أمنية وعسكريةالرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

هل تكون الأزمة الأوكرانية شرارة الحرب العالمية الثالثة؟

د. علي صالح حمدان حامد

أولا/ روسيا وأوكرانيا الإرث الثقيل

تشترك أوكرانيا وروسيا بالروابط الثقافية واللغوية منذ عشرات السنين كما هو معلوم، ففي عهد الاتحاد السوفيتي السابق، كانت أوكرانيا ثاني أقوى جمهورية سوفيتية بعد روسيا، وكانت ذات أهمية استراتيجية واقتصادية، إلا أنه ومنذ انفصال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي في عام 1991، تتنافس كل من روسيا والغرب من أجل الحصول على النفوذ الأكبر في البلاد بغية الحفاظ على ميزان القوى في المنطقة لصالحها([1]).
الجدير بالذكر أنه رغم كون روسيا دولة كبيرة قائمة بذاتها ولا تحتاج إلى توسيع أراضيها منذ غزو القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش لقوزاق أوكرانيا في عام 1654، إلا أنه هناك بديهية مزعومة لعالم السياسة الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي والتي يُستشهد بها كثيرًا في موسكو وهي أنه بدون أوكرانيا لن تصبح روسيا إمبراطورية، رغم أن روسيا ظلت لاعباً عالمياً حتى بعد إعلان أوكرانيا لاستقلالها، وعلى العكس من ذلك، تكمن قوة روسيا داخل الحدود الحالية للاتحاد الروسي، والذي ظل موحدًا رغم الكوارث التي مرت بها روسيا بما في ذلك الحرب الأهلية في بداية القرن العشرين، وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق([2]).
لقد حصلت أوكرانيا، والتي كانت جزءًا من الإمبراطورية الروسية لقرون قبل أن تصبح جمهورية سوفيتية، على استقلالها مع تفكك الاتحاد السوفيتي، وتحركت بصورة حثيثة للتخلي عن تراثها الروسي وإقامة علاقات وثيقة مع الغرب بشكل متزايد ([3])، على الرغم من وجود عدد من القضايا المعقدة مع الجانب الروسي وهي: مصير أنظمة الأسلحة النووية السوفيتية في أوكرانيا، وتقسيم أسطول البحر الأسود، وقرار الطاقة والديون، والقرم، التي جرى اقتطاعها من روسيا إلى أوكرانيا في عام 1954، إلا أن الدولتان توصلتا بمساعدة الولايات المتحدة، إلى اتفاق بشأن انهاء الأسلحة النووية، كما اتفقت كييف وموسكو بشأن تقسيم سفن أسطول البحر الأسود، ووافقت أوكرانيا على السماح لروسيا باستخدام الموانئ والمنشآت في شبه جزيرة القرم، وهو اتفاق جرى تمديده لاحقًا حتى عام 2047، كما حل الجانبان خلافاتهما بشأن الطاقة، وخاصة عقود الغاز الطبيعي ([4]).

ثانيا/ تفجر الأزمة الروسية – الأوكرانية عام 2014

أدت أوكرانيا دورًا مهمًا في نظام الأمن العالمي لمدة طويلة كما هو معروف، وكان من حظها العاثر أنها تقف في الخطوط الأمامية للتنافس بين القوى العظمى حاليا، وتكافح في الوقت ذاته الفساد والخلافات الإقليمية العميقة التي يمكن أن تعرقل طريقها نحو التطور([5]).
بدأت الأزمة في أوكرانيا باحتجاجات في العاصمة كييف في تشرين الثاني 2013، ضد قرار الرئيس الأوكراني يانوكوفيتش والذي رفض صفقة التكامل الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، والذي قابل الاحتجاجات بحملة قمع عنيفة شنتها قوات أمن الدولة، إلا أن الاحتجاجات اجتذبت أعدادا أكبر من المتظاهرين يوما بعد يوم، وأجبرت الرئيس فيكتور يانوكوفيتش على الفرار من البلاد في تشرين الثاني 2014([6])، والجدير بالذكر أن الاخير كان يميل إلى الكرملين، لذا رفض اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي لصالح توثيق علاقات بلاده مع موسكو، وفي ضوء ما تقدم، ردت روسيا على تلك التطورات بضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية والتسبب في التمرد الذي اندلع في شرق أوكرانيا([7]).
سيطرت القوات الروسية على منطقة القرم الأوكرانية في آذار 2014، قبل ضم شبه الجزيرة رسميًا بعد أن صوت سكان القرم على الانضمام إلى الاتحاد الروسي في استفتاء متنازع عليه، حيث أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ضرورة حماية حقوق المواطنين الروس والمتحدثين بالروسية في شبه جزيرة القرم وجنوب شرق أوكرانيا، وبعد شهرين أجرى الانفصاليون الموالون لروسيا استفتاء لإعلان الاستقلال عن أوكرانيا في منطقتي دونيتسك ولوهانسك بشرق أوكرانيا ([8]).
أسفرت تلك التطورت لفقدان البحرية الأوكرانية معظم سفنها تقريبًا، إذ استقال معظم بحارتها أو انشقوا باستيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، إلى أن استعادت مواقعها البحرية ببطء بمساعدة حلفائها، وفي الوقت الذي يسعى الأوكرانيون لبناء أسطولهم وبلادهم، تستعرض روسيا قوتها البحرية على البحر الأسود ضدها علانية([9]).
لقد خلف التدخل الروسي على أوكرانيا بحسب المصادر الأوكرانية، 9960 قتيلاً و 23455 جريحًا، حيث يشمل ذاك العدد، مقتل 298 راكبًا كانوا على متن رحلة MH17، من بينهم 80 طفلاً، نتيجة الهجوم عليهم في 17 تموز 2014، عندما أسقطت طائرة الخطوط الجوية من قبل الجنود الروس من نظام صواريخ BUK ، والذي جرى نقله إلى أراضي دونباس قبل روسيا، كما أصبح نحو 1.584.000 من سكان شبه جزيرة القرم ودونباس، نازحين بعد أن غادروا منازلهم، إلى جانب أن روسيا ضمت جمهورية القرم الأوكرانية ذات الحكم الذاتي (2681 كيلومترًا مربعًا)، ومدينة سيفاستوبول (864 كيلومترًا مربعًا)، ومناطق دونيتسك ولوهانسك (16799 كيلومتر مربع)، أي بإجمالي 43744 كيلومتر مربعا أو (7،2٪) من أراضي أوكرانيا([10]).
كما تسبب التوغل الروسي لأوكرانيا في حدوث أكبر أزمة في أوروبا منذ الحرب الباردة، على الرغم من اتخاذ الولايات المتحدة وحلفائها الإجراءات العقابية ضد روسيا، إلا أنهم لم يحرزوا تقدمًا يُذكر في المساعدة على استعادة وحدة أراضي أوكرانيا([11]). وبدا من الواضح أن الغرب أخطأ في الاعتقاد بأن روسيا يمكن أن تكون راضية عن اندماج أوكرانيا في المؤسسات الغربية ([12]).
تجدر الإشارة إلى أن روسيا تعتقد أن ضم المناطق الشرقية ستساعد في إعادة أوكرانيا إلى فلك روسيا وإحباط تطلعات كييف للانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف، لذا منحت روسيا جنسيتها لأكثر من 600 ألف شخص في المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون، بالتزامن مع انتخاب فولوديمير زيلينسكي رئيسًا لأوكرانيا بأغلبية ساحقة في نيسان 2019، بناءً على وعوده بإنهاء الحرب([13]).

ثالثا/ تجدد الأزمة الأوكرانية عام 2021

يؤيد الأوكرانيون الذين أطاحوا برئيسهم الحليف لروسيا، ربط بلادهم بالدوائر الغربية بشكل متزايد، إلا أنه مع وجود قوة قوامها 175 ألف جندي روسي يستعدون ليكونوا بالقرب من حدود أوكرانيا بحلول عام 2022، يدفع المسؤولين الغربيين إلى الاعتقاد بأن ذلك يمكن أن يكون مقدمة لغزو يلوح في الأفق بعد قرون من التاريخ المشترك بين البلدين الجارين([14]).
ومما يؤيد ما تقدم، تصريح رئيس وكالة الاستخبارات الأوكرانية الجنرال كيريلو بودانوف إن روسيا تحشد جنودها بالقرب من حدود أوكرانيا، وأنها تستعد لشن هجوم بحلول نهاية كانون الثاني أو بداية شباط 2022، ومن المحتمل أن يشمل هجومها غارات جوية وهجمات بالمدفعية والدروع تليها هجمات محمولة جواً في الشرق، واعتداءات برمائية في أوديسا وماريوبول، وتوغل أصغر عبر بيلاروسيا المجاورة ([15])، وذكر الجنرال كيريلو بودانوف: “الهجوم الذي تعده روسيا سيكون أكثر تدميراً من أي شيء شهدناه من قبل في الصراع الذي بدأ في عام 2014 والذي شهد مقتل 14000 أوكراني” ([16])، كما وصل وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف إلى البنتاغون لمقابلة نظيره الأمريكي لويد أوستن وطلب منه أنظمة أسلحة المتطورة، بما في ذلك أنظمة الأسلحة التي لم توفرها الولايات المتحدة من قبل لأوكرانيا ([17]).
بدورها، أعلنت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وكييف عن قلقها إزاء التحركات الروسية بالقرب من حدودها مع أوكرانيا([18])، حيث يؤكد مسؤولو المخابرات الأمريكية أن حشد روسيا لجنودها بالقرب من الحدود الأوكرانية هو جزء من الاستعدادات لغزو محتمل، لاسيما أن آلاف الجنود يتمركزون في المنطقة للمشاركة في مناورات حربية ضخمة، وتقول وزارة الدفاع الأوكرانية إن وحدات من الجيش الروسي ترتكز بالقرب من يلنيا، وهي بلدة تقع على بعد 260 كيلومترا شمال الحدود الأوكرانية([19]).
في غضون ذلك، يكشف تحليل أجرته إحدى مراكز البحوث أن المعدات من فرقة الدبابات الرابعة الروسية قد جرى نقلها إلى مناطق حول بريانسك وكورسك بالقرب من الحدود الشمالية لأوكرانيا، وجرى تجهيز الوحدات بدبابات قتال رئيسية من طراز T-80U ومدفعية ذاتية الدفع، كما جرى رصد عناصر من جيش دبابات الحرس الأول في المنطقة ([20]).
بالتزامن مع ما تقدم، تركز أطروحة الكرملين على أن الأوكرانيين والروس هم شعب واحد، ويعيشون في دولة فاشلة تسيطر عليها القوى الغربية المصممة على تقسيم وغزو عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي([21]).

رابعا/ الموقف الأميركي من التهديدات الروسية ضد أوكرانيا

تحظى تطورات الأزمة الأوكرانية بأهمية بالغة عند الإدارة الأميركية، والتي وقعت مع حكومة أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية اتفاقية في تموز 2021، تلتزم باتخاذ إجراءات ضد روسيا في حال “محاولة استخدام الطاقة كسلاح أو ارتكاب المزيد من الأعمال العدوانية ضد أوكرانيا”([22]).
الأمر الذي دفع المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إلى الإشارة في تصريحات متلفزة في 5 ايلول 2021، إلى أن الرئيس بوتين ينطلق من أن تقييم عمل رؤساء أوكرانيا يعود إلى مواطنيها، وعليهم أن يصوتوا لصالح الشخص الذي يريدون أن يرأس بلادهم، وأضاف: “فليبق هذا الأمر من صلاحيات الشعب الأوكراني، أما نحن فلا يسعنا سوى أن نقر بأن روسيا الاتحادية متمثلة بالرئيس بوتين تؤكد مجددا رغبتها في السير نحو إعادة علاقاتها مع أوكرانيا إلى طبيعتها”([23]).
بالرغم مما سبق، أكد رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف في 21 تشرين الثاني 2021، إن روسيا تخطط لشن هجوم على بلاده أوائل 2022، وأن موسكو حشدت أكثر من 92 ألف جندي لذلك([24])، ومن جانبه، حيث ذكر الرئيس بوتين في 30 تشرين الثاني إن روسيا قلقة من إجراء تدريبات عسكرية في أوكرانيا بالقرب من الحدود، وإنها تشكل تهديدًا لموسكو([25]).
كذلك، أعرب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني ج. بلينكين عن قلقه المتزايد بشأن نشاط موسكو العسكري على الحدود الأوكرانية. وذكر في 21 تشرين الثاني 2021، في زيارته إلى السنغال، في إشارة إلى التوغلات العسكرية الروسية في البلدان المجاورة “لا نعرف ما هي نوايا الرئيس فلاديمير بوتين، لكننا نعرف ما حدث في الماضي”. واضاف “نحن نعلم محاولة الاستشهاد ببعض الاستفزازات الوهمية من أوكرانيا أو أي دولة أخرى، ثم استخدام ذلك كذريعة لفعل ما تخطط روسيا لفعله طوال الوقت” ([26]).
كما اجتمع وزراء خارجية حلف ناتو في ريغا في 30 تشرين الثاني 2021، للنظر في كيفية ردع تكرار الاحتلال الروسي وضم شبه جزيرة القرم، أو ما هو أسوأ، وبعد الاجتماع، صرح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني ج.بلينكين للصحافة إن حلف شمال الأطلسي متحد وسيفرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية شديدة التأثير، بالإضافة إلى جهود إضافية لتعزيز دفاعات التحالف على الجانب الشرقي([27]).
الجدير بالذكر أن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني ج.بلينكين، كان قد حذر خلال لقائه نظيره الروسي في استوكهولم 2 كانون الاول2021، موسكو صراحة من الغزو، وهو السيناريو الذي أكدته الحكومة الأوكرانية بدعم من الناتو وإدارة بايدن، وفي غضون ذلك المحت الكرملين إلى أن تدخل قواته قد يكون ضروريًا لوقف تصعيد القتال في شرق أوكرانيا([28]).
الجدير بالاشارة أن وزير الخارجية الأوكراني ديميتري كوليبا، والذي أنهى زيارة لواشنطن، ذكر إن “الوضع مقلق، لكننا جيران روسيا وقد اعتدنا على الشعور بالقلق”. وأضاف في لقاء لقناة ABC نيوز الأميركية أنه “يسعى للحصول على دعم الولايات المتحدة لدفع القوات الروسية بعيدا عن بلاده”، فيما ذكر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، إن “الحلف يجب أن يستعد للأسوأ مع تزايد القلق من أن روسيا قد تستعد لغزو أوكرانيا”([29]).
التقى وزير الخارجية الأمريكي ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 3 كانون الاول 2021، في ستوكهولم وسط قلق متزايد بين القوى الغربية من أن روسيا تسعى لغزو أوكرانيا، وأكد وزير الخارجية الأمريكي انهما سيبلغان الرئيس جو بايدن والرئيس فلاديمير بوتين بتفاصيل الاجتماع وأن الرئيسين “قد تتاح لهما الفرصة للتحدث مباشرة في المستقبل القريب” ([30]).
لقد حذر الرئيس جو بايدن الرئيس الروسي في القمة الافتراضية التي عقدت في 7 كانون الاول 2021، لمدة ساعتين عبر مكالمة فيديو، حول تراجع العلاقات الأمريكية – الروسية، والتي غرقت إلى أدنى مستوى لها منذ نهاية الحرب الباردة، وأكد أن الغرب سيفرض “إجراءات اقتصادية وغيرها من الإجراءات القوية” على روسيا إذا غزت أوكرانيا ([31]).
لقد تركزت مباحثات الرئيس جو بايدن مع الرئيس فلاديمير بوتين، حول زيادة أعداد القوات الروسية بالقرب من الحدود مع أوكرانيا، ودعا إلى وقف تصعيد التوترات، بالمقابل أوضحت روسيا أنها لن تهاجم، واتهم الرئيس بوتين أوكرانيا بالاستفزاز، وسعى للحصول على ضمانات ضد توسع الناتو باتجاه الشرق ونشر أسلحة بالقرب من روسيا ([32]).
ذكر مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان في تصريحات صحفية بعد المحادثات، “الأشياء التي لم نفعلها عام 2014 مستعدون لفعلها الآن”. واكد أن بايدن “كان مباشرا وصريحا” مع بوتين إذ قال له إن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين سيزودون أوكرانيا بقدرات دفاعية إضافية ويعززون كذلك قوات الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي في المنطقة. و”كان هناك الكثير من الأخذ والرد، ولم تكن هناك تهديدات، لكن الرئيس بايدن كان واضحا بجلاء في تحديد أين تقف الولايات المتحدة من جميع هذه المسائل”([33]).
يمكن فهم القلق المتزايد لإدارة الرئيس جو بايدن بشأن توغل روسي محتمل لأوكرانيا، إلى أنها تستند لمعلومات المخابرات الأمريكية بأن موسكو وضعت خططًا لهجوم عسكري يضم ما يقدر بنحو 175000 جندي في وقت مبكر من عام 2022، إذ توضح وثيقة استخباراتية أمريكية غير سرية بعض النتائج الاستخباراتية، بما في ذلك تحديد مواقع يقول المسؤولون إنه يمكن أن يصل في نهاية المطاف الى 100 كتيبة، بالإضافة إلى الدروع الثقيلة والمدفعية ومعدات أخرى([34]).
بالمقابل، تصف روسيا صور الأقمار الصناعية التي تظهر حشود القوات في شبه جزيرة القرم بأنها مثيرة للقلق، ولكن بحلول أوائل كانون الأول 2021، أصر مساعد رئاسي روسي على أن “لدينا الحق في نقل القوات على أراضينا” ، نافيا أن يكون ذلك بمثابة تصعيد، وردت موسكو باتهام أوكرانيا بنقل نصف جيشها نحو 125 ألف شخص إلى الشرق، وزعمت أن كييف كانت تخطط لمهاجمة المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون المدعومون من روسيا، في حين ردت أوكرانيا إن ذلك هراء يهدف للتغطية على خطط روسيا الخاصة بخصوص الغزو([35]).

خامسا/ هل الحرب قادمة لا محالة؟

يشغل هذا السؤال الجوهري مخيلة معظم الخبراء الدوليين، ويدور في أذهانهم التساؤل، هل سيُذكر عام 2021 باعتباره العام الذي تخلى فيه الرئيس فلاديمير بوتين عن التحدث إلى القيادة الأوكرانية واتخذ خطوته الحاسمة لإعادتها بالقوة إلى فلك روسيا؟ لاسيما أنه قام بتحريك قواته بالقرب من الحدود مع أوكرانيا مرة أخرى، في وقت صرح فيه وزير الخارجية الأمريكي كان أن روسيا تنصب فخًا لأوكرانيا يدفع روسيا عمدًا إلى غزوها، إلى جانب أن الرئيس فلاديمير بوتين يصعد من لهجته حول أوكرانيا، وألمح على نطاق واسع إلى أن صبره مع كييف ينفد، ويرى بعضهم أن المبررات اكتملت للتدخل العسكري، وتدل المؤشرات على المدى القريب والبعيد إلى أن لدى كييف وواشنطن أسبابًا وجيهة للقلق([36]).
كذلك يعتقد بعض المراقبون بأن الولايات المتحدة لا تستطيع ردع روسيا، وأن إدارة الرئيس جو بايدن ستنصح بالتوقف عن تقديم الوعود التي لا تستطيع الوفاء بها لكييف، والقبول أن أوكرانيا لن يجرى دمجها بالكامل في الغرب، وأن تكون أكثر تحفظًا في تطلعاتها الجيوسياسية في جزء لا يمثل أهمية كبيرة للأمن القومي للولايات المتحدة([37]).
على الأغلب، يعود الكثير مما سيحدث في الأيام أو الأسابيع المقبلة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لم تتضح دوافعه ونواياه تمامًا، إذ يقول المحللون إنه كما هو الحال دائمًا، فإن الرئيس الروسي يوازن المخاطر والفوائد وتحديد ما إذا كانت التنازلات التي قد ينتزعها من خلال تهديد أوكرانيا تستحق الاحتمالات المتمثلة في معاقبة العقوبات الغربية وفرصة رد الفعل المحلي، إذا عانت القوات الروسية من خسائر كبيرة([38]).
ومما يدعم ما تقدم، أن الكرملين ذكر في 7 كانون الاول 2021، أن الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن اتفقا على أن تواصل روسيا والولايات المتحدة مشاوراتها، وأن الرئيسين أظهرا استعدادهما لمواصلة العمل الجاد والبدء في مناقشة القضايا الحساسة التي تثير قلق موسكو بشكل جدي، إلى جانب الاتفاق على إجراء المزيد من المناقشات ([39]).
بالتزامن مع ما سبق، ينفي الكرملين أي نية بالتوغل في أوكرانيا أو دخولها، وأن موسكو تأخذ على واشنطن تجاهل المخاوف الروسية حيال النشاط المتزايد لدول الحلف الأطلسي في البحر الأسود ورغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الحلف ومساعي كييف لتسليح نفسها مستعينة بالغرب، إذ أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن “روسيا لم تعتزم مهاجمة أحد لكن لدينا خطوطا حمراء”([40])، في وقت يؤكد الخبراء إن الوقت ينفد بالنسبة للولايات المتحدة لمنع المزيد من الأعمال العدائية بين الدول المجاورة عموما.

 

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر/ العلاقات الدولية في جامعة زاخو – إقليم كردستان العراق

 

الهوامش

 

________________
[1]()Kabir ER , Explained: Why Russian troops are on Ukraine border, and why West is concerned. https://indianexpress.com
[2]()Dmitri Trenin, How Russia Could Recalibrate Its Relationship With Ukraine. https://carnegiemoscow.org
[3]()Why Russia-Ukraine tensions have again reached a boiling point. https://www.npr.org
[4]()Steven Pifer, How Ukraine views Russia and the West. https://www.brookings.edu
[5]()Jonathan Masters, Ukraine: Conflict at the Crossroads of Europe and Russia. https://www.cfr.org
[6]()Conflict in Ukraine Conflict in Ukraine. https://www.cfr.org
[7]()Why Russia-Ukraine tensions have again reached a boiling point. https://www.npr.org
[8]()Conflict in Ukraine Conflict in Ukraine. https://www.cfr.org
[9]()Stuart Greer, Mykhaylo Shtekel, Ukraine’s Navy: A Tale Of Betrayal, Loyalty, And Revival. https://www.rferl.org
[10]()10 facts you should know about russian military aggression against Ukraine. https://mfa.gov.ua
[11]()Jonathan Masters, Ukraine: Conflict at the Crossroads of Europe and Russia. https://www.cfr.org
[12]()Taras Kuzio , Paul D’Anieri, Causes and Potential Solutions to the Ukraine and Russia Conflict. https://www.e-ir.info
[13]()Explained: What’s behind the conflict in eastern Ukraine? https://economictimes.indiatimes.com
[14]()Anton Troianovski, What’s Driving Putin’s Ukraine Brinkmanship? https://www.nytimes.com
[15]()Howard Altman, Russia preparing to attack Ukraine by late January: Ukraine defense intelligence agency chief. https://www.militarytimes.com
[16]()Tuqa Khalid, Russia will invade Ukraine in new year, says Kiev’s chief of defense intelligence. https://english.alarabiya.net
[17]()Amy Mackinnon, Jack Detsch, Robbie Gramer, Biden Is Running Out of Time to Help Ukraine Fend Off Russia. https://foreignpolicy.com
[18]()Tuqa Khalid, Russia will invade Ukraine in new year, says Kiev’s chief of defense intelligence. https://english.alarabiya.net
[19]()Philip Whiteside, Russia-Ukraine border: What is happening and will tensions lead to war? https://news.sky.com
[20]()Satellite images show new Russian military buildup near Ukraine. https://www.politico.com
[21]()Anton Troianovski, What’s Driving Putin’s Ukraine Brinkmanship? https://www.nytimes.com
[22]()Holly Ellyatt, Biden wants to prevent Russia-Ukraine conflict, but experts say time is running out. https://www.cnbc.com
[23]()”وول ستريت جورنال”: بايدن يحذر بوتين من أن غزو أوكرانيا سيقابل بعقوبات اقتصادية ودعم عسكري لأوروبا الشرقية، على الرابط: https://www.almayadeen.net
[24]()آسية إبراهيم، كييف: نعمل مع واشنطن على تطوير “خطة ردع” روسيا تشمل عقوبات اقتصادية شديدة، لـ”تثبيط موسكو عن المزيد من التحركات العدوانية”، وفق وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، على الرابط: https://www.aa.com.tr
[25]()الكرملين: بوتين أكد تطلع روسيا إلى السير نحو تطبيع العلاقات مع أوكرانيا، على الرابط: https://arabic.rt.com
[26]()Sebastian Shukla , Frederik Pleitgen, Fearing new Russian threat, Ukraine races to upgrade its navy. https://edition.cnn.com
[27]()Hans Binnendijk, Barry Pavel, How might allies respond if Russia invades Ukraine? https://www.defensenews.com
[28]()Laura King, As warnings fly between U.S. and Russia, how real is the threat of war in Ukraine? https://www.latimes.com
[29]()حدود روسيا وأوكرانيا.. تحركات مقلقة وخشية من مواجهة “خطرة”، على الرابط: https://www.alhurra.com
[30]()Alex Marquardt, Jennifer Hansler, Niamh Kennedy and Anna Chernova, Blinken and Lavrov meet amid tensions over Russia’s intentions in Ukraine. https://edition.cnn.com
[31]()Andrea Shalal , Steve Holland, Andrew Osborn, Biden warns Putin of sanctions, aid for Ukraine military if Russia invades. https://www.reuters.com
[32]()Biden warns Putin of ‘strong measures’ amid Ukraine invasion fears. https://www.bbc.com
[33]() قمة بايدن بوتين.. تحذير أمريكي “قوي” لروسيا بشأن أوكرانيا، على الرابط: https://al-ain.com
[34]()Michael Crowley, U.S. Intelligence Sees Russian Plan for Possible Ukraine Invasion. https://www.nytimes.com
[35]()Paul Kirby, Is Russia preparing to invade Ukraine? And other questions. https://www.bbc.com
[36]()Eugene Rumer, Anrew S. welss, Ukraine: Putin’s Unfinished Business. https://carnegieendowment.org
[37]()Andrew Latham, The US can’t deter a Russian invasion of Ukraine — and shouldn’t even try. https://thehill.com
[38]()Laura King, As warnings fly between U.S. and Russia, how real is the threat of war in Ukraine? https://www.latimes.com
[39]()Vladimir Soldatkin , Dmitry Antonov, Kremlin says presidents agree to further U.S.-Russian talks on Ukraine. https://www.reuters.com
[40]()جو بايدن يحذر روسيا من “عقوبات شديدة” في حال حصول تصعيد عسكري بأوكرانيا، على الرابط:
24.com https://www.france

 

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa