الخليجالرئيسيالشرق الأوسطالعالمدراسات وبحوث

العلاقات الإمارتية التركية.. براجماتية المصالح تروض مرحلة ما بعد الصراع

مصطفى أمين عامر

تشكل المرحلة الحالية من العلاقات الإماراتية التركية “نموذجاً” لبراجماتية المصالح التي روضت عشرية كاملة من الصراع، حيث شكل اللقاء النادر بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والشيخ محمد بن زايد نائب ولي عهد دولة الإمارات إعادة صياغة للعلاقات بين القوتين الإقليميتين، واعتبر بمثابة انطلاقة جديدة وإن كانت مختلفة، كما تعد نقطة تحول مفاجئة، بين طرفين كانا على النقيض في صراعات متأججة فى الشرق الأوسط، وبداية لخطوات تقارب وتهدئة بين البلدين تعني عملياً ترحيل الخلافات السياسية من أجل بناء علاقات اقتصادية قائمة على المصلحة بين البلدين، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول جذور الخلافات بينهما وأسباب فقدان الثقة بين الدولتين، وما هي المساعي التي قامت بها تركيا لإعادة العلاقات مع الإمارات وما هي معوقات التقارب التي لازالت قائمة ومحفزات التعاون، وكيف نقيم التقارب التركي الإماراتي فى ميزان المكسب والخسارة والانعكاسات الإقليمية لذلك التقارب.

أولاً: جذور الخلاف وأزمة الثقة بين أبو ظبي وأنقرة
مثل الخلاف بين الإمارات وتركيا السمة الرئيسية للعلاقات بينهما على مدار العشر سنوات الماضية، كما كان فقدان الثقة هو العنوان الرئيس لكل محاولات التقارب بين أبو ظبي وأنقرة، وكانت بدايته عقب 30يونيو 2013م وما تبعها من عزل للإخواني محمد مرسي من موقع الرئاسة المصرية، ليبدأ الإعلام الموالي لجماعة الإخوان فى تركيا بمهاحمة الإمارات العربية المتحدة تحت دعوى دعمها لحركة “تمرد” وغيرها من الجماعات التي قادت الدعوات إلى المظاهرات الواسعة التي انتهت بالإطاحة بمرسي، ووقفت الإمارات والسعودية والبحرين بقوة إلى جانب مصر وقدمت لها مساعدات مالية بمليارات الدولارات، وقامت بتصنيف الجماعة كإرهابية ودعمت الموقف المصري ضدها، على الجانب الآخر كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقف إلى جانب الإخوان واستضاف عناصر ومسؤولي جماعة الإخوان المصرية وسمح لهم بفتح قنوات تلفزيونية عديدة على الأراضى التركية لتشن حملات عنيفة على الدولة المصرية والرئيس عبد الفتاح السيسي(1).
وفي شهر يونيو 2016م شهدت تركيا محاولة انقلاب أقحمت فيها الإمارات تحت دعوى مشاركة المسؤول الأمني الفلسطيني السابق محمد دحلان المقيم فى الإمارات في محاولة الانقلاب ليتهم وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو الإمارات “بإيواء إرهابي”، وانضم وزير الداخلية التركي سليمان صويلو إلى الحملة ضد الإمارات متهما إياها بمحاولة النيل من تركيا وإثارة الفوضى والإضطرابات فيها، وقال إن الإمارات تسعى لإثارة البلبلة وزرع الفتنة وإلحاق الضرر ببلاده، وفي عام 2017م قاطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطر، لتدخل تركيا على الخط بيومين بتصديق البرلمان التركي على معاهدة للتعاون العسكري بين قطر وتركيا، كان من بين بنودها إقامة قاعدة عسكرية في قطر ونشر جنود أتراك فيها ،لترد السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقائمة بثلاثة عشر مطلباً لقطر لرفع الحصار المفروض عليها وتطبيع العلاقات معها، كان من بينها تحجيم العلاقات العسكرية مع تركيا وإغلاق قاعدة عسكرية تركية في قطر(2).
وفى ديسمبر 2017م هاجم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان بعد قيامه بإعادة نشر التغريدة التي تتهم فخر الدين باشا الحاكم العثماني للمدينة بين عامي 1916 و1919 بارتكاب جرائم ضد سكانها وسرقة متعلقاتهم قائلا “أنتم أيها المثيرون للشفقة تهينوننا، أين كنتم عندما كان فخر الدين باشا يدافع عن المدينة؟” واعتبر تشويه “البعض” لفخر الدين باشا ودفاع الدولة العثمانية عن المدينة أمرا متعمدا(3).
وفى أغسطس 2020م اندفعت تركيا فى توتير علاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة في اتجاهين الأول بعد اتفاق السلام المبرم بينها وبين إسرائيل عندما هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باستدعاء السفير التركي من الإمارات قائلا أنه “لن يغفر هذا السلوك المنافق”(4)، والثانى عندما توعد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بـ”محاسبة” الإمارات “لما ارتكبته من أعمال ضارة” في ليبيا وسوريا، قائلاً إن “أبو ظبي ارتكبت أعمالا ضارة في ليبيا وسوريا وسنحاسبها في المكان والزمان المناسبين”(5).
وبذلك شكلت تلك التصرفات التركية ورد الفعل الإماراتي عليها على مدار عشرة سنوات ، “أزمة ثقة” حالت دون التواصل الإماراتي– التركي رغم الوساطات الإقليمية، لتدخل العلاقة بينهما فى مرحلة جديدة يمكن اعتبارها جزءا من ضمن عمليات مصالحة إقليمية، تحكمها العديد من المتغيرات الدولية، والتي دفعت كلا الطرفين إلى مراجعة علاقاتها داخل إطار من المصلحة المشتركة.

ثانياً:المساعي التركية لإعادة العلاقات مع الإمارات
لايمكن قراءة المساعي التركية للتقارب مع الإمارات العربية المتحدة بمعزل عن الجهود التركية لتهدئة التوترات مع السعودية ومصر حليفتي الإمارات، بالرغم من أنها لم تثمر هذه الاتصالات عن نتائج تذكر حتى الآن، ولكن يبدو وبعد زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد لأنقرة أن المسار الإماراتي يتحرك بسلاسة وسرعة أكبر وإن هناك اتجاه لدى الطرفين لطي صفحة الماضي والبدء فى صفحات جديدة قائمة على البراجماتية السياسية وتغليب المصالح الاقتصادية.
هذا وقد بدأت المساعي التركية لإعادة العلاقات مع الإمارات فى وقت مبكر من عام 2015م حيث حاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استمالة الجانب الإماراتي نحو المواقف التركية بحديثه عن وجود لقاءات بينهما قائلا “تستمر بعض اللقاءات على مستوى منخفض، ولا توجد أي مشكلة مع شعب الإمارات، إلا أنه لا بد أن نكون حساسين للغاية بخصوص الجمل التي نستخدمها بعضنا مع بعض” ولكنه سرعان ما اعترف بوجود أسباب للتباعد بينهما قائلاً “من الضروري البحث عن أسباب التباعد الذي حدث فجأة وكانت علاقاتنا، حتى الأمس القريب، قوية جداً مع السلطات الإماراتية. وبصفتي رئيساً لتركيا أقول إنه لا بد من إزالة هذه الأسباب في أسرع وقت ممكن” ليشدد على ضرورة الحوار قائلاً “هناك سبب واحد (للتباعد)، وهو الأحداث في مصر، إلا أنه يجب حل ذلك بالطرق الدبلوماسية، وليس بالحديث بعضنا ضد بعض”(6)
وبالرغم من ترحيب أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية بحديث أردوغان، إلا أنه أكد على ضرورة البناء عليها و إن العلاقات الطيبة والإيجابية مع أنقره هي ما تنشده الإمارات، ولكن الأساس هو احترام الشأن العربي، من خلال مبدأي السيادة وعدم التدخل، اللذين يجب أن يحكما تصرفاتنا(7)
وقد حاول الجانب التركي الأستفادة من الرد الإيجابي من الجانب الإماراتى بإرسال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو إلى الإمارات العربية المتحدة فى منتصف 2016م، وجعلها خطوة أولى في اتجاه إعادة الزخم إلى العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الجانبين إلى المستوى الذي كانت عليه قبل يوليو 2013م ، من خلال الاعتراف بالاختلاف الموجود بين وجهتي نظري الطرفين حيال بعض الملفات الخلافية، والعمل على تحييد هذا الخلاف أو تجاوزه، إن لم يستطع الطرفان حله، والتركيز على الجانب المشترك في العلاقة بين البلدين(8).
وفي 18 أغسطس2021م توجه الشيخ طحنون بن زايد إلى تركيا على رأس وفد إماراتي ، حيث التقى بالرئيس رجب طيب إردوغان، في زيارة مهدت للقاء جمع بين إردوغان والشيخ محمد بن زايد واعتبرت بداية لطي صفحة ما وصف بـ “حرب باردة” بين البلدين نتجت عن خلافات استراتيجية وأيديولوجية وتضارب في المصالح(9).
وفي 30 أغسطس 2021م ناقش الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في الإمارات، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال اتصال هاتفي العلاقات الثنائية والسبل الكفيلة بتعزيزها وتطويرها بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين وشعبيهما وتبادل الطرفان خلال الاتصال وجهات النظر بشأن عدد من القضايا والملفات الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، كما شاركت تركيا في معرض إكسبو 2020 دبي ،وفي نوفمبر 2021م قدمت دولة الإمارات مبلغ 36.7 مليون درهم (10 ملايين دولار أميركي) للمساهمة في دعم مراحل إعادة التأهيل لبعض المناطق التركية التي تضررت من حرائق الغابات والفيضانات التي اجتاحتها وذلك تضامنا مع الشعب التركي ومساهمة في توفير الدعم المناسب للتخفيف من حدة التداعيات الإنسانية والأضرار الناجمة عن الفيضانات في شمال البلاد وحرائق الغابات في جنوب غرب تركيا(10).
وفى 24نوفمبر استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية لدى وصوله إلى تركيا في زيارة رسمية تخللها توقيع 12اتفاقية استراتيجية بين البلدين لتشكل تلك الزيارة نقلة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين،وإعلان الإمارات تأسيس صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا(11).

وبذلك نستطيع القول أنه ما كان للمساعي التركية أن تنجح فى إعادة العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، مالم يقابلها مرونة من قبل أبوظبي فى إطار مرحلة جديدة عنوانها الندية وتثبيت ركائز السلام والاستقرار والأمن في المنطقة بعد عشرية شابها فتور متزيد كسرته محاولات جادة من البلدين لإعادة تصفير المشكلات واستعادة العلاقات على أسس من الثقة المتبادلة.

ثالثاً: معوقات التقارب ومحفزات التعاون بين البلدين
بعد عشرية وصفت بالعدائية بين القوتين الإقليميتين تركيا والإمارات تنازع فيها الطرفان حول العديد من مناطق النفوذ بالشرق الأوسط يبدو الآن وكأن جبل الثلج الذى وقف حاجزاً بينهما يتزحزح، ولكن وإن بدا الأمر على أنه بداية لعودة العلاقات الطبيعية بين الطرفين إلا أن الأمر لا يبدو بالسهولة التي تظهرها الزيارات المتبادلة بين الطرفين فى ظل وجود معوقات ربما تحول دون حدوث تقارب كامل ومحفزات ربما أيضا تدفع نحو تعاون نسبي شكلته سياقات إقليمية راهنة.
ففي الوقت الذى تراجعت فيه أسباب الاستقطاب في المنطقة الذي نمت فيه الثورات العربية والثورات المضادة لها، والتي انتهت بسقوط الإسلاميين الذين دعمتهم تركيا، بدأ محفز جديد للتعاون شكله زيادة التوجس الخليجي من إيران، الذي يعززه استنزاف جميع الأطراف في أزمات إقليمية لم تحسم بشكل كامل لأي طرف ولا يبدو أنها مرشحة لذلك فى المستقبل القريب، فضلا عن الاختراقات التي حققتها تركيا في العام 2020م ولا سيما في ليبيا وعلاقتها القوية مع قطر (12).
كما استفادت الإمارات من قوتها الاقتصادية كمحفز لترحيل الخلافات السياسية مع الجانب التركي الذي دفع ثمناً باهظاً لها بنسبة تضخم بلغت 19% وارتفاع غير مسبوق فى تكاليف المعيشة دفعت البنوك الحكومية لبيع 128 مليار دولار من الاحتياطي الأجنبي، لترد الإمارات بدفع الميزان التجارى بينهما نحو الارتفاع لتقفز التجارة بينهما بنسبة 21% فى عام 2020م مقارنة بعام 2019م، وتضخ استثمارات بـ 15 مليار دولار في عشرات الشركات التركية، وتحكم سيطرتها على ميناء ياريمكا في مدينة كوجالي خارج إسطنبول أحد أهم بوابات تركيا البحرية، وتحافظ على مكانتها كأكبر شريك تجاري لأنقرة في المنطقة (13).
كما وثقت الأمارات شراكتها الاقتصادية مع الجانب التركي خلال زيارة محمد بن زايد ولي العهد بعدد من الاتفاقيات الاستراتيجية والتي كان على رأسها تفاهم بين وحدة المعلومات المالية في دولة الإمارات ومجلس التحقيق في الجرائم المالية في تركيا للتعاون وتبادل المعلومات المالية وتعاون بين شركة أبوظبي للموانئ وصندوق الثروة السيادية التركي وتعاون بشأن صندوق رأس المال الاستثماري لشركة أبوظبي القابضة وتعاون بين شركة أبوظبي القابضة وصندوق الثروة السيادية التركي وتعاون بين شركة أبوظبي القابضة ومكتب الاستثمار في تركيا ومذكرات تفاهم هامة بين سوق أبوظبي للأوراق المالية وبورصة إسطنبول ومذكرة تفاهم لتبادل المعلومات في مجال الأعمال المصرفية بين المصرف المركزي في دولة الإمارات والمصرف المركزي في دولة تركيا(14).
وبالرغم من كل تلك المحفزات التي تطغى عليها لغة الاقتصاد والاستثمارات لازالت هناك العديد من المعوقات التي تتجاوز المصالح الاقتصادية وتغيب داخلها تفاصيل الآلية التي سيسير من خلالها الطرفان من أجل حل الخلافات العالقة بينهما، والتي تصاعدت بعد تدخلاتهما الجيواستراتيجية، في ملفات سوريا وليبيا، والعقدة الأكبر وهي دعم تركيا لجماعة “الإخوان المسلمين” والجماعات المتشددة في إطار سعيها لفرض نفوذها في دول المنطقة، والتي كانت الأساس لـ”حالة العداوة والخصومة” التي خرجت إلى العلن قبل سنوات(15).
كما تبقى قضية جماعة الإخوان المسلمين العقدة الأهم فى مسار تحسن العلاقات التركية الإماراتية، باعتبارها حركة أيديولوجية عابرة للحدود تتماشى مع سياسات أنقرة وتؤثر في علاقاتها مع دول الإقليم وترتبط ارتباطًا مباشرا بتفاصيل أي اتفاق بين تركيا ودول جوارها وهو ما يدفع إلى عمق التحالف بين أنقرة والإخوان المسلمين ومدى قدرة تركيا على التخلي عن بعض مصالحها فى مقابل التخلي عن الإخوان أو التخلي عن الإخوان مقابل استثمارات إماراتية بالمليارات(16).
وبذلك تكون معوقات التقارب فى حجم نسبي يقارب محفزات التعاون بين البلدين، فبالرغم من تنوع أوجه التعاون والاتفاق حول الملفات الاقتصادية بين البلدين،لاتزال الخلافات عميقة حول العديد من القضايا السياسية، التي سيشكل تجاوزها خارطة استراتيجية جديدة لأنقرة وتجسيداً عملياً لبراجماتية المصالح التى “تروض”مرحلة مابعد الصراع.

رابعاً: التقارب التركي الإماراتي في ميزان المكسب والخسارة
لايمكن فهم التقارب التركي الإماراتي إلا بوضعه فى ميزان المكسب والخسارة لكلا الطرفين، فتجاوز الخلافات السياسية المتجذرة بين أنقرة وأبوظبي لصالح المصالح الاقتصادية يعتمد على ما سوف تحققه تلك المصالح من مكاسب لهما، وفي حال خسارة الدولتين سينهار التقارب الذي لم يعالج جذوز الأزمة بينهما واكتفى بتنحيتها.
ففى البداية شكلت المتغيرات الدولية الحافز الأكبر للتقارب بين الإمارات وتركيا والذي يأتي على رأسها وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السلطة ثم المصالحة الخليجية التي تمت في مطلع العام الجاري، بالإضافة إلى المتغيرات الإقليمية الأهم، والتي بدأت بإنهاء المقاطعة الخليجية لقطر، وتخفيف التوتر التركي مع بعض دول الخليج لتكون البداية لتحسين العلاقات التركية مع كل من السعودية ومصر والإمارات ، ليدرك على أثرها البلدان أنهما كانا يدفعان ثمنا اقتصاديا للتوترات الجيوسياسية بالمنطقة والتي تنامت فى ظل جائحة كوفيد-19، يضاف إلى ذلك رغبة كليهما فى مراجعة أجنداتها وخلافاتها، ومحاولة حلها أو تلافيها بالطرق الدبلوماسية، حتى وإن سار معدل تحسن العلاقات ببطء(17) .
وفى ميزان المكسب تعد تنحية الخلافات السياسية جانبًا والتركيز على البعد الاقتصادي في تطبيع العلاقات بين البلدين مكسبأ لأنقرة والتي ستدفع إلى تبادل استثماري هائل، حيث تعاني تركيا منذ 2018م من أزمة اقتصادية حادة، رغم مساعي الخروج عبر تنويع الاستراتيجيات التنموية والصناعية التي كان لها دور كبير في تخفيف حدة تداعيات هذا المأزق، لكن الأمور بلغت مستويات من القلق مع تصاعد معدلات التضخم والبطالة وانكماش العديد من القطاعات، هذا بخلاف التراجع الكبير في قيمة العملة المحلية، فضلًا عن جائحة كورونا التي عززت الوضعية الاقتصادية الحرجة وبذلك يكون تحريك الاقتصاد التركي الدافع الأبرز لأنقرة للترحيب بالخطوات التقاربية بين البلدين(18).
وربما يدفع التقارب بين البلدين إلى المزيد من التعاون باعتماد آلية حاكمة كعقد اتفاقيات للتعاون العسكري أو مذكرات تفاهم أو إنشاء مجلس تنسيقي يدعم من تقاربها مع باقى دول الخليج وهو ما يعنى أن تركيا ستفصل ما بين تقاربها من الإمارات وقضايا الخلاف معها جانبًا وتبدأ نوعا من التقارب النوعي الذي في الأغلب سيتزايد تدريجيًا فيما بعد وفقًا لمعادلة المصالح المشتركة بين البلدين هذا التدريج ربما ينتهي بمزيد من التعاون بين البلدين خاصة فى محاربة داعش وتجنب الشأن المصري وملف الإخوان المسلمين في مصر ودعم ثورات الربيع العربي(19).
وبذلك يكون التقارب التركي الإماراتي على محك المكسب والخسارة، ففي حال نجاح تغليب المصالح الاقتصادية على حساب الخلافات السياسية، ستبقى القضايا السياسية عالقة ما لم يتم تفكيكها وفق المتغيرات الدولية والإقليمية، وربما يصل الترابط الاقتصادي بالعلاقات إلى مرحلة تجاوز الخلاف السياسي ووضع التعاون الاقتصادي فى مواجهة أي خلاف وهو الأمر الذى يصعب تحقيقة بين الدولتين على المدى القريب على الأقل.

خامسأ: الانعكاسات الإقليمية للتقارب التركي الإماراتي
يبدو أن الانعكاسات الإقليمية للتقارب التركي الإماراتي ستعد جزءا من المتغيرات المتسارعة التى سيشهدها الشرق الأوسط خلال الفترة القادمة، وسوف تدفع دولاً أخرى إلى إعادة ترتيب أوراقها، وأعادت المياه إلى مجاريها معها واتخاذ خطوات للأمام في سبيل تطبيع علاقات كانت متوترة أو متوقفة خلال العشرية الماضية ويبدو أن مصر والمملكة العربية السعودية على رأس تلك الدول، وإن كان الأمر سيعتمد بشكل أساسي على مدى التجاوب التركي كفاعل رئيس في دفعها للأمام.
فعلى مستوى العلاقات التركية المصرية قد تدفع الإمارات فى اتجاه تسوية الخلاف، إضافة إلى إمكانية التقارب مع قطر، وإدراك تركيا لعودة علاقة الإمارات بالنظام السوري، وذلك قد يشجع تركيا على الاستفادة من الموقف الإماراتي في أداء دور غير مباشر في هذا الملف، أما على مستوى الملف السعودي فيبدو أن تطبيع السعودية لعلاقتها مع تركيا سيكون أبطأ نتيجة حساسية هذا الملف من جهة، والخلاف السعودي الإماراتي من جهة أخرى(20).
وبالنسبة للسياسة الخارجية التركية بعد التقارب مع الإمارت فسوف تندفع إلى المزيد من دبلوماسية اللقاءات، بعدما عانت على مدار سنوات من العزلة الإقليمية والدولية وهو ما أثر على نفوذها في الشرق الأوسط وجعلها في موقف المتهم دائمًا، وأدى لتراجع تأثيرها إقليمياً وبالتالي فإن بوادر التوافق وحل أزماتها الخارجية، سوف يدفعها إلى تقديم التنازلات بهدف فتح قنوات التواصل مع دول الخليج ومصر، والتخلي عن الحشد السياسي والإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين، وتخفيف حدة الخطاب الموجه ضد دول المنطقة (21).
وفي منطقة شرق المتوسط فسوف يشكل التقارب بين أنقرة وابوظبي عملية إعادة ترتيب للأوراق، وسيدفع الإمارات التي تملك استثمارات ضخمة فيها خاصة بعد انضمامها إلى منتدى غاز شرق المتوسط، للتحول إلى “قوة استقرار” لتلك المنطقة وفق منطق “ترحيل الخلافات” مع تركيا التي تحاول السيطرة على موارد الطاقة في ليبيا، بحضور عسكري وسياسي عبر شركاءها من الإسلاميين، وهو ما سوف يمنع التهاب الأوضاع في “منطقة شرق المتوسط”، البحرية وسيعد الجزء الأهم من الانعكاسات الإقليمية للتقارب الإماراتي التركي (22).
وبذلك سيشكل التقارب التركي الإماراتي العديد من الانعكاسات الإقليمية على دول المنطقة،خاصة فى ظل تنامي التأثير السياسي والاقتصادي والامني لكلا الدولتين على مدار العشر سنوات الماضية، وتداخلهما فى العديد من القضايا والملفات الإقليمية الشائكة والتي لازالت لم تحل بشكل كامل.

وختاماً ومن خلال الاستعراض السابق نستطيع الوصول إلى عدد من الاستخلاصات والتي تتمثل فيما يلي:
– لازالت أبوظبي وأنقرة تقفان على طرفي نقيض فى العديد من الملفات الإقليمية والداخلية والإيديولوجية، وإن جذور الخلاف بينهما لا يمكن أن يتم تجاوزها بالمصالح الاقتصادية فقط ولكن يمكن فهم مساعي البلدين لتخفيف التوتر بينهما وتعزيز لغة المصالح فى إطار التحديات والتهديدات التي تشهدها المنطقة.
– إن نظرية الترحيل المؤقت للخلافات ربما تنجح على المدى القريب ولكن على المدى البعيد لا يمكن توثيق العلاقات الإماراتية – التركية وإنجاحها بدون المراجعة الواقعية لأسباب الخلاف والعمل على معالجتها وحلها بشكل جذري.
– يبدو أن المسار الإماراتي يتحرك بسلاسة فى إعادة العلاقة مع تركيا، وماكان للمساعي التركية أن تنجح فى إعادة العلاقات معها، مالم يقابلها مرونة من قبل أبوظبي فى إطار مرحلة جديدة عنوانها الندية وتثبيت ركائز السلام والاستقرار والأمن في المنطقة بعد عشرية شابها فتور متزايد كسرته محاولات جادة من البلدين لإعادة تصفير المشكلات واستعادة العلاقات على أسس من الثقة المتبادلة.
– التقارب النسبي بين المعوقات والمحفزات بين البلدين، يحتاج إلى مزيد التعاون بين أنقرة وأبوظبي فى ظل الخلافات العميقة حول العديد من القضايا السياسية، والتي سيشكل تجاوزها خارطة استراتيجية جديدة لأنقرة وتجسيداً عملياً لبراجماتية المصالح التي “تروض”مرحلة مابعد الصراع.
– سيشكل التقارب التركي الإماراتي العديد من الانعكاسات الإقليمية على دول المنطقة، وسيدفع دولاً أخرى إلى إعادة ترتيب أوراقها، في سبيل تطبيع علاقات كانت متوترة أو متوقفة خلال العشرية الماضية وستكون مصر والمملكة العربية السعودية الجزء الأهم فى تلك الانعكاسات وذلك يتوقف على مدى التجاوب التركي فى تفكيك عقد الأزمات وعلى رأسها التوقف عن دعم التيارات الإسلامية.

*باحث دكتوراه متخصص فى شؤون الجماعات المتطرفة

الهوامش

(1)الإمارات و تركيا: ثلاث محطات بارزة في علاقة البلدين، BBC Arabic،24-11-2021م. الرابط https://www.bbc.com/arabic/middleeast-59406764
(2) الأزمة الاقتصادية تجبر “تركيا والإمارات” على تصفير المشاكل بينهما،alraeesnews،25-11-2021م الرابط https://www.alraeesnews.com/124045
(3)أردوغان يهاجم وزير خارجية الإمارات لنشره تغريدة “مسيئة للعثمانيين”، BBC Arabic، 20-12-2017م. الرابط https://www.bbc.com/arabic/middleeast-42429502
(4) أسباب تدهور العلاقات بين الإمارات وتركيا، RT rabic،27-10-2021م.الرابط https://arabic.rt.com/press/1167691-
(5) وزير الدفاع التركي: سنحاسب الإمارات وعلى مصر أن تكون أكثر حساسية في تصريحاتها، RT rabic،1-8-2020م. الرابط https://arabic.rt.com/middle_east/1140077
(6)أردوغان يدعو لتطوير العلاقات مع الإمارات.. فهل تستجيب أبوظبي؟،الإمارات 71، 12-12-2015م،الرابط  https://www.uae71.com/posts/27002
(7)قرقاش يرحب بتصريحات أردوغان “الإيجابية” حيال الإمارات،عربي21،13-12-2015م. الرابط https://arabi21.com/story/877987
(8)علي حسين باكير ,العلاقات التركية ــ الإماراتية: نقطة التحوُّل والمسار المستقبلي,القبس الدولي,2-5-2016م . الرابط https://alqabas.com/article/22447
(9) طحنون بن زايد: لاعب الفنون القتالية الذي أصبح عراب الدبلوماسية الإماراتية، BBC Arabic،6-12-2021م.الرابط https://www.bbc.com/arabic/middleeast-59555179
(10) الإمارات وتركيا.. نحو علاقات واعدة تخدم استقرار المنطقة، skynewsarabia،23-11-2021م. الرابط https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1481396-
(11)أحمد نصير،حصاد زيارة محمد بن زايد لتركيا.. مباحثات مثمرة واتفاقيات استراتيجية،العين الإخبارية،24-11-2021م. الرابط https://al-ain.com/article/harvest-mohammed-bin-zayed-visit-to-turkey
(12)سعيد الحاج، التقارب مع تركيا.. بين تباطؤ مصر ومسارعة الإمارات،الجزيرة نت،6-12-2021م. الرابط https://www.aljazeera.net/opinions
(13)محمد بن زايد وأردوغان: ماذا يعني لقاؤهما بالنسبة للعلاقات التركية الإماراتية؟,BBC Arabic ،25-11-2021م. الرابط https://www.bbc.com/arabic/inthepress-59411656
(14) أحمد نصير،حصاد زيارة محمد بن زايد لتركيا.. مباحثات مثمرة واتفاقيات استراتيجية،مرجع سابق.
(15)بعد تقارير “الزيارة المرتقبة”.. ما سر التحول الكبير بين تركيا والإمارات؟،الحرة،15-11-2021م. الرابط https://www.alhurra.com/arabic
(16) التقارب التركي الإماراتي؛ تحالف استراتيجي أم اجراء تكتيكي ، وكالة الرأي الدولية للأنباء،29-8-2012م. الرابط https://www.alrai-iq.com/2021/08/29/580080/
(17)وردة عبد الرازق ،تقارب تدريجي: ما هي أبعاد زيارة ولى عهد أبوظبي لتركيا؟،تقدير موقف،مركز رع للدراسات الاستراتيجية،30-11-2021م.الرابط https://rcssegypt.com/8045
(18)عماد عنان ،ابن زايد إلى أنقرة.. عن دوافع التقارب التركي الإماراتي، نون بوست،15-11-2021م. الرابط https://www.noonpost.com/content/42366
(19)يمني سليمان ،التقارب التركي الإماراتي: الأبعاد والدلالات،تقديرموقف،المعهد المصرى للدراسات،29-4-2016م.الرابط عنوان https://eipss-eg.org
(20) التقارب التركي الإماراتي بين المعطيات التكتيكية والتطلعات الاستراتيجية،تقدير موقف،مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات،29-8-2021م. الرابط https://180news.net
(21) زينب مصطفى ،التقارب الإماراتي التركي.. محفزات وتداعيات محتملة، مصر360، 26-8-2021م. الرابط https://masr.masr360.net
(22) عودة التواصل بين تركيا والإمارات.. الضغوط الدافعة وملفات المباحثات، تقدير موقف،قسم البحوث،صحيفة الإستقلال،15-11-2021م. الرابط https://www.alestiklal.net/ar/view/10865/dep-news-1634955369

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa