الإرهاب و التطرفالرئيسيتقدير موقف

المركزية الإدارية كمنهج لدى تنظيم داعش

وحدة دراسات الجماعات الإسلامية والتطرف في مركز أسبار

مقدمة:

منذ نشأته وحتى اليوم، لم يتخذ تنظيم داعش نظاماً موحداً أو طريقة ثابتة لإدارة المراكز العملياتية والهياكل التنظيمية الداخلية، وعدم اتخاذ أسلوب واحد كطريقة إدارية موحدة في التنظيم لا تعود إلى تبدل القيادات العاملة في التنظيم وما رافقها من تبدل في وجهات نظر كل قائد لشؤون الإدارة وطريقتها فحسب، بل تعود ايضاً إلى أن التنظيم مر بمراحل متعددة فرضت عليه أساليب إدارة معينة تتناسب مع كل مرحلة من المراحل، فأول تلك المراحل كان العمل الإداري في التنظيم مختلطاُ أي إن المركزية واللامركزية في اتخاذ القرارات والإدارة كانتا نموذجاً للعمل في التنظيم وهذه الطريقة تعود إلى بداية التنظيم التي كانت مبنية على المجموعات المتعددة والمتفرقة في عدة مناطق داخل سوريا والعراق، أما ثاني المراحل فكانت فيها المركزية الإدارية هي الأسلوب الرئيسي للإدارة من قيادة التنظيم وهذا يعود الى شكل السيطرة الجيو عسكرية آنذاك، حيث اتخذ التنظيم شكلاً اداريا يشبه الدول من حيث الحدود التي تمتد بين شمال وغرب العراق إلى شمال وشرق سوريا وهذا ما جعل التنظيم مجبراً على اتخاذ الشكل المركزي في إدارته، وفي المرحلة الثالثة التي شهدت انهيار التنظيم من حيث إنهاء سيطرة التنظيم على التقسيم الإداري الذي كان أعلنه التنظيم في سوريا والعراق ضمن مفهوم ما يسمى مركز الخلافة الذي كان يعتبر المركز الرئيسي للقيادة والذي يتم من خلاله التحكم بباقي المراكز الموجودة في آسيا وأفريقيا، وقد انهارت هذه الهيكلية عقب العمليات العسكرية التي قادها التحالف الدولي وشركاؤه، ما أجبر التنظيم للعودة الى السياسة الأولى وهي الإدارة اللامركزية لمناطقه، واستمر هذا الأمر حتى مقتل أبو بكر البغدادي الزعيم الأول لتنظيم داعش.

أما حالياً ففي ظل وجود قيادة جديدة على رأسها أبو ابراهيم القرشي التركماني، بات من الواضح أن التنظيم يتجه لبناء استراتيجية هي الأكثر مركزية منذ نشأة داعش حتى الآن، فقيادة داعش الراهنة لا تقوم في عملها على إعادة السيطرة على أجزاء وجيوب متقاربة من مركز الخلافة السابق (سوريا والعراق) فحسب، بل إن قيادة التنظيم تعمل على ربط كافة أفرع التنظيم الدولية بالقيادة المركزية بشكل جيد، وهذا التوجه يعود بشكل أساسي إلى أن القيادة الحالية ترى أنه يجب إصلاح الخلل الإداري في القيادة، وتحديدا ذاك الخلل الذي حدث خلال الفترة التي عقبت مقتل أبو بكر البغدادي والتي تحولت فيها أفرع التنظيم إلى مراكز قيادة وقرار بمعزل عن باقي الأفرع أو القيادة المركزية، حتى أن بعض الأفرع انقسمت على نفسها وباتت تعمل ضد بعضها البعض ولا سيما في أفريقيا وهذا ما أثر على بنية التنظيم بشكل عام من جهة وعلى فكر وعقيدة التنظيم من جهة ثانية، ويمكن القول بأن أهم عوامل تمدد وسيطرة وبقاء التنظيم هي التأييد الشعبي، والمساس بفكر وعقيدة التنظيم يعني المساس بشكل مباشر بالتأييد الشعبي له وهذا ما لن يسمح به قادة داعش على المدى القريب والبعيد لأنهم يعتبرون أن الوقت الراهن هو أفضل الأوقات لإعادة بناء قوة داعش.

لكن ما هي الخطوات التي يعتمد عليها التنظيم حالياً من أجل إعادة العمل بالنظام المركزي في الإدارة:

أولاً- العمل وبشكل تدريجي على إعادة السيطرة العسكرية في الجيوب التي خسرها التنظيم في العراق، لاسيما أن التنظيم نجح في الحفاظ على إدارة مناطق واسعة من البادية السورية التي باتت موطئ قدم دائم ومراكز إداري له، وبالتالي فإن الهدف الرئيسي للتنظيم حاليا هو إعادة السيطرة على جيوب جغرافية في غرب العراق وصولاً إلى كركوك وربطها بالمناطق السورية،وهذا يعني إعادة بناء نطاق سيطرة جغرافية قديمة جديدة للتنظيم، تقوم هذه السيطرة على السيطرة الجغرافية على مواقع متقاربة تكون نطاق العمل المركزي للتنظيم والذي يتم من خلاله تصدير الأوامر لباقي أفرعه في العالم.
وضمن هذه الاستراتيجية التي بدأت فعلاً، ليس من الضروري أن تكون القطاعات متصلة بشكل مباشر، فيكفي أن يكون هناك قطاعات سيطرة متقاربة جغرافياً، تكون قادرة على تطبيق نوع من الإدارة المركزية البسيطة التي تعطي للتنظيم مع مرور الوقت القدرة على العمل الإداري والاقتصادي وأصول الحكم الرئيسية في هذه المناطق.
والجدير بالذكر أن العوامل الراهنة جميعها هي عوامل مفيدة لنجاح خطة التنظيم المشار لها في الفقرة (أولاً) وهي كل من الروابط العشائرية ضمن القطاع الذي تستهدفه الخطة، وضعف الوجود الحكومي السوري والعراقي، ورفض السكان لوجود الميليشيات المرتبطة بإيران، وضعف الحكومة المركزية في العراق، والمساحة الجغرافية الكبيرة التي تعطي التنظيم القدرة على التحرك بشكل واسع دون وجود مضايقات فعلية.
إن أهم ما يمكن الإشارة له في هذه الفقرة هو أن قيادة داعش أعادت تصدير أوامر تتعلق بضرورة تغيير طريقة التعامل مع السكان من حيث التشدد في تطبيق الحدود الشرعية كما كان معمول به سابقاً.
ثانياً- لجوء قيادة داعش الحالية إلى سياسة التخلص من كل شخص يعمل ضد مفاهيم القيادة وأوامرها، وهذه السياسة لا تختص بالقادة والأمراء في سوريا والعراق فحسب بل تتناول القادة في باقي أفرع التنظيم وتحديدا في أفريقيا، إضافة لشمول السياسة للأفراد العاملين مع داعش في كافة أفرادها، وهذه السياسة ساهمت بشكل أساسي بقدرة أكبر من قيادة داعش على السيطرة على باقي الأفرع، ولا بد من التنويه لبعض العمليات التطبيقية لهذه السياسة، من خلال ما يلي:
القيام بعمليات اغتيال داخلية في سوريا والعراق لأفراد تم اتهامهم من الجهاز الأمني في داعش أنهم كانوا خلف معارضة قرارات القيادة المركزية، أو التعامل مع جهات ضد داعش، وقد تم تنفيذ أكثر من 40 عملية اغتيال في صفوف التنظيم بأوامر من الجهاز الأمني تطبيقاً لهذه السياسة.
إن أوامر قيادة التنظيم وصلت إلى الأفرع الدولية وتحديدا تلك الافرع التي ترتبط بمركز القيادة في العراق وسوريا وذلك من أجل الاعتماد على هذه الأفرع في ضبط الأفرع الأخرى غير المنضبطة في التنظيم، وهذا ظهر من خلال استمالة قيادة داعش لجماعة ولاية غرب أفريقيا في داعش ضد جماعة بوكو حرام والتخلص من قائد بوكو حرام الذي كان يرفض التقيد بقرارات أبو ابراهيم القرشي، إضافة لإساءته لفكر وعقيدة داعش.
ويظهر بشكل واضح أن التخلص من قائد جماعة بوكو حرام كان من أجل إعادة سيطرة مجلس شورى التنظيم المركزي على أفرع داعش في افريقيا بشكل أفضل.
ثالثاً- إعادة استخدام أسلوب التجسس الداخلي عبر مندوب الخليفة، والذي كان معمولاً به في السابق (في أوج قوة التنظيم) حيث كانت اللجان العسكرية والأمنية والإدارات في الولايات مراقبة بشكل مباشر من مندوب من الخليفة، لم تكن مهمته إيصال أوامر الخليفة بشكل مباشر فحسب، بل كان أداة تجسس ترتبط بالخليفة مباشرة لنقل كل ما يحدث في الولاية المسؤول عنها، لا سيما الحوادث التي تتعلق بالاتجاهات الفكرية والأمنية والعسكرية لبعض أفراد التنظيم الحاملين لأفكار واتجاهات مناهضة لتوجهات القيادة المركزية، وهذا ما خلق سابقاً نوعا من الرقابة الإضافية على القيادات المسؤولة عن الولايات وإدارتها، فباتت القيادات العسكرية التي تتم مراقبتها من القيادات الأمنية، مراقبة من هؤلاء المندوبين أيضاً، وباتت اللجان الأمنية أيضاً تحت رقابة الخليفة عبر هؤلاء المندوبين، وهذا ما منح الخليفة القدرة على اتخاذ قرارات سريعة وعاجلة في حال تم إعلامه بأي تطور ضمن الولايات من المندوبين.
هذا الأسلوب يتم العمل عليه حالياً وذلك من خلال سياسة تدوير بعض القيادات الموثوق بها بين عدة مناطق مهمة لقيادة داعش، فقد تم بالفعل نقل عناصر من العراق وسوريا إلى أفريقيا كمندوبين عن الخليفة، وتم نقل قياديين من ليبيا إلى أفريقيا، كما تم تعيين مندوبين ضمن سوريا والعراق مرتبطين بشكل مباشر بالخليفة، فضلاً عن وجود نشاط مشابه في أفغانستان والفلبين.

الأثر المحتمل للتوجه إلى الإدارة المركزية على العمليات الخارجية في التنظيم:

لم يعد هناك لدى فكر التنظيم المركزي حالياً توجه فعلي للقيام بعمليات خارجية ذات صفة أمنية أو عسكرية، وعلى الأقل فإن هذا التوجه تدعمه القيادة الراهنة في التنظيم في الوقت الراهن، وذلك لعدة عوامل منها تراكمية ومنها نتيجة السياسة الدولية تجاه المجموعات الاسلامية في الوقت الراهن، فالقرشي قائد التنظيم ومجلس شورى داعش يريان أن تغيير التوجه ينطلق من عدة اعتبارات رئيسية وهي أنه يجب الاهتمام الفعلي بضرورة إعادة بناء أفرع داعش في كافة الدول، وتنظيمها، وربطها بالقيادة المركزية، من أجل تنظيم تنفيذ القرارات الصادرة عن القيادة بشكل دقيق وغير عشوائي، إضافة لوجود توجه لدى داعش يقوم على ضرورة الاستفادة من تجارب القوى الجهادية الأخرى في التعامل مع المجتمع الدولي، وتنطلق قيادة التنظيم في هذا التوجه من تجربتي هيئة تحرير الشام في سوريا وطالبان في أفغانستان، وبالتالي العمل ضمن استراتيجية التهدئة غير المعنلة مع المجتمع الدولي من أجل الوصول إلى حلول بين القيادة وهذه الدول مستقبلاً مستفيدة من هذه التجارب، فضلا عن كون التعاطي مع المجتمع الدولي بشكل هادئ غير مبني على العنف، له فوائد داخلية تنظيمية ضمن هيكلية داعش، ولا سيما تلك التي تتعلق بتخفيف حدة الرقابة على الإسلاميين بشكل عام وعلى المتشددين بمن فيهم داعش بشكل خاص في النشاطات الخارجية الخاصة بهم، كما أن الطبيعة المصلحية للعمليات الخارجية قد تغيرت مع مرور الوقت، فلم يعد هناك فائدة من توجيه ضربات ذات طبيعة أمنية أو عسكرية في الدول الأوروبية على سبيل المثال وفق منظور القيادة السابقة، فالطبيعة المصلحية الحالية تقتضي التنظيم الخارجي، ومواجهة المجموعات الإسلامية التي قد تكون أشد خطراً من الناحية الفكرية على التنظيم من الخطورة الناتجة عن المواجهة العسكرية والأمنية التي تقودها بعض الدول في الخارج.
غير أن هذا لا ينفي وجود توجهين خارجيين عمليين في التنظيم، يقوم هذان التوجهان على كل من:
– وجود قيادات متشددة تنتهج الفكر الحازمي لدى داعش وتنتهج سياسة أمنية متشدة تقوم على دعم النشاطات الخارجية وتحديدا تجنيد الذئاب المنفردة، لكن هذا الفكر غير مدعوم من قيادة التنظيم على الأقل في المستقبل القريب وبالتالي فإن هذه النشاطات لن تكون مدعومة قيادة التنظيم مالياً، فأبو ابراهيم القرشي ومجلس شورى التنظيم يفضلون البناء الهيكلي الخارجي بهدوء وعدم إعادة التجربة السابقة التي أودت بمراكز داعش الجيو عسكرية إلى الهاوية، وهذا ما قد يفسر تراجع نشاط التنظيم الإعلامي الذي يدعو إلى تنشيط العمل الخارجي وسياسة الذئاب المنفردة التي كانت سبباً رئيسياً في العداء لفكر التنظيم بالمجمل من المجتمع الدولي.
– وجود توجه لدى قيادة داعش في التوسع بمواجهة حركة طالبان في أفغانستان، كون السماح لطالبان بتثبيت النفوذ والتوسع سيشكل خطرا كبيرا على تنظيم داعش ليس في أفغانستان فقط، بل في آسيا الوسطى بالمجمل،وكون هذا الأمر هو أمر مصيري لدى التنظيم، فإن العمليات في أفغانستان مستمرة من قبل التنظيم، لا سيما أننا ذكرنا أعلاه أن التنظيم يرى بأن المواجهة الفكرية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية، وانتصار طالبان في افغانستان سيرفع من شأنها بين الحاضنة الاسلامية وبالتالي تراجع دور عقيدة وفكر التنظيم.
وبالعودة إلى منطلقات قيادة داعش في التنظيم الخارجي وعدم دعم التوجه الخاص بتنفيذ عمليات خارجية عدا تلك التي استثنيناها، فقد يكون لهذا التوجه خطورة على المستقبل البعيد، فالتنظيم في حال القدرة على البناء والتنظيم، لن يكون قادرا على تنفيذ عمليات الذئاب المنفردة فحسب، بل سيكون بمقدوره مع مرور الوقت بناء هيكليات دعم مالية واقتصادية وفكرية وربما عسكرية،وهذه النقطة الخطيرة هي التي تشكل النقطة الأهم في المستقبل والتي قد يعمل عليها التنظيم في حال أراد الضغط على الدول من أجل الاعتراف به كما تم مع حركة طالبان في أفغانستان بشكل معلن، ومع هيئة تحرير الشام في سوريا بشكل غير معلن من بعض الدول.

زر الذهاب إلى الأعلى