الرئيسيالشرق الأوسطالعالمدراسات وبحوثسوريا

تعقُّب مصير مقاتلي آسيا الوسطى في سوريا: الباقون والمرحّلون والعائدون والنازحون

نوديربك سولييف

العناوين الداخلية للبحث
الملخّص
مقدّمة
العائدون من ساحة المعارك
تأثير تعبئة المقاتلين الإرهابيين الأجانب

الملخّص
يقدّم هذا المقال مجموعة أوَّلية من النتائج والملاحظات التجريبية حول الوضع الحالي لمقاتليّ آسيا الوسطى في سوريا والعراق، مع التركيز بشكلٍ خاص على مسألة أين وكيف يمكن أن يغادروا ساحة المعركة بعد الانتهاء من أدوارهم القتالية النشِطة. تطوِّر هذه الدراسة بالاعتماد على البيانات التي جُمِعَت حصرياً من المصادر المحلية عبر الإنترنت، وكذلك الأحداث الإقليمية التي تغطّي الموضوع، ملفات تعريف مشتركة للوحدة المعروفة وتحدّد الأنماط العامة في تحرُّكاتها. من أجل المساعدة في التحليل، تمّ تجميع الوحدة بأكملها في أربع فئات متميّزة : الباقون والمرحّلون والعائدون والنازحون. يسمح إطار العمل التصنيفي هذا بدراسة أوثق للخصائص بالإضافة إلى تأثير كل فئة، والتي يمكن استخدامها أيضاً عند النظر إلى مجموعات أخرى من لمقاتلين الإرهابيين الأجانب FTF.

مقدّمة
يمثل المقاتلون الإرهابيون الأجانب (FTFs) اليوم، مصدر قلق أمني للعديد من البلدان والمناطق في العالم، بما في ذلك دول آسيا الوسطى الخمس: كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان.
خاصة بعد سقوط الباغوز- آخر معقل لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا – في آذار/مارس 2019، تزايدت المخاوف بشأن التهديدات المحتملة المرتبطة بالجهاديين (بما في ذلك سكان آسيا الوسطى) الذين قد يغادرون ساحة المعركة السورية إلى بلدانهم الأصلية أو بلد ثالث بعد الانتهاء من تجربتهم كمقاتلين أجانب نشِطين.
وقد لوحظ بالفعل رد فعل من المقاتلين الأجانب في آسيا الوسطى. كان هناك من عام 2016 إلى عام 2020، ارتفاع غير مسبوق في الهجمات الإرهابية التي ارتكبها أو منسوبة إلى مقاتلين من آسيا الوسطى في جميع أنحاء العالم. تضمّنت هذه الهجمات هجوم حزيران/يونيو 2016 على مطار اسطنبول (تركيا)، الهجوم الانتحاري بسيارة مفخخة في آب/أغسطس 2016 على السفارة الصينية في بيشكيك (قرغيزستان)، وإطلاق النار على ملهى ليلي في اسطنبول (تركيا) في كانون الثاني/يناير 2017، شاحنة نيسان//أبريل 2017- هجوم الدهس في ستوكهولم (السويد)، التفجير الانتحاري في نيسان/أبريل 2017 في محطة مترو في سانت بطرسبرغ (روسيا)، هجوم تشرين الأول/أكتوبر 2017 بالدهس في نيويورك (الولايات المتحدة)، هجوم تمّوز/يوليو 2018 بسيارة وسكين في خاتلون (طاجيكستان)، والمؤامرة الإرهابية في نيسان/أبريل 2020 من قبل خلية طاجيكية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية لمهاجمة القواعد العسكرية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في ألمانيا.
مرتكبو الهجمات المذكورة أعلاه كانوا إمّا جهاديين مدرَّبين في سوريا ينتمون إلى داعش (حالات في تركيا) وجماعات مرتبطة بالقاعدة (الأحداث في قيرغيزستان وروسيا) أو أفراد متطرّفين ذاتياً مستوحى من داعش ( في السويد والولايات المتحدة وطاجيكستان).

التعبئة لسوريا والعراق
تشير أحدث التقديرات الرسمية من آسيا الوسطى إلى أن ما يصل إلى 5650 مقاتلاً وعائلاتهم (زوجات وأطفال) من المنطقة ذهبوا إلى سوريا والعراق للانضمام إلى الجماعات الجهادية المختلفة التي تقاتل هناك. التوزيع غير متساو عبر المنطقة، ويرجع ذلك جزئياً إلى اختلاف مستويات التقارير والاختلافات في أنماط وعوامل التطرُّف المحلية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الأطفال المولودين في سوريا والعراق لمواطني آسيا الوسطى قد لا ينعكسوا في العدد الإجمالي. من إجمالي الأعداد المبلغ عنها، ورد أن 2000 هم من رعايا طاجيكستان، 2000 من أوزبكستان، 850 من قيرغيزستان، و 800 من كازاخستان. على الرغم من أن عدداً من تقارير وسائل الإعلام الأجنبية والمنظّمات غير الحكومية الدولية قد أشارت إلى تورُّط مواطنين تركمان في الصراع السوري، إلا أن السلطات التركمانية امتنعت رسمياً عن التصويت في القضايا المتعلّقة بالمقاتلين الإرهابيين الأجانب. فضّلوا التزام الصمت حتى عندما أدلى مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون بادعاء مثير في تشرين الأول/أكتوبر 2013 أن 360 مواطناً تركمانياً ربما كانوا يقاتلون إلى جانب القوّات الجهادية.
بالنظر إلى ضراوة ونطاق الصراع في سوريا والعراق، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن العديد من مقاتلي داعش البالغين قد قُتلوا في ساحة المعركة. وفقاً للسلطات في آسيا الوسطى، قُتل ما لا يقل عن 1633 مقاتلاً (29٪ من المجموع) من المنطقة – 260 كازاخستانياً، 200 قيرغيزي، 1000 طاجيكي، و 173 أوزبكياً – أثناء القتال. يعني عدم وجود بيانات محدثة لبعض البلدان ذات الصلة أن العدد الفعلي لحالات الوفاة قد يكون الآن أعلى من المبلغ عنه. من المستحيل بالطبع تأكيد كل هذه الأرقام بشكل مستقل، لكنها تقدّم فكرة عن حجم المشكلة التي تواجه هذه البلدان.
بعد الانهيار الإقليمي لداعش، تمّ القبض (أو استسلام) على ما لا يقل عن 2220 من وسط آسيا (39 في المائة من الإجمالي المبلغ عنه)، ومعظمهم من النساء والأطفال، ووضِعوا في مرافق الاحتجاز في جميع أنحاء سوريا والعراق.
علاوة على ذلك، هناك عدد كبير من مواطني آسيا الوسطى الذين ما زالوا يشاركون في القتال النشِط، لا سيّما في صفوف كتيبة التوحيد والجهاد ذات الأساس العرقي (KTJ) وكتيبة الإمام البخاري (KIB). وتعمل كلا الكتيبتين وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، تحت مظلة تحالف هيئة تحرير الشام الجهادي المرتبط بالقاعدة، ولدى كل منهما لا يقل عن 720 مقاتلا.
بينما وفقاً للأرقام المذكورة أعلاه، هناك درجة من اليقين فيما يتعلق بنسبة المقاتلين الإرهابيين الأجانب وعائلاتهم الذين ماتوا أو سُجنوا أو ما زالوا يشاركون في القتال الفعلي في سوريا (انظر الجدول 1)، وحجم ومصير وموقع من الذين غادروا منطقة الصراع السوري لا يزالون مجهولين إلى حدٍ كبير. ويرجع ذلك في الغالب إلى الطبيعة السرية لتحرُّكاتهم عبر الحدود، مما يعني أن الإبلاغ عنهم محدود.
الجدول 1: نظرة عامة على الوضع المبلَّغ عنه لمقاتلي آسيا الوسطى في سوريا والعراق.

تُعتبر ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب قديمة، لكن الدراسات المفاهيمية حول المقاتلين الجهاديين الأجانب بدأت تتطوُّر بشكلٍ خاص مع مشاركتهم غير المسبوقة في الصراعين السوري والعراقي. يُجادل سيروين مور، في مقالته بعنوان “الهيئات الأجنبية: النشاط العابر للحدود، والتمرُّد في شمال القوقاز وما بعده” بأن مصطلح “الناشط العابر للحدود” بدلاً من المقاتل الأجنبي يعكس بشكل أفضل الأدوار المختلفة التي يقوم بها الأفراد الأجانب داخل مناطق الصراع. في المقابل، اقترح ديفيد ماليت مصطلح “الجهاديون العابرون للحدود الوطنية”، وعرَّفهم بأنهم “غير مواطِني دول النزاع الذين ينضمون إلى حركات التمرُّد أثناء الصراع الأهلي”.
حاول العلماء والخبراء تقييم شدّة ونطاق التهديدات المحتمَلة من عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب واستراتيجيات الاستجابة المقترحة. خلصت دراسة عام 2015 التي أجراها توماس هيغهامّر وبيتر نيسر، بناءً على مجموعة بيانات عن العائدين من المقاتلين الإرهابيين الأجانب في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا من كانون الثاني/يناير 2011 إلى حزيران/يونيو 2015، إلى أن معدَّل الهجمات من قبل العائدين كان 1 من 360، وهو ما يُشير إلى ارتفاع خطر المؤامرات من قبل الإرهابيين المحلّيين أكثر من العائدين. وجد ديفيد ماليت وراشيل هايز، بعد فحص ملفات 230 من المقاتلين العائدين في الغرب، أنَّ متوسّط الفترة الزمنية بين العودة والمؤامرة أو الاعتقال أقل من ستة أشهر بالنسبة لمعظم العائدين، وبالتالي من المهم تنفيذ تدابير أمنية عاجلة وإعادة التوطين، خلال فترة الستة أشهر الحرجة هذه لمنع المخاطر المحتمَلة بشكل فعّال. وأشار آخرون مثل دانيال بيمان إلى أنَّ عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب قد تؤثر على الآخرين لتطرّفهم.
كانت هناك أيضاً نقاشات حول كيفية التعامل مع المقاتلين الإرهابيين الأجانب وأولئك الذين يَعولونهم والذين انتهى بهم المطاف في مرافق الاحتجاز أو مخيمات اللاجئين في سوريا والعراق. يستكشف مقال بريان جينكينز من عام 2019 إيجابيات وسلبيات الخيارات المختلفة في التعامل مع هؤلاء المعتقلين. حدَّد مقال نشره آدم هوفمان ومارتا فورلان في عام 2020 أربعة خيارات رئيسية للرد على المشكلة وتقييم الآثار المحتمَلة لهذه الخيارات. استكشف عدد من الدراسات حتى الآن، جوانب مختلفة من مشاركة مقاتِلي آسيا الوسطى في النزاعات المسلحة في سوريا والعراق. وقد نظرت نسبة كبيرة من هذه الدراسات في الجماعات المسلحة التي انضم إليها مقاتِلو آسيا الوسطى وأدوارهم وشبكاتهم على الأرض, وكذلك محاولة تقييم المخاطر الأمنية الناجمة عنها. بالإضافة إلى ذلك، هناك نطاق موسَّع من العمل الأكاديمي حول مناهج سياسات دول آسيا الوسطى في التعامل مع مقاتِلي داعش المحتجزين وعائلاتهم، الذين انتهى بهم المطاف في مراكز الاحتجاز السورية والعراقية بعد الهزيمة العسكرية لداعش في آذار/مارس 2019.
ومع ذلك، وبسبب ندرة البيانات، فإن بعض جوانب هذا الموضوع، لا سيّما مسألة عودة المقاتلين من آسيا الوسطى ونقلهم، قد حظيت بتغطية قليلة جداً في الأدبيات الموجودة. كانت المقالة التي نشرها توماس ف. لينش ومجموعة من الباحثين الآخرين في تشرين الأول/أكتوبر 2016 واحدة من أولى المحاولات لتقييم احتمالية خروج الجهاديين في آسيا الوسطى من منطقة الصراع وتداعياتها المحتمَلة على الصعيدين المحلّي والدولي. توصّل هذا المقال إلى بعض الاستنتاجات الأولية من خلال النظر في الحالات الأوَّلية لمثل هذه المغادرة، واقترح أنه مع وجود “أدلّة قليلة على عودة مقاتليّ آسيا الوسطى بأعداد كبيرة” اعتباراً من منتصف عام 2016، كان الخطر “ليس كبيراً”.
يوفر منشور مشترك لمجلة “قضايا روسيا والمبادرة الأمريكية الروسية لمنع الإرهاب النووي”، الذي نُشر في كانون الأول/ديسمبر 2018، تغطية أكثر حداثة وتفصيلاً للمقاتلين العائدين من آسيا الوسطى في أحد أقسامها ذات الصّلة. أشار مؤلفو المقال (إدوارد ليمون، وفيرا ميرونوفا، وويليام توبي) عند تقييم الخطوة التالية للمقاتلين الناجين، إلى طريقة تقييم تتمحور حول المجموعة. تشير هذه الطريقة إلى أن مصير المقاتلين على الأرض يعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على قدرة الجماعات التابعة لهم على البقاء والاستيلاء على الأراضي. بينما يعترف المؤلّفون بأنه كان من الصعب للغاية التنبٌّؤ بدقة بالتحرُّكات المستقبلية للمقاتلين الإرهابيين الأجانب حتى من خلال نهج التقييم المرتكِز على المجموعة، فقد حدَّد المؤلفون ثلاثة مسارات عامة لأولئك الذين تمكّنوا من مغادرة ساحة المعركة: الهجرة إلى مناطق نزاع أخرى (مع كون أفغانستان الوجهة الأكثر احتمالاً)، العودة إلى الوطن، والتي اعتقدوا أنها لا تبدو جذّابة بالنسبة للكثيرين بسبب القيود الأمنية القائمة في بلدانهم الأصلية، أو الانتقال إلى دولة ثالثة للاستقرار السلمي أو مواصلة الأنشطة القتالية. استخدم المؤلفون الثلاثة أيضاً كجزء من البحث النوعي لمعرفة دوافعهم للسفر إلى سوريا والبقاء فيها والخروج منها، البيانات التي تمَّ الحصول عليها من خلال مقابلات مع مقاتلين سابقين. وقد استشهدوا أيضاً ببعض المصادر على الإنترنت باللغة الروسية. ومع ذلك، لا توجد إشارات كثيرة إلى المصادر المحلية في آسيا الوسطى والحالات الفعلية للمقاتلين العائدين كنقاط بيانات.
يعد تقرير أيار/مايو 2021 الصادر عن مركز أبحاث الدراسات الدينية (RCRS) ومقرّه قيرغيزستان و ومركز هداية في الإمارات أحد أحدث الدراسات حول العائدين من المقاتلين الإرهابيين الأجانب في قيرغيزستان. يحتوي التقرير استناداً إلى مقابلات متعمِّقة مع 38 من العائدين من المقاتلين الإرهابيين الأجانب المسجونين، و 20 من أقاربهم، وثماني مقابلات أخرى مع خبراء من مختلف المجالات، على تحليل نوعي جيّد لعوامل وأسباب التطرُّف وتجنيد المواطنين القرغيزيين للقتال في سوريا والعراق والعودة إلى وطنهم. تُجري الدراسة فحصاً تفصيلياً لأسباب عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين تمَّت مقابلتهم وأساليب إزالة التطرُّف التي تطبّقها حكومة قيرغيزستان لإعادة تأهيل المقاتلين الإرهابيين الأجانب السابقين. ومع ذلك، فإنه لا يناقش بأي تفاصيل عملية عودتهم وأسئلة مثل متى وكيف عادوا، ولا عودة الأطفال القرغيز من العراق التي تنظّمها الدولة.
استعرَض كتاب إرلان كارين “العملية: جوسان: قصة إنقاذ وعودة من الدولة الإسلامية” من عام 2020 مقاربات كازاخستان في إعادة مقاتلي داعش الكازاخستانيين المحتجَزين وعائلاتهم من سوريا إلى أوطانهم. يقدِّم الكتاب بالاعتماد على تجربة المؤلف في إجراء مقابلات مع العائدين، رؤى قيِّمة حول دوافع هؤلاء الأفراد للهجرة إلى منطقة الصراع والعودة إلى ديارهم مع تقييم المخاطر المحتمَلة المرتبطة بعودتهم.
أجرَت فيرا ميرونوفا كجزء من البحث الإثنوغرافي لكتابها المعنوَن من مقاتلي الحرية إلى الجهاديين: الموارد البشرية للجماعات المسلحة غير الحكومية، أكثر من 600 مقابلة مع أعضاء من مختلف الجماعات الجهادية، بما في ذلك بعض الأفراد المنتسبين إلى داعش وهيئة تحرير الشام في آسيا الوسطى. يتناول كتابها بالتفصيل الموارد البشرية والمالية، وقضايا القيادة، وإدارة الجهات الفاعلة غير الحكومية، فضلاً عن دوافع المقاتلين للانضمام إلى مجموعات معيَّنة أو تركها. ومع ذلك، لا يوجد الكثير من النقاش حول مصير المقاتلين الإرهابيين الأجانب بعد مغادرة الجماعة.
بينما تتوسَّع هذه المقالة، في نطاق البيانات بأحدث الأدلة التجريبية، تلقي الضوء على الوضع الحالي لمقاتليّ الإرهابيين الأجانب في آسيا الوسطى في سوريا والعراق. يتم إنشاء النتائج إلى حدٍ كبير من مجموعة البيانات التي تم جمعها من قِبل المؤلف من تقارير الصحف المحلية باللغات الروسية والأوزبكية والإنجليزية وكذلك من مناقشات الخبراء في الأحداث التي تغطّي هذا الموضوع. يتضمّن البحث فحصاً شاملاً لوحدة المقاتلين الإرهابيين الأجانب FTF المعروفة بمساعدة إطار عمل تصنيفي يمكن استخدامه أيضاً عند النظر إلى مجموعات FTF أخرى. يرسم هذا المقال بالاعتماد على المعلومات المتاحة، ما حدث لآسيا الوسطى في سوريا والعراق، مع التركيز بشكلٍ خاص على مسألة أين وكيف يمكن أن يغادر سكان آسيا الوسطى ساحة المعركة.

الفئات الأربعة في ساحة المعركة
لغرض هذا التحليل، تمّ تجميع مقاتلي آسيا الوسطى في سوريا والخروج منها في أربع فئات متميزة، الباقون والمرحّلون والعائدون والنازحون.
الفئة الأولى، بالطبع، لم تخرج من ساحة المعركة لكنها توفر خلفية لحساب المقاتلين الذين ما زالوا في سوريا.
تتمثل فكرة هذا الإطار في تصنيف مجموعة المقاتلين الإرهابيين الأجانب لتمكين التحليل الدقيق وتقييم تأثير كل مجموعة. التعريفات هي كما يلي:
الباقون هم من المقاتلين الباقين على قيد الحياة الذين ما زالوا طلقاء في منطقة الصراع ويواصلون القيام بأدوار قتالية نشطة.
المرحّلون إلى الوطن هم أولئك الذين أعيدوا، أو في طور الترحيل، إلى بلدانهم الأصلية من خلال البرامج التي تديرها الحكومة والتي تخرج من السجون ومخيمات النزوح في سوريا والعراق. استخدَمت الدول والمنظّمات الدولية في فترة ما بعد داعش، مصطلح “الإعادة إلى الوطن” على نطاق واسع لوصف مبادرات النقل هذه. لم يتم تسجيل أرقام هؤلاء الأفراد على وجه التحديد في مجموعة البيانات الحالية لأنهم جزء من وحدات وطنية أكبر حجماً يتم الإبلاغ عنها علناً.
العائدون هم من المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين يعودون من منطقة الصراع إلى بلدانهم الأصلية بأنفسهم. يمكن أن تكون العودة المستقلة عامة أو سرية.
النازحون هم المقاتلون الإرهابيون الذين فرّوا من ساحات القتال السورية والعراقية وانتقلوا إلى بلدان ثالثة، أو مناطق نزاع أخرى، بدلاً من العودة إلى بلدانهم الأصلية.
تمَّ استعارة فئتي “العائدين” و”النازحين” من تقرير اتجاهات المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابع للأمم المتحدة، لكن المؤلف الحالي قدَّم لهم تعريفاته الخاصة وفئاته الفرعية. تركّز مجموعة البيانات التي جمعها المؤلِف على هاتين المجموعتين.
أنشأ المؤلف مجموعة بياناته الخاصة بالعائدين والمقاتلين والنازحين باستخدام المعلومات الأصلية التي تم جمعها حصرياً من الصحف والتقارير الإعلامية باللغتين الروسية والأوزبكية. تتضمّن مجموعة البيانات لمحات عن 63 من سكان آسيا الوسطى – 13 كازاخستانياً، و 23 قرغيزاً، و 18 طاجيكياً، وتسعة مواطنين أوزبكيين.
التصنيف بين مجموعات النازحين والعائدين ليس دائماً واضحاً. على سبيل المثال، هناك مقاتلون معروفون بأنهم إرهابيون مشتبه بهم ويخضعون لمذكرة توقيف وطنية أو دولية. غالباً ما يواجِه هؤلاء المقاتلون الاحتجاز عند دخولهم إلى دولة أجنبية (في المطارات أو أي نقطة تفتيش حدودية أخرى) ويتم ترحيلهم بعد ذلك إلى بلدانهم الأصلية. ومع ذلك، فمن غير الواضح في بعض الأحيان ما إذا كانوا يسعون لدخول هذا البلد المعيَّن للإقامة فيه (بشكلٍ مؤقت أو دائم) أو مجرّد العبور في طريق عودتهم إلى الوطن من منطقة الصراع حيث غالباً ما يكون هناك عدم وجود التفاصيل ذات الصّلة في كل من الصحافة و تقارير الشرطة. عندما يكون من المستحيل إثبات النوايا الحقيقية لهؤلاء المقاتلين، فإن هذه المقالة تصنفهم على أنهم نازحين.
وبناءً على هذا المعيار، فإن 28 فرداً (نصفهم تقريباً) يندرجون في فئة العائدين، في حين أن الباقي هم نازحين. نظراً لأن مجموعة البيانات هذه لا تتضمّن سوى أفراد يمكن التعرُّف عليهم، فمن غير المرجَّح أن تمثل النطاق الكامل لحركة المقاتلين الإرهابيين الأجانب في آسيا الوسطى. ومع ذلك، فهي تمكِّن على الأقل من استخلاص بعض النتائج والملاحظات الأوَّلية من حيث أنماط حركة أولئك الذين تركوا ساحة المعركة وراءهم.
يمكِن من خلال دراسة ملفّات تعريف الأفراد المدرجين بالتفصيل، إجراء العديد من الملاحظات.
في وقت اكتشافهم ، كان ثلثا العدد الإجمالي للعائدين والمرحَّلين في الفئة العمرية 27-35 ، على الرغم من أن النطاق العمري الإجمالي يمتد من 21 إلى 45 عاماً. أصغر فرد عُرِضَ في مجموعة البيانات هو المواطن القرغيزي “شيخ”، اعتقِل لدى عودته إلى قيرغيزستان في 25 تموز/يوليو 2018. وكشفت السلطات القيرغيزية أنه أثناء تدرّب أثناء تواجده في سوريا على عمليات انتحارية. على النقيض من ذلك، فإن المقاتل الأكبر هو جولمورود حليموف البالغ من العمر 45 عاماً، العقيد السابق للعمليات الخاصّة في طاجيكستان الذي انشقَّ إلى داعش في أيار/مايو 2015، وقد حلّ محل أبو عمر الشيشاني (الذي قُتل في يوليو/تموز 2016) بصفته “وزير الحرب في الجماعة”. ويُعتقد الآن أن حليموف موجود في أفغانستان.

الباقون
الباقون هم مقاتلون يواصلون البقاء في منطقة الصراع لعدّة أسباب. في سوريا، انضم مواطنو آسيا الوسطى إلى كل من داعش وخصمتها هيئة تحرير الشام، وهي كيان خلَف لجبهة النصرة. وفي حين قُتل العديد من مقاتليّ تنظيم الدولة الإسلامية في آسيا الوسطى أثناء القتال، تمكَّن البعض من البقاء في سوريا، مفرّغين وقتهم لإعادة تنظيم أنفسهم. في المقابل، لا تزال مجموعة أكبر من مقاتليّ آسيا الوسطى الذين تحالفوا مع الجماعات المرتبطة بالقاعدة نشِطة في ساحة المعركة، ويرجع الفضل في ذلك إلى حدٍ كبير إلى الدعم والحماية المقدَّمين من هيئة تحرير الشام.
اعتقد الكثير ممن توجّهوا إلى سوريا والعراق أنهم كانوا في “رحلة في اتجاه واحد” ولم يخطّطوا للعودة. أظهر عدد من مقاطع الفيديو مقاتليّ داعش في آسيا الوسطى وهم يحرقون جوازات سفرهم في تنازل رمزي عن هوياتهم الوطنية السابقة.
هناك أيضاً مقاتلون لديهم دوافع عالية ملتزمون بالقتال حتى النهاية.
في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر 2019 ، أصبح معروفاً أن القوات الكردية تمكّنت من القبض على ثلاثة من مقاتلي داعش سيئيّ السمعة من طاجيكستان بعد قتال طويل في عفرين ودير الزور، وتمّ وضعهم في السجن. وتشتبه السلطات السويدية في أن الرجال الثلاثة، الذين تمّ تحديدهم على أنهم تاج الدين نزاروف (المعروف أيضاً باسم أبو أسامة نوراكي) وكوري أوسمون وأبو أيوب كلوبي، جزء من شبكة هجوم لتنظيم الدولة الإسلامية ومقرّها سوريا والتي دبّرت هجوم شاحنة ستوكهولم عام 2017.
قام بعض مقاتليّ داعش الناجين بتحويل ولائهم إلى مجموعات أو حركات أخرى ذات أهداف مختلفة. على سبيل المثال ، انضم مقاتل من تركمانستان، عرّف عن نفسه باسم “كاكاجان”، إلى جانب مقاتلين تركمان آخرين إلى الجيش السوري الحر بعد فشل محاولاتهم للعودة إلى تركمانستان عبر تركيا في يوليو/تموز 2019.
كانت الجماعات المرتبطة بالقاعدة ناجحة بنفس القدر في جذب مجنّدين من آسيا الوسطى. غالبية هؤلاء المقاتلين هم أعضاء في الوحدات القتالية، المعروفة باسم كتيبة التوحيد والجهاد (KTJ) وكتيبة الإمام البخاري (KIB). أثناء عملهما تحت رعاية هيئة تحرير الشام ، تُعد كتيبة KIB من بين أقوى الفصائل الأجنبية المقاتلة التي شاركت بنشاط في الأعمال العدائية ضد القوّات الحكومية السورية. وكشفت تقارير الأمم المتحدة، التي صدرت على التوالي في تموز/يوليو) 2019 وكانون الثاني/يناير 2020، أن الجماعتين تضم ما لا يقل عن 720 مقاتلاً، غالبيتهم من مواطني قيرغيز وطاجيك وأوزبك. أصبحت محافظة إدلب الشمالية الغربية ملاذاً آمِناً لهؤلاء المقاتلين وعائلاتهم.

المرحّلون (المعادون)
بعد سقوط تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا في آذار/مارس 2019، انتهى الأمر بمجموعة من 13000 إلى 15000 مقاتل أجنبي وعائلاتهم للاعتقال من قِبل قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد. وظلَّ 1400 أجنبي محتجَزين في العراق. وكان من بين هؤلاء المعتقَلين في سوريا والعراق أكثر من 2220 من مواطنيّ آسيا الوسطى، معظمهم من النساء والأطفال.
اتخذت البلدان في آسيا الوسطى، على عكس العديد من الدول الأخرى، موقفاً استباقياً بشكلٍ عام لمعالجة قضية المقاتلين الإرهابيين الأجانب. أعادت أربع دول في آسيا الوسطى – كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان – منذ عام 2019، بشكلٍ منفصل من مناطق النزاع في سوريا والعراق ما مجموعه 1301 مواطناً من بينهم 607 كازاخستان، 531 أوزبكياً، 84 طاجيكاً، و 79 قرغيزاً (انظر الجدول 2).

الجدول رقم 2 أرقام المرحلين (المعادون)

في حالة قيرغيزستان وطاجيكستان، أعادت هاتان الدولتان الأطفال فقط. التزمت السلطات في طاجيكستان علناً بخلاف المجموعات المبلَّغ عنها حتى الآن، بإعادة مجموعة متبقّية من حوالي 600 مواطن طاجيكي لا يزالون يقيمون في سوريا والعراق. لكن وفقاً للسلطات الطاجيكية، أدّى الوضع العسكري على الأرض في سوريا والعراق ووباء COVID-19 إلى تعقيد خطط الإعادة هذه.
اعتمدت أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان نُهجاً مماثلاً في إدارة عمليات العودة إلى الوطن. وقد صاغ كل طرف هذه المبادرات، التي تشارك بشكلٍ رئيسي النساء والأطفال، على أنها “عمليات إنقاذ إنسانية”. سلّطت السلطات الضوء في رسائلها العامة على محنة النساء والأطفال الذين تُرِكوا في طيّ النسيان في المعسكرات المؤقتة المكتظّة ومراكز الاحتجاز في سوريا.
الميول متشابهة تقريباً من حيث التطرُّف النسائي والتجنيد والتعبئة من سوريا وإليها. زعمت نسبة كبيرة من نساء آسيا الوسطى أنهنَّ تعرّضنَّ للخداع من قبل أزواجهن أو غيرهم من أفراد الأسرة الذكور بذرائع كاذبة للسفر إلى منطقة الصراع. في حين أن بعض الشكوك الطبيعية حول هذه الادعاءات لها ما يبرِّرها، وقد سُجِنت بعض النساء عند عودتهن، يبدو أن تجربة نساء آسيا الوسطى اللواتي ذهبن للعيش في سوريا/ العراق كانت مختلفة عن تجربة العديد من النساء من الدول الغربية. وُصِف الأطفال العائدون إلى أوطانهم في وسائل الإعلام والصحافة في آسيا الوسطى، بأنهم ضحايا أبرياء للنزاع، بينما كانت النساء في الغالب يُعتبرن “مضللات”. في المقابل، نظرت العديد من الحكومات الغربية إلى النساء المغادرات من أوروبا كمشاركين نشطين والأطفال أبرياء، وبالتالي سمحت بالعودة الإنسانية إلى الوطن في عدد أقل من الحالات.
يتركّز نهج آسيا الوسطى في إعادة النساء والأطفال إلى الوطن حول مخاوف أمنية استباقية. يمكن أن يكون لانخراط النساء والأطفال في الشبكات الجهادية تأثير بين الأجيال. قد تسعى النساء اللواتي يلتزمن بأيديولوجية داعش إلى تطرُّف أطفالهن وغيرهم. يضمن المجنَّدون الأطفال قابلية تنفيذية وإيديولوجية طويلة المدى للجماعة المسلحة، بالنظر إلى حقيقة أنهم المقاتلون المحتمَلون وقادة الغد. تُعتبر مثل هذه الاعتبارات الأمنية ذات صلة في آسيا الوسطى، بالنظر إلى الاقتراحات بأن الجماعات المرتبطة بالقاعدة في سوريا قد أعربت عن اهتمامها بتولّي ولاية الوصاية على المعتقلين المحتَجزين في سوريا.
خضع الأفراد الذين عادوا إلى الوطن لعملية “تكيُّف” قصيرة، تلقّوا خلالها مساعدة طبّية ونفسية، ودعماً قانونياً ومادياً، واستشارات دينية. عند الانتهاء من مرحلة التكيف القصيرة ، أُرسِلوا الهم إلى مسقط رأسهم للم شملهم مع عائلاتهم ومجتمعاتهم. وكجزء من برامج إعادة الإدماج هذه، استمرّوا في تلقي الدعم الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والاستشارات الدينية.
من ناحية أخرى، واجه الذكور البالغون العائدون إلى أوطانهم بشكل عام الاعتقال الفوري والمحاكمة والسجن. كما تمَّت إدانة بعض العائدات، اللواتي اعتُبِرن تهديداً أمنياً. على سبيل المثال، حُكم في كازاخستان، من بين مجموعة من 55 من العائدين البالغين العائدين، على جميع الرجال الذين أعِيدوا إلى الوطن وعددهم 37 رجلاً و 18 امرأة بالسجن لاحقاً.
من بين الأوزبكيين العائدين، كان هناك رجل مقاتل بالغ ، لكن مصيره بعد وصوله لا يزال مجهولاً. من المحتمَل أن المقاتل الأوزبكي، كما هو الحال في كازاخستان، ربما واجَه عقوبات جنائية. على الرغم من أن النساء العائدات إلى الوطن لم يتم سجنهن في أوزبكستان، إلا أنه تمّ وضع قيود قضائية على حرّيتهن في التنقل لمدّة تصل إلى خمس سنوات، حسب أدوارهن وطول مدة إقامتهنَّ في سوريا. من المتوقَّع أن تستمر في جميع البلدان الثلاثة، عملية إعادة التوطين في المجتمع لسنوات ويتم مراقبتها عن كثب من قبل السلطات المحلية ومسؤولي إنفاذ القانون.

العائدون
يعود المقاتلون الإرهابيون كمحاربين قدامى مدرَّبين على القتال، معتادون على العنف وذوي خبرة في استخدام الأسلحة والمتفجّرات. أخيراً، من المحتمَل أن يكون لديهم شبكة دولية قوية من الاتصالات مع المتشدّدين ذوي التفكير المماثل من جميع أنحاء العالم. كان متوسّط عمر العائدين المحدَّدين في مجموعة بيانات المؤلف 27 سنة.

تسليم العائدين
استسلام العائدين هو فئة من المقاتلين الذين ينسحبون من الأنشطة القتالية ويعودون، أو يسعون إلى العودة، إلى ديارهم طواعية ويسلّمون أنفسهم للسلطات المختصّة. تُشير البيانات المتاحة إلى أن 11 حالة من أصل 28 حالة تمَّ تحديدها تتعلّق بالعودة الطوعية – حالتان في قيرغيزستان، وأربع في كازاخستان، وخمس في طاجيكستان. بينما قضى المقاتلون الإرهابيون التائبون 11 شهراً في المتوسّط في سوريا، كان متوسّط مدّة إقامة العائدين السريين في سوريا أربع سنوات. لقد خدمت تركيا نقطة خروج سهلة من سوريا لكل من عودة المقاتلين من آسيا الوسطى ونقلهم، كما يتّضح من قربها الجغرافي والطرق التي يستخدمها العائدون الآخرون من المقاتلين الإرهابيين الأجانب.
هناك عوامل جذب ودفع تدفع المقاتلين الإرهابيين الأجانب الباقين على قيد الحياة للتخلّي عن القتال والعودة إلى ديارهم. قرَّر بعضهم وفقاً لشهادات المقاتلين المستسلِمين وأفراد عائلاتهم، الفرار من النزاع والعودة بعد أن أصِيبوا بخيبة أمل من الحقائق على الأرض في سوريا. عزيزة أزماميتوفا، مواطنة كازاخستانية عادت من سوريا مع زوجها وابنتها في كانون الثاني/يناير 2014، وصفت حياتها مع جماعة متحالِفة مع القاعدة بأنها “رعب وفوضى!” وقال بوبوجون كارابوييف، وهو مقاتل سابق من طاجيكستان عاد طوعاً إلى الوطن في عام 2016، إنه أدرك “خطأه الجسيم” عندما رأى فظائع داعش ليس فقط ضد أعدائها ولكن أيضًا ضد أعضائها.
تشمل عوامل الجذب المبادرات التي اتخذتها دول المنطقة لتشجيع فك الارتباط الإرهابي والعودة. على سبيل المثال، عرضت كازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان العفو المشروط لأولئك الذين يسعون إلى العودة إلى ديارهم بمحض إرادتهم والتوبة الحقيقية للانضمام إلى الجماعات المسلحة. يعتمد الاختيار للتسامح على عوامل مثل الالتزام والصدق، فضلاً عن تقييم لتاريخهم الإجرامي أثناء ارتباطهم بالجماعات الإرهابية. عاد بحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2018 نتيجة لهذه المبادرة، 163 فرداً تائباً واستسلموا للسلطات في طاجيكستان. عاد اعتباراً من كانون الثاني/يناير 2018، 125 مقاتلاً بالمثل إلى كازاخستان، وسُجِن 57 منهم فيما بعد.
ومن بين العائدين الـ 28 الذين تمَّ تحديدهم، هناك عدد قليل من النساء (7٪) رافقوا أزواجهنَّ إلى سوريا والعراق وعادا من هناك. تتعلّق الحالة الأولى ب عزيزة أزماميتوفا المذكورة أعلاه وزوجها اللذين عادا طواعية إلى الوطن من سوريا مع طفلهما. عند العودة، تمَّ اعتقال زوج عزيزة وسجنه، لكن سُمح لها بالبقاء حرّة. في الحالة الثانية، حصل رجل طاجيكي وزوجته على منزلهما مع طفليهما الصغيرين بعد قضاء عام ونصف في الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، على العفو المشروط من الدولة لأنهما استسلموا طواعية وأقنعوا السلطات بذلك. لقد تابوا بصدق بعد أن سافروا إلى منطقة الصراع ويمكن أن يظهروا بمصداقية أنهم لم يشاركوا في أعمال العنف.

العائدون السرِّيون
يشمل العائدون السريون أولئك الذين عادوا إلى ديارهم لمواصلة الأنشطة المسلّحة، من خلال الترويج للأيديولوجيات الجهادية والتطرُّف وتجنيد أعضاء جدُد، وجمع الأموال، وحتى التخطيط لهجمات إرهابية. في آسيا الوسطى، تمَّ تسجيل معظم حالات العائدين السريين في قيرغيزستان – 15 حالة من إجمالي 17 حالة. والاثنان الآخران هما مواطن كازاخستاني وأوزبكي، وكلاهما مرتبطان بداعش.
تشير البيانات الرسمية إلى أن معظم العائدين السرّيين في قيرغيزستان عادوا بتكليف من الجماعات المرتبطة بهم في سوريا بالتخطيط لهجمات في بلادهم. كشفت السلطات عن الانتماء التنظيمي لعائد سرّي واحد فقط (في هذه الحالة، كان العائد عضواً في “كتائب التوحيد والجهاد” لكنه ترك حالة الانتماء لـ 14 فرداً غير محدَّدين. من المهم أيضاً الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الادّعاء بالعودة للتخطيط لشنِّ هجوم كان عنصراً أساسياً في التهم الجنائية الموجّهة ضد هؤلاء العائدين، إلا أنه غالباً ما صدر كجزء من عملية التحقيق الجنائي قبل المحاكمة. وبالتالي، قد لا يكون هذا الاتهام المحدَّد صحيحاً بالضرورة في كل قضية ذات صلة، ما لم يتم التحقُّق منها بقوّة في محكمة قانونية. ومع ذلك، فإن الأحكام النهائية الصادرة عن المحاكم في هذه القضايا لم تكن متاحة للجمهور.
تشير المقابلات التي أجراها مركز الأبحاث للدراسات الدينية المذكور أعلاه مع مقاتلين من المقاتلين الإرهابيين الأجانب في قيرغيزستان إلى معدّل أقل من المؤامرات من قبل العائدين مما ذكرت وسائل الإعلام، حيث اعترف اثنان فقط من بين 38 سجيناً من المقاتلين الإرهابيين الأجانب بالعودة إلى ديارهم بنيّة تنفيذ هجمات. قال كلاهما إنهما كانا جزءاً من فرقة موت أرسلها أبو صلوح، القائد السابق لـكتائب التوحيد والجهاد في سوريا، لاغتيال زعيم الجماعة الإسلامية الأحمدية في محافظة أوش الجنوبية. المتآمرين من بين السجناء الذين تمّت مقابلتهم والذين ربما اختاروا عدم الكشف عن نواياهم الحقيقية في المقابلات.
تزوير الهوية هو أسلوب شائع يستخدمه المقاتلون الإرهابيون لتسهيل الحركات الخفية في طريقهم إلى بلدانهم الأصلية. تمكّنهم المستندات المزيَّفة الموثوقة من إخفاء هوياتهم الحقيقية مع منحهم سجلاً نظيفاً على ما يبدو لتجنُّب الكشف والوصول إلى المواقع المستهدَفة المحتمَلة. تضمّنت حالتان على الأقل من حالات الإعادة السرية الـ 16 التي تمَّ تحديدها استخدام جوازات سفر مزوَّرة. حكمت محكمة في أوزبكستان في شباط/فبراير 2018، على أحور قاسموف، الذي عمل كمجنِّد لشبكات داعش في تركيا، بالسجن 10 سنوات. وكشفت المحكمة عن اعتقال قاسموف أثناء محاولته دخول البلاد بجواز سفر روسي تمّ تسليمه إلى المواطن الروسي جادزيموراد غيداروف. يشير هذا إلى أن قاسموف كان يسافر بهوية مزوَّرة ولكن بجواز سفر حقيقي/ صالح، ويبدو أنه حصل عليه بطريقة غير قانونية في مكان آخر ثم غيّر المحتوى والصورة قبل العودة إلى وطنه.
في الحالة الثانية، التي وقَعت في شباط/فبراير 2019، ألقت السلطات القرغيزية القبض على ناشط محلّي استخدم جواز سفر قرغيزي مزوَّراً للسفر من وإلى سوريا. عُثِرَ على جوازات سفر قيرغيزية مزوَّرة داخل وخارج قيرغيزستان. تمَّ توفير مثل هذه الوثائق في السوق السوداء داخل البلاد، في الغالب من خلال مخطّطات الفساد المحلّية القائمة، والتي ورد أنها ضمّت موظفين حكوميين مسؤولين عن إصدار جوازات سفر للمواطنين. كما وردت عدّة تقارير عن استخدام جوازات سفر قيرغيزية مزوَّرة من قبل أفراد مجرمين وإرهابيين في الخارج. حقيقة أن مواطِني قيرغيزستان لا يزالون يستخدمون جوازات سفر غير بيومترية (يحتوي على شريحة دقيقة (رقاقة RFID) مميَّزة تحمل بياناتك البيومترية (الحيوية)، مثل الخريطة الرقمية لوجهك أو بصمات أصابعك أو مسح القزحية (بصمة العين))لسفرهم الدولي جعلت عملية التزوير أسهل بكثير. مع الخطط المستمرّة لإصدار جوازات سفر البيومترية اعتباراً من عام 2021 والإدخال الأخير لعقوبات أكثر صرامة لتزوير واستخدام المستندات المزوَّرة، تأمل حكومة قيرغيزستان في الحد من حالات تزوير المستندات وتلبية المعايير الدولية لأمن جوازات السفر.
كما أن هناك سابقة لاستخدام وثائق هوية مزوّرة من قبل نشطاء الإرهاب لتنفيذ هجوم في آسيا الوسطى. وصل عزتيلو ساتيباييف، المواطن القرغيزي الذي أرسلته كتيبة التوحيد والجهاد لتنظيم هجوم انتحاري بسيارة مفخّخة على السفارة الصينية في بيشكيك، من تركيا بجواز سفر طاجيكي باسم فرداف بوبوجونوف وتمكّن من مغادرة البلاد بأمان بعد الهجوم مع نفس جواز السفر.

النازحون
سافر المقاتلون الإرهابيون الأجانب من آسيا الوسطى بعد مغادرتهم سوريا، إلى عدّة مناطق وبلدان حتى أفغانستان وألمانيا واليونان في أوروبا، وجمهورية إفريقيا الوسطى ومصر وغينيا بيساو والسودان في إفريقيا. ينقسم المقاتلون الإرهابيون الأجانب الذين يختارون الانتقال إلى بلد ثالث إلى ثلاث فئات رئيسية: أولئك الذين يسعون للاختباء أو الاستقرار في مكان ثالث، أولئك الذين يختارون الانتقال إلى مناطق نزاع أخرى، وأولئك الذين ينتقلون لمؤامرة الهجمات.
لا تزال تركيا ليست فقط نقطة خروج وعبور يمكن الوصول إليها للمقاتلين الأجانب الذين يتطلّعون إلى العودة إلى ديارهم أو المرور عبر بلد ثالث – إنها أيضاً وجهة مفضَّلة لأولئك الذين يرغبون في الانتقال إلى مكان آخر واعتباره وطن جديد. تُظهِر مجموعة البيانات أن 21 فرداً، أو 60 في المائة من إجمالي 35 شخصاً، انتقلوا إلى تركيا. وشمل ذلك امرأة وخمسة أطفال – جميعهم من الطاجيك – الذين انتقلوا إلى تركيا. كانت النازحة وزوجها الطاجيكي وأطفالها يقيمون في اسطنبول بعد وصولهم المزعوم من سوريا. في كانون الأول/ديسمبر 2017، اعتقلت السلطات التركية الزوج بتهمة الإرهاب وأُرسِلَت زوجته وأطفاله إلى مخيم للاجئين. لكن الرجل الطاجيكي نفى اتهامات بالقتال لصالح داعش في سوريا.
لعبت أوكرانيا إلى جانب تركيا، دوراً خاصاً لمقاتلي آسيا الوسطى لأنها تمثل عبور وبلد المقصد. مع الحالات المبلغ عنها المتعلقة بأربعة أفراد، كانت البلاد هي الوجهة الثانية الأكثر شيوعاً للمقاتلين النازحين في آسيا الوسطى. جعلت القدرة على الدخول بدون تأشيرة واستخدام اللغة الروسية كلغة مشتركة أوكرانيا خياراً عملياً للمتشدّدين.
هناك عامل مهم آخر جعل أوكرانيا جذابة بالنسبة للمقاتلين الإرهابيين الأجانب، يتعلق بفرصة الحصول على جوازات سفر أوكرانية أصلية ومزيفة من خلال مخطّطات إجرامية يتم إنتاجها في السوق السوداء. وبحسب وسائل الإعلام الأوكرانية، فإن الأسعار في السوق السوداء لمثل هذه الوثائق تتراوح بين 2000 و 5000 دولار أمريكي. ومن الأمثلة على ذلك قيام الأجهزة الأمنية الأوكرانية بتعطيل خليّة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في أوائل عام 2015 في مدينة خاركيف. كانت الخلية، التي يقودها مواطنان أذربيجانيان، جزءاً مهمّاً من شبكة تسهيل تنظيم الدولة الإسلامية التي كانت مسؤولة عن تنظيم رحلات العديد من مقاتلي القوقاز وآسيا الوسطى المرتبطين بداعش من وإلى سوريا والعراق عبر أوكرانيا، وهو ما وفر لهم مع السكن المؤقت والمساعدة المالية والمستندات المزوَّرة. على سبيل المثال، التقى ديمتري نيكولاييف في عام 2014، وهو مقاتل كازاخستاني كان يمر عبر أوكرانيا في طريق عودته من سوريا إلى كازاخستان، بأعضاء الخلية الأذرية في خاركيف وتلقّى أموالاً ووثائق مزوّرة قبل أن يشقَّ طريقه إلى وطنه. بعد وقتٍ قصيرٍ من وصوله إلى كازاخستان، أُلقِى القبض على نيكولاييف ثم سجنه حيث وجدته المحكمة وشريكه القرغيزي مذنبين بالتخطيط لهجمات ضد قاعدة عسكرية ومركز شرطة في البلاد.
قضية أخرى ذات صلة تصدّرت عناوين الصحف تتعلّق بمقاتل كازاخستاني سابق في تنظيم الدولة الإسلامية لم يُذكر اسمه تمَّ اعتقاله في أوكرانيا في آذار/مارس 2019. تمكَّن المسلّح، أثناء وجوده على قائمة المطلوبين الدوليين للإنتربول، من الحصول على بطاقة هوية والجنسية الأوكرانية من خلال تقديم وثائق مزورة سمحَت له بالتحرُّك بحرّية في ذلك البلد. وكان في وقت اعتقاله يقيم في مقاطعة أوديسا.
نظراً لأن العديد من المقاتلين الإرهابيين الأجانب في آسيا الوسطى الذين يغادرون منطقة الصراع في سوريا والعراق، قد يستمرّون في رؤية تركيا وأوكرانيا كوجهة نهائية وبلدان عبور، فهناك حاجة للتعاون عبر الحدود بينهم وبين دول آسيا الوسطى. من المهم جمع البيانات البيومترية للمقاتلين الفعليين والمحتمَلين كوسيلة لاكتشاف وتعطيل تحرُّكاتهم. خلاف ذلك، قد يتمكّن بعض المقاتلين السابقين من إخفاء هوياتهم الحقيقية بينما يتظاهرون بأنهم أفراد لا يشكِّلون تهديداً.
أفاد تقرير للأمم المتحدة صادر في 20 كانون الثاني/يناير 2020 عن مغادرة مقاتلين من آسيا الوسطى من سوريا إلى وجهات أفريقية، وتحديداً إلى جمهورية إفريقيا الوسطى ومصر وغينيا بيساو والسودان، على ما يبدو بقصد الاستراحة في مكان بعيد في أيّ من هذه الأماكن. وأشار تقرير الأمم المتحدة إلى أنهم ربما يعبرون هذه البلدان للانضمام إلى الجماعات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل. ومع ذلك، لم يقدِّم هذا التقرير مزيد من التفاصيل. وتجدر الإشارة إلى أن أجزاء من غرب إفريقيا والساحل قد شهدت مؤخّراً ارتفاعاً حادّاً في الهجمات الإرهابية التي تشارك فيها الجماعات الجهادية المحلّية المرتبِطة بكل من داعش والقاعدة. ربما انجذب مقاتِلو آسيا الوسطى إلى مسرح الجهاد الجديد هذا من خلال الروابط التي شكّلوها في سوريا.
كانت هناك أيضاً حالات تمَّ فيها نقل بعض الأعضاء الأساسيين في تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في آسيا الوسطى إلى أفغانستان. تفترض السلطات الأمنية في طاجيكستان أن جولمورود حليموف وبعض رفاقه قد انتقلوا إلى أفغانستان في أوائل عام 2019. و ربما يخطّط من هناك للقيام بعمليات توغّل في المقاطعات الطاجيكية الجنوبية عبر الحدود طويلة الترابُط. في وقت لاحق من شهر آذار/مارس، زعمت منظمة تركمانية غير حكومية أن بعض المقاتلين التركمان الناجين قد هاجروا من سوريا إلى أفغانستان بعد هزيمة داعش الإقليمية في الباغوز. ومع ذلك، كان من المستحيل التحقق من ذلك من مصدر رسمي.
كما سافر متشدّدون من آسيا الوسطى الذين يتمتّعون بصعوبة القتال إلى أوروبا متنكّرين كلاجئين بعد القتال في سوريا.
ومن الأمثلة على ذلك اعتقال محمد سعيد سعيدوف، المواطن الطاجيكي، من قبل السلطات الألمانية في شمال الراين وستفاليا في حزيران/يونيو 2016. على الرغم من أن سعيدوف، الذي هاجر من سوريا إلى ألمانيا، لم يكن متورِّطاً في أي مؤامرة هجوم محدّدة في ألمانيا، إلا أن المدّعين الفيدراليين اعتبروه من المقرّبين من جولمورود خاليموف. في تمّوز/يوليو 2017، حكمت المحكمة الإقليمية العليا في دوسلدورف على سعيدوف بالسجن خمس سنوات للقتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.
في 2 تشرين الثاني/أكتوبر 2018، سلّمت السلطات اليونانية مواطناً كازاخستانياً يبلغ من العمر 26 عاماً، يُدعى داستان خيسين، إلى وطنه بعد اعتقاله بموجب مذكّرة توقيف دولية صادرة عن الإنتربول في عام 2015 لمشاركته في أنشطة مسلّحة في سوريا. ومع ذلك، لم يتم الكشف عن أي تفاصيل أخرى حول اعتقاله وتسليمه من قبل السلطات اليونانية أو الكازاخستانية. أشارت اعتقالات مماثلة للمقاتلين الإرهابيين الأجانب الآخرين في اليونان في الماضي إلى أن داستان خيسين ربما دخل هذا البلد من خلال طريق اللاجئين غير القانوني الذي يعمل بشكلٍ جيد من تركيا، من خلال التظاهر بأنه طالب لجوء.
في تمّوز/يوليو 2020، أبلغت السلطات القبرصية الأمم المتحدة أنها ألقت القبض على مواطن تركمانستاني من بين مجموعة من الأفراد “المرتبطين إمّا بجماعات مرتبِطة بداعش أو القاعدة”. تسلّط الاعتقالات في ألمانيا واليونان وقبرص، إلى جانب الهجمات الإرهابية الأخيرة والمؤامرات المعطلة من قبل دول آسيا الوسطى في أوروبا، الضوء على المخاطر الأمنية المحتمَلة التي يمكن أن يشكّلها طالبو اللجوء الوهميون من آسيا الوسطى في أوروبا. تعرض مجموعة بيانات هذا المؤلف أيضاً ثلاث حالات على الأقل من تنقل مواطني إحدى مقاطعات آسيا الوسطى إلى أخرى. تمّ كجزء من عمليتين منفصلتين لمكافحة الإرهاب تمَّ إجراؤهما في 2013 و 2015، اعتقال مقاتلين كازاخيين في قرغيزستان بعد وصولهما من سوريا، بزعم التخطيط لهجمات. اعتقلت أجهزة الأمن الكازاخستانية في عام 2015، مواطناً قيرغيزياً في مدينة شيمكنت الجنوبية، وبحسب ما ورد خضع لتدريبات على صنع القنابل في سوريا.

تأثير تعبئة المقاتلين الإرهابيين الأجانب
تستمر حالة عدم الاستقرار في مسارح الصراع بين العراق وسوريا وأفغانستان في توفير الظروف التي يمكن للمقاتلين الإرهابيين الأجانب استغلالها. من المرجَّح أن يواصل مسلّحو آسيا الوسطى الذين ما زالوا في منطقة الصراع النشطة القتال لتعزيز أجندات تنظيم الدولة الإسلامية وهيئة تحرير الشام، لأنهم جزء من هذه الحركات المتطرّفة.
من المرجَّح أن يجد مقاتلو داعش الناجون من آسيا الوسطى في سوريا شبكة دعم متضائلة على الأرض، الأمر الذي يؤدّي بهم إلى مزيد من التشتت أو المخاطرة بالقبض عليهم أو القتل. على الرغم من أن تنظيم الدولة قد أرسل عناصر من آسيا الوسطى من سوريا لتنفيذ هجمات خارج منطقة الصراع، كما هو الحال في تركيا، فمن المرجَّح أن تكون قدرته على حشد مقاتلين متمرِّسين لتنفيذ الهجمات محدودة في المستقبل المنظور. إن هزيمتها العسكرية في سوريا وتغيير القيادة في أعقاب مقتل أبو بكر البغدادي في عام 2019 قد تركت تنظيم الدولة الإسلامية مع القليل من القدرات العملياتية الخارجية.
ومع ذلك، مع دعوة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لهجمات انتقامية لـ “الخلافة” المفقودة، يمكن أن تسعى إلى الاستثمار في “الهجمات المستوحَاة”، لا سيّما من قبل الأفراد المتطرّفين وقاعدة المؤيِّدين والمتعاطفين السريين (على غرار هجمات الدهس في السويد والولايات المتحدة في عام 2017 والهجوم بالسيارات والسكاكين في طاجيكستان في عام 2018، مع عدم وجود خبرة من ساحة المعركة، حيثما وأينما كان ذلك ممكناً.
طالما بقيت هيئة تحرير الشام على قيد الحياة، فمن المحتمَل أن تبقى كتيبة التوحيد والجهاد وكتيبة الإمام البخاري في سوريا ويقاتلان لضمان بقائهم على قيد الحياة. في هذا الصدد، من غير المرجّح أن تحوِّل هذه الجماعات المسلحة تركيز أنشطتها من مناطق الصراع الأساسية إلى العمليات الدولية في المستقبل القريب. وقد دعت كلتا الجماعتين، في حملتهما الدعائية الأخيرة، مؤيِّديهما والمتعاطفين معهم مراراً وتكراراً للانضمام إليهما في ساحة المعركة وجمع الأموال للأنشطة المتشدّدة هناك. ومع ذلك، إذا فقدَ التحالف الجهادي لهيئة تحرير الشام سيطرته الإقليمية على إدلب، وواجَه ضغطًاً سياسياً وعسكرياً هائلاً تمارسه سوريا وروسيا، فقد يؤدّي ذلك إلى تدفق أوسع لمقاتلي آسيا الوسطى من سوريا ويؤدّي أيضاً إلى مجموعات جديدة من المقاتلين المحتَجَزين وعائلاتهم في سوريا، لا سيّما بين أولئك الذين تحالفوا مع وكتيبة الإمام البخاري وكتيبة التوحيد والجهاد.
سيكون لمصير مقاتلي داعش المحتجزين وعائلاتهم في سوريا والعراق تداعيات بعيدة المدى على المسار المستقبلي لجهود مكافحة الإرهاب العالمية. هناك خطر إعادة تطرُّف أولئك الذين تمَّت إعادتهم إلى أوطانهم. لذلك، بالنسبة للبلدان التي نقلت بالفعل أعداداً كبيرة من مواطنيها من سوريا والعراق، من الضروري وضع الأفراد العائدين في برامج شاملة لمكافحة التطرُّف وإعادة الإدماج الاجتماعي. يجب على دول مثل قيرغيزستان أن تظل ملتزمة بإعادة مواطنيها الذين تقطّعت بهم السبل في معسكرات الاحتجاز والنزوح في سوريا والعراق.
حتى الآن، لم تشهد دول آسيا الوسطى أيّ نزوح جماعي لمقاتليها من المسارح السورية العراقية. يبدو أن معظم المقاتلين لا يرغبون في اللجوء إلى العمليات الإرهابية المحلية. ومع ذلك، وكما أشارت حالات العائدين الأخيرة في قيرغيزستان، فقد يعود بعض المقاتلين بمثل هذه المهام ويُعثَر عليهم وهم يخطّطون. أظهر قصف السفارة الصينية في بيشكيك أن المقاتلين المتمرّسين يمكن أن يكونوا نشطاء خطرين. لا يقتصر دور العائدين والنازحين على التخطيط للهجمات. قد ينخرطون أيضاً في أنشطة الوعظ والتجنيد وجمع الأموال والتدريب.
لا توجد آلية قياس مثالية لتقييم سلوك المقاتلين بدقة عند العودة، لا سيّما على المدى الطويل. يعتمد خطر العنف المرتبط بالعائدين السرّيين على مجموعة من النوايا التنظيمية، ومدى استمرار التزام العائدين تجاه المجموعة المرتبطة به، وقدرة الحكومات على اكتشاف ومنع الأنشطة العنيفة لمثل هؤلاء المقاتلين السابقين في الوقت المناسب. من المهم تقديم برامج إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي لكل من العائد الطوعي (في حالة إدانتهم، في السجون، وإذا لم يكن الأمر كذلك، عند لمّ شملهم مع المجتمع المحلي) والعائدين السريين (في السجون بعد التعرّف عليهم وسجنهم).
كما تشير البيانات المتاحة، فإن هؤلاء المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين لا يرغبون في العودة إلى بلدانهم الأصلية، ولكنهم يرغبون في الهجرة إلى مكان آخر، سيسعون إلى الذهاب إلى أماكن يمكنهم فيها العثور على بعض جهات الاتصال التي ستساعدهم على الاستقرار والبقاء في بيئة اجتماعية جديدة. يجلب السفر إلى وجهات غير معروفة تماماً مخاطر كبيرة بالنسبة لهم، حيث يتضمّن عبور الحدود الدولية، والتنقُّل في منطقة غير مألوفة، وحواجز اللغة، والتعامل مع أشخاص غرباء. يمكِن بسهولة وبسرعة بدون جهات اتصال موثوقة، اكتشاف المقاتلين الإرهابيين الأجانب، واعتقالهم وتسليمهم في نهاية المطاف إلى بلدانهم الأصلية.
على هذا النحو، قد تستمر البلدان الأجنبية التي تضم مجتمعات الشتات في آسيا الوسطى، وخاصّة تركيا وأوكرانيا، وربما بعض دول غرب وجنوب أوروبا، في العمل كوجهة مفضَّلة للمقاتلين الإرهابيين الأجانب. يتم توفير أحد الأمثلة على هذا النمط من خلال اعتقال محمد سعيد سعيدوف في ألمانيا (حزيران/يونيو 2016)، وهو مقاتل طاجيكي قاتل مع تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. تُعد ألمانيا في أوروبا، مع وجود حوالي 5600 طاجيك، من بين أفضل دول المقصد للمهاجرين الطاجيك. من ناحية أخرى، أظهرت حالات في قيرغيزستان وكازاخستان أن بعض المقاتلين السابقين قد يختارون الانتقال إلى البلدان المجاورة في آسيا الوسطى، حيث يسهل عليهم نسبياً البقاء في مكان بعيد والبقاء على قيد الحياة في مثل هذه المجتمعات المتشابهة ثقافياً.
هناك شبكات تيسير (طرق اللاجئين غير القانونية، والتوثيق المزيف، وقنوات تهريب البشر)، والتي تعمل كآلية تربط مناطق النزاع وبلدان المقصد المفضَّلة. ومع ذلك، فإن هذه الخدمة لها تكاليف باهظة لا يستطيع الكثير من المقاتلين السابقين تحمُّلها. لذلك، قد يتمكّن المقاتلون السابقون الأثرياء وذوي العلاقات الجيّدة فقط من الانتقال إلى بلدان مثل أوكرانيا.
ربما انتقل بعض المقاتلين الإرهابيين الأجانب في آسيا الوسطى، كما اقترح تقرير الأمم المتحدة الصادر في كانون الثاني/يناير 2020، إلى بعض المناطق البعيدة مثل غرب إفريقيا والساحل، على أمل مواصلة قتالهم في ساحات جديدة للصّراعات الجهادية. إذا كانت هذه التعبئة تَحدُث بالفعل، فمن المحتمَل جداً أن يتم جذب مواطِني آسيا الوسطى إلى هذه الصراعات من خلال العلاقات مع الجهاديين المحلّيين الذين التقوا بهم في سوريا. لذلك، يجب أن يكون لدى الوكالات الوطنية لمكافحة الإرهاب فَهْم واضح للغاية لديناميكيات شبكة الجماعات المسلحة التي تظهر على راداراتها. على الرغم من أن بعض الخبراء، بما في ذلك إدوارد ليمون وفيرا ميرونوفا وويليام توبي، قد اعتبروا أفغانستان “الوجهة الأكثر احتمَالية” لمسلّحيّ آسيا الوسطى للانتقال لمواصلة عملياتهم القتالية، إلا أن حجم الحركة من سوريا إلى أفغانستان كان حتى الآن أقل من ذلك بكثير. على هذا النحو، قد يختار بعض المقاتلين الإرهابيين الأجانب في آسيا الوسطى المغادِرين من سوريا الهجرة ليس فقط إلى أفغانستان، ولكن أيضاً إلى خطوط المواجهة الأخرى للنزاع، بما في ذلك المناطق والبلدان المذكورة أعلاه.

ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري

رابط البحث:
https://www.google.com/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=&cad=rja&uact=8&ved=2ahUKEwjWo4e_mtz0AhWnCGMBHdUQCDYQFnoECAIQAQ&url=https%3A%2F%2Fwww.universiteitleiden.nl%2Fbinaries%2Fcontent%2Fassets%2Fcustomsites%2Fperspectives-on-terrorism%2F2021%2Fissue-4%2Fsoliev.pdf&usg=AOvVaw3hYHLrGb2mOWDPAioeblei

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa