الرئيسيدراسات وبحوثسوريا

ما بين المركزية الأوليجاريشية واللامركزية الريعية.. تحولات السياسة الاقتصادية السورية

د. جمال الشوفي

– توطئة:
على الرغم من وجود أرقام ذات دلالة على الوضع الاقتصادي السوري، سواء الحالي اليوم، أو خلال العقود الستة تقريباً الماضية، إلا أنها لا تمثل قاعدة بيانات واضحة للتحليل الاقتصادي! فهي، أي الأرقام، قابلة لتحليل البنى المستقرة ذات السياسة الاقتصادية الواضحة والمحددة، سواء كانت ثابتة كبنية سياسية (برجوازية أو اقتصاد السورق التنموي أو نامية…) منها او المتغيرة مع المؤشرات الاقتصادية مع الزمن.
وإذ يبدو أن الأرقام مفيدة جداً في القراءات الاقتصادية بغية التوصيف وإيجاد الحلول وذلك خلال الازمات والاخفاقات الاقتصادية أو في سياق التنمية والتطوير، إلا أنها في النموذج السوري تبدو مخاتلة وخادعة وليست ذات وضوح في إعطاء صفات محددة في توصيف طبيعة الاقتصاد وطرق ادارته وذلك لأسباب متعددة أهمهما:
-لا يوجد بنية اقتصادية واضحة ذات هيكلية محددة لطبيعة الاقتصاد السوري طوال العقود الماضية، إذ يختلط فيها الاشتراكي بالرأسمالي بالإقطاعي بالوسيط التجاري (الكومبرادوري) معاً وتعمل كلها في ذات الوقت.
-السرية شبه التامة على الكثير من الموارد والمصروفات الاقتصادية السورية، وما يظهر منها من خلال الموازنات هو الجزء المتاح للإعلان والافصاح عنها ولا تعكس طبيعة البنية الاقتصادية العامة.
-سورية دولة ذات هيمنة سلطوية اوليغارشية مركزية الاستبداد السياسي، وقد تبدو هذه السمة توضح مدى عدم وضوح القراءات الاقتصادية، حيث أن الاقتصاد بذاته وعلى الرغم من علاقته العضوية الوثيقة بالسياسة، لكنه يكون قابلاً للقياس عندما يكون النظام السياسي واضحاً ومحدداً على أرضية البنى السياسية العالمية العامة القابلة للقياس، بينما تبدي النظم الاستبدادية انغلاقا محكما على طبيعة النظام الاقتصادي مكتفية باظهار ما تريده للعلن، ما يجعل التحليل الاقتصادي المنفرد وأرقامه ودلالاتها غير قادرة على تحليل البنى الاقتصادية وسيرورتها وتوقعها المستقبلي.
-دخول سورية في أتون ثورات الربيع العربي منذ 2011، أدى الى تغيرات واضحة في طبيعة السلطة المركزية السورية سياسياً واقتصادياً، أهمها الدخول في اقتصاد وسياسة الحرب، ما أدى لتغير في السياسات الاقتصادية وتحولها الى سياسات الانفاق العام خاصة الحربي، كانت نتيجته التدهور العام على مستوى الحياة والدولة ومستوى المعيشة العام.

 

– فرضية الدراسة:
ومع هذا، فإنه من الممكن تحديد سمات النظام الاقتصادي السوري من خلال ما يعكسه التدهور العام في الحالة السورية، وما تعكسه صفات النظام السياسي السوري والتي نجيز فرضيتها بالتالي:
سياسة الاقتصاد السوري هو اقتصاد مركزي مغلق، تحكمه التسلطية السياسية المركزية كما أسماه خلدون حسن النقيب، بالدولة التسلطية، المهيمنة كلية على كافة موارد الدولة بشرياً ومادياً واقتصادياً وسياسياً بطريقة الإدارة المحكمة أمنياً أو ما يسمى بالدولة الأمنية العميقة. والمتحول اليوم الى نظام اقتصاد لامركزي ريعي متعدد الموارد، يقوم على جني الريعية الربحية من خلال تأجير مجمل الموارد الاقتصادية السورية للخارج أو لشركائهم المحليين، مع توزيع سورية لقطاعات انتفاع محضة تستنزف كافة مواردها دون ان ينهار نظامها السياسي!
وهذا ما يعني بمقاربة أولية:
التغير من السلطة المركزية الى اللامركزية الخدمية مع الاحتفاظ بالهيمنة المركزية الأمنية السياسية. مع استمرار الربحية الحكومية السلطوية فقط على حساب الدولة والمجتمع.
ربما من الأصلح وضع التسميات في سياقها، والسياق الاوضح لتوصيف هذه الفرضية هي المقايضة، والمقايضة تعني المبادلات السلعية دون تدخل وسيط نقدي. وتحدد المقايضة حسب الحاجة، فحاجة استمرار السلطة ومركزيتها الأمنية، تطلبت مقايضة السياسة والحياة السياسية والتغيرات الممكنة فيها لصالح الدولة والمجتمع، مقابل العمليات الاقتصادية والمالية لذوي النفوذ المتسعة رقعتهم على كامل الجغرافية السورية، ومنحهم امتيازات مالية محددة، إضافة الى التحول الى اللامركزية الخدمية على مستوى الأقاليم مع الاحتفاظ بالمركزية المهيمنة سياسياً. والمقايضة هنا تدلل بوضوح على استمرار بنية النظام السياسي المركزية دون هزات عنيفة مع تدهور عام في البيئة الاقتصادية العامة.

 

– تحديدات أولية:
المركزية الأولغارشية:
هي نموذج الحكم السياسي مركزي الطابع والهيمنة الاستبدادية. وهو يقوم على حكم أقلية تتركز بين يديها مقدرات الدولة وكيفية ادارتها وتقاسم ثرواتها. حدد أفلاطون نماذج الحكم السياسي وقسمها إلى خمسة أصناف للحكم وهي: الأرستقراطي، التيموقراطي، الأوليجارشي، الديموقراطي، الطغيان. وحكومة الطغيان، والتي هي أسواء أنواع الحكم ((هي حكومة الفرد الظالم والحكم الجائر حين يسود الظلم الكامل بغير خجل أو حياء))، فكيف وإن اشتركت مع قلة ممن يمتلكون حق التصرف المطلق في السياسة والاقتصاد وإدارة شؤون البلاد، حينما تجمع بين الأولجارشية كحكم القلة المتنفذة مع الطغيان الفردي! في هذا السياق اشتق خلدون حسن النقيب مفهوم الدولة التسلطية، وهي نموذج السلطة المهيمنة على مقدرات الدولة في العصر الحديث، والتسلطية هنا تعني كما أوردها النقيب: ((التسلطية هي التعبير المعاصر للاستبداد التقليدي، وهي وليدة القرن العشرين)). خلقت هذه التسلطية لنفسها الامتيازات والأجهزة والتنظيمات الوسيطة التي ترعى هذه الامتيازات على كافة الصعد السياسية والمالية والاقتصادية، حيث أصبحت تلك التنظيمات الوسيطة تعمل بظل مركزية الدولة التسلطية، وإن بدت مستقلة عنها ظاهرياً ((إنما هي امتداد لأجهزة الدولة ووسيلة فعّالة، أو بالغة الفاعلية، للضبط الاجتماعي ولسيطرة الدولة على الاقتصاد والمجتمع)).

– الريعية:
اقتصاد الريع والريعية هو ((كل دخل دوري غير ناتج عن العمل أو الدفعات المنتظمة المتأتية عن الملكية العقارية. فالريع مفهوم متعدد الجوانب وتطور عبر الزمن ولكنه بقي محافظاً على جوهره مع تعدد أشكال ظهوره، ومحدد بأنه الدخل غير الناتج عن العمل))، وارتبط تاريخياً مفهوم الريع بالملكية العقارية في المراحل التاريخية الاقطاعية أو العبودية السابقة، ففي المفهوم البدائي للريع أنه الدخل الذي يحصل عليه مالك الأرض نتيجة وضع ملكيته بتصرف الآخرين مقابل عائد معين عينياً كان أم نقدياً. الريع وإن كان مرتبطاً كمفهوم أساساً بالإقطاع ونموذجه السائد في أوروبا قبل الثورة الفرنسية، وانتهائه مع التحول البرجوازي، إلا أنه بقيت نماذجه التاريخية المستمرة لليوم متعددة الصفات، واهم تمظهراته في العصر الحديث هو الريع الخارجي بمعنى تأجير كافة الموارد الطبيعية من الثروات الزراعية والمعدنية خاصة المتعلقة بالطاقة للخارج والاستفادة من أرباحها دون اجراء تنمية أو تطوير في البنى الاقتصادية كما في غالبية دول الخليج العربي. والريع الآخر هو الريع الوظيفي من خلال الميزات التي يتلاقاها الموظفون حسب مناصبهم، من قبيل السكن واليات النقل وغيرها، مقابل تأدية خدماتهم للدولة، ((تكمن خطورة الريع، مقارنةً بالفساد أو سوء استخدام المال العام، في أنه يكتسب طابعاً “قانونياً” إذ أن الأحكام التي ترعاه عادة ما تكون مكرّسةً في القوانين والمراسيم)). ويمكن هنا التفريق بين نموذج الاقتصاد العام القائم على حرية التنافس السياسي والاقتصادي الإمكانيات وتساوي الفرص الوظيفية كما في الدول البرجوازية الديموقراطية، وبين الدول القائمة على المحسوبيات والفساد والمتنفذين، حيث يصبح الريع الوظيفي وسيلة هامة لزيادة مركزية السلطة وولاء المستفيدين منها حسب درجاتهم الوظيفية. ما يجعل الامتيازات الوظيفة محط طموح لإرضاء أصحاب النفوذ السياسي والمالي، ووسيلة لخلق بيئة فساد عامة تتعلق بالمنافسة غير الشريفة واللجوء الى التقارير الأمنية الكيدية واحتكار الامتيازات العامة والوظيفية يتحول معها الإنسان لسلعة عرض وطلب، بعدما تحكّمت بشؤونه كل أنواع التسلط القهري السياسي والمركزي.

 

– التغيرات البنيوية في السياسات الاقتصادية السورية:
اتسمت سورية منذ عقود بالدولة الديكتاتورية الشمولية مركزية الطابع، مع هيمنة أمنية سياسة مطلقة من خلال بتية وتركيبة السلطة العسكرية الأمنية الموصوفة بالدولة التسلطية أعلاه. وهذا ما له انعكاسات على طبيعة توصيف البنية الأولى لطبيعة نظامها الاقتصادي والمالي الأول. فبمراجعة متفحصة لطبيعة النظام السياسي السائد في سورية خلال العقود الماضية، نجد كل الأدلة التي تشير إلى مركزيته الأوليجارشية، كحكومة طغيان، ودولة تسلطية حديثة أهم سماتها:
-الاستحواذ والاستيلاء الكلي على الدولة ومقدراتها المالية والاقتصادية: من خلال تعيين العسكر في المراكز القيادية، والاستيلاء على النظام السياسي عبر إلغاء الأحزاب السياسية والتضييق عليها، ومنعها من العمل العلني، وهذا ما يتضح تماماً منذ انقلاب حزب البعث العسكري فيما يسمى بثورة أذار عام 1963، والعمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية المعمول به منذ 1963، والذي بقي ساري المفعول لحين استبداله بقانون الإرهاب عام 2012. كما ونص دستور 1973 على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع التي أتاحت التحكم المطلق بالدولة سياسياً ومالياً واقتصادياً.
-تعليق العمل بالدستور جزئياً والحكم بالمراسيم الرئاسية النافذة: حيث موقع الرئاسة موقع سياسي وعسكري ومقرر دستورياً يصادق على قرارته مجلس الشعب، ويعين أعضاء المحكمة الدستورية، وغيرها التي تتيح إمكانية تحرير القوانين لمصلحة الحكم المتنفذ بالبلاد، وإعطاء ميزات مالية واقتصادية للمتنفذين محكومة السيطرة في صناعة القرار السياسي وانعكاساته كما بدأت تتضح مع تحولات البنى المالية السورية، لمصلحة طبقة قليلة من المتنفذين من خلال المرسوم رقم 10 للاستثمار عام 1991 وتعديلاته. وذلك الذي فسر لاحقاً بالاقتصاد الاجتماعي في بداية العقد الأول من القرن الحالي قبل اندلاع الثورة. حيث يُلاحظ تزايد طبقة المنتفعين من ذيول القانون، بينما بقيت الموارد الأساسية حكراً بيد قلة من الطبقة الحاكمة، كان أبرزها ظاهرة رامي مخلوف وشركاته الاخطبوطية من خلال هيمنتها على قطاع الاتصالات وغيرها من الشركات المالية القابضة.
-خلق تنظيمات جديدة مصطنعة تحت السيطرة: والهيمنة عليها امنياً كمؤسسات القطاع العام والنقابات والمنظمات والجمعيات التي ترتبط مباشرة بمركزية الدولة التسلطية، ودورها في عملية قمع وإخضاع الجماهير من خلال تعيين المريدون والمؤيدون واعطائهم ميزات وظيفية ريعية. وهؤلاء يصبحون قوة عددية يخصص لها النفوذ والمال والامتيازات الاستثنائية، حيث تصبح الدولة حزباً واحداً ونموذجاً سلطوياً وصائياً متدرج الهيمنة، لكنه محكوم بالمركزية الأولى.
-رغم اعلان سورية جمهورية اشتراكية والقيام بالتأميم المتتالي للقطاع الخاص، إلا أن إعادة توزيع الامتيازات من خلال القطاع العام وتركيز السلطة في يد حكم الفرد والأقلية المحيطة به، أدت إلى تحويل الدولة المسماة “اشتراكية” الى نموذج للاقتصاد الريعي القائم على إعادة توزيع الأرباح وتدويرها بين يدي القلة المتحكمة، وتحويل الشعب الى أدوات للإنتاج محكومة بقدر الأجور وجداولها التي تقوم الحكومة بإنفاقها، هذا مع تفريغ الدولة من مبادرات القطاع الخاص وقدراته التنموية، وتحويله إلى قطاع مأجور يشارك بعملية الاستحواذ المالي ومحاصصة الاقتصاد، دون ان يكون له شأن بالقرار السياسي بقدر الوصول إلى قرارات ومراسيم رئاسية تتيح له النفعية في ظل السلطة المركزية، وذلك من خلال تحالف ما سمي بتحالف العسكر ورأس المال.
-منذ بدء الحراك الشعبي عام 2011 والمتسع في سورية، أجرت السلطة السورية مجموعة من التغييرات السياسية والمالية تطال بعض القوانين المركزية وتحولها الى اللامركزية الريعية والخدمية، تلك التي كانت مطلباً رئيساً للحركة السلمية الجماهيرية. وقد كانت هذه المتغيرات مجرد محاولة في إخراج السلطة نفسها من معادلة الثورة ومسبباتها عليها، فقامت بعدة إجراءات متتالية تظهر وكأنها تتجه نحو الإصلاح في البيئة العامة السياسية والاقتصادية وتستجيب لمتطلبات ضغوط جامعة الدول العربية والأمم المتحدة وامتصاص الثورة الشعبية، لكنها ستتضح مع الزمن أنها كانت تستهدف الشكل دون المضمون، كان أهمها:
-إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية واستبداله بقانون الإرهاب عام 2012.
-استبدال دستور عام 1973 بدستور 2012 وتغير بعض بنوده المتعلقة بالمادة الثامنة التي تضع حزب البعث في قيادة الدولة والمجتمع، كما وتفرغ النقابات والمؤسسات المدنية من مضمونها وتربطها جميعا بالحزب، وفي الدستور الجديد بالوزير المختص ((منح قانون الجمعيات وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، الصلاحية الكاملة بمنح أو عدم منح الترخيص، وأعطى الوزارة الصلاحية الكاملة لحل أي جمعية دون إبداء الأسباب ودون حق اللجوء للقضاء للاعتراض على ذلك!)).
-وأهم هذه القوانين المرتبطة بطبيعة التحولات العميقة في بنية الإدارة المالية والاقتصادية للبلاد كان المرسوم التشريعي 107 لعام 2011 الخاص بقانون الإدارة المحلية (والذي يمكن الاطلاع على مضمونه على موقع مجلس الشعب السوري) بما يحمله من تعريفات ومبادئ وقوانين وأهداف، جاء في فصله الثاني، المادة 2: أنه يهدف لتطبيق لامركزية السلطات والمسؤوليات وتركيزها في أيدي فئات الشعب تطبيقاً لمبدأ الديموقراطية.

اللامركزية المعتمدة في هذا القانون، تتعلق فقط بشكلها الخدمي والتنفيذي، وتلغي بمضمون موادها اللامركزية ومبدأ الديمقراطية الانتخابية، وتعيدها لمركزية النظام السياسي وذلك من خلال المواد التالية:
-المادة 3، والتي أحدثت ما يسمى المجلس الأعلى للإدارة والذي يرأسه رئيس مجلس الوزراء، ومفاد هذا عودة كامل الصلاحيات اللامركزية لموقع المجلس التنفيذي فقط، وربطها بالسلطة مركزياً.
-مادة 39، والمتضمنة: يكون في كل محافظة محافظ يعين ويعفى بمرسوم، وهو يمثل السلطة السياسية المركزية في المحافظة وفق المادة 41، كما ويشرف على عمل السلطات المحلية وجميع الأجهزة المحلية والمركزية في المحافظة وفق المادة 42. ما يقلص دور الحالة الانتخابية المنوط بها لرئيس مجلس المحافظة المنتخب شعبياً كما نصت المادة 20.
-حدد استثناءات متعددة للأجهزة والقوى الأمنية من الحالة اللامركزية كما في المادة 46.
-حيّد موضوع الاختصاص والكفاءة سواء في حالة التعيين أو حالة الانتخاب للمكتب التنفيذي.
-نصت المادة 129 من دستور 2012 أن المجالس المحلية هيئات تمارس سلطاتها في الوحدات الإدارية وفقاً للقانون، بينما هي مرتبطة حكماً وفق المادتين 39 و10 بالمحافظ المعين وبرئيس مجلس الوزراء التنفيذي من خلال المجلس الأعلى للإدارة.
-تبدو وضوحاً مدى الدراسات التي زينت لهذا القانون بشكليته الديموقراطية المنتخبة البراقة فهو((ضمانة مؤسساتية دستورية: كونه يعترف بوجود كيانات إدارية مناطقية لها الحق في إدارة شؤونها ذاتياً، مع الاعتراف للمشرّع بحق تنظيم هذه الوحدات من حيث إحداثها أو إلغاؤها أو دمجها في نطاق عملية إصلاح إداري أو إقليمي تفرضه التوجهات الاستراتيجية الجديدة))، مع أن ذات المرجع يذكر ذلك التعارض الفاضح بين الدور التنفيذي المنوط بهذه المجالس المنتخبة وبين سلطتها التشريعية، ما يخالف نص القانون في ذاته، لتبرز التبريرية أكثر وضوحاً في ذلك من خلال منتدى محامي سورية ((هذا القانون يشكل نقلة تشريعية نوعية تنظم عمل الإدارة المحلية والوحدات الإدارية باختلافها وواجب على كل مواطن المساهمة في اغناء هذه العملية الديمقراطية من أجل الوصول إلى مجتمع ديمقراطي)) والذي بدأوا دراستهم له بالمادة 129 المذكورة أعلاه.

الانتقال من المركزية الى اللامركزية يتصف بالحفاظ على الهيمنة المركزية السياسية والأمنية وايلاء دور للامركزية المالية الريعية التي تحقق مصلحة بنية النظام أولاً مع توسيع دائرة المستفيدين منه، تلك التي تمثلت بسلسلة من الإجراءات المتتالية والمتوازية يمكن تحديدها عامة، مع ملاحظة عدم امكانية حصرها كلية نظراً لمستوى السرية المحاطة بها، والتي بدأت تتكشف رويداً رويداً. هذه الإجراءات يمكن ايجازها ب:
-منح الامتيازات المالية والاقتصادية لداعمي العمل العسكري وتمويل اقتصاد الحرب، والتي اعتمدت بشكل رئيسي على توسيع نفوذ بعض رجال الأعمال وتشكيل ما يسمى بالقوى الرديفة للجيش كقوات الدفاع الوطني وجمعية البستان الخيرية (والتي كانت ترعى جرحى الجيش وتمول الكثير من النشاطات المدنية والعسكرية التي تخدم السلطة المركزية)، وتحولها لجمعية العرين بعد أن سحبت امتيازاتها من يد رامي مخلوف لموقع الرئاسة مباشرة بدايات عام 2020. ومترافق مع زيادة عدد الأسماء ذات الحصص الاقتصادية والتمويلات المالية، كشركات الفوز وقاطرجي وغيرها، والذي اتضح لاحقاً أدوارها المالية والعسكرية في بنية النظام السياسي الاقتصادي المستحدث من خلال العقوبات الاوروبية والأمريكية الموقعة عليها، خاصة المقرة باسم “سيزر” منتصف عام 2020.
-العمل على الاستحواذ المباشر وغير المباشر على نواتج الحرب من أراضي وملكيات عقارية للمهجرين السورين، وبيعها بالمزاد العلني لجهات خارجية أو متنفذين داخلين. فقد حدد قانون الملكية رقم 10 لعام 2018، الذي يقضي بالسماح بإنشاء مناطق تنظيمية في جميع أنحاء سوريا، كمناطق مخصصة لإعادة الإعمار، والذي بدا العمل به بعد العمليات العسكرية في محيط دمشق وإخلائها من سيطرة قوى المعارضة العسكرية السورية في الداخل السوري. ويجيز القانون بالاستيلاء وبيع تلك الممتلكات إذا لم تظهر ممتلكات مالكي المنطقة في القائمة، فسيتم إبلاغ هؤلاء بذلك، وسيكون لديهم 30 يوما لتقديم إثبات الملكية.
-كما وصادرت السلطات المحلية، في المناطق التي استعادتها شمال غرب سوريا، الأراضي الزراعية بحجة أن لها الحق في البيع بالمزاد العلني للأراضي الخاصة التي “لا يعيش مُلاكها داخل المناطق الخاضعة لسيطرة النظام”.
-تأجير المناطق الحيوية الاقتصادية السورية لصالح جهات خارجية ساهمت وساعدت سلطة النظام على استعادة نفوذه العسكري خلال السنوات السابقة، أهمها روسيا وإيران، ورجال أعمال مرتبطين بها. كان أوضحها اتفاق تأجير ميناء طرطوس وحميميم وحقول النفط والغاز، إضافة لجملة من الاتفاقات غير معلنة البنود لليوم. إذ تشير بعض التقارير لما يزيد عن 40 اتفاقية اقتصادية لم تتضح ماهيتها بعد بتفاصيلها، قام بها نائب رئيس الوزراء، يوري بوريسوف، والممثل الخاص للرئيس فلاديمير بوتين لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، ميخائيل بوغدانوف، والتي أشار وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى أهميتها كمشاريع اقتصادية وإعادة الإعمار.
-الاستفادة القصوى من المعونات الأممية الإنسانية، فحسب قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يسمح للمنظمات الدولية بتقديم مساعداتها الإنسانية للدولة المتضررة من الحرب، فقد استفادت سلطة النظام بوصفها دولة متضررة من الحرب من المساعدات الأممية الإنسانية، وذلك رغم العقوبات الاقتصادية الموقعة عليه، لما يعادل 3 مليار دولار سنوياً، وهذا الرقم تباينت حوله التقارير، فقد وصفتها جريدة راميتا بأنها وصلت ل 30 مليار دولار خلال عشر سنوات، وهو رقم مبالغ به، لكنه مؤشر على الاستفادة القصوى منها، وذلك سواء في وصولها كاملة لسلطة النظام حسب صحيفة foreign affairs عام 2018، أو بنسبة 85% منها، أو موزعة بين مناطق السيطرة في الداخل أو دول الجوار واللجوء.
-حسب تقرير جريدة الغارديان البريطانية، التي أفادت بأن البنك المركزي السوري، الذي يخضع لعقوبات من جانب بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، استحوذ بالفعل على نحو 60 مليون دولار في عام 2020 عن طريق جمع 0.51 دولار من كل دولار مساعدات أُرسل إلى سوريا، وذلك من خلال التلاعب بسعر الصرف. واحدى هذه الإجراءات المتعلقة بالمنظمات الأممية ومن بوابة منظمات العمل المدني التي من الصعب الحصول على أرقامها الدقيقة، لكن كل المؤشرات تشير الى نسبة من تمويلها يذهب لمصلحة السلطة المركزية، مع السماح لهذه المنظمات بممارسة نشاطها المدني والاغاثي عبر التمويل الأممي، والذي هو أساساً، محكوم برئاسة مجلس الوزراء حسب دستور 2012.

 

– خلاصة أولية:
ما يتضح من خلال سير المتغيرات في الحالة السياسية الاقتصادية للنموذج السوري هو تحوله من المركزية المطلقة مالياً واقتصادياً إلى الامتداد المحدود لقلة من المتنفذين بداية في محيط السلطة المركزية منذ التسعينات ولغاية 2010، ومن بعدها إلى اللامركزية الخدمية مناطقياً وتوسيع رقعة المتنفذين المالين مع اقتصاد الحرب وتمويلاته، مع بقاء كل الأطراف مرتبطة بالجملة السياسية لمنظومة العمل تحت عنوان المركزية الأوليجارشية ذات الأدوات المتعددة في الاستحواذ المالي والهيمنة الاقتصادية وارتباطها بالقرار المركزي الأمني السياسي. وهو ما ينعكس بوضوح على الحالة المعاشية المتدهورة لما دون خط الفر بنسبة تزيد عن 85% من مجموع السكان العام، مع اتراف عام للمتنفذين من رجال المرحلة الحالية من محيطي دائرة صناعة القرار السياسي.
لقد أفرزت هذه التحولات في بنية النظام السياسي والاقتصادي السوري خلال السنوات العشر الأخيرة مراكز للنفوذ ومؤسسات في الظل لا يعنيها أي انتقال أو تحول نحو عملية التطوير السلمي والسياسي، مع عدم وجود معايير وشروط لتنفيذ مشاريع للانتعاش الاقتصادي، واعتمادها سياسة الانفاق العام مع محاولة فك قيود العقوبات الاقتصادية واستدراج أموال إعادة الاعمار بالاعتماد على تلك المجموعات المالية المحلية والحلفاء الحاليين، قبل تحقيق الانتقال السياسي المفترض، ولكن وحسب الكسندر اكسينيونك، سفير روسيا السابق والباحث في قضايا الشرق الأوسط، أنها غير قادرة على ذلك ((إذ ليس بوسع سوريا ولا تلك المجموعة الصغيرة من الجهات المانحة أن ترقى لتلك المهمة)) .
أخيراً، تشير موازنة عام 2021 المقدرة ب 2.7 مليار دولار، بتراجع قدره 16% تقريباً عن موازنة 2010، مع تراجع في قيمة الدولار من 50 ليرة الى حوالي 3500 ليرة بنفس الفترة، بنسبة 1/70، مع انخفاض عام بمستوى دخل الفرد الى حوالي 300 دولار سنوياً، أي أقل من دولار واحد يومياً، وهو أدنى بكثير من مستوى خط الفقر العالمي المحدد ب 1.9 دولار يومياً، إلى استمرار الأزمة السورية اقتصادياً وسياسياً، مع عدم إمكانية وجود حلول لها وبقاء سلطة النظام المركزية والاوليجاريشية، وإلى عدم قدرة الأرقام عن توضيح سياق مستقبلي له، أو تحديد سمات المرحلة المقبلة، أضف إلى تمسكه بالحلول الجزئية المرحلية ومقايضة أي مقترح سياسي للحل العام بإجراءات جزئية اقتصادية تفيد بتكريس الريعية العامة والمركزية السياسية، بانتظار حل سياسي تفصله روسيا يعيد لها هيمنتها المالية والاقتصادية على كامل الأرض السورية، ويخرجها من مأزق العقوبات الاقتصادية.
مجمل الدراسة الحالية تستهدف تحديد السمات الأولية للسياسة الاقتصادية السورية، فهل يمكنها الاستمرار في ظل تناقضاته الداخلية والدولية، وما انعكاسات ذلك على الوضع المعاشي العام يتطلب إجراء دراسة لاحقة فيه في جزء ثاني.

 

– المراجع:
خلدون حسن. النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1991.
أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة واعداد أحمد المنياوي، ط 1، القاهرة: دار الكتب المصرية، 2010، ص 193.
مطانيوس حبيب، الريع، الموسوعة العربية، http://arab-ency.com.sy/detail/4272
سلام شهاب، الدولة الريعية وصياغة النظم الاقليمية (دول الخليج انموذجاً)، المجلة السياسية والدولية، العدد 21، 2012، ص 137- 166.
الحسن العاشي، ما هو الاقتصاد الريعي، 3 أسئلة حول اقتصاد الريع في المغرب، مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، 3/2/2013.
قانون الطوارئ_سورية HYPERLINK “https://www.marefa.org/قانون_الطوارئ_سوريا”https://www.marefa.org/
http://ouruba.alwehda.gov.sy/node/226558
القانون 10 لعام 1991 قانون استثمار الأموال في الجمهورية العربية السورية، موقع مجلس الشعب، www.parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5554 HYPERLINK “http://www.parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5554&cat=16371″& HYPERLINK “http://www.parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5554&cat=16371″cat=16371
العربي الجديد، تقرير مفصل عن ثروة وامبراطورية رامي مخلوف، https://bit.ly/3BklUDJ
دستور الجمهورية العربية السورية، 1973، http://www.shrc.org/?p=7453
موقع مجلس الشعب السوري، http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5518 HYPERLINK “http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5518&cat=423″& HYPERLINK “http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5518&cat=423″cat=423
إسماعيل عبدالله، الخارطة السياسية السورية 5، الحوار المتمدن، 24/6/2005.
موقع مجلس الشعب السوري، http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5575 HYPERLINK “http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5575&cat=4390″& HYPERLINK “http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5575&cat=4390″cat=4390
سعيد نحيلي، الإدارة المحلية في سورية بين الواقع والأفاق، مركز دمشق للدراسات، 2017.
http://www.damascusbar.org/AlMuntada/showthread.php?t=21915
https://www.theguardian.com/world/2016/aug/29/how-assad-regime-controls-un-aid-intended-for-syrias-children
Global Public Affairs, US Department od State, 1/2021 https://2017-2021-translations.state.gov/home-ar/index.html
https://www.reuters.com/article/oegtp-syria-eur-mn7-idARACAE82M0EO20120323
قانون الملكية الجدبد في سورية، المنظمة العالمية لحقوق الانسان، 5/2018،
https://www.hrw.org/ar/news/2018/05/29/318436
https://www.middleeasteye.net/news/syria-government-land-auction-displaced
https://arabic.rt.com/middle_east/918555-بوتين يوقع اتفاقية توسيع قاعدة طرطوس
وكالة الأناضول للأنباء، https://bit.ly/3GAgaJM
غيض من فيض المنظمات، راميتا، عدد 13، 1/10/2021.
https://www.bbc.com/arabic/inthepress-59004976
الكسندر اكسينيونك، الحرب والاقتصاد والسياسة في سوريا: مفاصل مهشمة، المجلس الروسي للشؤون الدولية، 17/4/2020.
FAQs: Global Poverty Line Update, 30/9/2015
https://www.worldbank.org/en/topic/poverty/brief/global-poverty-line-faq

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية.. دكتوراه في الفيزياء النووية.. مستشار في مركز أسبار للدراسات والبحوث

زر الذهاب إلى الأعلى