الرئيسيدراسات وبحوث

الجدل الكمومي وقصور الجدل المادي والمثالي Quantum Dialecticism and the Limitations of: Materialism and Idealism

د. جمال الشوفي

⦁ خلاصة:
نقد قصور الجدل المادي والمثالي، يعني بداية أنهما لم يعد كافيين للغرض البحثي العلمي والمعرفي بآن من جهة. ومن جهة أخرى لا يعني الإشادة الكلية بنظريات العلوم والتقنية واعتناقها، بل يعني ضرورة تعيّنها موضوعيًا ومن ثم البحث في حدّ شططها وتفردها العلمي في شؤون البشر. كما وضرورة استعادة الفلسفة والقيمة المعرفية للإنسان ازاؤها إنسانيًّا ووجوديًّأ. حيث لا يستوِ الكون أن يسير بجناح مكسور علميًا أو معرفيًا، بل بتناغمهما معًا وهنا السؤال والإشكال!
الجدل الكمومي لحظة أولى في هذا السؤال يفترض محاولة فتح تلك البوابة المتسعة على المجهول والألغاز، رغم ذلك الإدراك العميق بخطر الرحلة المعرفية هذه، فالعلم يرفض وبشدة التحديث المعرفي والقيمي للمعرفة الإنسانية ويعتبرها فظاظة فكرية، والمعرفة السائدة لليوم قاصرة عن مواكبة العلم وقابعة في أيديولوجيتها متشنجة إزاء كل جديد؛ ومع هذا إنه التوق الإنساني نحو الحرية بوصفها جدل وحق معرفي وضرورة وجود وسيرورة أيضًا، مهما كانت صعابه.
هذه الورقة هي محاولة لحوار الجدل الكمومي، من خلال ابراز أهم اللحظات العصرية التي دشنتها الفيزياء الحديثة الكمومية والنسبية، لا كعلاقات رياضية وصيغ علمية تطبيقية، بل كطريقة تفكير كونية تحاكي نماذج التحرر المعرفية من قيودها وصنميتها الكلاسيكية. وطريقة لبناء معنى الوجود الإنساني في لحظته المعاصرة، ولا تقف عندها بل تمتد لحوار العقل والتواصل في أحدث نظريات المعرفة الفلسفية العصرية، وتكتمل فحواها في الحرية والحب حيث تصبح اللوحة المعرفية للإنسان قابلة لأن تصبح معرفية وعلمية (أبستمولوجية) ذات سمة إنسانية قادرة على تحرير الإنسان من أسر علومه الرقمية والمادية وأصنامه الفلسفية والنظرية السابقة. كما وتفتح البوابة العصرية على مصرعيها نحو سؤال الوجود اللحظي اليوم وغدًا.

⦁ توطئة ومقدمة:
الفلسفة اليوم فلسفات دون الفلسفة، دون نظرية المعرفة، وهذا القول في المبدأ يعني أمرين: الأول هو أن فلسفة القرن التاسع عشر كانت تُقوّم وتحدّ معرفيًا نظريات العلوم وتحاورها، وتشكل أحد جناحي سير مركب سيل الحياة الإنسانية والعلوم ونظرياته ثانيه.
والثاني، أنه ومنذ بداية القرن العشرين، والفلسفة تتعثر وتتراجع أمام فورة العلوم العصرية متعددة الجوانب والامتداد، والتي كان جذرها الاكتشافات المذهلة للفيزياء الكمومية والنسبية وطرق تفكيرها الكونية خارج حدود المألوف والعادة.
تراجعت الفلسفة عن اللحاق بركب هذه العلوم، وباتت فلسفات خاصة بمجال ما كاللغة وعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ … دون أن تتكامل أركانها المعرفية. هذا بينما تثبت العلوم العصرية تعدد جوانبها وتمايز مناهجها وشمولها كل جوانب الحياة، وان اختلفت لغة ومنطقًا واختصاصاتها من علم اجتماع وهندسة وطب وصناعة وتقنية وتواصل، وتأخذ من بعضها لا بل وتتعاون علميًا، حتى باتت تمسّ لحظيًا وجود الإنسان من كل جوانب حياته.
افتراض تأخر الفلسفة والنظرية المعرفة عن العلوم العصرية، تحاوله الأبستمولوجيا اليوم في سياق إيجاد نظرية للمعرفة العلمية سواء نقديًا أو حواريًا. والفرض القائم في البحث الحالي هو ليس عودة للشمول المعرفي الذي أتناوله نقديًا، بل العودة للفلسفة كقيمة معرفية إنسانية، تحاكي التطور العلمي للإنسان، وتتمسك بقدرته الروحية والعقلية الخلاقة ابداعًا وشغفًا وحبًا وعاطفة، بحيث تستعيد مهمتها الأسمى في سؤال الوجود الإنساني وقيمته العليا. مهمة الفلسفة ونظرية المعرفة الأسمى، هو إقامة الحد على تطرف العلوم وشططها المادي التجريبي والرقمي، واثبات قدرتها على تسير مركب البشرية نحو سلامه وأمانه، فقد بات سطح الكوكب ينذر بالكثير من الشرور.
هذه البوابات لم يكن لها ان تنفتح تدريجيًا أمام الانسان لو بقيت العلوم أسيرة الحيز الجهري للعلوم الطبيعية، والجدل الفلسفي مأسور في طرق البرهان المادية و/أو المثالية. هذا الخروج للضفة الأخرى من المعرفة، ضفة العلم العصري والفلسفة الحديثة معًا ضفة محفوفة بالمشقة والألم الإنساني عقليًا وروحيًا، ضفة محفوفة بخطرين:
خطر الانزلاق لهيمنة العلوم الرقمية المطلقة وتناميها المطرد اليوم دون وجود فلسفة قيمية ترافقها وتجادلها وتحد من شططها.
وخطر بقاء الجدل المعرفي متمترسًا خلف قوانينه الكلاسيكية وطرق حواره بذات مفاهيم العقل السابقة. العقل السليم المكتمل بذات فرضياته ومسلماته مدافعًا عن نفسه، دون أن يلج لبوابة هذا الجديد، وإن حاول فعل ذلك فيفعل فيها فعل سرير بروكست يقص منها او يطولها حسب مركزيته وهيمنته وتعاليه الخادع.
عصريًا، وفي لحظة الوجود الحالية، ألتقط تلك الفكرة الفارقة في التاريخ البشري، اذ لا غرابة أن يتوافق عقليًا مفهوم المطلق العقلي لدى هيجل فيلسوف الجدل المثالي، ومفهوم المطلق العلمي لأينشتاين أشهر علماء الفيزياء العصرية ومدشن أسسها الكبرى. فمطلق هيجل العقلي حدّ معرفي يتسع لما دونه من مفاهيم قابلة للتنامي، وكل إضافة عقلية عليه قابلة للتضمين في محتواه، كونه كان مفهومًا مجردًا عن تعييناته المادية والحسية. فمفهوم المادة هو المادة في كل زمن وعصر، هو البخار منتج تحولات الحرارة أوائل الثورة الصناعية، والحديد الذي يصنع منه السيف والمدافع، وهو أيضًا نصف الناقل المكتشف أوائل القرن العشرين، والمواد المشعة كاليورانيوم، والبروتون والنترون والفوتون حديثًا.. كلها تعينات متتالية لمقولة المادة العقلية المجردة ذاتها، كل لها خاصته وميزاته، وتحقق مبدأ الهوية ونفي النفي الجدلي أيضًا، فهل تكتفي الفلسفة بهذا؟
فيما مفهوم سرعة الضوء المطلقة لدى أينشتان، حدّ فلسفي وعلمي بآن، حدّ على الجاذبية المادية ذات الهمينة المركزية النيوتونية فيزيائيًا وليس فقط، بل ومثلها معرفيًا وفكريًا وبالأساس أيديولوجيًا، ونسبية أينشتاين تحتويها في مضمونها وطياتها وتصحح خطأها الزماني والمكاني المحدود. وحدّ على شطط الرياضيات والفكر النظري المفتوح على اتساع عملياتها العقلية حينما تصبح أداة اثبات معرفية ملموسة، فيمكن إضافة أي رقمين لبعض رياضيًا والناتج جمعهما، لكن حين نجمع أي سرعة مع سرعة الضوء (المطلقة) فالناتج خطأ حسابي بالإضافة؛ أذ لا توجد سرعة فوق سرعة الضوء، والناتج هو سرعة الضوء نفسها. سرعة الضوء المطلقة مفهوم عقلي مجرد، وحدث علمي فريد أيضًا، هوية وماهية بآن، وهذا جدل كمومي مختلف.

⦁ مستويات الجدل الكمومية معرفيًا:
لا يمكن تفسير كل شيء دفعة واحدة وبنظرية واحدة، أظنه العبث والقسرية الّلاوية للحقائق حسب ما يرغب مفسروها، وهذا تاريخ معرفي طويل، لكن ثمة مستويات في المعرفة البشرية، باتت دوائرها أكثر وضوحًا واتساقًا مع الوجود العصري، بأخر حلته اللحظية.
دوائر ومستويات المعرفة الإنسانية تنامت واتسعت مع رحلة الانسان التاريخية، وفي كل سوية منها تكتمل حلقاتها المعرفية لتمثل عقلًا كونيًا يحاكي زمنه، ويفتح الإمكانيات الخلاقة لازدهار عصره ويطرق بوابات ما بعده. اليوم يتمثل العقل الكوني لا في جدله وحسب، بل في رؤيته الكمومية/الكوانتية للعصر، وقد تضمن في طياتها المنتج الإنساني قبلها، حيث يستلزم الوجود اللحظي الأبعاد الحسية الأولى للإنسان وقوانين الطبيعة المادية بعدها، والجدل المعرفي بصيغتيه المادية والمثالية، واليوم البعد الكوني لغير المرئي من الطبيعة كجدل كمومي وليس فقط، بل يعيد انتاج الطبيعة بطريقة خلاقة ومبدعة ولكن عليه أن يحافظ على الطبيعة الإنسانية وهذا هو صلب جهدنا المعرفي في هذه الورقة.
الكمومية هي لحظة العلوم العصرية التي كشفت عن غير المرئي بحياة الانسان، وان اتخذت صفاتها الأولى من الفيزياء (فلسفة الطبيعة)، من حيث نماذج علمية حديثة أساسها مفهوم الكمّ Qauntum وهو الوحدة الكونية التي تحمل الميزات المادية والموجية بآن، ويعتبر الفوتون الضوئي أصغرها لليوم، فهو جسمي ذو خصائص مادية كما الكتل والأجسام رغم كتلته الصفرية، وهو نموذج موجي لنظريات الحقول فيزيائيًا والتواصل البشري اليوم تقنيًا، ونجيز القول الفلسفي التواصل والتفاعل الإنساني معرفيًا وعاطفيًا وطاقيًا. الكمومية هنا مادية موجية بآن مختلفة عن الكمية Quantity التي تحفظ عن ظهر قلب المقاييس المادية كتلة وبعدًا وزمنًا وفق مقاييس العقل السليم للحياة والطبيعة.
قبل الدخول في نقاش الجدل بصفتيه المثالية والمادية، وتقديم الرؤية الكمومية حوله، أضع كمقدمة أولى فرضية الارتقاء في المعرفة الإنسانية وفق سويات متتالية ومتسعة كالتالي:

⦁ السوية الأولى: المعرفة الحسية للطبيعة عقل سليم في طور النمو، عقل أولي محدود معرفيًا، هي ذاتها التي تعامل بها الإنسان مذ وجوده الأول في الكون، مذ اكتشف أهمية النار وخاف الشمس، وهي ذاتها ما يتعامل بها الطفل في كل زمن وتاريخ مع الكون كصورة حسية يتعرف عليه بحواسه، ساخن وبارد، شخص مألوف يضحك وينجذب إليه، وغير مألوف ينفر منه، عالم الحواس الفطري الأول.

⦁ السوية الثانية: القوانين المادية التي تصف الظواهر الطبيعية، عقل متنام نحو الكلية الفلسفية، لكنه محدود في عالم الظواهر الجهرية، وهي تلك الرحلة التي بدأت بالكشف عن قوانين الطبيعة فسيرت السفن وفق أرخميدس وبنت صناعة البخار وفق لافوزييه… وهي ذاتها ما زلنها نعيش قوانينها الطبيعية لليوم بمجمل شؤون الحياة بطبيعتها المادية والحسية المقنونة.

⦁ السوية الثالثة: لا تكفي القوانين الجدلية المادية لتفسير الظواهر الغرائبية في العالم دون المستوي الجهري فيزيائيًا وانسانيًا، طاقيًا وروحيًا وشعوريًا، ((إن لفظ الروح أشد ثراء وعمقًا من لفظ الأنا أو الوعي، فلقد وحد هيجل في تصوره للروح الرابطة الضرورية بين الذهن والروح))(كرونر، ص 54)، فتلك المسماة ميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة سابقًا) باتت اليوم حقائق علمية بأغلبها تتعلق بكشف البعد الموجي غير المرئي للعين البشرية وقدرة الحواس الإنسانية على التقاطها، وأيضًا عدم قدرة القوانين المادية على الإيفاء بخصائصها، وهذا وجه من وجوه المعرفة أيضًا وليس كلها، وربما هو وجه استعادة الروح الإنسانية!

⦁ السوية الرابعة: التكميم الغرائبي، هو اثبات التعدد والاختلاف الفكري والحسي والروحي والجنسي واللوني والجمالي والذوقي أيضًا بين البشر وان تساووا ماديًا في الحقوق. فاستخدام نظريات الأعداد، في الكشف عن مكنون الطبيعة الذرية والبنية المادية للمواد على مستوى تمايزها وخصائصها المفردة، وكل مادة تختلف عن الأخرى وفق مندليف أولًا، وكل الكترون في المادة له سوية طاقية مكممة يتوضع عليها، وكل سوية لها مجال طاقي يتسع لعدد من الإلكترونات المحدد، ولكل الكترون عزم مختلف التوجه للأعلى أو الأدنى، وفق الكمومية ثانيًا. تؤكد الاختلاف والتعدد العام وتطرق بوابات الحرية والتنوع وتنفي الهيمنة سياسيًا واقتصاديًا وجنسيًا، وتبني لوحة الوجود بتعدد ثقافاته ونماذجه وانماطه وليس فقط، بل تختار الأصلح للبشرية اصطفائيًا وهذه جدل كمومي.

⦁ السوية الخامسة: غرائبية التكميم هذه انه أعاد انتاج الطبيعة بطريقة معقولة، أي انتقال العقل من الحس والفهم الأول الطبيعي، إلى الفهم فالإدراك فالتصور فالعقل، وكان التكميم هو تلك اللحظة الذي تنقل تلك المستويات الأولى، والتي كان يطلق عليها في كل مرحلة منها عقلًا، إلى عقل أعلى. ليتضح أن كل مرحلة من مراحل العقل السابقة، بما فيها جدل هيجل، في أن الفكر عقل في ذاته متجاوز مرحلتي الفهم والإدراك، هي مرحلة من مراحل سير الفكر البشري ومعرفته المتسعة والمتتالية، ولكن على عظمة هيجل الفلسفية بذاتها لم يصل لمرحلة التكميم هذه. وهذه سوية كونية ترتقب الوجود والحضور المعرفي والفلسفي.
الجدل الكمومي يحاول بناء صورة عن الوجود اليوم، هو لحظة من لحظات الجدل الأبستمولوجي. فلو تركت المسألة للمادية الجدلية بقوانينها الثابتة لما حدث التجاوب ولما اكتشفنا مثنوية مادة -جسيم، طاقة -مادة إلا صدفة وندخل في عبثية الجدل السابق ذاك، السببية وحسب، الصدفة والضرورة وحسب، ونماذج التفاني المعرفية مثالية ضد مادية، اشتراكية ضد رأسمالية، ولا تبني لوحة الوجود الكلي.
ماذا لو لم يكن الإنسان بصورته الحالية؟ هل كان الجدل الطبيعي سيتوقف؟ (نمو النبات، صراع الحيوانات، ثورة الشمس النووية، موت النجوم وولادتها، الطفرات، التحول، نفي النفي، عصر الجليد، التقدم ومواسم الإزهار والثمر….) وهذا مدوّن في الجدل المادي أو الجدل الماركسي، وبات معلومًا ويدرّس أكثره (ويشتغل فيه الاختصاص ببحوثه التفصيلية) في معظم العلوم خاصة الكلاسيكية، والعلوم الحديثة العصرية تثبت أكثره بالتجربة والتطبيق لكن المعرفة الفلسفية لا تتناوله جيدًا…
ولماذا لا نسأل السؤال الآخر، هل ثمة جدل قائم لا يمسك به الإنسان لليوم؟ هذا ما نبحث عنه أبستميًا، فحقيقة القول إن الجدل كأساس لنظرية المعرفة الفلسفية مثاليًا او ماديًا متوقف عن التقدم والنمو لاستعصاءين:
الأول عدم انفتاح المعرفة على متغيرات الاكتشافات العلمية الحديثة وحوارها جدليًا وكموميًا، وان حاولت تفعل فيها قصًّا حسب هيمنتها المركزية، أو تمديدًا حسب نزعتها التفوقية.
والثاني لنمو الاكتشافات العلمية الحديثة المدهشة وتخليها التدريجي عن جذورها المعرفية في ايجادها، وجذورها المعرفية هي نزعة الانسان للحرية والابتكار والازدهار وتأمين وجوده بسلام وأمان وتعزيز حضوره في لحظته العصرية، والإشكال هنا لم يوضع بعد حد معرفي لتطرف العلوم، لعدم قدرة المعرفة اليوم على مجاراة تقدمه.
العقل لا يتوقف، لكن مقولاته تأسر الانسان وتوقفه عند صور ثابتة مسبقة غير منفتحة على حوار العلوم العصرية المتمددة بغزارة، ما يستدعي الفعل أو اللحظة الفلسفية المختلفة اخلاقيًا في إمكانية استعادة حرية وسعادة الإنسان اليوم، وهذه هي الإشكالية، وهذا هو سؤال الجدل الكمومي.

⦁ الجدل المادي الماركسي:
المذهب المادي للجدل، الجناح الثاني لنظرية المعرفة الفلسفية الماركسية الموازي للمادية التاريخية، استمد جذور فلسفته ومفاهيمه العقلية من تلك الجمل المفاهيمية الجدلية بحدودها “العليا” في حينها زمنيًا. فعلى أرضية جدل هيجل، ومع الاختلاف النوعي الذي ميز الجدل المادي الماركسي عن سابقه الهيجلي، إلا أنهما كانا وليدي عصرهما العقلي بأعلى صوره. وحيث يحلو للكثير من “المتمركسين” القول أن ماركس قلب هيجل وأوقفه على رأسه، في وصف يشي بالخطأ المعرفي مبدًا، رغم تأكيد ماركس على أهمية جدل هيجل ونقده جدليًا بآن، ونقد مادية فيورباخ المحضة، في موقف يتخذ من مبادرة الانسان وتحرره قيمة معرفية ((ولأن هيجل قد تصور نفي النفي من زاوية العلاقة الإيجابية الكامنة فيه باعتبارها البعد الحقيقي والوحيد، ومن زاوية العلاقة السلبية الكامنة فيه باعتبارها الفعل الحقيقي الوحيد، وفعل تحقيق الذات الوحيد لكل وجود، فانه لم يجد الا التعبير المجرد المنطقي النظري لحركة التاريخ))(ماركس، ص 135)، بينما لا يرى المتمركسون سوى فعل القلب هذا الدارجة سخفًا في الأدبيات الشيوعية المسفيتة، من مثالي إلى مادي دون رؤية الجدل والمنهج الجدلي فبينما ((استخدم هيجل مقولاته هذه استخدامًا منطقيًا خالصًا، فجعل التطور للعقل أو الفكر أو الروح، ومن هنا كان صراع الأضداد عنده هو تمزق للفكر نفسه وكانت عملية نفي النفي تحدث في جوف الفكر. وقل مثل ذلك في الانتقال من الكم إلى الكيف. أما الماركسية فتحدثت عن تراكم رأس المال الذي يتجمع حتى يؤدي إلى انقلاب المجتمع الرأسمالي كله الى مجتمع جديد كما شرحت صراع الطبقات وتناقضها، وابرزت نفي المراحل التاريخية لبعض))(امام، ص 312).
قوانين الجدل المادي اعتمدت على تقدم العلوم في وقتها، حيث كتلية نيوتن وقوانينه المادية، وقوانين الترموديناميك الحرارية للافوزييه، ونظرية التطور لداروين ونظريات تحول المادة لطاقة وأنماط الطاقة المحدثة في عصرها، وجميعها ترقب التحولات المادية الجهرية وحسب. جميع هذه العلوم قادت أنجلز لجدل الحركة والمادة، الأساس العلمي الذي حرره في جدل الطبيعة ف((عدم فناء الحركة يجب أن يفهم لا كميا وحسب، بل وكيفيًا، فإن مادة ينطوي انتقالها الميكانيكي على إمكانية التحول، في الظروف الملائمة، إلى حرارة وكهرباء وفعل كيميائي وحياة لا تستطيع مع ذلك أن تخلق من نفسها هذه الظروف، هي مادة وقد منيت بخسارة كبيرة في حركتها))(أنجلز، ص 40-41). هذه التحولات المادية هي الأساس المعرفي الذي أقامه ماركس للعدالة الاجتماعية في النظام الاشتراكي المولد من خلال التناقض بين طبقتين، وصراع الأفكار بين منظومتين، وفرق القيمة بين ما يجنيه رب العمل والعامل (فائض القيمة) فتحول ((النقد لرأسمال ينتج عنه: أن الناتج يخص الرأسمالي ولا يخص العامل، يتضمن التحويل بالإضافة لرأس المال المسلف، قيمة زائدة تكلف العامل عملًا ولا تكلف الرأسمالي شيئًا ومع هذا تصبح ملكًا مشروعًا له، يحتفظ العامل بقوة عمله ويستطيع بيعها مجددًا ان استطاع العثور على شارٍ)) (ماركس، ص 119) .
من الجدير بالاهتمام أن لينين حاول تتبع بدايات الاكتشافات العلمية المذهلة، مع تدشين عصر الفيزياء النسبية والعلوم العصرية مشيدًا بها، حيث أن ((التصورات البشرية عن المكان والزمان نسبية، ولكن الحقيقة المطلقة تتكون من هذه التصورات النسبية، وتغير التصورات البشرية عن الزمان والمكان قلما يدحض الواقع الموضوعي لهذا وذاك مثلما تغير المعارف العلمية عن بنية وأشكال حركة المادة لا يدحض الواقعية الموضوعية للعالم الخارجي))(لينين، ص 222).
روجيه غارودي تابع تلك المحاولات في فلسفة القرن العشرين، فعرف المنطق الجدلي بأنه ((لحظة من البناء العقلاني للواقع، اي انه ليس تأملًا في نظام بل هو بناء لنظام. ولحظة السلبية فيه، لحظة رفض النظام السابق التقوّم، ورفض الانخداع بوهم وجود عالم مكتمل الصنع خارجًا عنا ومن دوننا، هي لحظة جوهرية، لأنها تلك التي يتأكد بها التوحد المتنامي بين تاريخ الطبيعة وتاريخ الانسان بين ما هو عقلاني وما هو عملي))(غارودي، ص 86).
ومع هذا لم يدخل الجدل الماركسي العلوم العصرية في محاورة الجدل بذاته وامكانيات تغيير مبادئه، كما لم تدخل الفلسفة هذا الحيز بشكل يتسع على انفتاحاتها العقلية بطريقة فلسفية، ونعود لذات الجملة والسؤال في الجدل الأبستمي ونظرية المعرفة، وهذا هو السؤال!

⦁ الجدلية المادية: القصور والحدود المعرفية:
عرفت الفلسفة والنظرية الماركسية قوانين الجدل بأنها: التراكم الكمي والتغيير النوعي والعكس، ووحدة وصراع المتناقضات، ونفي نفي، وان كان يختلف في مساره مع الجدل المثالي كما بنى نهجه وطريقته هيجل بأنه: الفكر في ذاته ولذاته، السلب من الفكر للواقع، عودة الروح من الواقع للفكر، ما يعرف بالمثلث الهيجلي ((دائرة المنطق لها ثلاثة جوانب، أ- الجانب المجرد أو جانب الفهم، ب- الجانب الجدلي أو الجانب السلبي للعقل، ج- الجانب النظري أو الإيجابي للعقل))(ستيس، ص 112). بالمبدأ الجدلان يلتقيان في الغاية، والغاية هي حرية الانسان وأسئلته وأجوبته وجودًا وصيرورة. ويلتقيان في المنهج أيضًا، في طريقة الجدل كعقل ورؤية للكون والوجود. بغض النظر عن عبثية واعتباط الحوار في اثبات أن الفكر وجد أولًا حسب المثالية الهيجلية أو الواقع أولًا حسب المادية الماركسية، لكن كلاهما جدل نسعى لتجاوز اغلاقهما المنفرد فـ ((كل الفكر البشري جدلي، لكن ثمة فرق بين ديالكتيك المفاهيم وديالكتيك الأشباح))(مرقص، ص 68).
الجدل ابتدأ مع فلسفة ومنطق اليونانيين، ((حيث الجدل أرقى المعارف وأكملها على الإطلاق، بينما تمهد العلوم لها من حيث الحساب والفلك والهندسة، وبين فلسفة اليقين الحسي والمادي حيث الضرورة والابدية عند أرسطو))(بشته، ص 13)، وتابع رحلته المنهجية تناميًا ونقدًا، فالمنطق الأفلاطوني الصوري بتتامه، وجدل أرسطو الحسي وحوارهما الطويل، وصولًا للجدل المثالي الهيجلي والمادي الماركسي. مع الجدل الماركسي بدأ التحول المركب والمعقد من الواقع بتعيينه الحسي للوعي انعكاسًا ومن ثم المفاهيم والقوانين بتناميها معرفيًا وعلميًا.
أينشتاين دخل من بوابة الجدل الواسعة، وقد أضاف نكهة الابتكار والمبادرة الحرة للعقل البشري. الحرية جذر المعرفة الجدلية، لا تلتزم بقانون سابق ولكنها لا تتعامل معه بعبث أو استخفاف. الحرية الجدلية لدى أينشتاين قادته لرؤية المختلف عقليًا ومفهوميًا عن النتائج العلمية والمفهومية التي تجلت في انعكاسات الحسي والمادي في الوعي وحسب.
في الجدل الماركسي في القرن العشرين، ثمة معالجة معقولة لكن طريفة بذات الوقت لمسائل أينشتاين المدهشة، حاولها متابعي الماركسية بطريقة تحيله لمركزية وهيمنة الجدل المادي وحسب. ففي كتاب أينشتاين والقضايا الفلسفية للقرن العشرين يقول كتّابه: ((لا يمكن ان تستنبط بصورة مباشرة من المادة التطبيقية دون استخدام شيء من المعالجة الذهنية، وهذه هي الحرية والإرادة ولكن من نوع خاص، فهي ليست مناظرة بأي شكل من الأشكال مع حرية كاتب الرواية، في حين ان تشابه الرجل المشتغل في حل لغز معقد من الكلمات المتقاطعة. فافتراض أي كلمة على انها الحل، لكن هناك كلمة واحدة فقط يمكن ان تحل اللغز))( جريبانوف، ص 20-21).
هذه المحاولة الجدلية ترجع أينشتاين والعلوم العصرية للجدل المادي، ولا تضعه متجاوزًا لها! فالمادة طاقة حسب أينشتان نظريًا ورياضيًا وتجريبيًا، أو الطاقة تكافئ مادة متحركة، حيث: الطاقة لا تفنى ولا تخلق من عدم، والمادة لحظة ساكنة من لحظاتها المتحركة دومًا. تلك التي عبرت عنها علاقة أينشتاين الشهيرة: (E=mc2 : E الطاقة، m الكتلة، c سرعة الضوء). المادة حيز حسي مرئي للطاقة، والطاقة حيز غير مرئي حسيًا للمادة، وكلاهما مفهوم عقلي يتعين بطرق عقلية مختلفة، وكلاهما في جدل كمومي مع بعض بآن، ليسا متفانيان، ولا متناميًا كميًا وحسب، بل في جدل كمومي يختلف عن المقاييس ودرجات الحرية الأولى للكميّة، بل ويلج بسلاسة ولطف جدل الوجود والتناغم والتفاعل وهذا جدل مختلف عن قسوة الجدل المادي وعن ترف الجدل المثالي، وعن الوعي المادي الجدلي كانعكاس مباشر للعلاقات المادية الذي يقف دون هذا المفهوم حكماُ!
حسب مبدأ الهوية المادة هي مادة، والطاقة هي طاقة، هذا تعريف أولي. ونفي المادة هو تحولها لطاقة، ونفي نفيها عودتها لمادة مختلفة، هذا جدل مثالي ومادي بآن يعتمد مبدأي الهوية ونفي النفي. بينما المادة هي طاقة، والطاقة هي موجة وفقًا لنسبية أينشتاين الكمومية، ووفقًا لأحدث منتجات التقنية! فحسب مبدأ الهوية المادة هي موجة، ونفي المادة يعني نفي الموجة، بينما المادة بذاتها هي موجة وجسيم بآن، والموجة بذاتها هي مادة وموجة! فهل هو جدل مادي أو مثالي؟ التحولات الجدلية المثالية والمادية من نفي ونفي نفي فيها، قاصرة ومحدودة الأفق عن التحقق من عملياتها وحقائقها! مثنوية المادة- موجة، والمادة- طاقة.
في الجدل المثالي، صرامة المفهوم المطلق تقيّد مبدأ الهوية، وتلزمه بالقسوة، فالأب أب، لكنه حنون أيضًا، وهذه ليست صفة هذه هويته الروحية، ولنقل الموجية. فأب وحنون متلازمان لا ينفكان، فإن نفينا الحنان كروح، تنتفي الأبوة كمفهوم مادي يتعلق بالمسؤولية والرعاية والعمل! فان نفيت احداهما، وجد الإهمال والقسوة والتفكك الأسري وهذا مجال تدرسه العلوم النفسية تفصيلًا.
وفي الجدل المادي صرامة القانون تقيّد مبدأ نفي النفي والحركة، فنفي النظام الرأسمالي كنفي للملكية الخاصة والعودة للملكية العامة، وفق نظام الدولة الاشتراكية المقترح كأعلى حالات الجدل ماركسيًا بالمشاعية الأولى، حيث الملكية العامة. لكن تم نفي الحرية الفردية أيضًا واخضاعها لقوانين سلطة البروليتاريا الشمولية في نموذجها الاشتراكي المزعوم. الحرية الفردية كلحظة روحية، ولنقل الموجية تم نفيها كلية، بينما افترضت النظرية العلمية للاشتراكية تحقيقها بالعدالة الاجتماعية وهذا تناقض! هذا ليس خطأ بتطبيق النظرية، بل خطأ في قوننه الجدل ماديًا ذاتها، لا بل وقصور في رؤية الكون وجدل اختلافه وبالضرورة الحرية والتميز والتفاعل الخلاق في وحدة الوجود الكوني!
في عالم الفيزياء ثمة ما يثير الدهشة المعرفية، فانتقال التيار الكهربائي يحدث بسرعة الضوء (3*108 م.ثا-1) كموجة كهرطيسية، بينما الالكترونات الحاملة للتيار تتحرك بسرعة بضعة أمتار بالثانية فقط، فلو بقيت الحركة المادية كتراكم كمي حاكمة بمفردها، لاحتاج التيار الكهربائي ليالٍ وأيام ليصل القرى البعيدة. بينما صيغته الموجية تنقله لحظيًا مئات بل آلاف الكيلومترات من سد الفرات لقريتي في الجنوب السوري! فهذا السير التراكمي للمادة ليس حقيقة كافية، بل ثمة سير موجي، روحي يكتنفها لم يكن مكتشفًا سابقًا ولكنه بات اليوم حقيقة نستخدمها لحظيًا بالتواصل التقني صفري الزمن والمسافة! فما يمكنه أن يمثل حقيقة عقلية لا تكتفي بأن تكون مكافئة تمامًا للتجربة الحسية الطبيعية واكتشاف قانونها الطبيعي بصفته الموضوعية وحسب، بل تفتح بوابة الروح الإنسانية لإمكان تجاوزها. هذا تاريخ وتطور لا يأسره قانون، أو مفهوم، بقدر ما يجب أن تكون هذه القوانين والمفاهيم ذاتها مصدر سعادة وحرية، وذلك بغض النظر عن قوانين الجدل المادية أو المثالية فالعالم قابل للإدراك، والحرية جدلها وتوقها وشغفها.
بالعودة لهذا اللحن الذي نحاوله جدليًا، ولكن بصورة مختلفة، فاتساقًا مع كلا الجدلين الماركسي والهيجلي، المعقول واقعي والواقعي معقول، سواء بدأنا بشطرها الأول أو الثاني. إن الحسّ الإنساني يمتاز بالمحدودية وكذلك الإدراك والمفاهيم. الإنسان يرى سبعة ألوان طبيعية وتدرجاتها فقط، ويسمع ضمن حيز محدود تردديًا، ويلمس ويفرق مباشرة بحواسه الحار من البارد، ويشعر بثقل الجاذبية الأرضية ومفعول الكتلة والعمل والطاقة الناتجة عنها؛ تلك التي تُتوقع نتائجها الحتمية متضمنة في مقدماتها النظرية. القوة والعمل وتغير الطاقة والفعل ورد الفعل، تمثل حقائق واقعية وطبيعية، لكنها بقيت محدودة معرفيًا حتى بدأت نظريات العلوم في اثبات حدها اللامتناهي والسرمدي هذا! اذ إن سقوط تفاحة نيوتن مثل ثورة علمية في حينها، لكن كتلة الفوتون الصفرية وعدم خضوعها لقوانين الجاذبية، مع أنها جسيم ذو اندفاع طاقي كمي قابل للقياس، شكل لحظة علمية مختلفة ومفارقة عما سبقها ((ما يغير تصورنا عن الطبيعة ووصفنا لها بطريقة جذرية)). لقد أثبتت علوم الفيزياء النسبية في السرعات العالية محدودية النيوتونية وشمولها المادي وخطأها في حتمية التحديد الزمكاني. وهذا ما يفتح المجال لجدال وحوار واسع مع قوانين الجدل المادية ذاتها، ومن ثم المثالية المتوقفة عند مفهوم العقل المطلق والهوية دون امتلاك جرأة الخوض في الماهيات. فالتحولات من الفيزياء الكلاسيكية إلى الفيزياء الحديثة كطريقة في معرفة الطبيعة وكشف العماء عن اسرارها والولوج في محتواها الكمومي والموجي (وهذا مختلف عن الكمي القياسي المعروف والكلاسيكي) تمثل ثورة في الفيزياء والمنهج وطرق التفكير ((فهي طرائق جديدة للإدراك وأسلوبا جديدًا للفكر))( جريبانوف، ص 72).
التوقف عند مفهوم الذرة كأصغر جزء قابل للقسمة صحيح في العالم الحسي والمحدود ادراكًا وفهميًّا، وتجريد العقل فيه بتناسب مع المدركات الحسية، أما الانتقال لما دون الحسي والإدراك الطبيعي فهو تجريد أعلى، نقل للمعرفة البشرية لعالم متسع من الألغاز ولكنه قابل للكشف والتعيين وفق طرق ومناهج مختلفة عما سبقته. فماذا عما لا تراه عين او تسمع به أذن أو يخطر على قلب بشر (كما وردت في رسائل بولس الرسول والحديث النبوي الشريف وعلى لسان الشافعي ذات يوم)؛ تلك التي تتكشف بوضوح أكثر مع علوم الفيزياء والرياضيات الحديثة، بشكل أكثر وضوحًا وعيانيّةً وبعقل مختلف أيضًا، عقل الجدل الكمومي.
مجددًا وليس ختامًا، إنها رحلة للبحث عن سلام وأمان الانسان والكوكب في لحظته العصرية في القرن الواحد والعشرون، أدرك عميقًا أنه لا تكفيه ورقة أو بحث بل أبحاث ونٍزالات معرفية شاقة، وهذا ما سوف يُتابع حواره في الحتمية والتراكم الكمي المادي مقابل التفاعل الموجي المادي الكمومي، وفي التناقض والتفاني المثنوي مقابل الوحدة والادهاش الكوني لوجود الانسان ككلية تتجاوز قصورها المعرفي السابق في جزء لاحق، والنتيجة المتوخاة بناء مفاهيم جديدة للوحة عصرية للجدل الأبستمولوجي بمثلثه: الكمومي والتواصلي والعاطفي، تشكل بعدًا معرفيًا محدثًا في الوجود الإنساني وتحاول لجم شطط علومه المنفلتة من كل عقال.

 

⦁ المراجع والهوامش
⦁ حسب نيوتن فيزيائيًا والرياضيات منطقيًا: C+v=C+v، لكن هذا خطأ علمي فيزيائي مع أنه صحيح حسابيًا. أثبتت تجربة مايكسلون-مورلي، وفكرة ومنطق ماكسويل في الموجية والكهرطيسية، أن سرعة الضوء هي السرعة المطلقة ولا يمكن لجسم أن يمتلك سرعة أعلى منها. سرعة الضوء المطلقة هي فرضية ومسلمة أينشتاين لفكره ومنطقه الفيزيائي النسبوي، والتي برهن عليها رياضيًا برياضيات غير خطية مختلفة. الفوتون الضوئي، عديم الكتلة، بمثل السرعة المطلقة جسيميًا وموجيًا ويخطأ معها الحساب الشعاعي التقليدي الأول، وتخطأ فيزياء نيوتن حيث أن: C+v=C ، حيث m.s-1 C=3*108وV أي سرعة أخرى حتى C ذاتها.
⦁ ريتشارد كرونر وآخرون، تطور هيجل الروحي، ترجمة امام عبد الفتاح امام، ط 1، (بيروت: التنوير للطباعة والنشر، 2010)، ص 54.
⦁ كارل ماركس، مخطوطات 1844، ترجمة محمد مستجير مصطفى، (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1974)، ص 135 وما بعدها في حوار جدل هيجل.
⦁ امام عبد الفتاح امام، المنهج الجدلي عند هيجل، ط 3، (بيروت: التنوير للطباعة والنشر، 2007)، ص 312.
⦁ فريدريك أنجلز، ديالكتيك الطبيعة، ترجمة توفيق سلوم، (بيروت: الفارابي للنشر، 1988)، ص 40-41.
⦁ كارل ماركس، رأس المال نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الجزء الثاني، ترجمة فالح عبد الجبار وآخرون، (موسكو: دار التقدم، 1987)، ص 119.
⦁ لينين، المادية والمذهب النقدي التجريبي، المختارات المجلد 4، ترجمة الياس شاهين، (موسكو: دار التقدم، 1978)، ص 222.
⦁ روجيه غارودي، ماركسية القرن العشرين، ترجمة نزيه الحكيم، (بيروت: دار الآداب، 1967)، ص 86.
⦁ غازي الصوراني، مدخل الي الفلسفة الماركسية، ط 1، (فلسطين: غزة، 2018)، ص 68-88.
⦁ ف. كونستانتينوف وآخرون، المادية الديالكتيكية، ترجمة فؤاد مرعي وآخرون، (دمشق: دار الجماهير، 1973)، ص 227-257-297.
⦁ ف. هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية، ترجمة امام عبد الفتاح امام، ط 3، (بيروت: التنوير للطباعة والنشر، 2007)، ص 211-212.
⦁ ولتر ستيس، فلسفة هيجل، المجلد الأول: المنطق وفلسفة الطبيعة، ترجمة امام عبد الفتاح امام، ط 3، (بيروت: التنوير للطباعة والنشر، 2007)، ص 112.
⦁ الياس مرقص، العقلانية والتقدم، ط 1، (المغرب-الرباط: المجلس القومي للثقافة العربية، 1992)، ص 68.
⦁ عبد القادر بشتة، الأبستمولوجيا: مثال فلسفة الفيزياء النيوتونية، ط1، (بيروت، دار الطليعة، 1995)، ص 13.
⦁ جريبانوف وآخرون، أينشتاين والقضايا الفلسفية للفيزياء في القرن العشرين، ترجمة ثامر الصفار، ط 1، (دمشق: الأهالي، 1990)، ص 20-21.
⦁ المادة المصورة مثلًا فيديو أو صورة ذات الحجم المادي بالميغابايت، وتحولها لموجة قابلة للإرسال بزمن سرعة الضوء وفق الاتصالات الرقمية الحديثة، ومن ثم عودة تحولها لمادة تُرى وتشاهد وتشكل حيزًا تواصليًا لحظيًا مهما امتدت المسافات، يمر عبر عمليات فيزيائية وهندسية معقدة، احداها واهمها التكميم الرقمي، المبنية على قوانين الفيزياء النسبية والكمومية بآن في الهندسة المعلوماتية.
⦁ Prigogine, I., The end of certainty, (New York: the Free Press, 1997), P 74.
⦁ في العلوم النسبية تم اثبات أن الأجسام ذات السرعات العليا القريبة من سرعة الضوء (خارج حدود السرعات الطبيعة للحواس البشرية) تتغير قياسات زمنها وذلك وفق حسابات النيوتونية، ومرد ذلك أن السرع والتغيرات في النيوتونية بلا حدود لها، مفتوحة على اللانهاية، فكل كتلة يمكن دفعها طاقيًا بسرعة متزايدة دون تغير فيها. وهنا كانت فرضية النسبية أن المادة ذات الكتلة الصفرية ستكون حاملة السرعة المطلقة ولا يمكن تجاوزها، وهي ما أثبته ماكسويل ولاحقًا أينشتاين في الفوتون الضوئي (ويجب التنويه هنا إلى أن هناك جهود علمية لإثبات أن للفوتون الضوئي كتلة متناهية في الصغر وبالتالي امكان وجود سرعة أعلى منها، لكنها لليوم فرضية لم تثبت تجريبيا، كما وان تم ذلك أعتقد أنها لن تخرج عن فرضية اينشتاين في ذلك لليوم سوى في إيجاد السرعة الأعلى لجسيم صفري الكتلة خلاف الفوتون)؛ كما الخط المستقيم والجاذبية النيوتونية تحال لانحناء الكون في مفهوم الزمكان حيث يصبح البعد الجيوديسي يعني تماما الأقصر او الأطول حسب نسبية اللحظة. كما أن التحول في موضوعات الزمن والبعد والكتلة تصبح موضوعة نسبية التغير وهي القوانين الأكثر تطبيقًا علميًا وتصبح موضوع التغير في الطاقة هو موضوعة العلم الحديث المتفوق بحكم ثورة التقنية علميًا وتجريبًا.
⦁ يمكن مراجعة الكثير من البحوث العلمية التي تفيد في تغيير مقاييس الزمن كما المسافة والكتلة وخروجها عن مركزية ومادية نيوتن.

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية.. دكتوراه في الفيزياء النووية.. ومستشار في مركز أسبار للدراسات والبحوث

زر الذهاب إلى الأعلى