أمنية وعسكريةالرئيسيتقدير موقف

ملف أسبار الأسبوعي: الصراع في إثيوبيا ما بين أزمة الإرث التاريخي ومطامع السلطة

مصطفى أمين عامر

يشكل تفاقم الصراع فى إثيوبيا أزمة “وجودية”حقيقية للدولة الأهم فى منطقة شرق إفريقيا والتى كان يُنظر إليها، على أنها المحور الاستراتيجي للقرن الأفريقي والتي سرعان ما حولتها الحرب إلى مصدر لعدم الاستقرار في منطقة مضطربة أصلا، فبعد عام من الصراع الذي خلف آلاف القتلى، وأجبر أكثر من مليوني شخص على ترك منازلهم ودفع أجزاء من البلاد إلى المجاعة، تحولت الحرب الأهلية في إثيوبيا بشكل كبير لصالح قوات التغراي وحلفائهم الذين أصبحوا على بعد أميال من العاصمة أديس أبابا، هذا الأمر دفع إلى مزيد من التساؤل حول طبيعة الإرث التاريخى للصراع ومعوقات الحلول التى طرحت للأزمة من جانب الأطراف الإقليمية والدولية، وشكل الخارطة العسكرية لجبهات القتال وهل تم حسمها لصالح أحد الطرفين أم تحولت إلى مأزق للفيدرالية الإثيوبية بالكامل وما سيناريوهات مسقبل هذا الصراع.

 

أولا: الإرث التاريخي للصراع ومعوقات الحلول
لا يعد الصراع فى إثيوبيا وليد اللحظة وإنما يضرب بجذوره فى تاريخ الدولة الحبشية، وجاء تفاقمه كنتيجة طبيعة لأزمة حقيقية ناتجة عن تضافر العديد من العوامل والتى تقف الآن كمعوق رئيس أمام أي حلول للأزمة على المدى القريب وتحمل مزيدا من التأزم على المدى البعيد، فإثيوبيا شهدت العديد من الصراعات الأهلية والعرقية، إن شعب التيغراي جزءا لا يتجزأ منها، وتعرض خلال حقبة السبيعينات من القرن الماضى مثل باقي العرقيات الأخرى لحملة قمع وحشية قتل
فيها عشرات الآلاف، عُرفت باسم “الإرهاب الأحمر” في إثيوبيا وهو ما دفع أحد عشر رجلاً إلى إنشاء جبهة تحرير شعب تيغراي وفي أقل من عقدين تطورت الجبهة لتصبح أقوى حركة تحرير مسلح في إثيوبيا وفي عام 1991م هزمت الجبهة الحكومة العسكرية وهيمنت على التحالف الحاكم في أديس ابابا، ولكن فى عام 2018م وبعد سنوات من الاحتجاجات المناهضة للجبهة، تم انتخاب أبي أحمد زعيماً من قبل الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، ليصبح أول زعيم من الأورومو المجموعة العرقية الأكبر في إثيوبيا (1).
وفي استهداف واضح من قبل رئيس الوزراء الأثيوبي الحالى لحركة التغراي عقب سيطرته على السلطة قام بتجفيف قوة الجماعة ونفوذها في إثيوبيا بشكل تدريجي، وهو ما أثار حفيظة القيادة التيغراية ودفعها إلى التراجع إلى معقلها في تيغراي في شمال إثيوبيا الجبلي ليستمر فى تأجيجه للتوتر معها بإعلانه المضي قدمًا في الانتخابات البرلمانية الإقليمية والتي كان قد أجّلها في جميع أنحاء إثيوبيا بسبب وباء الفيروس التاجي وهو ما استفاد منه أيضا، بحث المشرعون الإثيوبيون على قطع التمويل عن مناطق التغراي وهو ما دفعهم إلى إنشاء لجنتهم الانتخابية الخاصة وإجراء انتخابات إقليمية منفصلة (2).
وفى رد فعل وصفته جبهة تحرير شعب تيغراي بالـ”ذريعة” لغزو أراضيها، أمر رئيس الوزراء أبي أحمد بالهجوم على أراضي التيغراى في 4نوفمبر 2020، واستولى على عاصمتها ميكيلي تحت دعوى هجوم قوات الإقليم على معسكرات للجيش الفيدرالي فى شمال البلاد، ولكن سرعان ما أعادت الجبهة ترتيب صفوفها لتعلن الإدارة الموقتة التي عيّنها أبيي أحمد فى 28يونيو2020م مغادرتها الإقليم مع تقدم “قوات دفاع تيغراي”، وهو ما شكّل منعطفاً خطيراً في النزاع. وأعلنت الحكومة الفيدرالية “وقفا لإطلاق النار من جانب واحد”، وافقت عليه الجبهة من حيث المبدأ” لكنّهم تعهّدوا بمواصلة القتال إن لم تُلبَّ شروطهم ، ثم أعلنت ثلاث مناطق أنها ستنشر قوات دعماً لعمليات القوات الفدرالية في تيغراي ليمتد النزاع إلى منطقتين مجاورتين لتيغراي هما عفر مع قيام الطائرات الإثيوبية بشن ضربات جوية على ميكيلي عاصمة تيغراي (3).
ومع انضمام المئات من الجنود الإريتريين والأمهر بالانضام إلى القوات الفيدرالية الإثيوبية بدأت أولى جولات القتل العرقي فى 9 نوفمبر من عام 2020م في بلدة ماي كادرا والتى أودت بحياة المئات ، وفى 14 نوفمبر أطلقت الجبهة الشعبية لتحرير تيغري صواريخ على مطاري أمهرة وعلى العاصمة الإريترية أسمرة، متهمة إريتريا بإرسال جنود إلى تيغراي، ليعلن أبي أحمد فى 28 نوفمبر 2020م أن العمليات في تيغراي قد انتهت وأن الجنود يسيطرون على عاصمة تيغراي ميكيلي(4).
وعقب هذا الإعلان مباشرة أعلنت منظمة العفو الدولية أن الجنود الإريتريين قتلوا “مئات المدنيين” في مدينة أكسوم المقدسة وهو الأمر الذى طالما نفته إثيوبيا وإريتريا على مدار شهور الصراع ليعترف أبي أحمد فى 23 مارس 2021م بشكل رسمي بأن القوات الإريترية عبرت الحدود إلى تيغراي وفى أوائل أبريل، قالت إثيوبيا إن القوات الإريترية “بدأت في إجلاء” تيغراي، لكن في 15 أبريل، قالت الأمم المتحدة إنه لا يوجد دليل على الانسحاب وفي 22 يونيو لقي ما لا يقل عن 64 شخصًا مصرعهم وأصيب 180 آخرون في غارة جوية إثيوبية على سوق في توجوجا لتعلن الحكومة الاتحادية عن “وقف إطلاق النار من جانب واحد” ولكن جبهة التغراى تعهدت بمواصلة القتال إذا لم يتم الوفاء بالشروط الصارمة وفى في 12 يوليو توغلت جنوبا فى رد مباشر على نتائج الانتخابات التي أظهرت فوز حزب أبي أحمد في الانتخابات، الذى تعهد بصد الهجمات وقام بنشر ثلاث قواته فى ثلاث مناطق إثيوبية لدعم العمليات العسكرية في تيغراي ليمتد الصراع إلى منطقتين متجاورتين هما عفار وأمهرة(5) .
في أغسطس 2021م أعلن جيش تحرير أورومو تحالفه مع جبهة تحرير تيغراي مما شغل عنصر ضغط على أكبر على الحكومة المركزية فى أديس ابابا وكان من أبرز نتائجه إعلان جبهة تحرير تيغراى أنها استولت على بلدة كومبولتشا ومطارها في منطقة أمهرة وأنها سيطرت أيضا على بلدة كيميس الواقعة على بعد 53 كيلومترا جنوبي كومبولتشا على نفس الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة أديس أبابا ليحقق جيش تحرير أورومو أيضا تقدم جديد باستيلاءه على بلدة كيميس التى تبعد 325 كيلومترًا من أديس أبابا، وهو ما دفع آبي أحمد إلى توجيه نداء إلى الشعب الإثيوبي قائلا: “يجب أن يسير شعبنا … بأي سلاح وموارد لديه للتحرير من جبهة تحرير تيغراي الإرهابية وصدها ودفنها(6)
وبهذا التحول فى الصراع يكون قد تحقق لجبهة التغراي مكسب استراتيجي كبير بعودة سيطرتها على العاصمة إقليمها وكل مدنه، وأيضا تكبيد القوات الإثيوبية والإريترية خسائر فادحة حتى الآن ، وهو ما اضطرها في النهاية إلى الانسحاب من الإقليم، مما يعني أن هناك واقعًا جديدًا يتبلور في إثيوبيا سيمثل أولاً ضربة قوية للتحالف القائم بين آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وقادة إقليم أمهرة(7) وثانيا يعكس تصعيدا سريعا للصراع يهدد بتمزيق إثيوبيا ، وتحالفها مع الولايات المتحدة، بل زعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي المضطربة أصلا(8).

 

ثانياً: الخارطة العسكرية ثلاثية الجبهات ومأزق القوات الإثيوبية
شكل الصراع فى إثيوبيا خارطة عسكرية ثلاثية الجبهات وضعت القوات الفيدرالية الإثيوبية في مأزق مصيري ، واستطاعت من خلالها جبهة التغراي تطوير المسرح العملياتي لصالحها بهدف تحقيق تقدم عسكري يحقق مساعيها لفرض الأمر الواقع على نظام آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، وتحقيق المزيد من المكاسب الاستراتيجية، وإعادة صياغة موازين القوة على الأرض بهدف تغيير المشهدين السياسي والعسكري لصالحها؛ بغية إجبار حكومة أديس أبابا على قبول شروطها لوقف إطلاق النار، في حال انطلاق المفاوضات.
وتعتمد جبهة تحرير تيغراي في تطبيق تكتيك عسكرى يسمي “شد الأطراف” والذى يقوم على توسيع جبهات القتال فيما يعرف بحرب العصابات (الغوريلا) وقد سبق واستفادت منها الجبهة في مقاومتها لنظام مانجستو هيلي ماريام في ثمانينيات القرن الماضي وأدت إلى إسقاطه في 1991م(8).
فى البداية عملت قيادة تيغراي على استعادة جميع الأراضي التي فقدتها في المرحلة الأولى من الحرب، بما في ذلك الأراضي المتنازع عليها في غرب تيغراي، ثم طردت الجنود الإثيوبيين والإريتريين من الأجزاء الوسطى من تيغراي، واستعادت معظم المنطقة مع انسحاب الإدارة التي نصبتها أديس أبابا في ديسمبر 2020م ثم أعادوا تأكيد سلطتهم على الجزء الجنوبي من تيغراي، المعروف باسم ريا، والذي سيطرت عليه قوات أمهرة أيضًا في الأسابيع الأولى من الحرب ثم توغلت قوات تيغري جنوباً في منطقتي أمهرة وعفر المجاورتين بهدف قطع الطريق التجاري بين أديس أبابا وجيبوتي ثم أستولوا على مدينة لاليبيلا ، وهي موقع تراث عالمي تابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة معروف بكنائسها المتجانسة، ثم مدينة ويلديا، وهي مركز نقل وتجاري رئيسي في أمهرة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى أديس أبابا(9).
وتسعى جبهة تغيراي إلى مزيد من التوغل في إقليم عفر بالجبهة الشرقية للسيطرة الكاملة على الطريق البري الاستراتيجي الذي يربط بين أديس أبابا وميناء جيبوتي لقطع سبل الإمدادات للداخل الإثيوبي مما يعزز الأزمات الاقتصادية والسياسية في البلاد، وأيضا تهديد إقليم دنكاليا الإريتيري وميناء مصوع الاستراتيجي مما قد يدفع أسمرة لإعادة حساباتها في التورط في الصراع الإثيوبي مرة أخرى، والضغط على الجبهة الغربية لفك الحصار الذي فرضته عليها الحكومة الإثيوبية بسبب إغلاق خمسة طرق برية تربط تيجراي بإقليمي أمهرة وعفر، وذلك من خلال محاولة السيطرة على منطقة “حمرة” الإثيوبية والتحكم في المعبر البري الذي يربط بين إثيوبيا والسودان الذي يمثل شريان حياة بالنسبة لتيجراي ، وفى الجبهة الجنوبية أحرزت قوات تيغراي تقدمًا بعد استيلائها على منطقة Debark الاستراتيجية التي تطل على مدينة غوندار بإقليم أمهرة، وسيطرتها على مدينة دبري تابور، وبعض المناطق الأخرى باتجاه مدينة دسي جنوب إقليم أمهرة، إذ تستهدف بالأساس التوغل في إقليم أمهرة، ومركز القيادة الغربية للجيش الإثيوبي، من خلال عبور أكثر المناطق وعورة ناحية الشمال الشرقي بدلًا من الطريق السهل عبر منطقة “دانشا” خوفًا من اعتراضها من قبل القوات الإثيوبية والإريترية ويحقق هذا التوغل في أمهرة أهدافًا سياسية واستراتيجية من أبرزها إسقاط حكم أمهرة في الإقليم، ومخاطره المحتملة على استمرار حكم آبي أحمد(10).
وتهدف جبهة تحرير تيغراي من ذلك لاستنزاف الجيش الفيدرالي من خلال حرب العصابات وتنفيذ هجمات كر وفر وهو ما يحسن من موقفها فى الضغط على الحكومة على مائدة التفاوض الذى يحتاج ايضا الى دعم وتعاون عدد كاف من الفاعلين السياسيين(11)، الذين يدركون شكل المهددات التي تشهدها الساحة الأمنية الإثيوبية وما تشكله من خطر واضح على أمن واستقرار الدولة الإثيوبية، وتحديًّا صريحًا لاستقرارها(12).

 

ثالثاً: المجتمع الدولى بين العجز وعدم القدرة على إيجاد حلول
لازال المجتمع الدولى والإقليمي يتعامل مع الصراع فى إثيوبيا بمنطق “الفرصة السانحة” التى يبدو أنها لم تأت بعد، فمع الجهود المحمومة لإقناع كلا الطرفين بالعودة بالتفاوض ووقف إطلاق النار، تتفاقم العقبات الكبيرة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، فى ظل محاولات للحصار يفرضه كلا الطرفين على الآخر وسط حالات متنامية تمنع وصول المواد الغذائية والإمدادات الطبية لكلاهما، ومطالب بتحييد ميليشيات جماعة الأمهرة العرقية المتحالفة مع الحكومة الفيدرالية لتيغراي الغربية وإنسحاب التغراي من الأراضي التي سيطرت عليها في منطقتي أمهرة وعفر قبل أن تبدأ أي محادثات(13).
الأمم المتحدة فشلت فى إنهاء الصراع على مدار شهور ولم تتحرك بعد اعتقال موظفيها فى أديس أبابا، ومجلس الأمن الدولي أيضا لم يستطع الاتفاق تبني بيان يوم 20فبراير 2021م الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار في تيغراي بإثيوبيا، واكتفى بالإعراب عن قلقه حيال اعتقالات مزعومة على أساس الهوية العرقية، وسط خلاف على النص بين أعضائه ورفض روسي –صيني له فيما لم يتسن الحصول على تعليق فوري من البعثة الصينية(14).
والاتحاد الأفريقي لازال عاجزاً عن الضغط بشدة من خلال تعليق عضوية الدولة التي يوجد بها مقره الرئيسي وهو ما وضح فى بيانه الأخير الصادر فى 13 نوفمبر 2021 ، وحث الحكومة على ضرورة العمل على تحقيق الحل السلمي للصراع المستمر مع جبهة تحرير تيغراي وأنه لازال يعقد اجتماعات مشجعة مع قادة منطقتي أوروميا وأمهرة وقادة كينيا وأوغندا وجيبوتي وجنوب السودان والصومال والسودان وإنه متفائل بإمكانية تأمين أرضية مشتركة نحو حل سلمي للصراع لأنه لا يوجد حل عسكري للصراع والنصر في ساحة المعركة لا يمكن أن يضمن الاستقرار السياسي في إثيوبيا ولا يمكن لمثل هذه المحادثات أن تؤتي ثمارها في بيئة من الأعمال العدائية العسكرية المتصاعدة(15).
أما الولايات المتحدة وبالرغم مما تمتلكة من نفوذ على إثيوبيا والذى مارستة خلال فترة الهدوء القصير التى شهدها الصراع في يونيو2021م والذى جاء كنتيجة جزئية للتهديدات الأمريكية على التمويل الدولي لإثيوبيا في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلا أنها لازالت تواجه مواقف رئيس الوزارء أبى أحمد المتشددة التى تحبط جهود الوساطة وإعلانها وهو ما دفعها إلى الإعلان عن خططها لاستبعاد إثيوبيا من الوصول إلى الأسواق الأمريكية معفاة من الرسوم الجمركية بحلول يناير2022م ، وأيضا فرض عقوبات ضد الحكومة والجيش الإريتري الداعمين له، أما الصين، والتي تعد المستثمر الرئيسي في إثيوبيا، فلازالت حتى الآن تفضل البقاء بعيدًا عن الأنظار ، وتعارض تهديدات العقوبات الأمريكية وتقول إن إثيوبيا يمكنها حل مشكلاتها دون تدخل أجنبي(16).
وبما أن إثيوبيا كانت مزودًا للأمن في محيطها الإقليمي حيث ساعدت على استقرار الصومال وجنوب السودان وقدمت دعمًا دبلوماسيًا مهمًا خلال الفترة الانتقالية في السودان وإذا فشلت إثيوبيا في ترسيخ ترتيب سياسي جديد يستوعب سكانها المتنوعين البالغ عددهم 110 ملايين ويضمن التدابير الأساسية للأمن والعدالة ، يمكن أن يمزقها مزيد من الصراع الذي يؤدي إلى أزمة لاجئين ضخمة ومزعزعة للاستقرار فى منطقة القرن الإفريقي بالكامل(17).

 

رابعاً: سيناريوهات الأزمة بين تماسك الجغرافيا وانهيار الدولة
مع مايبدو عليه أفق التسوية السياسية للصراع من ضبابية بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي، يمكن توقع مستقبل الأزمة بين ثلاث سيناريوهات رئيسية تتمثل فيما يلي:
السيناريو الأول: الانفصال وتفكك الجغرافيا
يبقى سيناريو الانفصال وتفكك الجغرافيا الإثيوبية قائماً مع تدهور الوضع وتطور مشاعر إقليم تيغراي المؤيدة للانفصال، ولا سيما أن الدستور الفدرالي ينص على هذا الحق، وقد صرحت قيادات الإقليم مرارًا بالأمر. لكنّ هذا لن يحصل على الأرجح، إلا إذا تأزمت الأمور وفشلت الوساطات والتدخلات الدولية في وقف النزاع. ويلقى الميل نحو الانفصال قبولًا لدى العديد من الإثنيات داخل إثيوبيا. لكن الحكومة الفيدرالية لن تقف على الأرجح مكتوفة الأيدي، وهي ترى البلاد في طريقها إلى التفكك؛ إذ ستعتبر الحكومة الفيدرالية أي محاولة للانفصال غير قانونية؛ لأنها ترى أن السلطة التنفيذية الحالية لإقليم تيغراي قد تم تشكيلها بطريقة غير قانونية. كما أن مساعي الإقليم نحو الانفصال والاستقلال من شأنها أن تطلق صراعات جانبية مع إثنية الأمهرة (المتحالفة قيادتها حاليًا مع آبي أحمد) بسبب نزاعات حول أراضٍ قام بضمها إقليم تيغراي من إقليم الأمهرة قبل بضعة عقود(18).
السيناريو الثاني: التنازلات ووقف الأعمال العدائية
يبدو سيناريو تقديم التنازلات ووقف الأعمال العدائية من جميع الأطراف في إثيوبيا هو السيناريو الأفضل للجميع واذا لم يتحقق ، ستحدث الكارثة وسيموت آلاف الأشخاص وسط الصراع والمجاعة، كما أن المزيد من الحرب سيهدد سلطة الحكومة الفيدرالية وربما حتى سلامة الدولة الإثيوبية واستقرارها وسيكون لانهيارها عواقب وخيمة ليس فقط على إثيوبيا ولكن أيضًا على دول القرن الأفريقي الأخرى، والتي تقع جميعها على حدود البلاد. قد تكون بعض المزاعم الفيدرالية ضد قادة التيغراي صحيحة، بما في ذلك أن مواقفهم وأفعالهم ساعدت في زعزعة استقرار البلاد. لكن القادة في أديس أبابا مسؤولون أيضًا عن الوضع الحالي وقد أظهرت قوات تيغراي أنها هائلة ولا يمكن هزيمتها بالكامل.قد لا يتمكن القادة الذين تسببوا في هذه الكارثة من محو هذا الجزء من إرثهم، ولكن من خلال اتخاذ خطوات تصالحية يمكنهم البدء في بناء واحد جديد وأفضل – كصانعي سلام ومهندسين لمستقبل أكثر استقرارًا لإثيوبيا(19).
السيناريو الثالث: انكماش الدولة المركزية
يكون هذا السيناريو هو الأقرب للواقع عندما تشدد الحكومة الفيدرالية قبضتها على أديس أبابا وتفقد السيطرة على بقية البلاد والمظهر النهائي لهذا هو عندما يتمتع الحاكم بالاعتراف بأنه صاحب سيادة ولكن السلطة الحقيقية لا تمتد إلى أبعد من أول نقطة تفتيش خارج العاصمة. حدث هذا في الماضي في إثيوبيا وأماكن أخرى في إفريقيا ما بعد الاستعمار(20)
وختاماً من خلال الاستعراض السابق نستطيع الوصول إلى عدد من الاستخلاصات والتي تتمثل فيما يلى:
أن الصراع المتصاعد فى إثيوبيا يشكل خطورة داهمة على وحدة البلاد والاستقرار الإقليمي، خاصة مع تنامي صعوبة الفصل بين التوترات الداخلية والصراعات الإقليمية التي تشهدها المنطقة.
أن الأزمة تنحصر فى مدى قدرة أطراف الصراع على الحفاظ على تماسك الجغرافيا الإثيوبية في ظل الفيدرالية وبقاء الدولة.
أن السلطة السياسية في إثيوبيا والتى يقودها رئيس الوزراء أبي أحمد تعد جزءا أساسيا من الأزمة وذلك بسبب إدراته المتشددة للصراع وحدة خطاباته التى تستدعي خطاباً متطرفاً يمتلئ بالعنف والكراهية وهو مايدفع أطراف الصراع إلى الإصرار على الإطاحة به في أي حل سياسي أو بالقوة العسكرية.
عجز المجتمع الدولي والإقليمي عن إيجاد حلول ناجعة للصراع يدفع الوضع إلى المزيد من التدهور ويدفع إثيوبيا إلى مستقبل مجهول تتعدد سيناريوهاته لدولة كانت يوماً رمزًا للاستقرار في منطقة القرن الأفريقي المضطربة.

 

الهوامش
(1) Ethiopia: A timeline of the Tigray crisis,dw ,17-11-2020. الرابط
https://www.dw.com/en/ethiopia-a-timeline-of-the-tigray-crisis/a-55632181
(2)Declan Walsh and Abdi Latif Dahir,Why Is Ethiopia at War With Itself?, The New York Times,9-11-2021.الرابط https://www.nytimes.com/article/ethiopia-tigray-conflict-explained.html
(3)عماد حسن،إثيوبيا على حافة حرب أهلية لهيب نيرانها يثير قلق الجيران!، دويتشه فيله،13-11-2021م الرابط https://www.dw.com/ar
(4)George Obulutsa,Key events in a year of war in northern Ethiopia , Reuters, 1-11-2021.الرابط https://www.reuters.com/world/africa/key-events-year-war-northern-ethiopia-2021-11-01/
(5) Timeline of Ethiopia’s conflict, Ahram Onlin, 10 Aug 2021.الرابط https://english.ahram.org.eg/NewsContent/2/10/418792/World/Africa/Timeline-of-Ethiopias-conflict.aspx
(6) Tigrayan and Oromo forces say they have seized towns on Ethiopian highway, Reuters,31-8-2021.الرابط https://www.reuters.com/world/africa/tigrayan-forces-say-they-have-seized-another-to
(7) أحمد عسكر ،هل تشهد إثيوبيا حربًا جديدة في إقليم تيجراي؟قضايا وتحليلات،مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية،يونيو 2021م. الرابط https://acpss.ahram.org.eg/News/17183.aspx#
(8) Declan Walsh and Abdi Latif Dahir,Why Is Ethiopia at War With Itself?, op. cit.
(8)أحمد عسكر ،إلى أين يتجه الصراع في إقليم تيجراي الإثيوبي؟،مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية،2021م. الرابط https://acpss.ahram.org.eg/News/17227.aspx#
(9)Ethiopia’s Civil War: Cutting a Deal to Stop the Bloodshed,crisisgroup,26 -10-2021.الرابط https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/ethiopia/b175-ethiopias-civil-war-cutting-deal-stop-bloodshed
(10)أحمد عسكر ،إلى أين يتجه الصراع في إقليم تيجراي الإثيوبي؟،مرجع سابق.
(11) Ethiopia’s Tigray conflict: How the TPLF has outflanked the army,BBC News,18-11-2021. الرابط https://www.bbc.com/news/world-africa-59288744
(12)أحمد عسكر،المرجع السابق.
(13) Aanu Adeoye Ethiopia’s Tigray Conflict Demands Urgent Diplomacy, TIME ,16-11-2021.الرابط https://time.com/6117801/ethiopia-tigray-conflict-diplomacy/
(14)مجلس الأمن يفشل بالاتفاق على بيان لوقف إطلاق النار بإثيوبيا،العربية نت،20-11-2021م. الرابط ttps://www.alarabiya.net/arab-and-world/2021/
(15) Statement on the Prospects for Peace in Ethiopia by H.E. Olusegun Obasanjo High representative of the Chairperson of the African Union Commission for the Horn of Africa,The African Union Commission,14-11-2021.الرابطhttps://au.int/en/pressreleases/20211114/statement-prospects-peace-ethiopia-he-olu
(16) Aanu Adeoye Ethiopia’s Tigray Conflict Demands Urgent Diplomacy, op. cit.
(17) Michelle Gavin, The Conflict in Ethiopia’s Tigray Region: What to Know ,Council on Foreign Relations,10-11-2021.الرابط https://www.cfr.org/in-brief/conflict-ethiopias-tigray-region-what-know
(18) النزاع بين إقليم تيغراي والحكومة الفدرالية الإثيوبية: أسبابه ومآلاته،دراسات سياسية، تقدير موقف،المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،15-11-2020م. الرابط https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/The-Conflict-between-Tigray-and-the-Ethiopian-Federal-Government.aspx
(19) Ethiopia’s Civil War: Cutting a Deal to Stop the Bloodshed,op. cit.
)20) Alex de Waal, Five Scenarios of State Collapse in Ethiopia,reinventing peace,world peace foundation,26-7-2021.الرابط https://sites.tufts.edu/reinventingpeace/2021/07/26/five-scenarios-of-state-collapse-in-ethiopia/

 

*باحث متخصص فى شؤون الجماعات المتطرفة

 

زر الذهاب إلى الأعلى