الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

ما بعد أستانة 17: هل يمكن فصل المسار العسكري عن السياسي؟

د. جمال الشوفي

لازمة مفهومية أولية:
مثلت مفاوضات أستانة – السابعة عشر لليوم، مفاوضات جيوعسكرية بين الأطراف الفاعلة عسكريًا في الملف السوري (روسيا –تركيا –ايران)، وأساسها المعتمد في الجذر مقولة نابليون بونابرت: “التفاوض على مدى رماية مدفعك” أي بقدر ما تهيمن أو تحمي من مساحة تطالها قوتك النارية.
فبينما أرادتها روسيا نقطة تحول في مسار الملف السوري، يتوج نصرها العسكري الكبير في معركة حلب نهاية عام 2016، إلى مفاوضات جيوعسكرية تمهد لشروط عمل جيوسياسية يغير في مسار المسألة السورية، من مقررات جنيف 1/2012 وما نتج عنه من القرار 2254 عام 2015 بحكومة انتقالية تشترط التغير السياسي السوري، وتتويجه بمقررات مفردات سوتشي السياسي بداية عام 2018 بتغير فحواه لتغير دستوري يحافظ على البنية السياسية للسلطة السورية وفق شروطها التي تحددها هي، أي روسيا، سواء على المجتمع الدولي أو على كل من السلطة والمعارضة بآن. كانت هذه المفاوضات بالنسبة لتركيا مجرد خطوط ترسيم عسكرية مفتوحة الأجل تتجنب من خلالها صداما عسكريا كبيرا محتملا بينها وبين روسيا، وتمتص الضغوطات المزدوجة الأمريكية الأوروبية من جهة والروسية من جهة أخرى، وتبحث بذات الوقت عن مصالحها كدولة في محيطها الإقليمي. هذا فيما كانت إيران حاضرة للاستفادة من أي شروط عسكرية أو سياسية تعزز بها نفوذها وسطوتها بحكم قوة الأرض.
يذهب الكثيرون من المحللين السياسيين، وأنا منهم، للقول إن لقاءات أستانة الكازخستانية، التي بدأت في 23- 24 كانون ثاني/ يناير 2017 أدت إلى قضم مناطق سيطرة المعارضة السورية قطعة قطعة، بعمليات واتفاقات “خفض التصعيد” التي بنيت على أساسها كل جولاتها لليوم، قد أدت إلى خلخلة التماسك العام لقوى المعارضة العسكرية السورية وتفككها واستفراد روسيا وإيران فيها كلٍ على حدة، وما نتج عنه من تفريغ الداخل السوري حتى أواسط 2018 في الجنوب عمومًا، ونشوب تضعضع سياسي في مختلف أوساط المعارضة السورية. وإذ يشير القول هذا في محتواه إلى التفريط في حقوق السوريين بالمبدأ ورفضه السياسي لليوم شعوريًا ووجدانيًا، لكنه لليوم لم يؤخذ على محمل الواقع في معطياته وضرورة تفكيك أسسه خاصة بين المسارين السياسي/ المدني للمسألة السورية، والمسار العسكري. فهل يمكن فصلهما اليوم؟

لا جديد في أستانة 17:
استضافت نور سلطان، العاصمة الكازاخستانية، وعلى مدار اليومين الفائتين الجولة الـ17 من محادثات “أستانا” حول الملف السوري، والتي صرحت وزارة خارجيتها، في بيان لها، “إنّ المحادثات ستُعقد برعاية الدول الضامنة (تركيا وروسيا وإيران)، وسيشارك فيها وفدا الحكومة والمعارضة السوريّة، كما سيحضرها أيضًا وفد أممي خاص، ومراقبون من لبنان والأردن والعراق”. وأن محاور هذا اللقاء هي بشكل رئيسي تتمثل بـ “أعمال اللجنة الدستورية السورية في جنيف، بهدف إكسابها الزخم”، ومستجدات الأوضاع على الساحة السورية بشكل عام، ومهام الحفاظ على الهدوء في مناطق “خفض التصعيد”، وسبل مكافحة الإرهاب.
فيما صرح لافرينتيف، الذي يترأس الوفد الروسي فيها: “نحن نأمل بأنه سيتم في يناير المقبل، عقد الدورة السابعة للجنة الدستورية السورية. ونأمل جميعا في أن تتمكن الأطراف السورية خلال هذه الجلسة، من التوصل إلى حل وسط”، وأضاف مستبقًا أستانة 17: “لا يمكن إلا أن يثير القلق، تزايد نشاطات الجماعات الإرهابية مؤخرًا – ليس فقط في شمال سورية، بل عمليًا في جميع أنحاء البلاد”.، في إشارة مغزاها ذو معنيين: أولها التأكيد على الحل السوري من خلال بوابة اللجنة الدستورية وسطيًا وحسب، والثاني أن العمل العسكري في سورية لن يتوقف عند حدود المنطقة الشمالية، والمقصود فيها ادلب، آخر معاقل المعارضة العسكرية السورية وتحت الوصاية التركية، بل قد يحدث في أية جغرافية سورية أخرى!
كالعادة، أتت التصريحات الإعلامية، سواء الناتجة عن اللقاءات العامة، أو الثنائية التركية الروسية، بالتأكيد على وحدة الأراضي السورية، وأن على الدول الضامنة الثلاثة، أن تؤكد التزامها بوحدة وسيادة الأرض السورية، وأنها معنية بشكل مباشر بالاستقرار فيها. في إشارة إلى إمكانية التفاوض على خطوط التماس الممكنة بين الوصايات متعددة الأطراف الثلاثية، مع تحريك ملفاتها وخطوطها حسب شروط التفاوض الجارية، خاصة وان أستانة 17، تأتي بموازاة مفاوضات قوات سورية الديموقراطية (قسد) والسلطة السورية برعاية روسية وغض نظر أمريكي، حول مناطق السيطرة والنفوذ شرق الفرات، مع إصرار تركي على منع قيام كيان كردي مستقل فيه، وما ينتج عنه من اختلاط عام في كامل الجغرافية السورية الشمالية، وتعدد مسارات مفاوضاتها المعقدة المحكومة لليوم بالقوة العسكرية وسيطرت نفوذه بحكم وقائع الأرض والتفاوض على خلفيته.
الجدير بالذكر أن المبعوث الأممي جير بيدرسن، وبسبب بعض القيود المفروضة حسب زعم لافرنيتف، لم يتمكن من الحضور أول يوم اللقاءات إلى نور سلطان، لكن ثمة من ينوب عنه من بعض ممثليه. هذا فيما حمل أيمن سوسان، معاون زير الخارجية السوري ورئيس وفدها، أنقرة مسؤولية البطء في تقدم مسار الحل السوري وأزمتها، وذلك في إشارة تتناغم مع الإشارة الروسية لاستعادة كامل الأراضي السورية والمعرقل هي حماية تركيا لمنطقة ادلب وشمال حلب.
فيما بقيت إيران اللاعب المنتظر لأي نتيجة لليوم، لتؤكد عبر علي أصغر حاج، رئيس وفدها، على تقارب موقفي طهران وموسكو من تطور الحدث السوري وآليات حله عبر: اللجنة الدستورية وترسيم خطوط التماس العسكرية!

الخلفية
بعد تحقيقها نصرًا عسكريًّا في حلب، إحدى أكبر المدن السورية المعارضة، اعتبر في المعنى الحربي ذو وزن سياسي، سعت روسيا لتطرح نفسها ملتزمة بالقانون الدولي فمررت مشروع القرار 2336 في مجلس الأمن في 31/12/2016، تفاهمت وتركيا عليه، لوقف دائم لإطلاق النار، ثم دعت لطاولة تفاوض عسكرية بين قوى المعارضة المسلحة السورية وسلطة النظام؛ لتثبيت مفاعيله على الأرض فيما سمي بلقاء الأستانة في 23-24/1/2017، والدفع بالحل السياسي عبر بوابة جنيف 1 حسب زعمها، بحيث تبدو “صانعة سلام” عالمي سترعاه شراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كشريك سياسي في عملية السلام وكمنتصر بالقوة العسكرية ثانيا، لتفتح لنفسها المجال الواسع لمستوى من العلاقات الدولية الجديدة وتحتل مكانة لها في منظومة العولمة وقوانينها لا ترضيها فيها أن تكون طرفية، بل ند لأمريكيا، إن لم تكن قطبًا منفردًا كما كانت أيام السوفييت الكبرى. حيث أدركت روسيا أن سورية هي مفتاح صعودها العالمي مرة أخرى بعد فشلها النسبي في أوروبا الشرقية خاصة بأوكرانيا، فالتراجع الأمريكي من المنطقة بدا واضحًا منذ أواخر 2011، ما جعل روسيا تعمل بفرط قوتها العسكرية على فرض شروط الحرب والتهجير على المناطق السورية الخارجة عن سيطرة سلطة النظام، بدءًا من حلب وصولا للغوطة ودرعا، وتفريغ كامل الداخل السوري من قواه المعارضة عسكريًا، وترافق هذا مع عدم قدرة المعارضة السياسية على تشكيل سلطة سياسية بديلًا لسلطة النظام فيها، ما جعل القرار فيها لقوة السلاح لا لقوة العمل السياسي، وبالضرورة العودة لكلاسيكية المعادلة الجيوبوليتيكية والتي مفادها أن العمل السياسي ترسمه القوة العسكرية والمنتصر فيها يحدد شروطها السياسية، في تكرار لمقولة ماوتسي تونغ “السلطة تنبع من فوهة بندقية”، ولكن لليوم لم يتم تفعيل الدور السياسي المتوخى من العمل العسكري وآلة الحرب، سواء بالنسبة لروسيا، أو تركيا، أو إيران، وحتى بالنسبة لسلطة النظام والمعارضة!

لأسباب جوهرية عدة، يمكن تحديد الفشل السياسي السوري العام المذكور أعلاه فيما يلي:
– ارتباط الحل السياسي بالنصر العسكري حسب السلطة السورية، وهذا مقيد بشروط المعاهدات الدولية الملزمة بالتغيير السياسي حسب 2254، وإن لم تتحقق هذه لليوم، فإن الشرط السياسي الذي تريده السلطة تتم معاوقته دوليًا وفقًا لذات القرار.
– روسيا لم تستطع تسويق سوتشي بديلًا عن 2254، وذلك في خضم سباقها للاستفراد بالحل السياسي السوري، والذي تدرك الدول الأممية أهمية تحقيقه بالنسبة لروسيا في تغيير معادلات الهيمنة العالمية.
– تركيا لليوم تقع في منتصف القبضة، وعلى مسافة متوازية ومتناقضة بأن، من روسيا والناتو، فهي لا تستطيع معاداة أحدهما، كما فعلت نهايات عام 2015 عندما أسقطت الطائرة الروسية في بداية حملتها الجوية على سورية، ما كان سيؤدي إلى نشوب نزاع روسي تركي متمدد، تم لجمه بالتقارب والتفاوض بحكم المصلحة وسياسة القوة الكبرى للدولتين إقليميًا. وفي الجانب الآخر الضغوط الأمريكية المتتالية، ومنها سحب الباترويت، أنظمة الصواريخ الدفاعية، واتهام أنقرة لأمريكيا بالضلوع في محاولة انقلاب 2016. ليبدو العنوان التركي لليوم، وفق هذا، اللعب على حبال متوازنة بين الناتو وأوراسيا (المطمح الروسي الجيوبوليتيكي الكبير) وتقف تركيا بينهما محدودة التمدد وملزمة بعدم الانحياز الكلي لأحد الطرفين. حيث أن الانحياز الكلي لإحداهما سيكلف تركيا مواجهة خاسرة أمنيًا وسياسيًا، وما له من انعكاسات اقتصادية واجتماعية على الداخل التركي.
– المعارضة السياسية السورية وقعت في مأزق كبير مفاده: هي التي دعمت العمل العسكري وعززته حتى وصلت لخسارة عسكرية واضحة أمام السطوة الروسية الإيرانية لعدم تكافؤ القوة ولتخلي الدول الراعية لها، فيما كانت تنتظر مواقف أكثر صلابة منها. لكنها وقعت في فخ مزدوج: لا يمكنها التخلي عن المعارضة العسكرية، فستخسر أخر معاقلها في ادلب المعتمدة على القوة التركية الإقليمية وما تمثله دوليًا، ولا يمكنها التخلي عن موقفها السياسي المرتبط بالقرارات الدولية خاصة 2118 و2254، وكلا الموقفين متباينين! هذا ما خلق في وسطها نزاعات وتباينات لليوم لم تتمكن من حلها أو لجمها أو القفز فوقها.
– بينما تبدي السياسة الإيرانية البرود أمام الضغوط الأمريكية والطلبات الروسية الأخيرة منها بضرورة الخروج من سورية، والمترافقة مع الضربات الإسرائيلية الجوية لقواعدها داخل سورية، فهي تدرك حجم قوتها العسكرية وترسانتها الاستراتيجية من حيث الصواريخ بعيدة المدى، ومدى مساحة الرقعة الجغرافية التي تشغلها بتمددها في منطقة الشرق الأوسط، وإمكانيتها التفاوضية الواسعة عليها والمتزامنة مع مفاوضات ملفها النووي.

محددات ونتائج:
وفق السياق أعلاه، ما دامت قوة التوازن العسكرية تعمل وفق هذه المحددات، فسنشهد أستانات متعددة بعد، وما دام المشهد السوري لليوم رهين العمل العسكري، فلن ينجم عنه تقدم في مسار حله المفترض سياسيًا، والأشد كارثية هو المماطلة الروسية وإصرارها على الحل وفق رؤيتها، المعاق كلية أمميًا.
فإن كانت روسيا تريد حصتها العالمية سياسيًا من الوقوف على بوابة البحر المتوسط، وحصتها الكبرى من أموال إعادة الاعمار السورية، وغاز المتوسط، والهيمنة على خطوط نقل الطاقة العالمية في عقدتها السورية، وهذه هي حزمة المصالح الروسية، فيجب أن تدرك أن الحل فيها ليس عسكريًا إلا بحرب عالمية أو إقليمية كبرى تتجنبها كل الأطراف بما فيها ذاتها.
والأهم من هذا السلطة السورية من جهتها يجب أن تدرك أن إطالة أمد نواتج الحرب سيقضم الهوية السورية عامة، ويذرو ما تبقى منها في مناطق سيطرة ونفوذ متعددة الأطراف، وذلك خلافًا لما تكرره خلف روسيا بوحدة الأراضي السورية إعلاميًا.
فيما على المعارضة السورية بمختلف أطيافها العمل على التفريق بين شروط التفاوض العسكري المحكوم باللحم والدم وملايين المهجرين، وبين شروط العمل السياسي المدني، وأنه بات من الضرورة بآن الفصل بشكل متوازٍ وحرفي بين خطيهما مع استعادة التنسيق العام بينهما بطريقة وعقلية مختلفة عن السائد لليوم، والسائد لليوم عقليات الخسارة والتخوين في مقابل الشرعنة والسطوة العسكرية التي لم تعد تخدم غرض التغيير العام.
لتبقى أستانة مجرد بوابة تهدئة عسكرية، وتلطيف للاحتقان الدولي والإقليمي، ومناورة زمنية على استحقاقات التغير السياسي، وهذا هو التساؤل الواجب الإجابة عليه بكل وضوح من قبل كل الأطراف المعنية. فالدولة الوطنية السورية والتغيير السياسي لن تكون شرًا على العالم، بل سيخفف تحققها من الاحتقان العالمي الجيوبوليتيكي الروسي الأمريكي، وسيخفف الضغط على تركيا وتهديد أمن الخليج، ولن يؤذي إسرائيل، اللاعب الفعال والخفي في المنطقة، بل ستكون، كما ذكرت في مقال سابق، محط استقرار وسلام دولي واقليمي، إذا ما نظر إليها من زوايا أخرى مختلفة عن الربح والخسارة الأنية، في مقابل المكاسب العالمية طويلة الأمد.

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية.. دكتوراه في الفيزياء النووية

زر الذهاب إلى الأعلى