والذي وصل الآن إلى أدنى مستوى له منذ ثلاث سنوات. من المفهوم أن يرغب كل عراقي في العيش في بلد بلا مخيمات نزوح ولكن هذه المخيمات لن تختفي حتى يتم إيجاد حلول دائمة.” () إن عودة النازحين بشكل كامل مرهونة بتوفير الخدمات وإعمار المنازل المدمرة، لكن قلة الموارد المالية وبطء عمليات تأهيل البنى التحتية للمدن المدمرة تعد العائق الرئيسي أمام عودة النازحين، وهذا عامل يمكن أن يخلق الصراع وعدم الاستقرار، علاوة على ذلك، فإن عدم وجود عمليات لتحقيق المصالحة في المناطق المتعددة الأعراق والطوائف ستكون مبعثا للعنف الدوري في العراق بين أطراف متعددة تخلق حالة من عدم الاستقرار، وفي نفس الوقت تتجاهل احتياجات السكان المحليين. ولذلك فان ملف النازحين والمخيمات سيظل مشكلة قائمة في العراق لسنوات قادمة، في وقت باتت فيه المخيمات أرضا خصبة للتزوير في الانتخابات، فضلا عن أنها تشكل ثغرة للفساد وتبييض الأموال من قبل الحكومات المحلية والمنظمات على حد سواء. وما لم تقوم الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية بمعالجة واقع مخيمات النزوح تلك وتعمل على إعادة النازحين إلى ديارهم، فإن السنوات القادمة ستشهد نشأة جيل جديد عاطل عن العمل، فضلا عن افتقاره لأبسط حقوق المواطنة وأبسط مستلزمات الحياة الكريمة أولها التعليم والسكن والخدمات.

إن بعض معاضل النازحين في العراق تتمثل في صعوبات العودة إلى مساكنهم بسبب الأضرار الكبيرة و / أو عدم وجود وثائق قانونية للمنازل، وفي بعض الحالات تشغل منازلهم. إن المنافسة المعززة على الموارد وملكية الأراضي ومحدودية سُبل المعيشة في المناطق ذات الأمن الضعيف من المحتمل أن تؤدي إلى صراع بين الطوائف مع عودة المزيد من الناس دون استثمار كبير في العملية.

 

تحديات التدخل الدولي والإقليمي

منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، بات العراق ساحة للتدخلات المختلفة سواء الإقليمية والدولية ما وضع أمن واستقرار العراق، وباتت ديناميكيات الصراع المجتمعي والسياسي مرهونة بشكل واضح بمستوى تصاعد واحتداد التوترات الدولية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، لأهمية العراق من ناحية الموقع الجغرافي والجيوسياسي والاقتصادي. وبعد 19 عاما على الاحتلال الأمريكي للعراق بات العراق ساحة للمواجهة السياسية وحتى العسكرية بين طهران وحلفائها في العراق وبين واشنطن وحلفائها في المنطقة، الأمر الذي عكس بصماته على الواقع السياسي والأمني في العراق تمثل بضياع بوصلة القوى السياسية والحزبية العراقية تجاه تحقيق مصالح العراق وباتت العملية السياسية العراقية تتراجع ما ينذر بحدوث تغيير دراماتيكي في مشهد الصراع وعدم الاستقرار في العراق ().

الاستراتيجية الامريكية في تحييد تأثير النفوذ الايراني على الساحة العراقية ترتكز على إعادة تنشيط التحالفات الأميركية التقليدية والشراكات الإقليمية كـمصد ضد النفوذ الإيراني في العراق، تحت عنوان ومبرر مواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية والأسلحة الأخرى الموجهة ضد الولايات المتحدة وحلفائها. الأمر الذي وضع العراق باعتبار النفوذ الإيراني المتزايد فيه، أولوية للسياسة الأمريكية الخارجية. ولذلك فان السلوك الأمريكي الراهن تجاه العراق يتجه نحو عودة الانغماس والتدخل في الشأن العراقي، خصوصا في الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية.

أما بالنسبة للاستراتيجية الإيرانية في العراق وموقفها من التواجد الأمريكي فهي تنطلق من اعتبار أن استمرار بقاء القوات الأمريكية في العراق تهديدا حقيقيا يستهدف وجودها، ولذلك تسعى ايران إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي على الأراضي العراقية، بالتعاون مع حلفائها في العملية السياسية العراقية، إلا أن هذا المسعى يضع الحكومة العراقية أمام تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية جسام فيما لو قامت بفتح جبهة صراع جديدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو أن الحكومة العراقية لا تفكر حاليا في تغيير الوضع الخاص، الذي تتحرك بموجبه القوات الأميركية على الأرض العراقية. وحتى بعد صدور قرار من مجلس النواب العراقي يطالب بانسحاب القوات الأمريكية من العراق()، فالأجواء الإقليمية غير مستقرة، فهناك قلق حقيقي من الغارات التي تشنها إسرائيل على الحدود العراقية السورية، والتي تستهدف القوات الإيرانية وحلفائها، وخشية أن تمتد هذه الغارات إلى الداخل العراقي، لذلك تسعى الحكومة العراقية إلى تجنب الانعكاسات الخطيرة للغارات الإسرائيلية على الأمن الوطني العراقي، كما أيضًا تحاول في نفس الوقت بكل جهد أن تحافظ على التوازن في العلاقة بين واشنطن وطهران.

من جهة أخرى لا تزال التوغلات المتكررة للقوات التركية في عمق الاراضي العراقية بحجة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK)، تثير الكثير من الجدل حول مفهوم السيادة العراقية، فضلا عن تهديد تلك التوغلات للأمن الوطني العراقي()، الأمر الذي بات يلقي بضلاله على السلم الأهلي خصوصا في المناطق الشمالية من العراق. وتمتلك تركيا رؤية استراتيجية حيال تركمان العراق، تتجاوز الدور الإنساني، وتستثمر قضاياهم للتدخل بالشأن العراقي ليس فقط باستخدام الوسائل الناعمة، بل تهدد في أكثر من مناسبة بتفعيل أدوات القوة الخشنة إن لزم الأمر. هذه السياسة التركية إزاء الاوضاع في العراق تشكل في بعض جوانبها دافعا للقوى الإقليمية والدولية المناوئة لتركيا بسحب ودفع بغداد بعيدا عن أنقرة لما يشكله الموقع الجيوبوليتيكي العراقي من أهمية بالنسبة لأشكال الصراع في المنطقة بالإضافة للعلاقات التجارية واسعة النطاق بين العراق وتركيا.

 

سلبية التأثيرات المناخية على الأمن الوطني العراقي 

تحدد وزارة البيئة العراقية في تقريرها عن (حالة البيئة في العراق لعام 2017) مؤشرات التغير المناخي في البلاد بأربع نقاط أساسية وهي: ارتفاع معدلات درجات الحرارة، قلة التساقط المطري، ازدياد شدة هبوب العواصف الغبارية مع نقصان المساحات الخضراء. وتتمثل هذه التغيرات بحسب التقرير ذاته، في تهديدها “الأمن الغذائي، نتيجة تراجع الموارد المائية وتقلص الإنتاج الزراعي وتدهور الغطاء النباتي وفقدان التنوع البيولوجي. كما يشكل تغير المناخ تهديداً لاستثمارات اقتصادية حيوية، فضلاً عن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية والصحية وانتشار الأمراض وتفاقم الأوبئة” ().

لذلك فان الآثار الناتجة عن التغير المناخي في السنوات الأخيرة مثل موجات الحرّ المتطرفة والتصحر وشح المياه في جميع أنحاء البلاد، تشكل تأثيرا” واضحا” على الأمن المائي والغذائي. إن هطول الأمطار غير المنتظمة، وارتفاع درجات الحرارة عن المتوسط أدى إلى انخفاض تدفقات الأنهار العراقية بنسبة 40٪، وهو ما يؤثر سلبًا أيضًا على الأمن الغذائي. كما أدى سوء إدارة المياه إلى ارتفاع ملوحة المياه، لا سيما في الجنوب. من المتوقع أن يزداد المناخ في العراق سوءاً في السنوات القادمة ما يزيد من الضغط على الموارد المائية والزراعة والظروف المعيشية. بحلول عام 2050، من المتوقع أن ينخفض معدل الأمطار السنوي بنسبة 9٪، في حين من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة السنوية المتوسطة بمقدار درجتين مئويتين. بالإضافة إلى ذلك فإن 92٪ من المساحة الإجمالية للبلاد معرضة لخطر التصحر. وباستثناء المناطق الجبلية في إقليم كُردستان، تتميز غالبية المناطق الأخرى في البلاد بطبيعة جافة أو شبه جافة لا تتجاوز فيها نسبة هطول الأمطار 150 ملم سنوياً. ولهذا السبب يعتمد العراق على سقوط الأمطار خارج حدوده الوطنية لتأمين أكثر من نصف احتياجاته المائية، الأمر الذي يجعله عرضة لتحديات جمة فيما خص أمنه المائي والغذائي، وذلك بسبب تبعيته المناخية الطبيعية والجيوسياسية لدول الجوار: تركيا وإيران وسوريا (). وخفضت مشاريع تخزين المياه في دول الجوار، معدلات التدفق في نهري دجلة والفرات، وهما المصدران الرئيسيان لمياه العراق السطحية، إلى أقل من ثلث طاقتهما عام 2018 وقد تخفضها أكثر في السنوات المقبلة، الأمر الذي يضع الأمن الوطني العراقي أمام تحديات جمة بالغة الخطورة يمكن تلخيصها بالنقاط الخمسة التالية:

• تناقص سبل المعيشة الزراعية بسبب نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة اللذان يؤثران سلباً على الإنتاج الزراعي وقدرة المزارعين على جني المحاصيل، إن انعدام الأمن في سبل المعيشة يمكن أن يوفر فرصة لتجنيد الإرهابيين، لا سيما في المناطق المحررة من داعش. لذلك ترتبط إدارة المياه والاستثمار الزراعي ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار والأمن والسلام.

• عدم كفاية قدرة الدولة على إدارة والتصدي لتغير المناخ وتدهور البيئة: أدى الفساد وسوء الحكم والحروب وعقوبات الأمم المتحدة وإرث نظام صدام حسين إلى إضعاف الاقتصاد العراقي وقدرة الدولة على التخفيف من آثار تغير المناخ وتحديث البنية التحتية للمياه والقطاع الزراعي.

• زيادة الاعتماد على تدفق المياه من الجيران والاستقرار الإقليمي: تتدفق مياه الأنهار في العراق من جيرانها مما يجعله يعتمد على ما تسمح دول الجوار (تركيا ايران وسوريا) بالتدفق من مياه الأنهار. بينما يتسبب تغير المناخ في سقوط المزيد من عدم انتظام سقوط الأمطار في المنطقة، أصبح العراق أكثر اعتمادًا على الاستقرار الإقليمي للحفاظ على وصوله إلى المياه. مشاريع السدود في إيران وتركيا (يتلقى العراق 80٪ من مياهه من تركيا) هي المسؤولة جزئياً عن العراق الذي يعاني من أسوأ أزمة نقص للمياه منذ 80 عاماً. إن زعزعة الاستقرار في البلدان المجاورة – سواء من خلال الصراع أو انخفاض هطول الأمطار – ستزيد من معاضل الأمن المائي والغذائي في العراق. لا توجد حتى الآن أي اتفاقات أو أطر عمل رسمية لتقاسم المياه بين العراق وكل من إيران وتركيا، وبالتالي فإن العراق عرضة لأي خلافات على القضايا الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأمنية الأخرى، مع تركيا وايران.

• النزوح الجماعي والهجرة القسرية: يمكن أن يؤدي مزيج من البنية التحتية المهملة، وزيادة تقلبات الأمطار، ومشاريع السدود في البلدان المجاورة إلى زيادة خطر النزوح والهجرة القسرية على طول الأنهار في العراق المكتظة بالسكان. يعيش سبعة ملايين شخص في خمس محافظات على ضفاف نهر دجلة. لا يزال سد إليسو في تركيا بحاجة إلى أن يصبح جاهزًا للعمل بشكل كامل، ولكن من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى خفض إمدادات المياه إلى العراق بنسبة 60٪. سوف تتأثر سبل معيشة مئات الآلاف من الأشخاص، مما قد يتسبب في النزوح والهجرة الحضرية القسرية. ونتيجة لذلك، قد تزداد احتمالية حدوث صراع بين المجتمعات المضيفة والنازحة بشأن الموارد المتجددة وفرص العمل النادرة والخدمات العامة.

• تصاعد التوترات الطائفية حول الحصول على الغذاء والماء: يؤثر تقلب المناخ وتغيره تأثيراً قوياً على سبل العيش والوصول إلى الموارد الأساسية، مثل الغذاء والماء. إن الضغط على الموارد الشحيحة المتبقية، سوف يزيد من مخاطر التوترات داخل المجتمعات المحلية وفيما بينها. على سبيل المثال، أدى تناقص الموارد المائية في جنوب العراق إلى مظاهرات ومصادمات محلية حول حقوق المياه.

تعتبر ندرة المياه في العراق قضية خطيرة، فضلاً عن انعدام الكهرباء والعمالة والفساد المستشري هي المسؤولة عن حركات الاحتجاج في الجنوب. هناك مخاوف من أن أزمة المياه في العراق ستقود النزاع – من خلال الهجرة، والصراعات المحلية، والاضطرابات المدنية. إن كل من القضايا المتعلقة بالمناخ والافتقار التاريخي للاستثمار وصيانة البنية التحتية هي المسؤولة عن الوضع الحالي الذي جعل بعض أشكال الصراع المرتبط بالمياه حتمية. لقد تحولت الاحتجاجات بالفعل إلى أعمال عنف وكان هناك عدد من النزاعات القبلية التي تحولت إلى العنف حول الموارد المائية للزراعة. فضلاً عما تم التطرق اليه، هناك قطاعات أخرى غير المياه والزراعة والتنوع الأحيائي، تأثرت بالتغير المناخي في العراق مثل قطاعي الصحة والتعليم. وتشير وزارة البيئة العراقية إلى “زيادة معدل الوفيات والإصابة ببعض الأمراض التي قد تنتقل بالمياه والأغذية الملوثة وكذلك ببعض الأمراض مثل الكوليرا والملاريا والتيفوئيد، والأمراض غير المعدية، كأمراض الجهاز التنفسي كالحساسية والربو والأزمات القلبية وأمراض سوء التغذية وتلك التي يرتبط بعضها بتغير الظروف البيئية للحشرات الناقلة لهذه الأمراض نتيجة تغيرات المناخ، فيزداد تأثيرها في صحة الإنسان.

 

الخاتمـة

مما لا شك فيه أن الحكومة العراقية التي ستنبثق في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت، ستواجه تحديات عديدة، أولها اختيار رئيس الوزراء المقبل، الذي يجب أن يحظى بمقبولية ضمن الفضاء الوطني، بمعنى أن لا يكون محسوبا على اتجاه معين بل يوازن بين رغبات الفرقاء السياسيين الذين تحصلوا على عدد مؤثر من المقاعد في مجلس النواب المقبل. إلا أن الغموض لايزال يخيم على إنتاج حكومة عراقية قادرة في ظل التجاذبات الداخلية والتدخلات الخارجية، على مواجهة التحديات وتلمس سبل مغادرة حالات الصراع وعدم الاستقرار التي تهدد وحدة العراق وأمنه الوطني..

 

التوصيات

رغم كل محفزات الصراع وعدم الاستقرار، وما جرى من تحفيز وتحريض على الكراهية في المجتمع العراقي، فلا يزال هناك متسع لمغادرة حالات الصراع وعدم الاستقرار، وفرصة للحد من انتشار وتفاقم الكراهية …

• ان إعادة النظر بالأطر القانونية والدستورية وإعادة صياغتها باتجاه التسامح وقبول الآخر والسعي الجاد للتعايش السلمي مع الآخر وتجاوز الماضي وإرهاصاته المؤلمة ستكون مدخلا مهما لتفكيك الكراهية والتحكم باتجاهات حركتها وصولا إلى لجّمها، ما سيفر عن بيئة مناسبة للتعايش السلمي والتنمية المجتمعية المستدامة..

• إن التحولات الديمقراطية في إطار من الوعي بإشكاليات هذه التحولات ستكون واحدة من كوابح الكراهية في المجتمع العراقي.. كما أن بناء نظام سياسي مؤسساتي سيكون صمام الأمان لحرية المواطنين في اختياراتهم الثقافية والسياسية وبناء الثقة فيما بين مختلف المكونات المجتمعية باتجاه هوية وطنية حقيقية جامعة.

• إن مراجعة الاختلالات في بنية العملية السياسية والتي من أهمها مراجعة الدستور بموضوعية لابد أن تكون باتجاهات تنهي الطائفية السياسية وتعتمد الهوية الوطنية كأساس يحقق العدالة الاجتماعية بعيدا عن المحاصصة الطائفية والالتزام بالتعايش السلمي مع جميع الشركاء في الوطن واحترام الإنسان والحفاظ على حريات المختلفين دينياً ومذهبياً وفكرياً واحترام مقدساتهم، وحماية الأقليات وقدسية دور العبادة لجميع الأديان والمذاهب، وهذا يمثل أساساً للمصالحة المجتمعية.

• إن إلغاء المظاهر المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة سيعيد للدولة هيبتها وقدرتها على محاربة كل أشكال الفساد الإداري والمالي وإنجاز البرامج والخطط التي تستهدف بناء الإنسان وإعادة إعمار ما دمرته الحروب لاسيما الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي.

• إن من أهم متطلبات دعم الأمن والاستقرار، مراجعة وإنجاز برامج إصلاح قطاع الأمن الوطني العراقي، كونه ذا أهمية حاسمة في تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وإن عدم الإسراع في إنجاز برامج إصلاح قطاع الأمن الوطني، قد يهيئ البيئة ويفسح المجال أمام نشوء واندلاع صراع مستقبلي تكون ضحيته الفئات الهشة والضعيفة في المجتمع العراقي فضلا عن تداعياته السلبية على اتجاهات التنمية المستدامة في العراق.

• إعادة النظر في منظومة القيادة والسيطرة من خلال إنشاء قيادة عسكرية عليا للقوات المسلحة(قيادة عامة للقوات المسلحة)، وهي القيادة التي تقود القوات المسلحة زمن الحرب،  وتقدم المشورة وتساعد القائد العام للقوات المسلحة لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، لغرض تسهيل وتيسير الاستخدام الأمثل للقوات المسلحة (بمختلف مسمياتها) وموارد الدولة اللوجستية المتاحة، وتوحيد مصدر القرار العسكري الاستراتيجي في السلم والحرب، وخلال الأزمات وإدارتها وتماشيا مع المواد (9) و (78) و (80) من الدستور العراقي لسنة 2005 ، وتعتبر أعلى سلطة في زمن الحرب وتحدد صلاحياتها ومسؤولياتها بناء على توجيهات وتوصيات مجلس الأمن الوطني وتحدد بقانون.

• من الضروري بناء سياسة خارجية متوازنة وغير متقاطعة في البيئة الإقليمية والدولية الساخنة، وحسم كل الملفات العالقة (الحدود، المياه والأمن)، وهذا يتطلب بالضرورة وحدة الموقف، بين الحكومة بصفتها تمثل الجهاز التنفيذي وبين القوى السياسية الفاعلة في العملية السياسية، والتي يفترض أن تضع في أولى أولوياتها المصالح العليا للدولة والشعب العراقي.

الهوامش والمراجع

( ) القطاطشة، محمد حمد، النزعات الانفصالية: كردستان العراق نموذجا: دراسة في البعدين المحلي والإقليمي، المجلة الأردنية في القانون والعلوم السياسية، المجلد 11، العدد 3 (30 سبتمبر/أيلول 2019)، الناشر جامعة مؤتة عمادة البحث العلمي ص ص. 43-74.

( ) اسعد سليمان، العراق: جذور الصراعات الداخلية، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3FQmwVo .

( ) ثامر بدوي، حملة الكاظمي ضد التنظيمات شبه العسكرية المدعومة من إيران، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3lENTcB .

( ) الأمم المتحدة، العراق: كوفيد-19 وانخفاض أسعار النفط يفاقمان الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3BHs02d .

( ) نسبة المشاركة تبلغ 41% في الانتخابات التشريعية العراقية، على الرابط الالكتروني ، https://bit.ly/3j4Nvm7 .

( ) جاسم الحلفي، كيف ينظر جاسم الحلفي الى واقع انتفاضة تشرين وعملية تجديدها؟ ، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3AGA8yG .

( ) جون ديفيسون، نظرة فاحصة-اضطرابات دامية.. ماذا يجري في العراق؟ على الرابط الالكتروني ، https://www.reuters.com/article/iraq-protests-ia7-idARAKBN1WI1DP .

( ) للمزيد من المعلومات ينظر، ريناد منصور وفالح عبد الجبار، الحشد الشعبي ومستقبل العراق، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، بحث منشور على موقع المركز، https://carnegieendowment.org/files/Paper_Renad_Mansour_PMF_Final_1June.pdf .

( ) المناطق المُتنازَع عليها في العراق: مُعضِلة الأمن والجغرافيا السياسية، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3vi3MZI .

( ) هذا هو حال العراق، إحاطة بلاسخارت إلى مجلس الأمن، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3p4OKpi .

( ) خالد العرداوي، عصر ما بعد سليماني…مستقبل الصراع بين واشنطن وطهران وانعكاساته على الوضع السياسي في العراق، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3FUrbW4 .

( ) مجلس النواب العراقي يطلب من الحكومة إنهاء تواجد قوات التحالف الدولي وأي قوات أجنبية في العراق، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/30ytE8A .
( ) أحمد السهيل، التدخل التركي في العراق بين التساؤلات والمخاوف، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3p5BGzR .

( ) تقرير وزارة البيئة العراقية، حالة البيئة في العراق لعام 2017، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3FPTo0n .

( ) تغريد قاسم أبو تراب، دور السياسة البيئية في معالجة مظاهر التدهور البيئي في العراق، على الرابط الالكتروني، https://bit.ly/3aLS8wZ .

 

*لواء ركن متقاعد، مستشار المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب

زر الذهاب إلى الأعلى