الرئيسيالشرق الأوسطالعالمدراسات وبحوثسورياشمال أفريقيا

إعادة البراغماتية المبدئية: لإعادة تقويم العلاقات الدبلوماسية في الاتحاد الأوروبي.. التعامل مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

سيلفيا كولومبو

نبذة مختصرة
أثار إطلاق الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي في عام 2016 العديد من التوقعات فيما يتعلّق باستعداد الاتحاد الأوروبي وقدرته على التوفيق بين أجندته المعيارية ومصالحه. حاول الاتحاد الأوروبي في تحديد “البراغماتية المبدئية” كطريقة عمل، سد الفجوات القائمة بين القيم والمبادئ من ناحية والمصالح من ناحية أخرى. تمَّ الكشف عن خمس سنوات من تنفيذ الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي أوجه قصور كبيرة وشوِّهت مصداقية الاتحاد الأوروبي ونفوذه. يتّضح هذا في الغالب فيما يتعلّق بانخراط الاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، التي عانت من التحوُّل البراغماتي الأكثر حدّة في السياسة الخارجية والأمنية. لم يكن الاتحاد الأوروبي عند معالجة النزاعات المستمرة أو الأزمات التي تلوح في الأفق في المنطقة، قادراً على تصوُّر وقيادة إجراءات دبلوماسية متماسكة وفعّالة ترقى إلى مستوى التوقعات التي أثارتها الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي. لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يطمح إلى تعزيز مصداقيته ونفوذه كلاعب في السياسة الخارجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكلٍ عام، إلا من خلال توضيح البراغماتية المبدئية من خلال دعمها بنهج قائم على الحقوق كاملة الأركان ومرسّخة في القانون الدولي ومعاييره الأساسية.
محرّرا أوراق EUDIPLO: سارة بولي (جامعة بيزا) وريكاردو ألكارو (IAI).
تركّز الشبكة على هذا السؤال المركزي: ما هي القيود والفرص الداخلية والخارجية للاتحاد الأوروبي لتعزيز طموحاته كممثل دبلوماسي دولي؟ تهدف الشبكة في التعامل مع هذه المسألة، إلى خلق وعي أقوى والمساهمة في رؤى أعمق فيما يتعلّق بالأنشطة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي في جميع أنحاء العالم، في الدول الثالثة وكذلك في المنتديات متعدّدة الأطراف.
لا تزال كل من خدمة العمل الخارجي الأوروبي ووفود الاتحاد، وبالتالي الآلية المؤسّسية الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي، غير معروفة إلى حدٍ كبير للجمهور. ومع ذلك، لا يمتلك الاتحاد الأوروبي شبكة عالمية تضم أكثر من 140 “سفارة” فحسب، ولكنه في الوقت نفسه تولّى وظائف “تشبه الدولة” على أساس اعتماد القواعد الدبلوماسية التي تم إنشاؤها في الأصل للدول فقط. لا تزال هناك العديد من التحدّيات، ولكن السلطات القانونية والسياسية العميقة والواسعة، والحجم الهائل والشبكة العالمية، للاتحاد الأوروبي توفر أيضاً فرصاً لا تزال غير مستغلَّة حتى الآن.
أشارت التحليلات الأكاديمية والسياسية إلى عددٍ كبيرٍ من الأسئلة القانونية والسياسية المتعلّقة بالدور المتطوِّر للاتحاد الأوروبي في الدبلوماسية الدولية. تجمع EUDIPLO الخبراء في هذا المجال معاً للتركيز على هذه الأسئلة من أجل جعل السلطات العامة على جميع المستويات (مؤسّسات الاتحاد الأوروبي، والمؤسّسات الحكومية في الدول الأعضاء وفي البلدان الثالثة، والمنظمات الدولية، والموظفين المدنيين الدوليين والوطنيين والدبلوماسيين) والمهنيين الشباب و الطلاب، وكذلك الجمهور بشكلٍ عام، على دراية بالتحدّيات والفرص في هذا المجال.

الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي
كشف الاتحاد الأوروبي في 28 حزيران/يونيو 2016، عن الاستراتيجية العالمية لسياسته الخارجية والأمنية (EUGS). شعر الاتحاد الأوروبي استجابةً للبيئة الخارجية المعقدة والمتنازَع عليها والمعرَّضة للنزاع والتي تتميّز بضغوط متزايدة (على سبيل المثال، ضم شبه جزيرة القرم من قبل روسيا والهجمات الإرهابية على الأراضي الأوروبية في عام 2015) بالإضافة إلى تهديدات الانقسام الداخلي، بالحاجة إلى مراجعة الأسُس الاستراتيجية لسياسته الخارجية والأمنية المشتركة بشكلٍ كبير وضخ تماسك جديد في عمله الخارجي. وعلى النقيض من استراتيجية الأمن الأوروبية لعام 2003، قلّلت EUGS بشكلٍ كبير من الطموحات التحويلية للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كقوّة معيارية رائدة مستعدّة وقادرة على تصدير القيم الليبرالية. علاوة على ذلك، فقد أوضح الاتجاه الذي يوجه عمله الخارجي، والذي يركز على مفاهيم “البراغماتية المبدئية” و “المرونة”، بالانتقال من “التقييم الواقعي للبيئة الاستراتيجية” وكذلك من الاعتراف بمصالحه الذاتية وإبرازها، رأى الاتحاد الأوروبي أن دوره الأساسي في العالم هو تعزيز الاستقرار والأمن (الخاص به) من خلال الترابط العملي، وبالتالي الانضمام إلى الأهداف والسياسات الداخلية والخارجية (“الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي تبدأ من الداخل”). يُنظر إلى EUGS على هذا النحو، على نطاق واسع على أنه يجسّد نقلة نوعية فيما يتعلّق بالسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.
من الناحية التاريخية، فإن الأدبيات التي تبحث في هوية وممثل الاتحاد الأوروبي قد أسنِدَت إليه العديد من الأدوار. تميل النقاشات حول طبيعة الاتحاد الأوروبي باعتباره “قوّة مدنية” و “قوّة معيارية” و “قوّة تحويلية” إلى التأكيد على مركزية القيم والمبادئ في سعي الاتحاد الأوروبي إلى ارتباطاته الخارجية. تخلّى الاتحاد الأوروبي على النقيض من ذلك، مع EUGS عن نشر معاييره وقيمه من خلال “الأوربة” وأعلن بدلاً من ذلك عن استعداده للتصرُّف بشكلٍ عملي في مساحة أوسع، معترِفاً بالتنوُّع والتمايز كعناصر استراتيجية. كان الإفراج عن EUGS في هذا الصدد، جزءاً من عملية الاستجواب الذاتي الداخلية التي تهدف إلى معالجة والتغلُّب على الإخفاقات الصارخة لأجندة تعزيز الديمقراطية في الغرب وتصدير المؤسّسات الليبرالية التي تجسّدها التدخُّلات في أفغانستان والعراق، أو الاختلالات الوظيفية لسياسة الجوار الأوروبية (ENP) لعام 2004 في السياق الأوسع لاستنزاف النظام الليبرالي. كان لدى EUGS اعترافاً بوجود طيف واسع من التهديدات المرتبِطة بهشاشة الدول والمجتمعات وعدم استقرارها (أولاً وقبل كل شيء داخل حدودها)، إمكانية اتخاذ موقف أقل إيديولوجياً ونهجاً خارجياً أكثر براغماتية لا يؤيّد استراتيجية كبرى لمشروع الاتحاد الأوروبي الخارجي وتدعو إلى تعزيز المرونة بدلاً من تعزيز الديمقراطية.
تتمثل إمكانات EUGS أولاً وقبل كل شيء في التفاعل بين مفهومي “البراغماتية (المبدئية)” و “المرونة”. في حين أن أيّاً من المفهومين ليس جديدين، فإن تطبيقهما في مجال السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي يعد ابتكاراً. البراغماتية في السياسة لها تقليد فلسفي طويل يعود إلى المفهوم القديم “للواقع السياسي” الذي صاغه روشاو في عام 1868 في معارضة “السياسة المثالية” والطوباوية، ولكن ليس في نقيض المُثل الليبرالية نفسها. على حد تعبير EUGS نفسه، “في رسم الطريق بين سيناريو الانعزالية والتدخل المتهوّر، سوف يُشرك الاتحاد الأوروبي العالم في إظهار المسؤولية تجاه الآخرين والحساسية للطوارئ. البراغماتية القائمة على المبادئ ستوجّه عملنا الخارجي في السنوات المقبلة”.
من الناحية العملية، فهذا يعني أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يشارك في السياق الخارجي لما يمكنه تحقيقه بشكل واقعي وليس لما هو مرغوب فيه. يستلزم هذا نوعاً من النشاط الخارجي المرن الذي، مع عدم إهمال القيم والمبادئ وتصوُّرها كأدوات للتعامل مع الواقع، لا يثير توقعات غير واقعية.
اكتسبت المرونة مكانة الهيكل المفاهيمي لـ EUGS بفضل كونها مرنة بما يكفي ليتم تطبيقها في سياقات مختلفة والاستجابة للعديد من احتياجات السياسة. إلى جانب التعريفات العامة التي تسلط الضوء على التفاعل والتعلم والمرونة والانعكاسية والابتكار وتعدُّد المستويات والاستباقية باعتبارها سمات رئيسية لفرد أو نظام مرن، في سياق العلاقات الدولية، أصبحت المرونة أحد أكثر المفاهيم استخداماً (وسوءاً) في ضوء أنه يستحضر ويرتبط بالديمقراطية والأمن والحكم الصالح دون أن يستنفذها أحد. تُعرِّفه EUGS على أنه “قدرة الدول والمجتمعات على الإصلاح، وبالتالي تحمُّل الأزمات الداخلية والخارجية والتعافي منها”. ترتبط المرونة والبراغماتية المبدئية ارتباطاً وثيقاً، ويتم تمثيل الرابط مرّة أخرى من خلال حقيقة أن كلا المفهومين يحاولان سد الفجوة بين القيم والمبادئ من ناحية والمصالح من ناحية أخرى. على حد تعبير EUGS، فقط “الالتزام بقيمنا داخلياً سيحدّد مصداقيتنا وتأثيرنا الخارجيين”.
بشكلٍ ملموس، من بين العوامل التي تساعد على تعزيز المرونة وتقوية وكالة المجتمعات المحلية وأداء الدول، وفي نهاية المطاف ضمان الاستقرار والأمن، الثقة في المؤسّسات، واحترام حقوق الإنسان، والمجتمعات النابضة بالحياة والشاملة. من بين العوامل التي تساعد على تعزيز المرونة وتقوية وكالة المجتمعات المحلية وأداء الدول، وفي نهاية المطاف ضمان الاستقرار والأمن، الثقة في المؤسّسات، واحترام حقوق الإنسان، والمجتمعات النابضة بالحياة والشاملة.
بعد خمس سنوات من الكشف عن EUGS، لا يزال الكثير من إمكانات الاستراتيجية غير محقق بسبب ثلاث مجموعات من المشاكل المرتبطة بالقيود الخارجية والتطوُّرات الداخلية. من الواضح بدءاً من المستوى الخارجي، أن التغييرات والتحوُّلات المهمّة قد حدثت على مستوى العالم مع تداعيات على قدرة الاتحاد الأوروبي وإحساسه بالهدف والنتائج الإجمالية في أداء سياسته الخارجية. تزامن تنفيذ EUGS إلى حدٍ كبير مع رئاسة دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وإصرار الصين على نشر نفوذها عالمياً، والمواجهة الغربية المتزايدة مع روسيا، واستمرار الصراعات غير المستقرّة المرتبطة بالاستبداد، والفقر المتزايد، والتنافس على الموارد و تُؤتي ثمار الأسلحة غير المتكافئة بما في ذلك الأدوات الإلكترونية. أدّى هذا الوضع الدولي إلى “التسييس الجيوسياسي” للتحالفات والمنافسات وإلى شعور متزايد بالتعدّي من قبل الاتحاد الأوروبي بسبب الديناميكيات المتضاربة التي تمتد عبر الانقسام الداخلي والخارجي والمرتبطة بالهجرة وإدارة الطاقة والمناخ، والتراجع عن الديمقراطية في بعض البلدان (والحاجة إلى مزيد من التعاون مع الأنظمة الاستبدادية)، وتآكل التعدّدية والقانون الدولي. في الوقت نفسه، وبسبب التحدّيات الخارجية المتزايدة، أدّت التوقعات المتزايدة فيما يتعلّق بالدور الخارجي والأمني ​​للاتحاد الأوروبي إلى تعميق الممارسة الخطابية وفجوات التوقعات والقدرات.
على المستوى الداخلي للاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الأزمات الداخلية الحادّة مثل تلك المرتبطة بخروج المملكة المتحدة من الاتحاد وانتشار الشعبوية القومية اليمينية، أدّت العوامل المفاهيمية والتشغيلية إلى تقييد تنفيذ EUGS. تصوِّر EUGS من الناحية المفاهيمية، “الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان ليس كقيم في حدِّ ذاتها ولكن كمكوِّنات من جدول أعمال الاتحاد الأوروبي لبناء السلام والمرونة والتعدُّدية”. وهذا يزيد من مخاطر السعي غير المتسِق للقيم والمبادئ في إطار السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي. تمَّ تكرار الانتقادات الموجّهة إلى التنازل الواضح للغاية عن الدور التحويلي للاتحاد الأوروبي لصالح المصلحة الذاتية الضيقة، أحياناً الحد الأدنى من القاسم المشترك الموجود بين تعدُّد مصالح الدول الأعضاء. وقد أشارت الانتقادات بشكل أكثر تحديداً إلى الافتقار إلى الوضوح حول إمكانية التوفيق بين أجندة عملية قائمة على المصالح الذاتية وقيم ومبادئ الاتحاد الأوروبي. وفي حين تنصّ EUGS بوضوح على أن القيم والمصالح قابلة للتوفيق، توجد درجة كبيرة من الغموض حول المدى الذي توجِّه فيه القيم فعلياً الإجراءات، ونتيجة لذلك، تصبح الإجراءات في جوهرها موجَّهة نحو القيم.
إن ترك مقايضة القيم والمصالح دون معالجة من الناحية المفاهيمية أدّى في النهاية إلى تقويض جاذبية الاتحاد الأوروبي المعيارية والقوة الناعمة والرافعة المالية. تُعتبر EUGS استراتيجية وبالتالي يجب ترجمتها إلى استراتيجيات فرعية وسياسات وإجراءات ملموسة. العقبة الرئيسية المتعلّقة بالتنفيذ تتعلّق بالنقص في الأدوات محددة لمتابعة الأهداف العامة لـ EUGS بما يتماشى مع التركيز على البراغماتية المبدئية. مع تحديد خمس أولويات استراتيجية واضحة نسبياً (1) تعزيز الأمن (والدفاع) في الاتحاد الأوروبي نفسه، (2) تعزيز مرونة الدولة والمجتمع في الجوار وخارجه، (3) تطوير نهج متكامِل للنزاعات والأزمات، (4) تعزيز الأنظمة الإقليمية المستقرّة في جميع أنحاء العالم، و (5) الدفاع عن الحوكمة العالمية الفعّالة والقائمة على القواعد والمتعدّدة الأطراف وتعزيزها، تقصِر EUGS عن الإشارة إلى الأدوات الدقيقة التي يجب استخدامها لتحقيق هذه الأهداف. على الرغم من التحوُّل البراغماتي المزعوم لـ EUGS، فإن أدوات السياسة الخارجية التي يواصِل الاتحاد الأوربي استخدامها فعلياً تظل إلى حدٍ كبير راسخة في أجندته الموجَّهة نحو القِيم الليبرالية. يكشف المسح من خلال الاستراتيجية التأسيسية ووثائق التنفيذ أن الإشارات كثيرة إلى أجندة تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون، والتواصُل مع المجتمع المدني المحلّي وتنفيذ كل من الإيجابية (في شكل أموال ومكافآت تعاون إضافية) والسلبية (بشكل أساسي مع العقوبات) المشروطة، وأن مثل هذه الأساليب تشكّل أدوات الاتحاد الرئيسية للتأثير على الشؤون الداخلية في الخارج. كما أن الروابط بين تعزيز القيم مثل الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان من ناحية، والتنمية المستدامة ومكافحة الفساد والسلام والاستقرار من ناحية أخرى، مذكورة علانية. ومع ذلك، على الرغم من أن هذه الروابط موجودة في كل مكان في وثائق سياسة الاتحاد الأوروبي، فإن تنفيذ السياسات القطاعية، من سياسة الزراعة الخارجية إلى المساعدة الإنمائية، ومن التعاون في مجال الطاقة إلى إصلاح قطاع الأمن، لا يزال يعاني من فجوات وتناقضات فيما في مجال تعزيز الحقوق والقيم والمبادئ الأساسية.
كانت هذه العوائق الداخلية للاتحاد الأوروبي واضحة بشكلٍ خاص على مستوى السياقات والقضايا المحدَّدة بدلاً من المصطلحات التفسيرية والتجريدية الكبرى. سلّط الدور الخارجي والأمني للاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في السنوات الخمس الماضية الضوء على كلتا المشكلتين، مشيراَ إلى الحاجة إلى مزيد من الوضوح المفاهيمي فيما يتعلّق بالتفاعل بين القيم والمصالح والأدوات لمتابعة الأهداف والأولويات المعلَنة. إن الكشف عن معضلة القيم والمصالح المتصوَّرة في سياق المشاركة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي على مدى عقود طويلة في المنطقة أمر أساسي لتحديد خيارات السياسة وكذلك لضمان استغلال إمكانات EUGS بالكامل وأن مصداقية الاتحاد الأوروبي ونفوذه تزداد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فقط التركيز المتجدِّد على القيم والمبادئ ليس فقط من الناحية النظرية ولكن أيضاً، والأهم من ذلك، يمكن أن يعزِّز الدور الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي من الناحية العملية في مثل هذه المنطقة الاستراتيجية.

مشاركة الاتحاد الأوروبي مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: البراغماتية المبدئية
نظرياً وفقاً لنيّة EUGS لاستهداف تلك البلدان “حيث يمكننا إحداث فرق ذي مغزى”، تبدو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمثابة التضاريس المثالية للقيام بهذا التمرين. في ضوء قربها الجغرافي من أوروبا والعلاقات التاريخية والسياسية والاقتصادية القوية القائمة بين بعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والدول الأوروبية، كان استقرار وازدهار المنطقة الكلية الممتدة من المغرب إلى الخليج العربي لطالما كانت ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
نشر الاتحاد الأوروبي على مرِّ السنين في محاولة لمنع تحوُّل عدم الاستقرار إلى تهديدات أمنية لمواطنيه، عددًا من الأدوات وأطلق سياسات مختلفة. ومع ذلك، فإن سجل الاتحاد الأوروبي كان مختلطاً على أقل تقدير أو محبَط بشكل صريح مقارنة بالطموحات التي رعتها بروكسل. استجابت المجموعة الاقتصادية الأوروبية (EEC) ثم الاتحاد الأوروبي تاريخياً في سياستها الخارجية المشتركة، للتغيُّرات التي تحدُث في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمبادرات رفيعة المستوى على الورق مع قدرتها على تقديم أقل بكثير من الناحية العملية.
طوَّرت المجموعة الأوروبية بعد الحربين العربيتين الإسرائيليتين في عامي 1967 و 1973، سياسة البحر الأبيض المتوسط العالمية التي تركّز على التجارة والحوار الأوروبي العربي (وإن كان قصير الأجل). بعد اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1978، خرج وزراء خارجية الجماعة الاقتصادية الأوروبية بإعلان البندقية الذي وضع قضية فلسطين في مقدمة الجهود الدبلوماسية التي أعِيد تنشيطها مؤخّراً خلال التسعينيات. بنى الاتحاد الأوروبي بعد الحرب الباردة، على الزخم الجديد في العلاقات الدولية وحاول تشكيل مجتمع أمني في منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال إطلاق عملية برشلونة. طوَّرت سياسة الجوار الأوروبية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، استجابةً لتوسيعها إلى الشرق والتحدّيات الأمنية الجديدة الناشئة في الجنوب على شكل إرهاب أو هجرة غير نظامية.
كان اندلاع الانتفاضات العربية في عام 2011 نقطة فاصلة فيما يتعلق بالديناميات السياسية والأمنية في المنطقة. ومع ذلك، كانت استجابة الاتحاد الأوروبي متواضعة وتفاعلية وقصيرة المدى على الرغم من الحجم والطبيعة غير المسبوقة للتغييرات التي تَحدُث في كل بلد تقريباً في المنطقة. أُطِّرَت الاستجابة الأولية وفقاً لخطوط المشروطية المتزايدة والتمايز لمراعاة الاختلافات المتزايدة في جميع أنحاء المنطقة من حيث الاستقرار والإصلاحات الديمقراطية، وبالتالي تنوَّعت المكافآت من خلال “المال والسوق والتنقل” بشكل أقل أو أكثر.
ومع ذلك، أصبح من الواضح في عام 2015- بعد عقدين من عملية برشلونة ومع جولة جديدة من المراجعات لسياسة الجوار الأوروبية الثنائية- أن الإمكانات التحويلية لمشاركة الاتحاد الأوروبي مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لدعم عمليات التغيير الداخلية، قد فقدت زخمها. في مواجهة زيادة الترابط بين الأزمات الداخلية والخارجية- والتي تجسِّد أولاً وقبل كل شيء ما بدأ يُنظر إليه محلياً على أنه حالة طوارئ للهجرة في معظم دول الاتحاد الأوروبي والهجمات الجهادية على الأراضي الأوروبية- أصبح التحوُّل البراغماتي للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي مرئي. مراجعة سياسة الجوار الأوروبية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، مدفوعة بالتطوُّرات في الجوار الشرقي، مثل الأحداث في أوكرانيا عام 2014 ، تحدَّثت بالفعل عن “الحاجة إلى نهج جديد، وإعادة ترتيب الأولوّيات، وإدخال طُرق جديدة للعمل” لحساب التحدّيات والتهديدات الأمنية الجديدة. لذلك، يتّضح أنه عندما تمَّ الكشف عن الاستراتيجية العالمية في أواخر حزيران/يونيو 2016، كان الاتحاد الأوروبي في خضم عملية أوسع لإعادة التفكير ومراجعة مشاركته مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على أساس المخاوف العملية. إلى جانب البراغماتية، كان ذروة هذه العملية هي تخفيض تصنيف منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في قائمة أولويات الاتحاد الأوروبي، في الغالب كمحاولة لحماية نفسها من انتشار انعدام الأمن القادم من المنطقة نفسها.
إذا كانت أطر وسياسات التعاون الثنائي والمتعدِّد الأطراف المنفَّذة خلال التسعينيات وحتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي، ولا سيّما في أعقاب الانتفاضات العربية، قد فشلت إلى حدٍ كبير في تعزيز القيم (الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان)، أشارت السنوات الخمس الماضية إلى تركيز أكبر على البراغماتية باسم تعزيز المرونة، الأمر الذي ساهم في نهاية المطاف في توسيع الهوُّة المتصوَّرة بين المصالح من جهة والقيم والمبادئ من جهة أخرى.
نظرياً، يهدف الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف عند السعي إلى تعزيز المرونة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى دعم الدول والمجتمعات في أهدافها طويلة الأجل للشروع في عمليات مدفوعة محلياً للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي كوسيلة لمواجهة الأزمات التي تلوح في الأفق وتحقيق توزيع أكثر إنصافاً واستدامة للسلطة والفرص. بعبارة أخرى، حاول الاتحاد الأوروبي أن ينأى بنفسه عن الثنائية البالية والمشؤومة المتصوَّرة بين الديمقراطية والاستقرار والتي تميل إلى إفساد نهجها الخارجي تجاه المنطقة. ولكن بشكل ملموس، لم يتم التغلُّب على هذا الانقسام الملحوظ. على العكس من ذلك، فقد تمَّ تعزيزه، وهو ما أدّى إلى تنفيذ دون المستوى الأمثل لـ EUGS. على هذا النحو، ظهرت EUGS في المقام الأول كإطار يركز على أمن الاتحاد ومواطنيه ضد الهجرة غير النظامية والإرهاب الإسلامي وعدم الاستقرار الذي ينتشر من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في حين أن “المصالحة” بين مصالح الاتحاد الأوروبي وقيمه لم تتحقق.
كان هذا التوتر بين النظرية والتطبيق حادّاً بشكلٍ خاص فيما يتعلّق بمشاركة الاتحاد الأوروبي مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يرجع إلى عدد من العوامل التي تتعلّق بمستويات مختلفة ولكنها تميل إلى العمل في وقت واحد، وبالتالي إطلاق ديناميكيات التعزيز المتبادَل. على المستوى داخل الاتحاد الأوروبي، درجة معيَّنة من المنافسة بين المؤسّسات المختلفة (البرلمان الأوروبي، ومجلس الاتحاد الأوروبي، وخدمة العمل الخارجي الأوروبي (EEAS)، والمفوضية الأوروبية ومحكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي) منع الاتحاد الأوروبي بشدّة من التحدُّث بصوت واحد، والأكثر من ذلك، منع الاتحاد الأوروبي من التحدُّث بصوت واحد. وقد أصبح هذا الاتجاه أكثر حدة بسبب عدم الاتساق وانعدام التنسيق بين السياسة الخارجية متعدّدة الأطراف والسياسات الأمنية للاتحاد الأوروبي من جهة والمواقف والإجراءات الفردية للدول الأعضاء من جهة أخرى. سواء كان ذلك في حالة الصراعات المستمرة في سوريا وليبيا، أو تصاعد التوترات في عام 2020 في شرق البحر الأبيض المتوسط للسيطرة على الموارد الرئيسية أو تراجع دول مثل مصر والمغرب، فإن الاتحاد الأوروبي لم ينجح في التمسُّك بموقف دبلوماسي مشترك متماسك واستباقي. فيما يتعلّق بالسياسات المحدَّدة، على الرغم من حقيقة أن EUGS يدعو إلى نهج شامل ومشترك يشمل الدبلوماسية والأمن والمساعدات الإنسانية والتنمية والهجرة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والتعليم والثقافة والشباب والصحة و المكوِّنات البحثية لتعزيز مرونة الدولة والمجتمعية، أدّت مصفوفة انخراط الاتحاد الأوروبي مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى تتبُّع المسارات الراسخة والموجَّهة نحو الاستقرار بينما تميل إلى تجنُّب المزيد من الإجراءات الجريئة في السياسة الخارجية.
وهذا يعني أن الاتحاد الأوروبي قد لعب دوراً رائدًا في المساعدة الإنسانية وإغاثة النازحين عندما يتعلّق الأمر بإدارة تأثير النزاعات والأزمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الحالات الملحوظة في العراق ولبنان وفلسطين وسوريا واليمن. وينطبق هذا الدور القيادي فيما يتعلّق بالمنظمات الدولية المانحة الأخرى وأيضاً فيما يتعلّق بإجراءات الدول الأعضاء الفردية. وبالمثل، اكتسب الاتحاد الأوروبي الكثير من الخبرة في تنفيذ وتمويل المشاريع في مجالات مختلفة تتعلّق في الغالب بالتعاون الإنمائي (التجارة، وبناء القدرات، والإصلاح القضائي، ودعم العمليات الانتخابية، وتمكين المرأة، وإدماج الشباب، والزراعة، وانتقال الطاقة والمزيد) التي ترتبط بشكل مباشر بهدف تعزيز قدرة الدولة والمجتمع على الصمود. ومع ذلك، فإن نتائجها- التي تمَّ التقاطها من خلال مؤشّرات الحوكمة الرشيدة وإحصاءات رضا المواطنين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – لم تكن دائماً إيجابية. يمكن ربط ذلك جزئياً بالقدرة الاستيعابية المحدودة لإدارات ومجتمعات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نفسها، ولكن أيضاً إلى البيروقراطية المفرِطة في الاتحاد الأوروبي للمساعدة الإنمائية، وموارده القليلة نسبياً مقارنة بالمنافسين الآخرين (لا سيّما من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نفسها، مثل الدول العربية في الخليج العربي)، وهو غالباً تنفيذ غير متماسِك للشروط عبر مختلف دول المنطقة وروايات مضلِّلة تتعلّق بمثال ودور الاتحاد الأوروبي.
مع كل هذا، لا تزال مساهمة الاتحاد الأوروبي محدودة، بالنظر إلى أن المنطقة تمر بمرحلة من الاضطرابات التي طال أمدها مع تحدّيات أمنية صعبة وبشرية تتشابك مع بعضها البعض وتتراوح من النزاعات المستمرة بين الدول والحروب الأهلية إلى التطرُّف الاجتماعي والاقتصادي و الضغوط المرتبطة بتغيُّر المناخ. وتتجلّى هذه التحدّيات- التي هي نتيجة ديناميكيات المنافسة والصراع والتنافس المستمرّة على المستويات المحلية/الوطنية والإقليمية والدولية- بدورها على كل مستوى من هذه المستويات.
على الرغم من أن هذه المستويات لها نفس القدر من الأهمية لفهم التحوُّل في النظام الجيوسياسي والجيواقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يبدو أن المستويات الإقليمية والأقاليمية هي الأكثر تحمُّلاً بسبب انتشار انعدام الأمن- الذي يصل أيضاً إلى أوروبا- و تداعيات الصراعات والأزمات المستمرّة. في هذا الصدد، فشل الاتحاد الأوروبي في ابتكار وتقديم استراتيجيات جيوسياسية متماسِكة ومستدامة تجاه المنطقة، نتيجة لذلك، استفاد المنافسون. حققت دول مثل تركيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وأيضاً روسيا والصين نجاحات كبيرة ليس فقط في النزاعات والمنافَسة التي تؤثر على المنطقة (سوريا وليبيا في البداية)، ولكن أيضاً في محاولات الوساطة والعمليات السياسية المحلية، إعادة هيكلة اقتصادات بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فضلاً عن نشر واستغلال الروابط الثقافية والأيديولوجية وأشكال الاختراق العدواني.
على الرغم من الوعي الأقوى بضرورة وجود أداة عسكرية ذات مصداقية، نظراً لأن “القوّة الناعمة والصلبة تسير جنباً إلى جنب”، كما ذكرت الممثلة السامية السابقة ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، فيديريكا موغيريني، في مقدّمة EUGS ، يبدو الاتحاد الأوروبي متردداً في دخول المعركة الجيوسياسية وتجهيز نفسه بالأدوات اللازمة. تنصّ EUGS على أنه يجب على الاتحاد الأوروبي “حماية الأرواح البشرية، ولا سيّما المدنيين” و “الاستعداد لدعم ومساعدة تعزيز وقف إطلاق النار المحلّي”. هذا طموح بقدر ما قد يستلزم نشر القوات على الأرض بمهام دفاعية وهجومية. مع الإقرار بأن البعد العسكري للاتحاد الأوروبي لا يتعارض بالضرورة مع مهمة القوّة المدنية الأساسية للاتحاد الأوروبي ودوره المصمَّم حديثًا لدعم الصمود، لم يتحمّل الاتحاد الأوروبي بشكل ملموس وفعّال المسؤولية عن الأدوات والإجراءات العسكرية أو يتعامل معها لترويض الحروب العديدة الجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لذلك، من بين الأولويات الاستراتيجية الخمس لـ EUGS المذكورة أعلاه، يبدو أن تعزيز الأمن (والدفاع) في الاتحاد الأوروبي نفسه على خلفية منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا متعدّدة الأقطاب والصراع بشكل متزايد، متخلفة إلى حدٍ ما.
ومع ذلك، عندما يتعلّق الأمر بالضغط وحيث تتأصّل الصراعات القديمة والجديدة وتتصاعد- كما هو الحال في أجزاء كثيرة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من الخلافات الإسرائيلية الفلسطينية والصحراء الغربية إلى النزاعات الليبية والسورية واليمنية- العودة إلى الدبلوماسية المحدودة النطاق (على سبيل المثال، فرض العقوبات) أو مستوى منع الصراع لم يثبت نجاحه.، كان للاتحاد الأوروبي رد فعل إلى حدٍ ما على الجبهة الدبلوماسية على الرغم من التباهي بالنموذج الناجح للمفاوضات النووية الإيرانية (على الأقل قبل انسحاب الولايات المتحدة 2018 من الصفقة) وكان من الممكن أن يكون أكثر طموحاً في هذا المجال. يعود هذا مرّة أخرى إلى قضية القيادة (أو عدم وجودها) حيث يميل الاتحاد الأوروبي إلى اتباع القيادة الدبلوماسية للاعبين الآخرين والمنظمات الدولية- على سبيل المثال، تعزيز إجراءات صنع السلام وحفظ السلام للأمم المتحدة أيضاً بهدف الدفاع عن حوكمة عالمية فعاَّلة وقائمة على القواعد ومتعدّدة الأطراف، وهي الأولوية الاستراتيجية الخامسة لـ EUGS.
تم توثيق الفشل في الارتقاء إلى مستوى أجندة دبلوماسية طموحة من خلال الافتقار اللافت للنظر للمبادرات الدبلوماسية الحاسمة في سوريا أو ليبيا في ذروة النزاعات هناك، الأمر الذي مكّن قوى أخرى، مثل روسيا وتركيا، على سبيل المثال، من اتخاذ زمام المبادرة. الأمر نفسه ينطبق على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حيث كان الاتحاد الأوروبي، بعد عقود من كونه لاعباً رئيسياً، صامتاً ومتواطئاً مؤخّراً، في مواجهة الانتهاكات المتزايدة للقانون الدولي والعنف المتصاعد والدفن النهائي ظاهريًا لحل الدولتين. منعت الانقسامات العميقة بين الدول الأعضاء الاتحاد الأوروبي من تأييد موقف مشترك أو حتى بيان في ضوء التصعيد الأخير للعنف: الاتحاد الأوروبي عاجز في السياسة الخارجية بشأن هذا الملف الحساس.
يًعد عدم وجود استراتيجية واضحة وشاملة في منطقة الخليج العربي، لتعميق الحوار مع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي لإطلاق رؤية جديدة بشأن النظام الإقليمي المستقبلي في الشرق الأوسط جزءاً من هذه الصورة. يتوافق هذا من حيث المبدأ مع التركيز المعلَن على “الطلبات الإقليمية التعاونية” (الأولوية الاستراتيجية الرابعة لـ EUGS) ويعكس الوعي بالمنافسة الجيوسياسية المستمرّة بين القوى العالمية والإقليمية المختلفة. ومع ذلك ، فإن تعزيز الإقليمية والتعاون المتعدِّد الأطراف لمواجهة الأزمات وتعزيز الاستقرار قد برز بشكل أكثر وضوحاً من الناحية التصريحية منه في المضمون الفعلي والنتائج الملموسة.
كانت النتيجة الصافية والمرئية لتنفيذ EUGS في سياق مشاركة الاتحاد الأوروبي مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سلبية بشكل عام، بالنسبة لمصداقية الاتحاد وتأثيره في المنطقة. يتجلّى ذلك بوضوح في حالة العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي كجزء من أدواته للتعامُل مع عدم الاستقرار والاضطرابات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

البراغماتية المبدئية في الممارسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: حالة العقوبات
لجأ الاتحاد الأوروبي منذ الانتفاضات العربية، إلى العقوبات ردّاً على النزاعات والأزمات الفعلية أو المحتمَلة في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يتم تأطير التدابير أو “العقوبات” التقييدية للاتحاد الأوروبي في سياق السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي (CFSP) وفقاً لأحدث “المبادئ التوجيهية بشأن تنفيذ وتقييم التدابير التقييدية”، التي اعتمدها المجلس الأوروبي لأول مرة في عام 2003، يستخدمها الاتحاد الأوروبي “كجزء من نهج سياسة متكامل وشامل يتضمّن الحوار السياسي والجهود التكميلية والأدوات الأخرى”. تسعى العقوبات، التي تستهدف الحكومات أو الكيانات (الشركات) أو الجماعات أو المنظّمات أو الأفراد، إلى إحداث تغيير في سياسة أو سلوك المستهدَفين، بهدف تعزيز أهداف السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، وهي: حماية قيم الاتحاد الأوروبي ومصالحه الأساسية وأمنه، حفظ السلام وترسيخ ودعم الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي، وحلّ النزاعات وتعزيز الأمن الدولي. برز فرض العقوبات في السياق الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي ذُكِرَ بإيجاز أعلاه، كأداة دبلوماسية استخدمها الاتحاد الأوروبي بشكلٍ متكررٍ لإسماع صوته وتحقيق أهدافه. ومع ذلك، فإن الحفر تحت سطح هذه الممارسة يكشف عن عدد من التناقضات وأوجه القصور المتعلّقة بكل من الأساس المنطقي وتأثيرات العقوبات في السياقات المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، تكشف هذه الممارَسة عن التوترات المتصاعِدة داخل الاتحاد الأوروبي على المستويين الرأسي، أي المؤسّسات المختلفة، والمستويات الأفقية، بين مختلف الدول الأعضاء.
فُرضَت عقوبات في المرحلة الأولى من الانتفاضات العربية، على أهداف في تونس ومصر وليبيا وسوريا. اعتُمَدَت العقوبات لأغراض مختلفة والاستجابة لمنطق مختلف في كل حالة اعتماداً على السياق والمصالح المحدَّدة للاتحاد الأوروبي وقدرته التفاوضية تجاه أصحاب المصلحة المحليين والإقليميين والدوليين. سأشير بإيجاز على هذه الخلفية، إلى جوانب مختارة من أنظمة العقوبات بشأن اختلاس الأموال العامة في حالات تونس ومصر وسوريا.
استهدف الاتحاد الأوروبي في أعقاب الإطاحة بنظام بن علي الدكتاتوري في تونس، الرئيس السابق وأفراد أسرته والمقرَّبين منه بتجميد الأصول التي يحتفظون بها في الحسابات الأوروبية. وجُدّدت هذه العقوبات في نهاية كانون الثاني/يناير 2021 لسنة إضافية. استخدم المجلس في سياق المرحلة الانتقالية في البلاد، العقوبات كوسيلة لإعادة تأكيد تضامنه الكامل مع تونس وشعبها ودعمه لها في جهودهم لإنشاء نظام حكم جديد مستقر يقوم على سيادة القانون والتعّددية الديمقراطية و الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. إن عقوبات الاتحاد الأوروبي مشبعة بالمبادئ والقيم، وتمثّل معناها السياسي ودورها في إرسال رسالة (“إشارات”) إلى السلطات المحلّية الجديدة وتشجيعها على تنفيذ إصلاحات حميدة.
بالانتقال إلى مصر، بينما كان للعقوبات في البداية نفس الأساس المنطقي كما في الحالة التونسية، كان السياق مختلفاً تماماً، حيث كان يفتقر إلى ديناميكية الانتقال الديمقراطي التي شُوهدت في تونس. اتّخذ المجلس في 21 آذار/مارس 2011، قراراً بشأن الإجراءات التقييدية الموجّهة ضد عدد من الأفراد المصريين على صلة بأسرة الرئيس الأسبق حسني مبارك ونظامه مسؤولين عن اختلاس أموال الدولة المصرية. تتألف الإجراءات من تجميد أصول الأفراد المدرَجة أسماؤهم في القائمة بالإضافة إلى تدابير وقائية تمنع المواطنين والكيانات القانونية من أعضاء الاتحاد الأوروبي من إتاحة الأموال لهؤلاء الأفراد المُدرجين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. لكن جُمّد القرار في السنوات التالية. طلب هؤلاء الأفراد في عامي 2016 و 2017، مراراً وتكراراً من المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي إلغاء القوانين التي تجدِّد تجميد أصولهم، زاعمين، من بين أمور أخرى، أن قرار المجلس انتهك حقوقهم في الدفاع والحماية القضائية الفعّالة أيضاً كمبدأ التناسب. في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، أيّدت المحكمة العامة قرار المجلس. لكن ألغت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في تحوُّل مهم، في 3 كانون الأول/ديسمبر 2020، حكم المحكمة العامة. أخيراً، تم رفع إطار عمل الاتحاد الأوروبي الخاص بالعقوبات في 12 آذار/مارس 2021.
بعبارة أخرى، في حين استند المجلس في نهاية المطاف إلى قراره بفرض عقوبات على الفرص السياسية، أي الاستعداد لطي الصفحة بسرعة في مصر بعد الثورة، ركّزت محكمة العدل على حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وهذا مثال على التطبيق المتّسق للقيم والمبادئ من قبل القضاء. على الرغم من الديناميكيات القانونية، فإن النقطة السياسية هنا هي أنه في سياق المسار الحالي لمصر، لم تُفرض أي عقوبات على مصر باستثناء تعليق بعض الصادرات التي يمكن استخدامها للقمع الداخلي ومراجعة مبيعات الأسلحة. هذا القرار هو في النهاية نتيجة للبراغماتية المتزايدة والحاجة إلى عدم تعريض قنوات الاتصال بين الاتحاد الأوروبي والحكومة المصرية للخطر.
من بين البلدين المتورِّطين في حروب أهلية كاملة، سرعان ما تحوَّلت إلى صراعات إقليمية – ليبيا وسوريا – فإن حالة سوريا هي الأكثر إثارة للاهتمام. شكّلت العقوبات في غياب بدائل سياسية، جوهر استجابة الاتحاد الأوروبي للأزمة. في هذا الصّدد، اتّخذ الاتحاد الأوروبي تدابير غير مسبوقة، و تحتل سوريا حتى اليوم المرتبة الثانية بعد كوريا الشمالية باعتبارها الدولة التي تضم أطول قائمة وأكثرها انتشاراً لحظر السفر وتجميد الأصول والقيود التجارية ضد الأفراد (جميع وزراء الحكومة والأفراد المشاركين في ممارسة القمع وضباط كبار في القوات المسلحة السورية وأجهزة الأمن والاستخبارات السورية وأعضاء الميليشيات الموالية للنظام السوري) وكيانات (شركات في قطاع الطاقة، وبنوك خاصة).
بعد أن فرضت الولايات المتحدة المجموعة الأولى من العقوبات في نيسان/أبريل 2011، حذا الاتحاد الأوروبي حذوه في أيار/مايو 2011: علّق برامج التعاون الثنائي بموجب سياسة الجوار الأوروبية، وجمّد مشروع اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، وعلّق مشاركة السلطات السورية في البرامج الإقليمية للاتحاد الأوروبي. فضلاً عن عمليات الإقراض والمساعدة الفنية من قبل بنك الاستثمار الأوروبي لسوريا، وفرض حظر أسلحة كامل على عدد قليل من العسكريين. تمَّ توسيع قائمة العقوبات في وقت لاحق في مواجهة القمع العشوائي لنظام الأسد ضد السكان المدنيين، وتدمير التراث الثقافي للبلاد، والانتهاكات الواسعة النطاق والمنهجية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية.
ظهرت الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي فيما يتعلّق بالموقف الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي بشأن سوريا.
من ناحية أخرى، أغلقت العديد من الدول الأعضاء (على سبيل المثال، بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا) سفاراتها في دمشق، لكن هذا لم يكن أحد إجراءات الاتحاد الأوروبي حيث لم يتم الاتفاق عليه بشكلٍ مشترك من قبل المجلس الأوروبي وظلّت بعثة الاتحاد الأوروبي مفتوحة. من ناحية أخرى، طالب بعض أعضاء البرلمان الأوروبي بموقف أقوى وأكثر اتحاداً للاتحاد الأوروبي بشأن سوريا، بينما انتقدت حزب تحالف الليبراليون والديمقراطيون من أجل أوروبا ALDE و كتلة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين ECR نهج الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا، وطالبوا بضم الرئيس الأسد إلى قائمة المسؤولين السوريين المدرجين في عقوبات بروكسل.
لا يزال الهدف الأسمى المتمثل في وقف إراقة الدماء بعيد المنال، بعد أكثر من عشر سنوات على اندلاع الانتفاضة السورية وقمع النظام. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن العقوبات ضد سوريا لم يتم مواءمتها أو تأطيرها في إطار استراتيجية دبلوماسية أكثر شمولاً على طول الخطوط الطمُوحة لـ EUGS وأدوات السياسة الخارجية الأخرى. في الوقت نفسه، أدّت المدّة الطويلة للعقوبات الواسعة، التي نُفِّذت باسم وقف انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من انتهاكات القانون الدولي، إلى زيادة صعوبة عمل الحكومة السورية، ولكن كان لها أيضاً عواقب وخيمة غير مقصودة على السكان المدنيين، الذين ظلّوا الضحايا الحقيقيين الوحيدين للصراع.
تمَّ زيادة نطاق عقوبات الاتحاد الأوروبي تدريجياً بمزيد من التفصيل، في المرحلة الأولى بين أيار/مايو 2011 و2014، لاستهداف الأفراد والكيانات المسؤولة بشكلٍ مباشر عن العنف والقمع. في ذلك الوقت، كانت الحرب مستعرة محلياً وكانت التدخلات الخارجية لا تزال محدودة. في هذا السياق، كان للعقوبات آثار سلبية ومتنامية على قطاعات معيّنة من الاقتصاد السوري كانت تمثل شريان الحياة لنظام الأسد، وهي القطاع المصرفي وقطاع الطاقة والأجهزة الأمنية والجيش. بعد استخدام روسيا والصين حق النقض ضد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية في أيار/مايو 2014، ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وعلى وجه الخصوص التدخُّل العسكري الروسي في البلاد لدعم نظام الأسد في سبتمبر 2015، بدأ يزداد حدّة ونطاق الصراع وسرعان ما أصبح مدوَّلاً.
لم يقابل هذا التحوُّل النوعي المهم في الصراع تغيير مماثل في النهج الدبلوماسي السياسي للاتحاد الأوروبي. على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان المزوِّد الرئيسي للمساعدات الإنسانية لسوريا، وحاول الحفاظ على محادثات جنيف للسلام بشأن سوريا في مكانها وعزل نظام الأسد من خلال العقوبات، إلا أن هذا المزيج من المبادرات لم يؤدِّ إلى تغييرات كبيرة. إن قدرة الشبكات الداخلية للأقارب الأثرياء وأمراء الحرب على الاستفادة في نهاية المطاف من العقوبات، على سبيل المثال من خلال السيطرة على قنوات التهريب، والتعاون مع الشركاء الخارجيين في التغلُّب عليها، أدّت إلى تفاقم الفساد وسوء إدارة إعادة الإعمار، وفي نهاية المطاف التأثير الصحي والاقتصادي لكوفيد19 لجعل حياة السوريين العاديين أكثر صعوبة.
تمَّ تقويض العمل الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي بشكل عام، تجاه سوريا بشكلٍ خطير بسبب نقص الدعم من جانب روسيا. لقد أثبتت الإجراءات التقييدية، التي تتباطأ لفترة طويلة جداً وغير قادرة على التكيف مع ظروف النزاع المتغيرة، أنها غير مناسبة لوقف إراقة الدماء وأضرَّت بكل من سوريا وتصوُّر الاتحاد الأوروبي في البلاد، خاصة بين ما تبقّى من المعارضة الشعبية. لقد أفسح الأساس المنطقي المبدئي للاتحاد الأوروبي الطريق بمرور الوقت إلى شكل بيروقراطي بحت/غير مسيَّس، وواقعي للغاية ومحدود من الدبلوماسية لم يساهم في الوصول إلى الأهداف المعلَنة لحماية السكان المدنيين من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولكنه فضَّل بالأحرى الاستقرار الظاهري وإعادة الإعمار على الديمقراطية والمصالحة.

الخلاصة:
إعادة تحميل القيم والمبادئ
كان تبنّي الاتحاد الأوروبي للعقوبات وتنفيذها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا غير متماسك ومتضارب وذو توقيت سيء. ويتجلّى ذلك بوضوح، على وجه الخصوص، في الحالة السورية. إن البيئة الجيوسياسية المعقدة المحيطة بالصراع السوري وعجز الاتحاد الأوروبي بشكل عام عن تطوير نهج كامل لهذه الأزمة (وغيرها) يتجاوز الدعم الإنساني، قد حوّلت العقوبات إلى أداة ضعيفة لأنها لم تزيد من النفوذ الأوروبي بل ساهمت في معاناة السكان. كل هذا يدل على أن انخراط الاتحاد الأوروبي الدبلوماسي مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم يساهم في تحقيق أهدافه المعلَنَة.
وهذا يتناقض مع طموحات الاستراتيجية العالمية للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي EUGS، ولا سيّما القيمة المضافة لإيجاد أرضية مشتركة بين المصالح والقِيم. ظلّت هذه الطموحات إلى حدٍ كبير على الورق وعلى الرغم من الإشارات المستمرة للقيم والمبادئ التي يجب الدفاع عنها وتعزيزها داخلياً وخارجياً، فإن دور الاتحاد الأوروبي مقيّد بالبراغماتية أكثر من شحذها. لقد تمّ استخدام البراغماتية في نهاية المطاف كذريعة لتبرير عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على حشد ما يكفي من التماسك الداخلي لابتكار وتنفيذ إجراءات دبلوماسية مشتركة جريئة تتجاوز الحد الأدنى من القاسم المشترك. علاوة على ذلك، تمَّ استخدام البراغماتية كشكل من أشكال حماية الاتحاد الأوروبي تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تزداد تعقيداً بالإضافة إلى التوترات المتزايدة على المستوى الدولي وتآكل النظام الليبرالي العالمي. وقد أدّى ذلك إلى نوع من الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
إن التحول البراغماتي للاتحاد الأوروبي، الذي يمكن القول أنه أصبح أكثر حدّة بسبب انتشار كوفيد -19 والتدابير التي تم تنفيذها في 2020-2021 لاحتواء الوباء في جميع أنحاء أوروبا والعالم ،يواجه الآن عدداً من أوجه القصور . يتمثل أكثرها وضوحاً في تأثير التغييرات التي حدثت عبر المحيط الأطلسي مع إدارة بايدن الجديدة. ليس فقط أن الشراكة عبر الأطلسي ملزمة بالتغيُّر بحيث لا يستطيع الاتحاد الأوروبي بعد الآن الجلوس في قطار الولايات المتحدة (باستثناء بعض الملفات المعيّنة مثل المفاوضات مع إيران بشأن القضية النووية أو إسرائيل / فلسطين)، ولكن العالم ينتقل إلى عالم متعدّد الأقطاب بشكلٍ متزايد حيث مناطق أخرى آخذة في الصعود والمنافسة الجيوسياسية المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفيها، يقابلها أيضاً ساحات جديدة من النزاع المعياري.
يحتاج الاتحاد الأوروبي لتحقيق الازدهار في هذا السياق الجيوسياسي شديد التعقيد والمتقلّب، إلى المضي قدماً في مراجعة استراتيجيته الخارجية والأمنية. هذا لا يعني إلغاء EUGS ووضع استراتيجية جديدة تماماً. قد يستلزم بدلاً من ذلك توضيح “البراغماتية المبدئية”، والتي يمكن القول بأنها أكثر المفاهيم إثارة للجدل التي قدمتها EUGS في عام 2016، من خلال دعمها بنهج قائم على الحقوق بالكامل يرتكز على القانون الدولي ومعاييره الأساسية (على سبيل المثال تحقيق التوازن بين الأفراد ومصالح المجتمع). إن تطوير نهج أكثر قانونية للبراغماتية المبدئية سيساهم في تبديد الشكوك الكبيرة حول أهداف الاتحاد الأوروبي ونقاطه المرجعية وقدراته.
لا يمثل إدخال مفهوم “الحكم الذاتي الاستراتيجي” باعتباره البوصلة الاستراتيجية الجديدة للاتحاد الأوروبي خروجاً عن المنعطف البراغماتي لـ EUGS، حيث أن الاتحاد الأوروبي يدرك الآن أكثر من أي وقتٍ مضى الحاجة إلى أن يكون أكثر براغماتية للتكيُّف مع دولية ظروف التعقيد وعدم اليقين. ولكن هنا مرّة أخرى، مساحة لإعادة القِيَم والمبادئ إلى الواجهة بما يتماشى مع القانون الدولي. يجب الدفاع عن القيم والمبادئ بقوّة أكبر وتعزيزها داخلياً وخارجياً لضمان الاتّساق، لا سيّما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث لا يزال لدى الاتحاد الأوروبي الطموح للعب دور رئيسي. إن وضع نهج قائم على الحقوق في الأسُس الجديدة لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية والأمنية سيحتاج أيضاً إلى اهتمام خاص بمرحلة التنفيذ التي عانت أكثر من غيرها من التحوُّل البراغماتي.
ويمكن القيام بذلك بدءاً من الاعتراف بوجود روابط أوثق بين مجالات القضايا في صنع السياسة الحالية، ما يُسمّى بنهج “الترابط”. ينبغي في هذا الصدد، إيلاء اهتمام خاص للتضارب والتوترات المحتمَلة من حيث القيم والمبادئ (أو عدم وجودها) في سياق مجموعة متنوِّعة من السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي مثل التجارة والزراعة والهجرة والطاقة والتعاون التنظيمي، التعاون الرقمي والتنمية، أبعد من الدبلوماسية والسياسة الخارجية والأمنية. إن إدراك هذه التوترات المحتمَلة، من الناحية النظرية بقدر ما هو في الممارسة، سيكون بمثابة خطوة أولى إلى الأمام لجعل القيم والمبادئ مركزية مرّة أخرى في السياسة الخارجية والأمنية، وبالتالي تعزيز مصداقية ونفوذ الاتحاد الأوروبي كلاعب في السياسة الخارجية.

سيلفيا كولومبو هي زميلة أولى في برنامج البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا في Istituto Affari Internazionali (IAI).

*ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري

رابط البحث

Iaip2139

 

زر الذهاب إلى الأعلى