الرئيسيدراسات وبحوث

الجدل أبستمولوجيا التمايز والوجود كوحدة

د. جمال الشوفي

أولًا: توطئة:
في حوارات سابقة، نُشرت في عدة أوراق بحثية تتناول الجدل من منظار أبستمولوجي يحاول تعزيز مفهوم وحدة الوجود الكوني بين شقيه المادي والفلسفي، العلمي والفكري، الطبيعي الحسي والعقلي المجرد، طُرحت الكثير من الأسئلة حول عمق وقدرة العلوم على أن تشرح ذاتها معرفيًا. وحقيقة يبدو سؤال شائك! فهي بطبيعتها العلمية صعبة المراس، وربما تحتاج لطور زمني لاحق لشرحها بتمامها كما كانت سابقتها الكلاسيكية. فكيف وان انتقلت من حيزها الحيوي العلمي للولوج في عالم الفلسفة والفكر وصراع الأيديولوجيات المتكئ والمستريح لمعرفته الأولى المنتجة قبل قرنين من اليوم، والتي لم تتخطى بعد حدودها المعرفية السابقة علميًا أو فكريًا.
في محاولة جادة لردم الهوة بين المنظور العلمي الذي أحاول صياغته أبستمولوجيا بمحاكاة وحوار المعرفة فلسفيًا، سأحاول جاهدًا في هذه الورقة فرد وتحرير الفيزياء العصرية من قوانينها المعقدة العلمية لمادة حوارية يسيرة التناول معرفيًا، مع متابعة المحاولة الابستمية في سياق توطين مفهوم الجدل الكمومي/الكوانتي فلسفيًا كمدخل معرفي لا يستثني ما بعده من جمل الحياة والمعرفة، بل يفصح عن طرقه وأدواتها المنهجية في الإجابة على الأسئلة السابقة والغامضة فلسفيًا، والتي بقيت أسيرة الأيديولوجيا لليوم، والعاجزة عن إجابات المشاهدات والوقائع العلمية اللحظة.
في رد جاك داريدا على سؤال هل أنت فيلسوف يقول: ((البحث عن موقع لا-فلسفي لا يعني أنه موقع ضد فلسفي. إن سؤالي المركزي هو: من أي موقع أو لا-موقع يمكن للفلسفة بحد ذاتها لتبدو لنفسها كأنما هي مغايرة لنفسها (آخر الفلسفة)، حتى يتسنى لها طرح وعكس نفسها بطريقة أصيلة؟)) (كيرني- ص 165)(1). والجدل الكمومي يستعيد لحظة السؤال الفلسفي ولا يقف عندها، ولا يدعي نهاية عندها، بقدر امتلاكه القدرة الوصفية للعقل اليوم، وسؤال المعرفة الأشقى كيف؟. حسب العروي هناك نصوص عدة، فلسفية، معاصرة، سلفية، باطنية.. تبدأ من وتنتهي إلى، وكلها تصل لجملة ما أسموه بالتعاليم ((هذه نصوص تتفاوت بيانًا وعمقًا وشمولًا، لكنها دائمًا مسوّرة كما يقال، ووجه الحصر فيها هو بالضبط ما يضمن مطابقتها للحق. فلماذا نتعجب اذا وجدنا عقل العقل، أي النظر في المنطق، يساير ويطابق عقل المطلق أي النظر في الكون؟))(العروي، ص 151-152)(2).
سؤال الكيف وحواره موضوعتي التمايز وفعل الوجود كوحدة، ومفهومان محددان في صير المعرفة الإنسانية، سؤال أبستمي يفتح المجال المتسع أمام المعرفة البشرية لتكون أكثر تحررًا من أغلالها الفكرية، وأكثر قدرة على انتاج الوجود الإنساني معرفًا بالتفكر كلحظة تمايز عن التبعية والتلقين، وبالتكامل كوحدة وجود خلافًا لبترية التناقض وهيمنة الصراع المولد للشرور، وهذا الغرض المرجو تحديده وفرده في هذا السياق.

ثانيًا: ضرورة الفيزياء العصرية كمنهج:
لقد فتحت الفيزياء الحديثة وجدلها الكمومي المجال الواسع لإعادة التفكير في مجالات العلوم السابقة وذلك من موقعين مهمين:
– تحديد مفهوم المطلق العائم مثاليًا (سرعة غير المرئي، الضوء، المطلقة) وإعادة تعريفه ماديًا وفق انبثاقات العلوم العصرية،
– وجدل حضوره التكاملي المادي/الموجي بآن.
فالنسبية عالجت ما قبلها أقامت الحد على هيمنته الفكرية المطلقة، وشكلت فتحًا علميًا واسعًا في النووية والتقنية وشتى مجالات العلوم العصرية. كما أنها لم تتوقف عند إعادة التعريف وتعريف التعريف بقدر محاولة بناء لوحة الوجود الكلي، وهذا ما على المعرفة الإنسانية حواره.
طفرة نهج العلوم هذه، وإن بدأت مع الفيزياء والعلوم العصرية وبنائها لوحة أو نظام التكميم العام للمواد والذرات والأطياف، وأرقام ومؤشرات النمو الاقتصادي والحريات العالمية وحقوق الانسان، إلخ… وأرقام ال IP الدالة على الهوية الرقمية للتواصل الاجتماعي، وملفات الاستخبارات العالمية الرقمية حول الأفراد والجماعات، مستويات رقمية كمومية أيضًا، لكنها لا تبنى لوحة السلام لهذا الكوكب وأمانه، ما لم تقف المعرفة على فهمها وامتلاك تصور عنها بغية حد شططها هذا.
الغرق في الماهية، في مستويات الطاقة ما دون الذرية، الجسيمات الأولية، لا يكفي الفلسفة الجدلية أن تقول إنه هدم للهوية وغرق في الماهية. مهمة الفلسفة ليست التصنيف كما يرغب أو يراها البعض، مهمة الفلسفة هي القول الحق المستند للمعرفة ومصلحة الكل الإنساني وسلامه. فالقول بأن هذا خطر وتمدد وشطط علمي يجب حده قيميًا، والحد القيمي حد معرفي يتعلق بكلية الانسان ووجوده، فالقنبلة النووية الانشطارية شكلت وتشكل خطر فناء سطح الكوكب، فكيف وان وجدت القنبلة البروتونية مثلًا فستشكل خطر انفجار الكوكب وإمكانية تشكيل ثقب اسود مكانه! هذا ليس سؤال علمي وحسب بل سؤال جدلي وفلسفي، لا يكفيه القول أن الفلسفة في واد والعلم في واد آخر!
المدخل الجدلي هنا مختلف عن سابقه ولا يؤمن بالقوانين الملزمة، أو بالمفاهيم المسبقة، يؤمن بالروح الشغوفة والتوق المعرفي وسلام الكوكب وأمانه، وبوابته الواسعة نجو الجدل التواصلي الحسي والعقلي وجدل الوجود عاطفة وحبًا وحرية بوابته الجدل الكمومي وهنا الإشكال والسؤال.
بين نظريتي المعرفة ونظرية العلوم، علاقة جدل وترابط، فالفيزياء الحديثة الذي أنتجت نظرية الكم ووضعها قيد الاستخدام، بنيت أساسًا على سؤال الشك الذي يقود للحقيقة عند ديكارت، وعلى موضوعة الفرد الحر المنتج في جماع وجوده الحر لمقولة الأمة، سواء أحببناها أم رفضناها، وعلى نسبية الزمن واختلافه وترابطه مع الأبعاد المكانية الثلاثة في وحدة الفكر الكوني المتجاوز فيزيائيًا إطلاقيه نيوتن الزمنية “المطلق يوحد المقولات، يقيم وحدة الضوء والمادة والفضاء والحركة والزمان يؤكد الدائرية، الكون مليء بالمادة والمادة مليئة بالفراغ” (مرقص، ص 659)(3) ؛ إلا أن كل من النظريتين أخذت حيز وجودها العقلي والفعلي معًا في الواقع العام لنظم العالم المتقدم.
والسؤال الأبستمي القابل لأن يحدث طورًا مختلفًا في عالم الإنسان اليوم: هل يمكن التقاء الفلسفة ونظرية المعرفة بوصفها تصور وطريقة، بل طرق متعددة، مع القوانين العلمية الوضعية بوصفها توضعات مادية كشفت النقاب عن مجالات العلم العصرية المتقدمة؟ ولازالت في طور الكشف والتمايز والتطوير؟
هذا سؤالنا المركزي غير المنحاز لوصفة فلسفية مكتملة الأعراف والمثل أو لقوانين علمية مادية تتصف بالأزلية، بقدر انحيازها لعالم الإنسان كما يرى نفسه انسانًا ماديًا وفكريًا.

ثالثًا: وحدة وصراع المتناقضات وقصوره الأبستمي:
ثورات الربيع العربي، لم تحدث بين طبقتين، بل بين مجموع شعبي تنتابه موجات الانعتاق من استبداد السلطات سياسيًا ومن السلطات ذاتها ماديًا! ولو اكتفينا بالتفسير المادي التاريخي ومفهوم صراع الطبقات (الذي فُصل نقديًا في دراسة سابقة(4)) كما لازال يصر الكثير من حاملي هذا الفهم، لما استطعنا تفسير حدثه الضخم أو حتى حدوثه أصلًا. كما أن التناقض بين الجنسين في أصل الزواج والأسرة قائم وموجود، لكن الحب والألفة شرط ديمومته واستقراره. كما أن الحيز الأعلى للتقدم الحضاري في الحريات الفردية وحقوق الانسان والطفل وحق المرأة كمواطن فرد تتناقض مع الحالة الجمعية للأسرة أو الدولة الشمولية، إنها حقوق تخرج عن سياق المادية الجدلية تناقضًا وتراكمًا، وتفتح بوابات متسعة لمنظور معرفي أوسع ولنقل لجدل مختلف…
القوانين المادية للجدل، والتي لا زالت مهيمنة على جمل متعددة للفكر السائد في محيطنا الحيوي ولم ينتقل بعد لرؤية أوسع، تشير لوحدة وصراع المتناقضات، فالهيدروجين والأوكسجين المتناقضان في الهوية الأيوينة الموجبة والسالبة مثلًا يتفاعلان معًا ويشكلان الماء، والماء أصل الحياة، فالتناقض يتحول لوحدة وهذا جدل. وتراكم الحرارة أثناء تسخين الماء السائل ذاته يحوله للحالة الغازية عند درجة حرارة الغليان (0100م)، أو يحولها للحالة الجامدة بالاتجاه المعاكس عند الدرجة صفر أيضًا، فالتراكم الكمي يتحول لحالة نوعية وهذا جدل. وتغير شروط الطبيعة وتغير وظائف الحيوات عليها، أدت لتطور الكائنات الحية تتابعًا وفق داروين، وأدى لتغير في بنية الحيوات عامة، والانسان تطور طبيعيًا وبالعمل التراكمي، حسب ماركس وانجلز، عن القرود وهذا التحول النوعي أيضًا جدل… ولنا ان نورد ألاف الأمثلة التي باتت صحيحة وتدرّس علميًا في كل مدارس الحياة والعلوم ومنها الفلسفة أيضًا، فهل هذه كل المسألة؟
فتحت العلوم العصرية البوابة المختلفة لتحديد وتعين هذه المعرفة جدليًا، وحيث نتفق على انه جدل صحيح بالمبدأ، لكنه جدل يتوقف عند الحدود الطبيعية لمدركات الإنسان حسيًا ووفق عقله السليم، أي أن الانسان بحواسه الطبيعية يدرك هذا الجدل جيدًا، فماذا بعد؟ وهل نكتفي بالحقيقة المدركة وحسيًا وحسب؟
في التكافؤ الطاقي المادي، هناك شغف آخر، هناك مفاهيم تتغير، أثبتت العلوم العصرية خطأ مقولة أن “المادة لا تفنى ولا تخلق من العدم”، بل المادة لحظة من لحظات الطاقة، “الطاقة هي التي لا تفنى ولا تخلق من العدم”، والمادة كمفهوم فلسفي ليس نقيضه العدم الفلسفي. الفراغ ليس عدمًا، بل هو الحيز العام للتوضع المكاني والحميمي الحنون والجمالي للطاقة المكممة بطريقة أنيقة يكتنفها الاحتمال المكمم، والاحتمال ضد اليقين حسب ستيفن هوكنغ ((هدفنا أن نصوغ مجموعة من القوانين تمكننا من التنبؤ بالأحداث وذلك فقط في نطاق الحد الأدنى الذي يفرض مبدأ عدم اليقين))(هوكنغ، ص 145)(5).
في تفسير أولي لنموذج البنية الذرية، اقترح طومسون نموذجه المادي المتعادل كهربائيًا والمستقر بتساوي الشحنات المتناقضة الموجية والسالبة، ولكنه فشل في تفسير الاشعاع، والاشعاع هو التغير النوعي. فيما تبعه رذرفورد في احداث تغيير في مفهوم بنية الذرة، فقد كشفت تجربة تبعثر جسيمات ألفا عن الذرة أنها ليست جسم مادي مسمط كما اقترحها طومسون، بل نواة موجبة وتدور حولها الكترونات سالبة، يملأ الفراغ الحيز بينهما، ومع هذا فشل في تفسير التحول النوعي واصدار الاشعاع حين استخدم ذات النهج الكلاسيكي في أن الالكترون كجسم مادي يشع أثناء دورانه حول النواة، وكلاسيكيًا سيفقد طاقته تدريجيًا ما يجعله يسقط عليها وينهدم مفهوم البنية المتعادلة من أساسه، جذر المفهوم وفرضه العلمي الأول! بينما أتى التفسير الكمومي لبلانك ليقدم تفسيرًا لهذا التناقض، ويضع العلم في موقعه الحديث حيث تكميم السويات الطاقية وعزومها الدورانية، وأن الاشعاع لا ينتج عن التناقض بين الموجب والسالب، ولا عن الحركة المادية الكلاسيكية، ولا عن تراكم كمي أيضًا، بل عن اثارة الذرة بشعاع قيمته الطاقية تكافئ البعد المادي بين سويتين، وعندما تعود للاستقرار تشع طاقيًا.
أين وحدة وصراع المتناقضات هنا؟ وما علاقته بما نناقشه هنا؟ المدهش في هذا السير العلمي أنه تم اثبات وجود النواة التي تكتنف البروتونات الموجبة منفردة، وما يمنعها من التدافع هو طاقة الارتباط، فالنترونات كجسيمات مادية معتدلة الشحنة لا تكفي بالغرض البحثي العلمي، بينما هذه الطاقة والتي هي الفرق بين كلية الذرة ومكونات أجزاءها، والكل أكبر من مجموع أجزاءه هذا أولًا. ومفهوم الكل هنا هو وحدة مادية طاقية، لا يمكن استنفادها بإحداها، ماديًا او جدليًا، ولا معرفيًا أيضًا بذات النهج، وهذا سر صيرها المستقر.
من ثم تم الكشف عن التفكك الاشعاعي والانشطار النووي الناتج عن نترون معتدل يتحول لبروتون موجب، فيحدث في النوى الثقيلة فعل الانشطار التسلسلي وكل بروتونات الذرة موجبة وغير متناقضة! والأكثر ادهاشًا تجارب الاندماج بين ذرتين من الهيدروجين وإنتاج الطاقة النظيفة خلاف الانشطارية. ذرتي الهيدروجين غير متناقضتين ولكنهما ينتجان شكلًا مختلفًا عن المادة في حيز مختلف من الادراك!
في عالم السياسة اليوم، لقد أنهت القنبلة النووية الحرب العالمية الثانية، وبرزت بعدها المنظومتان المتناقضتان جدليًا الاشتراكية والرأسمالية، وكانت أحلام وطموح يساري العالم تغيير العالم الرأسمالي لعالم اشتراكي وشيوعي عام في وحدة وجود كونية! لكن لا المنظومة الاشتراكية المنهارة، ولا منظومة العولمة كنظام عالمي وحيد القطب شكل وحدة وسلام كوني! بل ظهرت نزعة الجيوبوليتيك الروسية المناقضة لاستفراد العولمة ومن جنس فعلها المهيمن أيضًا، وهذا ينذر بشر عالمي…
ثمة سيرورة في الواقع الموضوعي لا تثبتها قوانين الجدل المادية كلية، ولا يمكن الاكتفاء بها كنظرية، وهذه أسئلة ابستمولوجية تطرق بواباتها الجدلية الكمومية ولا تكتفي بها أيضًا… فالقانون المعنون بوحدة وصراع المتناقضات لا يفي بتفسير الوجود العالمي اليوم معرفيًا أو ماديًا، بل هو غير مدقق معرفيًا بالأصل، والشواهد التي طرحت أعلاه غيض من فيض من الأمثلة في هذا الصدد. نعم التاريخ في أحد أوجهه صراع، صراع الفكر والمادة، صراع الحضارات والأفكار، ولكنه بوجهه الآخر ليس تناقضي، فحركة التطور والتشكل والوجود تبنى على التآلف والتوافق وتحييد التناقض وتخفيف حدة الصراع والتنافس، وهذه الأخيرة مولدة الشرور تاريخيًا وعصريًا ومهمة المعرفة المجيدة حدّها.
الجدل الكمومي اليوم يثبت مرة أخرى أن الوجود يكتنفه البناء والترتيب، والمعرفة الإنسانية تكاملية بين حيزات مادية ومعرفية بآن، كما أن مستويات معرفتها متداخلة متسامية بذات الوقت (كما درست في ورقة سابقة) والأهم من كل هذا أن سؤال المعرفة اليوم سؤال أبستمي يبحث باتجاه مختلف عن صراع التناقضات والذي يعجز عن تفسير الوجود بمحتواه العلمي والقيمي بآن، إلا اذ أردنا أن نقصر القول مثلًا بأن التناقض بين الذكورة والأنوثة ينحل في وحدة الأسرة وإنتاج العائلة والأطفال! وأدهش في سؤال الحرية الفردية والتعاقد الرضائي ووحدة المصلحة فكيف سؤال الحب! وأترك الإجابة للمنطق الداخلي المطروح أعلاه لرؤية مختلفة…..

رابعًا: الحتمية والتراكم الكمي وسؤال التمايز والاحتمالية:
في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قضت مدام كوري نتيجة محاولتها استظهار أفلام التصوير باستخدام مادة تشع طبيعيًا قبل التعرف على خصائصها الفيزيائية. وهي ما باتت تعرف لاحقًا المواد المشعة تلقائيًا، والتي تصدر أشعة غير مرئية بالعين المجردة، لكنها ذات أثر مهم سواء في الفيزياء أو في فهمنا الجدلي الذي نحاوله. لاحقًا، تقدمت العلوم بخطوات واسعة، لا يمكن حصرها أو احصاؤها، لكن سنقارب مفهومنا الجدلي الكمومي في بعض من نقاطها ومفاصلها. فالمجال المفتوح غير المرئي أعاد للطبيعة قيمتها لا العلمية وحسب، بل وانتصر للعقل في تكونه المتتالي، لا في اكتماله كما تريد الفلسفة أو العِلمية والوضعية.
ما نراه مستمرًا في الحيز الطبيعي هو متقطع (أي مكمم) بحقيقة أمره، دون ان تتمكن العين البشرية من رؤيته والسبب هو التمايز وهذا هو سره الفلسفي والحياتي وأبدًا ليس التناقض. والتمايز جذر التكميم، والطبيعة مكممة بذاتها، ما يستلزم أدوات قياس ومنهج مختلف، عقل يدرك هذا التمايز الجدلي. التمايز الجدلي مفهوم عقلي مطلق اتساقًا مع الجدل الهيجلي، ثم واقعي قابل للتطبيق والاختبار بحكم التجربة وذلك اتساقًا مع الجدل المادي الماركسي، ويتجاوز كليهما باتجاه الجدل الكمومي كأولى لحظات الجدل الأبستمي.
فحيث لم تعد كافية قوانين العلم الفيزيائي السابقة على تفسير كامل الظواهر الطبيعية تفسيرًا نهائيًا، ولا يمكن لقوانين العلم في الجاذبية تفسير التغيير في أبعاد الكون الكمية الأولى الكلاسيكية (الكتلة والزمن وأبعاد المكان) حين التعامل مع السرعات العالية، والكلاسيكية معرفيًا هي القياسات الطبيعية المادية الحسية الكمية المألوفة والمتعامل بها يوميًا وظيفيًا وعقليًا وعلميًا، فـ((النسبية وميكانيكا الكم أظهرت أن نظرية نيوتن لم تزد في أفضل احوالها عن كونها تقديرًا تقريبيا، وأنها في واقع الأمر لم تسفر- في حالات كثيرة سوى عن نتائج خاطئة، مثلما في حالة الأجسام التي تتحرك بسرعات قصوى))(جيبلز، ص 129)(6).
قوانين نيوتن الكلاسيكية تصلح للعمل ضمن الحيز الطبيعي المألوف للإنسان وغير المتمايز، حيث يمكن التحديد بدقة متناهية زمن وصول طائرة ما عند انتقالها من الموقع x1 إلى الموقع x2 بسرعة محددة ثابتة او متغيرة، لكن ذات القوانين ستفشل فشلًا ذريعًا حينما تتعامل مع فيزياء الطاقات العالية والجسيمات الأولية Elementary Particles وأوضحها الفوتون والنيترينو(7) ، حينها تأتي تعديلات الفيزياء النسبية على تلك القوانين لتضع حدّا معرفيًا عليها:
– تحدد تمايز المفردات الكمومية
– ترصد وحدتها المادية والطاقية
– كما وتحدد مجال عملها النسبي في حدودها الجهرية والحسية
– تقترح تعديلها لقوانين النسبية الخاصة والتي يمكنها إعادة القياس العقلي فوق الحسي بدقة بشكل مختلف سواء في ذات الحدود أو في حدودها العليا العقلية وغير المرئية.
وهذا جدل أبستمي أكثر رحابة، ولنقل يصحح ويعدل محتواها المهيمن كتليًا ويهدم الحتمية والسرمدية الأولى لها. ويخطر لي التساؤل الضمني: ألم يحدد ويجسد مفهوم الإرادة العامة The general will أساس العقد الاجتماعي للدولة العصرية، مفهومي التمايز والوحدة مواطنة ودولة بآن!
قدم هايزنبرغ قاعدته الكمومية الأكثر ادهاشًا في مبدأ عدم اليقين، حيث أنه في المستوى الذري غير المرئي من حيث طبيعة السلوك الموجية والجسيمية لها، يصبح تحديد دقة مكان وسرعة الجسيم، تتعلق فقط في منطقة قياس محدودة، تمثل بالنسبة للحيز المعرفي العام السرعة الميكانيكية بحدودها المدركة الإنسانية الطبيعية فقط، بينما في المستويات غير المرئية (الذرية) تخضع لفيزياء وعلاقات كمومية مختلفة تثبتها قاعدة الشك أو عدم اليقين لهايزنبرغ ((تشير قاعدة عدم اليقين الى درجة عدم التعيين في المعرفة المتاحة حاليًا للقيم المتزامنة للكميات العددية التي تعالج بها نظرية، إنها لا تنحصر، على سبيل المثال، في دقة تعيين المكان وحده أو في قياس السرعة وحدها))(هايزنبرغ، ص 27)(8).
وأيضا فقد فشلت فيزياء الترموديناميك الحرارية، في تفسير ظاهرة اشعاع الجسم الأسود على سبيل المثال، فالتراكم الكمي المفترض كلاسيكيًا بشكله الحراري وفق التفسير الكمي الحراري سينتج ظاهرة الانهيار فوق البنفسجي، حيث أن زيادة الضخ الحراري في الجسم ستزيد حرارته باطراد ويؤدي لانهياره فيما يغرف بظاهرة الانهيار فوق البنفسجي (أي خارج حدود الرؤية البصرية للعين البشرية للضوء المرئي)، في فعل يشابه غليان ركوة القهوة وتحول السائل الى غاز (التحول النوعي أو الكيفي)، واستمرار تسخينها سيؤدي لانفجارها اذا ما كانت مغلقة حيث تراكم الضغط والحرارة، وهذه مفسرة علميًا وفق قوانين الترموديناميك بشكل جيد. لكن…
الفيزياء الكمومية مع ماكس بلانك (Max Planck) قدمت تفسيرًا ثوريًا محدثًا، استطاع حل هذه الظاهرة بما يتفق مع منحنياتها التجريبية المقاسة، والتي فشلت الكلاسيكية المادية المقاسة والملحوظة حسيًا في تفسيرها، فتوزيع الأشعة المنبعثة من الجسم عند درجة حرارة معينة كدالة في الطول الموجي، كانت مسألة محيرة للعلماء (ستيفان وبولتزمان ووينر ورايلي وجينز) وفق طرقهم العلمية الكلاسيكية، ولم يجدوا تفسيرًا علميًا لها بذات الطرق المعروفة (9).
الخاصية الكونية الفريدة التي لم تكن تبصرها العين البشرية بحدودها الطبيعية قياسًا، حيث تتفاعل الحالة الموجية كموميًا (وليس كميًّا أو ماديًّا وحسب) مع المادة، فالإشعاع المستمر عيانيًا هو متقطع كموميًا، وتقطعه الكمومي يعني أن لكل فوتون طول موجة وتردد متمايز عن غيره، فهو ليس حالة حرارية متصلة ماديًا، بل نموذج موجي مختلف عن المألوف الجهري، وذلك رغم أنه يمكن قياس كامل الحزمة ماديًا وبالتالي موجيًّا وطاقيًا ولكن بشكل وسطي ومعمم كما تفعل الأيديولوجيات.
الفوتون الضوئي/كم الطاقة والمادة الأولي، يتفاعل مع ذرة مادية وحيدة في الجسم، ما يؤدي لامتصاصها الطاقة ثم اصدارها، ما يفسر بدقة اشعاع الجسم الأسود ويقود لوضع قواعد جديدة في العصر الحديث في الفيزياء الكمومية المذهلة. تفرد الفوتون، المفردة الكمومية، كمّات الطاقة الأولى، هو لحظة تكميم جدلية مختلفة معرفيًا عن التراكم المادي الجدلي. وقوانين الجدل المادي المشتقة من علوم عصرها حينها، لا تكفي بالغرض البحثي العلمي من جهة وموضع نقد معرفي فلسفي من جهة أخرى. فالواقع الذي ندركه بالحواس، ليس سوى حيز محدود من الواقع الموضوعي بذاته. وأجيز القول الكوني الفلسفي، أن الذرة المادية تتراقص تفاعليًا مع موجة الإشعاع، وتراقصها المتموضع هذا يجعلها تتألق تفاعليًا بإصدارها المتمايز عن التراكم الكمي! وكم تتراقص دواخلنا الإنسانية وتطربها موسيقا بيتهوفن أو كلمات فيروز، أو نظرات الحب وكلمات الاعجاب والاطراء، وتحدث فيها أثرًا وأثارًا نوعية مختلفة، أو صرخات الحرية والانعتاق من سلاسل الاستبداد في موجات الزحف البشري حين تصبح الروح تواقة للحرية. إنه تفاعل الروحي-المادي، الموجي-الجسيمي، وليس التراكم المادي وحسب.
هذا التفاعل يحدث بدون الملامسة المادية المباشرة، مع المادة! هذا مدهش! وهو ما فشلت في تفسيره الجدليات الكلاسيكية السابقة، عند استخدامها ذات النهج المادي والتراكمي التي تحكم الظواهر الطبيعية، حتى وان استمر ذات المنهج الجدلي المادي والكلاسيكي وذات منطقها الرياضي التقليدي في معاندة نتائج التجربة وشواهدها العصرية اليوم، تلك التي وصفها يومًا شلدون غلاوشو Sheldon Glashow بـ((أن لاهوتيي القرون الوسطى اتبعوا النهج نفسه في أوروبا آنذاك، وكان هذا في حقيقة الأمر، السبب في أن أوروبا وحدها هي التي لم تشاهد المستعر الفائق ((Supernova(10) الذي حدث في عام 1554، لأنهم كانوا منشغلين بالبحث عن عدد الملائكة التي ترقص على رأس دبوس))(11)، وأخشى أن يبقى المشتغلون في اثبات صحة المادية الجدلية ذو غفلة عن مجريات العصر الحديث، دون أن ينفتحوا على كمّاته المعرفية المحدثة هذه، لتبقى الفلسفة والمعرفة مغتربة عن العصر وأسيرة وصاياها السابقة!
هل يستطيع قانون الجدل المادي في التراكم الكمي التفسير؟ هذه ظاهرة من ظواهر طبيعية عدة لا يستطيع تفسيرها قانون التراكم الكمي والتغيير النوعي والعكس، فهو صحيح في العالم الطبيعي الكلاسيكي، مؤكدًا على وصفه بالكلاسيكي لأنه محكوم بالقوانين الكلاسيكية قبل أن تجد العلوم العصرية بوابتها الجدلية الكمومية المختلفة، وهذا محط ادهاش واثارة!
التراكم الكمي لم يحدث تغيير نوعي، بل التفاعل الموجي الجسيمي جدليًا أنتج مفهومًا جديدًا فيزيائيًا لم يكن موجود مسبقًا. ووجوده المقصود به هنا، هو الوجود العقلي، فقد كان موجودًا طبيعيًا وكنا، والبشرية كلها، لا ندركه عقليًا. ليصح لنا القول بأنه بات معرفًا بالوجود بالفعل وقوة العقل. وهذا ما يمثل بعدًا جماليًا وفنيًا متمايزًا عن أسر القوانين والقواعد السابقة، إلى عالم كمومي وجودي مختلف، تختلف معه الرؤية الجمالية للمشاعر والأحاسيس والطرق والمناهج.
حين تغدو التصورات العقلية أكثر جمالًا واتساقًا مع الجانب الإنساني الروحي، فإنها تضيف للبعد الطبيعي بجدله الكمومي الأعلى بعدًا فنيًا خلّاقًا، فحسب الجدل الهيجلي ((النتيجة هي ان الأشكال الكلية والقوانين والواجبات والحقوق والقواعد تسود على أنها دواع محددة وهي المنظم الرئيسي. ولكن بالنسبة للاهتمام الفني والإنتاج لا يكون الكل ماثلًا في شكل قانون وقاعدة، ولكنه يعطي انطباعًا بأنه في وحدة مع الحواس والمشاعر، بمثل ما أن الكلي والعقلي محتويان في التخيل حيث يدخلان في وحدة مع المظهر الحسي العيني))(هيجل، ص 39)(12).
مع نيلز بوهر (Niels Bohr)، بدت المسألة أكثر ادهاشًا، فبعد محاولات رذرفورد وقبلها طومسون المادية الكلاسيكية في تفسير الطيف الإشعاعي لذرة الهيدروجين، تمكن بوهر وبمرجعية تكميم بلانك، من التوصل للأعداد الكمومية التي تبنى عليها بنية الذرة (13). الذرة ليست ذلك الجزء الأصغر مفهوميًا، فثمة النواة أصغر، ومكوناتها من بروتونات ونترونات والالكترون أصغر وكلها متمايزة وتمثل وحدة وهوية، ولم ندخل بعد فيما داخلهما من كواركز وغولونزQuarks and Gluons والتي باتت تعرف بالجسيمات الأولية (14). من ثم فالحيز المادي للذرة حيز مكمم تتوزع فيه الالكترونات وفق سويات طاقية محددة بأعداد كمومية متتالية، لتصبح بنية الذرة قابلة للقياس الكمومي، ومن ثم الكمي وفق قواعد الاصطفاء لباولي المحددة وغير العبثية (15).
تظهر هذه البنية الكمومية إمكانية تفاعل الاشعاع ذو الخصائص الموجية الجسيمية بآن، مع الكترونات الذرة في سوياتها الطاقية المختلفة، ما يجعل الذرة مستثارة لسوية أعلى، ثم تعود للاستقرار بإصدارها اشعاعًا. الاشعاع الناتج والمختلف نوعيًا، هو نتيجة تفاعل موجي جسيمي، لا تراكم كمي وتحول نوعي! ويمكن الإضافة الأكثر جمالًا، حين نجد ان ظاهرة التألقLimousines التي تصدر ألوانًا بأطوال موجية مختلفة تميز بعض المواد كالفسفرة والفلورة (16) ، تحدث بذات الفعل التفاعلي الإشعاعي المادي، ولكنها لا تصدر مباشرة اشعاعها، بل تكمن زمنًا، نسميه زمن التأخير الكموني، لتعود بإصدارها التألقي الجميل! كمن يكظم غضبه حين يأتيه نقد سيء فلا يستثار غضبًا، بل يمتصه ويعالجه، ثم يرد النقد بالشكر على سعة الاهتمام بوجهة النظر المختلفة، وهذا التألق ذو جمال مختلف بذاته!
المذهل في التكميم الذري هذا أنه فتح المجال أمام علوم الليزر، والأشعة السينية وتطبيقاتها المذهلة في الطب والصناعة وتشخيص وعلاج الأورام وغيرها، والأكثر اذهالًا أن الطول الموجي الصادر عنها هو من مرتبة الانغستروم وما دون (10-10متر)، أي خارج حدود رؤية العين المجردة. هذا البعد الذري قادر للتفاعل التجاوبي مع أبعاد ال DNA للإنسان لكونها من ذات البعد أيضًا. وبالتالي قاد ذلك بيولوجيًا للكشف عن اللوحة الجينية للإنسان. دراسات البنية الجينية والطفرات نقلت مستوى التطور الداروني إلى مستوى مختلف عن تراكمه الكمي المادي المورفولوجي (الشكلي) التاريخي. فالطفرة Mutation قادرة على احداث هذا التغيير لحظيًا، في خاصية ما واحدة مفردة أو مجموع خواص (17).
تفاعل الموجة مع الجسيم، أتى بالعديد من الاكتشافات العلمية المذهلة، وهذه تمتلك احتمالات عدة حين تتفاعل الفوتونات بطبيعتها الموجية مع الجسيمات المادية في المفعول الكهرضوئي، أو كومبتون، أو الحيود والتبعثر (Photon Interactions with Matter)(18)، وقد تنتج فعلًا ماديًا ملموسًا كإنتاج الكهرباء (الظاهرة التي نستخدمها يوميًا بالتقانات الحديثة في أجهزة الموبايل)، وقد تحدث فعلًا اشعاعيًا وتنتج أشعة سينية X-ray في حالة أخرى، الظاهرة المثيرة والأكثر تقدمًا علميًا والأكثر احترامًا وخدمة للإنسان (فالأشعة غير المرئية هذه تري الانسان ما لا يستطيع ان يراه بعينه المجردة، رآها عقليًا أولًا وبات يطبقها ويستخدمها ماديًا وحسيًا اليوم وتكشف عن كسور عظمه وخلاياه السرطانية والمتفجرات والمخدرات المهربة في أجهزة الكشف المستخدمة في المطارات والبوابات الحدودية بين الدول).
التغير النوعي ليس نتيجة تراكم كمي وحسب، فقد يحدث لحظيًا ويشكل قفزة وطفرة حياتية، والحتمية المادية الماركسية باتت محط شك وتساؤل أيضًا، فهي محددة أيضًا في حيز إدراكنا الأول للطبيعة، وقاصرة عن احداث الفهم فيما عداها. والجدير بالمتابعة أن مسألة قطة شرودنغر تظهر فشل هذه الحتمية أيضًا والتي كنا قد عالجناها أبستمولوجيا في بحث سابق حول المادية التاريخية (19).
ديبرولي ومبدأ المثنوية الجسيمية الموجية (De-Broglie’s Wave-Particle Duality)(20)، يثبت أن كل جسيم ترافقه موجة، وكل موجة محمولة على جسيم، وهذا ما خرج عن الفيزياء الكلاسيكية في اثبات ظاهرة الموجية فقط للضوء، بل ماديته الجسيمية في تفاعله مع الذرة من جهة، ومن جهة أخرى أثبتت تجارب الانعراج التي أقيمت على الإلكترون أنه يخضع لذات المبدأ فيما يعرف تجربة كوبنهاغن الشهيرة (21). والجدير بالإدهاش هنا، أن تلك التجربة لليوم لم تأخذ تفسيرها النهائي بعد، حيث أثبتت التجربة انعراج الالكترونات المادية كما الضوء، ولكن حين محاولة ملاحظة احدى الخصائص المادية أو الموجية منفردة تختفي الثانية، وهذا يعتبر قصور معرفي وعلمي عن نتائج التجربة لازال قيد المحاولة في التفسير. احدى هذه التفسيرات ذهبت للقول بأن الالكترون ذو ذكاء متمايز ويتصرف عكس إرادة المراقب، ولكنها لليوم فرضية رغم صحة التجربة تحتاج للتدقيق.
ثمة سؤال جميل، هل للإنسان كجسيم ضخم موجة ترافقه اذا؟ في إجابة علمية أولى، وحسب ديبرولي حيث: h/p) =λ: p=mv اندفاع الجسيم المادي “الكتلة*السرعة”، h ثابت بلانك، λ طول الموجة) فاذا كتلة الانسان 100 كغ وبلغت سرعته القصوى 100 متر/ثانية فان طول الموجة المرافقة له من مرتبة (10-30متر)، وهذه غير قابلة للقياس وفق أدواتنا العلمية اليوم، حيث أن أقصى ما استطاعت الوصول له هو من مرتبة الفيمتو (10-15متر)! ولكن يمكنني القول إنه في القول الدارج والمعروف “حب من اول نظرة”، دون ان يكون قد حدث تعامل مادي بعد، هو تفسير لهذه الموجة الروحية المرافقة للشخص المادي. لكنها ليست حتمية أبدًا، وقد يحدث العكس، أي النفور، وقد لا يحدث شيء من مشاعر! أنه عالم الاحتمال والحياة الإنسانية الرحبة، وهذه ميزة أخرى في الجدل الكمومي، الذي من غير الممكن ردّها لقوانين صارمة في التحولات الكمية وحسب، أو الحتمية، أو السببية والصدفة كنهج وحيد، مع أنها تبقى ذات حيز معرفي مقبول في أطر المعرفة العامة والطبيعية… فثمة جدل مختلف وعقل مختلف بات يفصح عن نفسه بجلاء.

خامسًا: وليس ختامًا
الانفعالات النفسية والشعورية يمكن أن تشكل تغيرًا نوعيًا دون أن تكون ذات تراكم كمي، فالحب، غير المرئي ماديًا غير قابل للتفسير في التراكم الكمي فقط. فالتعامل المادي اليومي وكيفية بناء الأسرة والمنزل تراكمات مادية بحيز الاستقرار. لكن مشاعر الحب قد تحدث احتماليًا في لحظة ما، في نظرة ما، يشبه ويحاكي تمامًا تفاعل الحالة الموجية مع المادة كمحاكاة كمومية، على أننا ندرك عدم تطبيقها المادي المحض على العلاقات الانسانية، فهل يمكن القول إن الحب هو تفاعل موجي وجسيمي بآن؟ نعم الحب طاقة موجية روحية كما هو فعل مادي أيضًا، وذلك دون ان نقصر جماله الإنساني الأعلى والأكثر اتساعًا لتفسير فيزيائي وحسب، فهناك ثمة حياة وإرادة وهذا ما نوقش في اللحظات الأخرى من الجدل الأبستمي في الحب والحرية وجدل الاختلاف.
ثمة محاولة مادية تقول ان هرمونات الحب والسعادة هي مصدر الحب، نعم هي موجودة ماديًا ويتم الكشف النسبي التدريجي عن أثرها علميًا، فالدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين وغيرها من هرمونات الحب والسعادة تنتج بفعل مادي كالملامسة والجنس وليس فقط، بل وتنتج في الجسم دون فعل مادي كالنظرة والكلمة، والرغبة في الحياة والانبعاث والتجدد، وإرادة الخروج عن مألوف العرف والتقليد الذي يقصر الحب والجنس على فعل الزواج المادي! هذا الفعل ناتج عن الحب وليس عن التراكم المادي فقط، هذه صيرورة أيضًا تنتج كميًا ونوعيًا، ولنقل انه ليس التراكم فقط، بل الفعل فيما لا تراه العين، ويقال الأذن تعشق قبل العين أحيانًا.
في سؤال جدلي انساني أعلى، هل يمكن اسعاد أمهات المعتقلات والمعتقلين وسهد ليلهم إذا ما أعطيناهم هرمونات السعادة والحب هذه؟ هذا عبث وهرطقة علمية وفلسفية!
الحرية وحقوق الإنسان وان كانت في جذرها الطبيعي نتيجة للاضطهاد المادي الممارس على حقوق البشر، لكنها ليست بالضرورة أن تؤدي لفعل ثوري في كل حالاتها، بل في احدى احتمالاتها تكريس للعبودية واستكانة تاريخية ودلالة هرم الدولة رغم اتساع التناقض في بنيتها المجتمعية، تلك التي درسها بتدقيق ابن خلدون في مؤلفه الشهير “المقدمة”، ((في أنه اذا تحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد والترف والدعة اقبلت الدولة على الهرم))(ابن خلدون، ص 168)(22).
هذا بينما تفعل فكرة التنوير والحرية دورًا رئيسيًا في احتمال تفاعل نورانية التحرر فكريًا مع المصالح المادية للبشر، فتحقق قفزة نوعية في طور حياتهم. وما جدل التنويرين الأوائل كهوبز ولوك وروسو في عصر الأنوار الأوروبي الذي أنتج لاحقًا وبعد عقود طويلة لحظات التمايز العصري والوحدة الوجودية بين الحقوق المادية والفكري العصري والحريات والتمايز الفردي بآن، ما لم تستطع ان تنتجه التراكمات المادية في مفاعيل الظلم طوال الثورة الفرنسية لعقود منفردة، فقد تم سواد الفوضى والديكتاتورية مرة أخرى كما حدث في عهد بونابرت في فرنسا، كما شرحها غرين برينتن (23). فالثورات فعل مادي حق نعم، لكن مستواها المادي غير كافٍ بمفرده، وتفاعلها المتأخر مع فكر الحرية والحقوق والمدنية أنتج فكرة العقد الاجتماعي، مطعمة بنكهة الحرية وصورة الدولة الحديثة. إنها التفاعل والجدل الأبستمي الذي نحاول وضع صورته المفهومية بين العقل والواقع، الفكر والمادة، الموجة والجسيم فيزيائيًا، ولحظة عناق الفكر مع الواقع الاجتماعي.
ربما سيأتي زمن ونقول بعد حين أن الربيع العربي عامة، وفي سوريا خاصة، لن ينتج عقده الاجتماعي التحولي من عالم الطغيان إلى الدولة والاستقرار والأمان، الا إذا حدث هذا التلاقي الكمومي المختلف عن السائد في طريقة الأيديولوجيات الكلاسيكية واسهامها في الفوضى والانهدام، والمستمرة وفق ذات النهج السابق في صراع على السلطة، دون احداث توجه مختلف فيها، نسميه جدل كمومي أيضًا يبحث عن التمايز الخلّاق والوحدة في الوطن الحر والحقوقي وهذا فعل شاق ومسؤولية فكرية وسياسية وأخلاقية..

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية.. دكتوراه في الفيزياء النووية.. مستشار في مركز أسبار للدراسات والبحوث

المراجع:
ريتشارد كيرني، جدل العقل حوارات آخر القرن، ترجمة إلياس فركوح وحنان شرايخة، ط 1، (الدار البيضاء- المغرب: المركز الثقافي العربي، 2005).
عبدالله العروي، مفهوم العقل، ط 3، (الدار البيضاء- المغرب: المركز الثقافي العربي، 2001).
الياس مرقص، نقد العقلانية العربية، (دمشق: دار الحصاد، 1997).
جمال الشوفي، في مواجهة الأبستمولوجيا: الماركسية بين الوصايا الإلهية والوضعية المادية، الجزء الأول والثاني، مركز ليفانت للبحوث والدراسات The-Levant-News، 3-4/2020.
ستيفن هوكنغ، تاريخ موجز للزمان، من الانفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، ترجمة مصطفى ابراهيم فهمي، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2006).
دونلاد جيليز، فلسفة العلوم في القرن العشرين، ترجمة حسين علي، ط 1، (بيروت: التنوير للطباعة والنشر، 2009).
كشفت فيزياء الطاقات العالية أن التحول من البروتون موجب الشحنة للنترون المعتدل والعكس قائم بتبادل الكترون موجب أو ساب مضافًا له طاقة موجية سميت بالمتعادل الصغري (النترينو) وهو جسيم عديم الشحنة والكتلة ويمثل الفرق الطاقي لهذا التحول وله ضديد النترينو في التحول العكس.
فيرنر هايزنبرغ، المبادئ الفيزيائية للنظرية الكمومية، ترجمة محمد صبري عبد المطلب وانتصارات محمد حسن الشبكي، ط 2. (دبي: كلمة للترجمة والنشر، 2011).
Gasiorowicz, S., Quantum Physics, 2nd edition, (New York: Wiley Ins., 1995).
السوبرنوﭭا Supernova: هي حادثة انفجار نجم في إحدى مجرات الكون والتي تحدث كل عدة عقود مرة واحدة فقط، حيث تصل نفثات من الأشعة الكونية ما تحت الذرية ناتجة عن تفكك النيترونات والبروتونات تندرج في مجال القوة النووية الشديدة، وتلقي الضوء وبشدة على مكونات المادة الأولى أو المسماة العناصر الأولية Elementary Particles . وقد بني لهذا الغرض العديد من المسرعات العملاقة تعتمد خاصية التصادم الرأسي بين البروتونات للحصول على مكوناتها ما تحت الذرية، وبات وجود هذه المكونات حقيقة علمية مثبتته تجريبيا ومستخدمة تقنيا في مجالات متعددة، لكن الحيز النظري للفيزياء الكلاسيكية (أو التي باتت كلاسيكية اليوم بعدما كانت ثورية لوقت قريب) بما فيها النظرية الكوانتية حديثة العهد لازال متأخرًا عن إيجاد نظرية علمية حديثة تشمل معطيات الواقع التجريبية هذه، وهذا تحدي فعلي لكل النظريات بما فيها (الوترية والكمومية اللونية) في قدرتها على اثبات وجودها الحقيقي المفسر لكل الظواهر التجريبية الراهنة بهذا السياق. ومن المفيد ذكره أن آخر انفجار كوني لنجم حدث في عام 1987 في فضاء ماجلان.
Davies, P. and Brown, J., Superstrings, The Theory of Everything, (Cambridge: University Press, 1992).
هيجل، علم الجمال وفلسفة الفن، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، ط 1، (القاهرة: دار الكلمة، 2010).
Smirnov, B.M., Physics of Atoms and Ions, (New York: Springer, 2003(.
لفترة زمنية طويلة بقي سائد أن الالكترون والبروتون والنترون، كمكونات الذرة الأساسية هي العناصر الأساسية، إلا أن اتجهت العلوم العصرية، بعد الفيزياء النووية والكمومية، إلى المستوى دون الذري، أي مستوى مكونات النواة، حيث البحث في مكونات البروتونات والنترونات والتي لها وزنًا ماديًا كبيرًا مقارنة بالإلكترون (حوالي 2000 مرة منه) وفيزياء الطاقات العالية. في التجارب الحديثة التي تجري في معهد الفيزياء النظرية في سيرن في إيطاليا، تجري أبحاث على تصادم بروتونين (مصادم الهادرونات) واثبات وجود جسيمات أولية، تسمى كوارك Quark، ليتبين أن البروتون والنيترون ليسا من الجسيمات الأولية. لقد بات الكشف العلمي عنها في طوره الأخير، ولازال البحث العلمي قائم في احداث جدول بالجسميات الأولية كما جدول مندليف، لكن بالمستوى دون الذري، منها الفوتون والنترينو والكواركات: الأعلى Up والأدني Dawn والغريب Strange….
تكميم السويات الطاقية الذرية، حدد المسافة الطاقية بين كل سويتين، فلدينا العدد الكمي الرئيسي الذي يحدد المدارات الرئيسية ب n=1,2,3….8، وكل سوية تمتلك حالات طاقية مدارية تخضع لتكميم العزم المداري L، وكل الكترون له توجه في عزم لفه الذاتي للأعلى أو الأدنى هو Spin، ليشكل العزم المغناطيسي كموميًا J=L+S، بهذه الحالة يصبح إمكانية انتقال الالكترون من سوية لأخرى يخضع لقوانين الاصطفاء هذه وفق المسافة الطاقية الممكنة والموقع الإلكتروني الشاغر في السوية الأعلى.
Valeur, B. and Santos, M., A Brief History of Fluorescence and Phosphorescence before the Emergence of Quantum Theory Journal of Chemical Education, 88(6), 2011.
أبعاد كشف ال DNA قادت لإحداث قفزات مهمة في التعديل الجيني للمواد الزراعية وزيادة الإنتاج العالمية، ولكنه بسياق موازي وُجد الأثر السيء لهذه التفاعلات باستخدام القنبلة النووية في هيروشيما وناكازاكي، واليورانيوم المنضب في العراق، أدى لتغير جيني مشين في تاريخ تقدم العلوم، وهذا ما يجب التوقف عنده انسانيًا وقيميًا في اللحظات الأخرى من الجدل الأبستمي.
Livesey DL. Atomic and Nuclear Physics, (London: The University of British Columbia, Blasidell Publishing Company; 1966).
جمال الشوفي، مرجع سابق.
Greenberger, D. et al., Compendium of Quantum Physics, (Berlin: Springer, 2009).
http://abyss.uoregon.edu/~js/21st_century_science/lectures/lec15.html
ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الفصل الثالث عشر، ط 4، (مكة: دار الباز للنشر، 1978).
غرين برينتن، تشريح الثورة، ترجمة سمير الحلبي، ط1، (دبي: كلمة للنشر، 2009).

زر الذهاب إلى الأعلى