الإرهاب و التطرفالرئيسيتقدير موقف

الهجمات الإرهابية: الشباب والجهادية في أوروبا

لورينزو فيدينو - سيلفيا كارينزي

عناوين البحث:
المقدمة
الحشد الجهادي في أوروبا: بعض البيانات والأمثلة
اعتقالات وإفشال مخططات وهجمات تنفيذية
المقاتلين الأجانب
أسباب التعبئة الجهادية ودور الشباب
الشباب كتلة الحشد الجهادي
التعبئة الجهادية: ما الدوافع؟
ملاحظات ختامية

 

المقدمة

الحشد الجهادي في أوروبا ليس بالشيء الجديد. يتضمَّن تاريخياً مجموعة من الأنشطة: تقديم الدعم اللوجستي والمالي للجماعات الإرهابية، وتخطيط وتنفيذ الهجمات، والسفر إلى مناطق الحرب للانضمام إلى التنظيمات المتمرّدة والجماعات الإرهابية. أنشأت على سبيل المثال، خلال التسعينيات، مجموعات مثل الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية (GIA) والجماعة الإسلامية المصرية والجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة (LIFG) شبكة من المؤيِّدين عبر البلدان الأوروبية. وبالمثل، انضم على مدى العقود الماضية، متشدّدون أوروبيون إلى الجماعات الجهادية في أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق والصومال.
ومع ذلك، شهدت التعبئة الجهادية زيادة حادّة في السنوات الأخيرة – خاصّة بعد اندلاع الصراع السوري، في عام 2011، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي أعلن الخلافة في 29 يونيو/حزيران 2014.
من ناحية، فإن عدد المقاتلين الأجانب المتجهين إلى سوريا والعراق غير مسبوق، سواء من منظور أوروبي أو عالمي. علاوة على ذلك، شهدت الهجمات الجهادية في أوروبا – التي تتبع نمطًا دورياً بشكلٍ عام، بالتناوب فترات هادئة نسبياً وفترات أكثر عنفاً – ارتفاعاً حاداً. ستوضح هذه المساهمة بإيجاز التعبئة الجهادية التي أثرت على الدول الأوروبية خلال السنوات القليلة الماضية. في القسم الأول، سيتم تفصيل البيانات المتعلقة بالاعتقالات المرتبطة بالجهادية، والهجمات التي تمّ إحباطها وتنفيذها، والمقاتلين الأجانب. في الجزء الثاني، ستعرض المساهمة قضية تورُّط الشباب في الإرهاب الجهادي، وتقديم بيانات وأمثلة. سيقدّم القسم الثالث لمحة عامة عن أسباب التعبئة الجهادية، مع التركيز بشكلٍ خاص على الشباب. أخيراً، ستؤدّي بعض الملاحظات النهائية إلى إغلاق المقال.

الحشد الجهادي في أوروبا: بعض البيانات والأمثلة
لتقييم التعبئة الجهادية عبر الدول الأوروبية في السنوات الأخيرة – أي حجم الأنشطة الجهادية التي يتم تنفيذها في المنطقة – يمكن أخذ عناصر مختلفة في الاعتبار. يتم توفير بعض المؤشّرات المفيدة من خلال البيانات المتعلّقة بالاعتقالات والهجمات التي تمَّ إحباطها وتنفيذها والمقاتلين الأجانب.

الاعتقالات والمؤامرات الفاشلة والهجمات المنفذة في المجموع
اعتُقِل على مدار الأعوام 2012-2016، 2175 مشتبهاً بهم في دول الاتحاد الأوروبي لارتكابهم جرائم تتعلق بالإرهاب الجهادي. ويمثل هذا أكثر من ضعف رقم الفترة 2006-2011، مع 1056 معتقلاً.
ارتفع عدد الاعتقالات بشكلٍ حاد على وجه الخصوص بعد عام 2012: تم القبض على 159 شخصاً فقط بتهمة الإرهاب الجهادي في عام 2012، بينما وصل هذا الرقم إلى 718 شخصاً في عام 2016. ومع ذلك، حدث الجزء الأكبر من هذا الارتفاع في السنوات 2013-2015، في حين كان التفاوت بين 2015 و 2016 أقل وضوحاً (687 اعتقالاً مقابل 718 اعتقالات، على التوالي). جزء كبير من تلك الاعتقالات- أكثر من النصف – حدث في فرنسا: تم القبض على 429 مشتبه بهم في عام 2016، و 1228 إجمالاً على مدار الأعوام 2012-2016. كما حدث عدد كبير من الاعتقالات في بلجيكا أيضاً.
وبالمثل ، شهدت الدول الأوروبية زيادة في عدد الاعتداءات الجهادية التي استهدفتهم خاصة بعد 2014. تمّ تنفيذ 46 هجمة إرهابية مستوحاة من الفكر الجهادي بين عامي 2014 و 2017 – جميعها تقريباً بين 2015-2017: 20 هجوماً في عام 2017، و 14 في عام 2016، و 10 في عام 2015. لوضع الأمور في نصابها الصحيح، يجب التأكيد على أنه بين عامي 2008 و 2013، تمَّ تنفيذ 14 هجوماً في أوروبا. فيما يتعلق بموجة 2014-2017، كانت الدولة الأكثر تضرُّراً هي فرنسا – التي شهدت 23 هجوماً على أراضيها منذ عام 2014 – تليها المملكة المتحدة وألمانيا (سبع هجمات في كلتا الحالتين) وبلجيكا (أربعة هجمات) والنمسا والدنمارك وفنلندا وإسبانيا والسويد (هجوم واحد لكل منهما). وأسفرت العمليات الإرهابية عن مقتل ما يقرب من 350 ضحية وأكثر من 2000 جريح. تمَّ بالتوازي مع الهجمات التي تم إطلاقها، إحباط عدد كبير من المؤامرات من قبل السلطات: على سبيل المثال، تمّ خلال الفترة 2014-2016، إحباط 24 مؤامرة جهادية موثقة جيداً (وعدد أكبر من الخطط الغامضة).
من بين المؤامرات الرئيسية التي تمّ إحباطها، كانت هناك خطّة إرهابية تصوّرتها ما يسمّى بـ “خلية فيرفيرز”، والتي تم تفكيكها في بلجيكا في كانون الثاني/يناير 2015. ومن الواضح أنها انطوت على استخدام مادة تراكسيد الجينول والأسلحة شبه الآلية. على الرغم من أن الهدف المقصود لم يكن واضحاً، يبدو أن مطار زافينتيم في بروكسل كان خياراً. وبحسب ما ورد كان العقل المدبِّر من قبل عبد الحميد أباعود- وهو ناشط بلجيكي وشخصية رئيسية في فرع العمليات الخارجية لتنظيم الدولة الإسلامية (الأمن الخارجي)، والذي شارك في هجمات تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس. ومن الأمثلة البارزة الأخرى مؤامرة قنبلة الريفيرا، التي أُحبِطَت في شباط/فبراير 2014 في منطقة كوت دازور، فرنسا. يُزعم أن المشتبه به، إبراهيم بودينا، قد تدرَّب مع داعش في سوريا، وربما فكّر في استهداف احتفالات كرنفال نيس. وبدا أيضاً أنه قد أأُرسِلَ إلى فرنسا من قبل داعش.
فيما يتعلق بالهجمات التي أُطلِقَت في 2014-2017، فإن معظمها (39 من أصل 46 هجمة، أي ما يقرب من 85٪) نفذتها جهات فردية. في حين أن الروابط بين الجناة وأعضاء تنظيم الدولة الإسلامية كانت ضعيفة إلى حدٍ ما في معظم الحالات، إلا أنه يمكن رصد تنسيق أكبر في حالات قليلة. كانت حادثة إطلاق النار في أيّار/مايو 2014 على المتحف اليهودي في بروكسل مثال توضيحي: كان يُعتقد في البداية أن مهدي نموش تصرّف بمفرده. ومع ذلك، كشفت التحقيقات الإضافية أنه سافر إلى سوريا وكان هناك أعيد إلى فرنسا من قبل داعش. بالمقابل، لا يبدو أن محمد لحويج بوهليل – الذي قتل 86 شخصاً في هجوم نيس في تموز/يوليو 2016 – على صلة بعناصر تنظيم الدولة الإسلامية، على الأقل وفقاً للمعلومات التي تمَّ الكشف عنها حتى الآن. هناك ارتباط آخر ظهر في هجمات السنوات الأخيرة وهو “التخطيط الافتراضي”، حيث ساعد مقاتلو داعش الجهاديين المحتمَلين خارج سوريا والعراق في التحضير للهجمات وارتكابها، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومنصّات الرسائل المشفرة عبر الإنترنت. هذا بالضبط ما حدث في هجمات كنيسة فورتسبورغ وأنسباخ ونورماندي، التي نُفِّذت جميعها في يوليو/تموز 2016.
فقط في سبع حالات من أصل 46 (أي ما يقرب من 15 ٪ من مجموع الهجمات 2014-2017)، كانت المجموعة مكوَّنة من اثنين أو أكثر من الجهات الفاعلة المشاركة جسدياً في عمل إرهابي. ومع ذلك، فإن عدد المؤامرات التي أُحبِطَت والتي تضم مجموعة من المسلحين كانت أعلى. ربما يرجع ذلك إلى حقيقة أن مؤامرات الفاعل الفردي أقل احتمالاً أن تكتشفها السُلطات، على عكس الخطط القائمة على المجموعة. تتضمّن مجموعة الهجمات (الضيقة جداً) التي قادتها الجماعات في 2014-2017 هجمات باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وهجمات بروكسل في آذار/مارس 2016، و- مؤخّراً- هجمات كاتالونيا في آب/أغسطس 2017.

المقاتلون الأجانب
ظاهرة أخرى تعكس الحشد الجهادي بعد عام 2011 هي تدفق المقاتلين الأجانب المتّجهين إلى سوريا والعراق. ربما انضم على المستوى العالمي، ما يصل إلى 40.000 فرد إلى الجماعات المتمرّدة في المنطقة السورية العراقية. رقم غير مسبوق بالفعل – وهذا ينطبق أيضاً على الدول الأوروبية، وإن كان على نطاق أصغر. في الواقع، يُقدَّر أن ما يصل إلى 5000 مقاتل أجنبي ينحدرون من دول الاتحاد الأوروبي. تمّ تجنيد الجزء الأكبر من هؤلاء المقاتلين الأجانب أو دعمهم في الجماعات المتطرّفة، وخاصّة تنظيم الدولة الإسلامية – ولهذا السبب نشير إلى مثل هذه الشخصيات لاستنتاج حجم التعبئة الجهادية.
أثرت مغادرة المقاتلين الأجانب على الدول الأوروبية بطريقة غير متكافئة. شهدت فرنسا من حيث القيمة المطلقة، أكبر عدد من “المسافرين” (ما يقرب من 2000)، تليها ألمانيا (أكثر من 900) والمملكة المتحدة (850) وبلجيكا (حوالي 480). تحتل بلجيكا من الناحية النسبية – أي بالمقارنة مع عدد سكان كل بلد، المرتبة الأولى (مع 42 مقاتلاً أجنبياً لكل مليون نسمة)، تليها النمسا والسويد (34 و 31 مقاتلاً أجنبياً لكل مليون نسمة، على التوالي).
بدلاً من ذلك، تنتج دول جنوب أوروبا مثل إسبانيا وإيطاليا منافسة متواضعة، من حيث القيمة المطلقة والنسبية: 204 و 129 مقاتلاً أجنبياً، على التوالي، وهو ما يعني أربعة و “مسافرين” لكل مليون شخص. عدد المقاتلين الأجانب أقل في دول أوروبا الشرقية: شهدت إستونيا ولاتفيا على سبيل المثال، اعتباراً من نيسان/أبريل 2016، رحيل شخصين فقط لكل منهما.
يتعلق الخوف المشترك المتعلِّق بالمقاتلين الأجانب بما يسمّى “تأثير الارتداد” – أي خطر عودة عدد من المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية لشنّ هجوم إرهابي. تمَّ تسليط الضوء على هذا التهديد من قبل اليوروبول في وقت مبكر من عام 2012: قد يستفيد المجاهدون من التدريب والخبرة والمعرفة والاتصالات المكتسبَة في الجبهة لشنّ هجمات داخل أوطانهم. هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة: شارك الجهاديون القدامى ​​في السنوات الأخيرة، في هجمات مختلفة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك هجمات تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس وهجمات بروكسل في آذار/مارس 2016. مثال آخر يقدّمه رشيد رضوان، أحد مهاجِمي جسر لندن في حزيران/يونيو 2017، والذي قيل أنه قاتل في ليبيا. قد يشارك العائدون أيضاً في أنشِطة مساعدة – لوجستياً و/اًو مالياً لمساعدة الخلايا الأخرى، بالإضافة إلى العمل “كعملاء متطرّفين” تجاه الأعضاء الآخرين في مجتمعهم. علاوة على ذلك، تكبَّد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” خسائر فادحة في الأراضي خلال العام الماضي، مع خطر عودة عدد متزايد من المقاتلين الجهاديين وأنصارهم إلى بلدانهم الأصلية. في الواقع، عاد 30٪ من المقاتلين الأوروبيين الأجانب بالفعل إلى بلدانهم الأصلية. ومع ذلك، هناك عوامل مختلفة تخفّف من هذا النوع من التهديد. في المقام الأول، سيكون من المضلِّل مساواة القتال في الخارج بتنفيذ هجمات إرهابية في الداخل. لن يعود جميع المقاتلين الأجانب إلى ديارهم، و حتى العائدين قد لا يقصدون استهداف بلدانهم الأصلية. كما هو موضَّح في دراسة قام بها توماس هيجهامر Thomas Hegghammer- التي تركّز على موجات من المقاتلين الأجانب الغربيين من 1990 إلى 2010 – عاد واحد فقط من كل تسعة لتنفيذ هجوم في بلدهم الأصلي. في الفترة 2014-2017، كان 15 من أصل 66 مرتكِباً (23٪) من الجهاديين القدامى.

أسباب التعبئة الجهادية ودور الشباب
الشباب كتلة الحشد الجهادي
على الرغم من عدم وجود ملف جهادي مشترك – مع وجود اختلافات كبيرة في المتغيِّرات الاجتماعية والديموغرافية مثل العمر والجنس والتعليم والظروف الاقتصادية – إلا أنه يمكن تحديد بعض الأنماط المتكرِّرة، أحدها السن الصغير نسبياً للمهاجمين الجهاديين والمقاتلين الأجانب . يتبيَّن عند تحليل الهجمات التي نُفِّذت في دول أوروبية بين عامي 2014 و 2017، أن متوسّط عمر الجناة يبلغ حوالي 27.5 عاماً. أي العمر الأكثر تكراراً، هو 29، بينما الوسط، أي القيمة “المركزية”، هو 27، علاوة على ذلك، كان أصغر المهاجمين يبلغ من العمر 15 عاماً وقت وقوع العمل الإرهابي، بينما كان أكبرهم سناً يبلغ 54 عاماً. وبالفعل، كان ستة فقط من بين 66 منفذاً (يمثلون 9٪) دون السن القانونية وقت الهجوم، 20 فرداً (30٪) كانوا في الفئة العمرية 18-24 عامًاً، 20 (30٪) كانوا في الفئة 25-30، وأخيراً، 18 (27٪) كانوا فوق 30 سنة.
يمكن ملاحظة جانبين (متعارضين). لسبب واحد، يمثل الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 30 عاماً أو أقل الغالبية العظمى (ما يقرب من 70 ٪) من الجناة في أوروبا في السنوات الأربع الماضية. على سبيل المثال، كان الجهاديون الذين نفّذوا هجمات كتالونيا في آب/أغسطس 2017، تحت سن 25 عاماً، وكان أحدهم، موسى أكبير، دون السن القانونية في ذلك الوقت. وبالمثل، كان عادل كرميش وعبدالملك بيتيجين، اللذين نفذا هجوم تمّوز/يوليو 2016 على كنيسة نورماندي، يبلغان من العمر 19 عاماً. والأكثر إثارة للدهشة هو حالة يوسف ك، المراهق البالغ من العمر 15 عاماً والذي هاجم في كانون الثاني/يناير 2016 مدرّساً يهودياً في مرسيليا مستخدماً منجلاً. يبدو أن هذه الحوادث تتفق مع نمط أكّدته بالفعل وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية على حدٍ سواء – أي العدد المتزايد من الشباب الجهاديين المحتمَلين. ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه لا يصح دائماً، وقد يتناقض في بعض الحالات. يكفي القول إن نسبة المهاجمين فوق 30 – 27٪ – بعيدة كل البعد عن كونها مهمَلة. في حالتين – هجوم وستمنستر في آذار/مارس 2017 وطعن لينز في حزيران/يونيو 2017 – كان المهاجمون في الخمسينيات من العمر. ناهيك عن أن متوسِّط ​​عُمر الجُناة الأوروبيين (27.5 سنة)، رغم أنهم أقل من 30 عامًاً، ليس صغاراً بشكل استثنائي.
يمكِن الإدلاء بتصريحات مماثلة فيما يتعلّق بالمقاتلين الأجانب من الدول الأوروبية. المجموعة الأوروبية متنوِّعة للغاية – لذا فإن التعميمات لن تكون مناسبة – ولكن من الممكن تحديد بعض أنماط العمر المتكرّرة. في هذه الحالة أيضاً، فإن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 ومنتصف العشرينات من العمر (في وقت مغادرتهم) ممثلون تمثيلًا زائداً، مع وجود اختلافات بين البلدان. في عدد قليل من دول أوروبا الشرقية والجنوبية، يميل المقاتلون الأجانب إلى أن يكونوا أكبر سناً. على سبيل المثال، تُظهر إيطاليا – التي يبلغ معظم “مغادريها” (47٪) 30 عاماً أو أقل – أيضاً نسبة كبيرة من الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 30 عاماً (40٪).

التعبئة الجهادية: ما الدوافع؟
السؤال النهائي عن “لماذا” الأفراد (خاصّة صغار السن) الذين انخرطوا في أنشطة مرتبطة بالجهادية – سواء كان ذلك في شكل التحضير لهجمات في الداخل أو الانضمام إلى مجموعات في الخارج – أزعج صانعي السياسات والأجهزة الأمنية والعلماء والآراء العامّة على حدٍ سواء. يرجع السبب في ذلك إلى أن الطريق نحو التعبئة، الذي ينطوي على عملية تطرُّف، معقد ومتنوّع ، ويقع على مفترق طرق بين العوامل الشخصية والدوافع الهيكلية، الناشئة من بيئة مواتية. وبالتالي ، فإن التفسيرات الأحادية السبب، في أحسن الأحوال، غير كافية – إن لم تكن مضلِّلة – عند محاولة فهم التطرُّف وحشد المتعاطفين مع الجهاديين. قد يتطلّب التحليل الشامل للقضية مساحة أكبر بكثير، خارج نطاق هذه المقالة. سوف نقدّم هنا الفرضيات الرئيسية فقط.
يمكن تقسيم الدوافع المحتمَلة وراء مسارات الجهاديين للتطرُّف والتعبئة تقريباً إلى مجموعتين: العوامل الفردية والمتعلقة بالسياق. تُعد العوامل الاجتماعية والاقتصادية من بين الدوافع ذات الصلة بالفرد، من أكثر التفسيرات تكراراً. تتعلّق هذه الفرضية بتهميش المجتمعات المسلِمة (وهذا يعني الافتقار إلى الاندماج وقلّة الوصول إلى التعليم والوظائف والفرص، ولكن أيضاً الشعور العام بالحرمان) كعامل رئيسي في جذر التطرُّف. في هذا الصدد، هناك بعض النقاط التي تستحق التركيز عليها. في البداية، من الضروري عند تحليل تطرُّف الجهاديين وتجنيدهم في أوروبا، تكريس الانتباه للظروف الاجتماعية: الفشل في القيام بذلك يعني فقدان جزء (مهم) من اللغز. ومع ذلك، فإن التركيز فقط على هذا الجانب يخاطر بتقديم صورة غير كاملة أيضاً، كما سنرى، يجب أن تؤخَذ في الاعتبار العناصر الحاسمة الأخرى. لا يمكن تفسير كل حادثة إرهابية بفرضية الفقر والتطرُّف. ثانياً، ثبت أن وجود صلة مباشرة وصريحة بين الحرمان والتطرُّف غير مؤكَّد، مع تباين كبير عبر المناطق الجغرافية. في حالة أوروبا – كما يلاحظ هيجهامّر – في حين أنه من الصحيح أن الجهاديين، في المتوسِّط ​، يميلون إلى أن يكونوا ضعيفي الأداء اقتصادياً، فإن الارتباط لا يرقى إلى مرتبة السببية. السؤال الحقيقي يتعلّق بمدى هذه العلاقة السببية وتفاعلها مع العوامل الأخرى.
تمّ التأكيد على أنواع أخرى من العوامل المتعلّقة بالفرد، بما في ذلك الإحباطات الشخصية التي يعاني منها الأشخاص في وقت ما من حياتهم، وغالباً ما يكونون صغاراً. ومن المثير للاهتمام أن أوليفر روي اقترح تفسيراً بديلاً يركِّز على الشباب، وخاصّة المسلمين من الجيل الثاني. من وجهة نظره، من المنطقي التحدُّث عن “أسلمة التطرف”: بعض هؤلاء الشباب – الذين يشعرون بالغربة في المجتمعات الغربية، وفي نفس الوقت يختبرون تمرُّداً بين الأجيال ضد عائلاتهم – يؤطِّرون هذا الشعور بالتمرُّد والعدمية بمصطلحات جهادية. وهكذا، يؤكّد روي، أن القضية الحقيقية هي أن هؤلاء الأفراد يبحثون عن سبب متطرِّف لاحتضانهم، بينما يتغاضون عن البُعد الديني المناسب.
بالإشارة إلى الدوافع ذات الصلة بالسياق، دفعت مجموعة متنوّعة من عوامل الجذب تعبئة المقاتلين الأجانب الأوروبيين نحو سوريا والعراق. ربما كان أبرز محفِّزين هما اندلاع الصراع السوري في عام 2011 (والعنف الذي تلاه)، وكذلك إعلان الخلافة من قبل داعش في 29 حزيران/يونيو 2014. في الواقع، كان الدافع وراء العديد من المسلّحين هو محاربة نظام الأسد والدفاع عن المسلمين المحلّيين، الذين يُعتبرون تحت الحصار. بعد الإعلان عن إقامة “الخلافة”، ظهرت دوافع (شخصية) أخرى: الرواية الملحمية التي رعاها تنظيم الدولة الإسلامية وأعضائه، المغامرة والرغبة في التهرُّب من الواقع، حِرص المتعاطفين مع الجهاديين على العيش في سياق – اعتقدوا – أنه تمّ فيه تنفيذ التعاليم الإسلامية بصرامة. علاوة على ذلك، كان من السهل نسبياً الوصول إلى المنطقة السورية العراقية لفترة زمنية طويلة.
أخيراً، يجب معالجة متغيِّر آخر مرتبط بالسياق: مراكز التطرُّف وكيف تؤثر على تعبئة الجهادية، ليس فقط من حيث مغادرة المقاتلين الأجانب، ولكن أيضاً من حيث إعداد الهجمات. يمكن أن يكمل نموذج المدار تفسيرات أخرى، حيث يقدّم تفسيرا للتناقضات الجغرافية – على السطح – يبدو أبعد من الفهم. في الواقع، فإن شدّة الأنشطة الجهادية لا تختلف فقط عبر البلدان، ولكن حتى داخل بلد معيَّن. قد تبرز بلدة معيَّنة، على سبيل المثال، لعدد كبير بشكلٍ غير عادي من المتعاطِفين والمسلّحين الجهاديين – على الرغم من تقاسُم المؤشّرات الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية متطابقة تقريباً مع البلدات والمدن القريبة. في هذه الحالة، قد تكون ديناميات المحاوِر جيدة في العمل. لماذا وكيف تظهر هذه المجموعات وتصلب أكثر صعوبة للتأكد – عادة بسبب تفاعل العوامل المتنوِّعة.
من بينها، هناك وجود “وكيل متطرِّف” (مثل كاريزمية الداعية أو الجهادي المخضرَم)، وتلعب أيضاً صلات القرابة والصداقة دوراً كبيراً.
تُخبِر هجمات كاتالونيا في آب/أغسطس 2017: أنَّ الإمام عبد الباقي الساتي، الأكبر سناً ودراية بالجهاد بين المتآمرين الآخرين، والبيئة الاجتماعية كانا كوكيل متطرّف، في حين أن العلاقات الموجودة مسبقا بين الأعضاء الآخرين سوف تفعل الباقي. قد يوفر الشرط الخاص لمنطقة معيَّنة في حالات أخرى، (ارتفاع معدّل الجريمة والإقصاء الاجتماعي وما إلى ذلك) بيئة مواتية لارتفاع الجهادية. في بعض الحالات، قد تشارك الصدفة أيضاً. حالة ليونيل Lunel، وهي بلدة فرنسية هي موطن لأقل من 30 ألف شخص، أنتجت حوالي عشرين من المقاتلين الأجانب، هي توضيحية في هذا الصدد.

ملاحظات ختامية
هدفت هذه المساهمة الموجزة إلى تحديد تطوُّر الأنشطة الجهادية في أوروبا في السنوات الأخيرة. كما رأينا سابقاً، كان اندلاع الصراع السوري وصعود تنظيم الدولة الإسلامية بمثابة تصاعد في التعبئة المحلية – وهي حقيقة تنعكس في العدد الهائل من الاعتقالات والمؤامرات التي أُحبِطَت والهجمات التي تم إطلاقها وتدفق المقاتلين الأجانب. مع ذلك، ضربت التعبئة الجهادية الدول الأوروبية بشكلٍ غير متساو. كانت الدولة الأكثر تضرُّراً – فيما يتعلق بالاعتقالات والهجمات ورحيل المقاتلين الأجانب على حدٍ سواء هي فرنسا. وقد تأثرت دول مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وبلجيكا أيضاً بشكلٍ كبير بهذه الظاهرة. ومع ذلك، شهدت دول أخرى – أولاً وقبل كل شيء دول أوروبا الشرقية – درجة منخفضة من التعبئة.
إن فهم المحفِّزات الدقيقة التي تنشّط التطرُّف والتعبئة ليس بالمهمة السهلة. في الواقع، هناك عدد كبير من العوامل، تظهر في هذه المعادلة المعقّدة، الأسباب الشخصية والفردية والأسباب الهيكلية، الناشئة من بيئة تمكينية. يمكن القول إن التقلُّبات والعنف في المشرق وصعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” هما عاملان مرتبطان بالسياق. فيما يتعلق بالدوافع المتعلقة بالأفراد، تصبح الصورة معقدة بشكلٍ متزايد، وهو ما يعني أيضاً المزيد من الأسباب الذاتية (الإحباطات الشخصية، على سبيل المثال) المرتبطة بأحداث حياتية محدَّدة جداً يمر بها الأفراد الفرديون عادةً ما يُشار إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية على أنها عوامل محفِّزة محتملة. أوليفر روي، إذاً، يؤطّر تطرُّف الشباب المحرومين على أنه تمرُّد للأجيال و “أسلمة التطرُّف”. أخيراً، قد يساعد الحديث عن “المحاور الجهادية” في تفسير التركيزات الفردية للجهاديين في منطقة جغرافية معينة.
للأسف، غالباً ما يتم تصوير الجدل حول الجهاد في أوروبا بطريقة مبسطة، مع نهج ثنائي. من ناحية أخرى، تمّ تقديم التبسيط المفرِط والتفسيرات ذات السبب الواحد – ولكن على هذا النحو، لا يمكنهم التقاط تعقيد الظاهرة، وينتهي بهم الأمر إلى تقديم صورة معيبة. من ناحية أخرى، تمَّ التعامل مع الفرضيات المختلفة على أنها تفسيرات متبادَلة – ولكن هذا ليس هو الحال دائماً. قد يكون من المفيد في المستقبل، استكشاف التقاطعات بين النماذج التفسيرية المختلفة. إذا كان صحيحاً أن عدداً من الجهاديين الأوروبيين يعانون من التهميش الاجتماعي والاقتصادي، فعند أي ظروف قد يؤدّي الفقر والإقصاء إلى التطرُّف؟ وفي ظل هذه الظروف، هل يمكن لعوامل أخرى (مثل وجود عوامل التطرُّف) تنشيط عملية التطرُّف؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف؟ تتطلَّب الإجابة عن هذه الأسئلة بناء إطار تفسيري أكثر شمولاً ومتعدِّد الأبعاد، وهذا شرط أساسي لفهم أفضل للظواهر غير المتشابكة التي تتمثل في التطرُّف والتعبئة.

*ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري

*لورينزو فيدينو
مدير برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن بواشنطن العاصمة.
*سيلفيا كارينزي
مساعد باحث في برنامج التطرّف والارهاب الدولي، المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، ميلانو.

رابط البحث:

https://www.google.com/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=&cad=rja&uact=8&ved=2ahUKEwjy2cKP7tn0AhW3AmMBHf_0By8QFnoECAUQAQ&url=https%3A%2F%2Fwww.iemed.org%2Fwp-content%2Fuploads%2F2021%2F01%2FTerrorist-Attacks.-Youngsters-and-Jihadism-in-Europe.pdf&usg=AOvVaw0LJdGs7xdxdfaUbHHNGd00

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa