الرئيسيتقدير موقف

المفتي والإسلام السياسي وسؤال التنوير الغائب

د. جمال الشوفي

إضاءات من خارج الصندوق
قبل ثلاثة أعوام من اليوم، تم استحداث مرسوم تشريعي، عُرف بالمرسوم رقم 16 لعام 2018، والخاص بمشروع قانون ينظم عمل وزارة الأوقاف السورية؛ والذي بادر السوريون وقتها، بكافة أطيافهم المعارضة والموالية بنشر الهاشتاغ والوسوم واللوغو الخاص برفضهم له. والملفت للنظر وجود لوغو بذات الكلمات والشعار مع تباين حاد بين فئات رافضيه: العلمانيون غير السياسيون ومعهم الأقليات رفعوا شعار الدين لله والوطن للجميع، والموالون بطيفهم المتنوع دينياً والموحد سياسياً، وصنوف المعارضة السورية السياسية، جميعهم اتفقوا وقالوا لا للإسلام السياسي، لا للمرسوم التشريعي رقم 16 الخاص بوزارة الأوقاف. وكأن السوريين بكافة اختلافاتهم الحادة قد اتفقوا حينها!
اليوم يأتي المرسوم رقم 28 للعام 2021 القاضي بإعفاء منصب المفتي من وزارة الأوقاف وتعزيز دور مجلس علمي فقهي يرأسه وزير الأوقاف والمفتي الحالي هو عضو فيه، ليثير جدلاً من نوع آخر، فهو يقضي بزيادة دور المؤسسة الدينية وتكريس عملها في الحياة السورية، أو هكذا يراه قطاع واسع من الحلقة الأولى الرافضة للمرسوم 16، والمعارضة السياسية تؤكد على أنها تكريس وتعزيز لدور التشيّع في البلاد وزيادة النفوذ العقائدي الإيراني في سوريا على حساب دور الطائفة السنيّة الأكثرية في البلاد، بينما الموالون يتلقون التعليمات سواء أضرت بطيف منهم كالطائفة السنية أو أفادت غيرهم غير الآبهيين سوى بالنتائج السياسية المترتبة على أي مرسوم ومدى الفائدة منهم.
وفي الحالتين، سؤال التنوير هو الغائب! وليس فقط بل معنى التنوير بجذره هو المغيب قسرياً، والمتضح أكثر من ذلك أنه في كلا الحالتين المسألة تتم بقرار مركزي ومرسوم تشريعي سياسي بذاته، وليس نتاج حراك مجتمعي وتفاعلي يفضي إلى النور والتحرر وتعبير عن ألفة السوريين في موقف موحد خارج تباينهم السياسي الحاد!

سؤال التنوير الغائب
في التاريخ، وفي غمار ربيع الثورات الأوربية، خاصة صعود موجات التحرر والحوار حولها، طرحت جريدة بريلبنتش موناتشريفت في عام 1783 على قرائها سؤالًا مفاده: ما هو التنوير؟ لتاتي الإجابات متنوعة، شارك فيها كتاب مشهورين كما الناس العاديين، كان أشهرها مقالة إيمانويل كانط الفيلسوف البروسي الشهير بمقالة عنوانها سؤال التنوير أو ما هو التنوير؟ ناقش فيها كانط العديد من النقاط التي تحدد كيفية الوصول للتنوير والأسباب المعيقة له. بدءها كانط بتشجيع وتحفيز البشرية على أن تتجرأ على استخدام أسبابها ومعطيات وجودها من أجل الوصول لحالة الفهم العام معززة بالإقدام والشجاعة على استخدام العقل دون توجيه من الآخر، ومواجهة الصعوبات والمعيقات السياسية والمجتمعية والمفروضة على الذات الفردية والمجتمعية، فالتنوير إنارة داخلية تقاوم التقاعس والكسل واستسهال ردود الفعل دون المبادرة بالفعل العام، متخذاً شعاراً “تشجع على استخدام عقلك وهذا هو التنوير أولاً”. ويضيف كانط بأن الثورة قد تطيح بالاستبداد الشخصي أو السلطة وتغير في طبيعة المصالح المادية، لكن لا يمكن أن تؤدي إلى إصلاح ضمني وحقيقي في الثقافة والحركة المجتمعية وطباع التفكير، ما لم يرافقها التنوير، مترافق مع استسهال تنصيب الآخرين اوصياء عليهم، والتي تؤدي إلى استخدام أحكام مسبقة جديدة مختلفة عن السابقة ولكنها من ذات الجذر الذي أدى إلى الظلام السابق. فالتنوير يأتي ببطيء ولكن بطور تفاعلي وتنامٍ مجتمعي مع الزمن ضمن حراكه وتفاعله البنيوي الداخلي.
من المفيد مقاربة الزمن الذي أتى به سؤال التنوير ذلك وكيفية الإجابة التي أتت عليه، في زمن التحولات الكبرى الأوروبية وقبيل تدشين ثوراتها المتلاحقة خاصة الفرنسية منها. فسؤال التنوير تم طرحه سؤالاً عاماً للناس لتجيب عليه أولاً، ولم يأت تغير صفة الدين أو هيمنته الدستورية والقانونية في الحياة الأوروبية من مركزية السلطة، بل على العكس من هذا أوصى الحاكم البروسي فريدريك العظيم أكاديمية العلوم في برلين عام 1780 بمنح جائزة لأفضل مقال يجيب عن سؤال فريد من نوعه، كان السؤال هو التالي: هل من الملائم أن تخدع الناس؟ والمقصود هنا بالحاكم أياً كانت صفته الدينية أو الزمنية؟
التنوير هذا ابتدأ بخطوات عريضة تمس سؤال الوجود البشري العام، هو:
– سؤال الحرية والجذوة والتفاعل العام وليس سؤال المنفعة الموجه من مركزية السلطية.
– التنوير هو طبيعة حراك داخلي للمجتمع في تأسيس هياكله ومؤسساته وطرائق تفكيره المحفزة بالحرية الذاتية، لا مجرد ردود فعل على إملاءات السلطة المركزية تبدو في ظاهرها هامة لكنها في سياقها ضئيلة الفعالية، حيث بإمكان السلطة تغير الدفة وقتما تشاء وكيفما تشاء.
– التنوير حالة متدرجة زمنياً وليس نتيجة مباشرة لقرار سياسي إيجابي أو سلبي في معناه أو مضمونه، بل يحفز على المبادرة والفعل، على عدم الاستكانة لقهرية الظرف السياسي، والنظر للعالم والوجود برؤية متسعة لا قصرها على قدر المنفعة أو الوقوف ضدها سياسياً وفقط، في زئبقية نفعية تشي فقط برغبة سياسية محضة دون الولوج للعمق، فمرة نرفض مرسوم التشريع ومرة نوافق عليه، والعكس، وكل حسب مصلحته.
– التنوير هو ليس الحصول على الحرية وحسب بل في كيفية الحفاظ عليها بوعي، إذ لا تتوقف معركة الحياة وكسب ميزانها المجتمعي بثورة للحرية وحسب، بل كيفية الحفاظ على مكتسبات هذه الحرية وعدم التفريط بها أمام المكاسب السلطوية، وهذه بالذات سؤال في التنوير للإسلام السياسي ومنابره المتباينة من العمليات السياسية للسلطة المركزية.

السلطة والإسلام السياسي وتغييب المؤسسات
مرسوم وزارة الأوقاف وما تلاه من مرسوم إعفاء منصب المفتي يعيد السؤال مرة أخرى لدور السلطة والاسلام السياسي، إذ ليس من المستغرب أبداً أن يتم رفض الإسلام السياسي من قبل كلا الفريقين الموالي والمعارض، كون الفريق الأول، أي الموالي آمن وصدق وجزم أمره على محاربة الإرهاب وحماية “الديمقراطية والعلمانية” في سورية! بل حيّا روسيا وإيران، الدول الشقيقة، بقيادة صدرها الأعظم بوتين في تحقيق هذه المعادلة وكل ظنه أنه انتصر لـ “لعلمانيته” و”ديمقراطيته” ولوجوده السياسي في دولة القانون والمؤسسات برعاية حزب البعث والجبهة والوطنية ومن خلفها حزب روسيا البيضاء وهكذا… ليفاجأ كل يوم بمشروع يضرب كل طموحه ويعيده لنقطة البداية. فإذا كان لا بد من رفض تام للأحزاب السياسية الدينية ولابد من رفض الإسلام السياسي أصل البلاء والداء، فلابد من حركة فعل مجتمعية تنويرية تؤسس للمؤسسات الفكرية والثقافية وترفض الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي بآن، لا أن يقبل بهذه أو خلافها حسب المصلحة الراهنة سياسياً عند كلا الفريقين بالتباين، وإلا ستبقى كل الأسئلة عاجزة أمام من أفسح المجال لنموها، ومن غذّاها، ومن حول المسألة الوطنية السورية لموضوع تقاسم نفوذ دولي أولاً، وموضوع حرب بين أبنائها ثانياً، وبالضرورة لنقمة وكارثة عامة وتكريس للظلام!
بينما يذهب الفريق الثاني، المعارض، لرفض الإسلام السياسي، أصل البلاء والداء العضال، فهو السبب في “أسلمة” الثورة وتحويلها عن مسارها الوطني، وهو السبب والمحرك للعمل العسكري الوبال على الثورة والوطن. وهذا الإسلام السياسي ذاته من كان ولازال صاحب نهج في البراغماتية النفعية في اقتناص الفرص السياسية للوصول إلى سدة الحكم والسلطة كما فعلها في مصر بعد ثورة 25/يناير كانون الثاني ووصول الإخوان المسلمين للسلطة وقتها، وليس هذا وفقط، بل شكل شبح المراسيم السورية اليوم صدمة لعشرات المنصات ومئات المنابر والأحزاب الديموقراطية، تلك التي راهنت على حل سياسي بعد القضاء على الإرهاب المزعوم أن جذره ديني وحسب، والتي ما انفكت تكرر وتطالب بسورية دولة “علمانية مدنية عصرية”…. بينما سؤال السلطة ومؤسسات الدولة سؤال مغيب عن حوار عريض يدور بين أروقة الكثير من الفئات المعارضة السورية!
فإن كان الإسلام السياسي بكل صنوفه وبالا عاما، فالسؤال الذي يجب ألا يغيب عن الحوارات الراهنة، هو ليس سؤال السلطة وحسب، فهو سؤال يغري بالوصول لمنزلقات المناصب المشبوهة، بل سؤال التنوير ذاته. والسؤال الأهم منه هل يعني التنوير اجتثاث الدين من حياة البشر؟
يمثل الدين ثقافة عريضة من حياة السوريين وتاريخهم، والعلمانية بذاتها لم تعمل على اجتثاثه من حياة الأوروبيين، بل فصله عن معترك الحياة السياسية، وفتح الأفاق أم المؤسسات العلمية والثقافية لأن تأخذ دورها في الحياة والمجتمع والدولة، بينما لازال الكثيرون لليوم لم يرقبوا تلك اللحظة المفصلية في تاريخ سورية الحديث هي فصل السلطة الأمنية والعسكرية عن الحياة السياسية التي وصفها خلدون حسن النقيب بالدولة التسلطية في المشرق العربي، والتي عملت على توظيف الدين لمصلحة تكريس سلطتها وضد التنوير والعلمانية، وعملت على توظيف الشعارات القومية والاشتراكية ضد الدين بصفته الإيمانية كموروث شعبي تعايش معه السوريين بتنوعهم دون تفرقة أو هيمنة. والأهم من هذا كله، تقديم بوابة المصالح النفعية الوظيفية، وكل ينظر إليها من زاويته، في سباق محموم يقوض الوصول لتعاقد مجتمعي عام على سبل التنوير ورفض خداع الشعب وتحقيق التصالح المجتمعي والتسامح الديني.

النتائج المترتبة على هذه المراسيم
لليوم يبدو أن الخروج عن سياق التوازي المحكم في إدارة شؤون سوريا سياسيا صعب ومعقد ومصاب بعطالة مركزية وتغييب قسري لكل مؤسسات الدولة المفترضة وربط مجاميعها بمرسوم يعقد ويحل من جهة، وتغيب تام لدور التنوير والحركة المجتمعية والاكتفاء بردود الفعل المتباينة حولها دون فعل مؤسساتي وإن كان بصيغته الجنينية حوارياً من جهة أخرى.
لتاتي نتائج مرسوم إعفاء منصب المفتي اليوم وقبله مرسوم وزارة الأوقاف وضوحاً متجلية في:
– تعزيز دور السياسة المركزية للسلطة في تقرير ثقافة المجتمع وتاريخه وأعرافه وتقاليده، وهذه التي تحتاج للحرية في التعبير لا القمع والهيمنة.
– تغير دفة السير بتغير توجيه زعنفة العملية السياسية، والاستثمار المركّز في الدين بجانبه السلبي، مع وضد حسب المرحلة ومتطلباتها.
– تعزيز ثقافة الكراهية، كون هذه المراسيم تحمل بين طياتها قبولا مطلقا أو رفضا مطلقا لجهة خلاف غيرها من السوريين.
– إضفاء صفة زائفة عن تنامي سوريا نحو الديموقراطية وتعزيز دور المجالس بديلا عن الفردية (كما مثلها المرسوم الأخير) لكنها في ذات الوقت كاشفة لمدى مركزية السلطة وقراراتها المفردة كأوليجارشية مفرطة بالمركزية والنفعية المحضة.
– وكخلاصة مركزة، يمكن الاستنتاج بسهولة، أن دور أي منصب في سوريا، سياسي أو ديني، هو دور وظيفي فقط، يعقد ويحل بقرار سياسي.
التنوير Enlightenment إضاءة داخلية وليست أبداً قرارات خارجية كما قطع نور الكهرباء او تشغيله. اذ لا يكتفي التنوير بحدود الوضع السياسي الراهن. التنوير يدرك خطورة الانزلاق لثقافة الكراهية، ونفعية المكاسب السلطوية. التنوير يضيء على الإيمان كموروث عام، ويضيء درب المؤسسات الفكرية والثقافية خارجه، لا بل وخارج السلطة وأهوائها، وهذه تحتاج لزمن لا يكفيه عمر ثورة واحدة، فتاريخ أوروبا الحديث لم تنتجه الثورة الفرنسية بمفردها، بل تفاعل حركة التنوير بعدها فيما بينها وقدرتها على التعامل مع السلطة البونبراتية حينها دون منزلقات نفعية ….

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية.. دكتوراه في الفيزياء النووية.. مستشار في مركز أسبار للدراسات والبحوث

زر الذهاب إلى الأعلى