الرئيسيدراسات وبحوثسوريا

الوطنية المجردة والحقوق الأفقية المتساوية: سورية محددات ومقومات

د. جمال الشوفي

توطئة:
إذا ما بقيت المسألة السورية رهينة الحلول السياسية و/أو العسكرية المقترحة لليوم منفردةً، فستجد الوطنية السورية نفسها أمام خيارات صعبة، بل ربما تكون قاسية ومفروضة لزمن بآن. إذ لن يكون من المستغرب حينها أن نجد حلولًا جيوعسكرية (سياسية/ عسكرية) لمهجري الداخل السوري والمعارضة السياسية والعسكرية بالاكتفاء بدويلة في ادلب وشمال حلب، والأكراد في شبه دويلة في شرق الفرات، السلطة السورية تكتفي بدويلة الداخل السوري حتى الساحل، وربما نشهد كيانًا درزيًا في جنوبها! وليس هذا وحسب، بل رغم أن هذه الخيارات ليست خيارات الوطنية السورية، لكنها تحتمل مخاطر الانزلاق القسري للحركات الاجبارية العسكرية السياسية. إذ تخضع كل منطقة فيها لوصاية دولة أو أكثر ترعى مصالحها على حساب الشعب السوري، والأكثر مجازفة، أن معالم وحدود هذه المناطق قابلة للتغير الجيوبوليتيكي بحكم تلك المصالح، وبحكم نزعة السطوة والشهوة في محاولة السيطرة الأحادية الاستبدادية على كامل الأرض السورية سياسيًا وعسكريًا، خاصة من قبل سلطات الأمر الواقع التي لازالت تحاول إعادة تطويع سورية لسلطتها السياسية العسكرية الأمنية، وذلك رغم المخاطر التي أنتجتها تلك السياسة خلال الأعوام العشرة الماضية ونتائجها الكارثية المستمرة لليوم…
هل يقودنا هذا للتشاؤم؟ أو للبحث في الفكر النظري والثقافي الاستباقي غير المشروط زمانيًا ومكانيًا لتحديد الهوية الوطنية السورية دون نتيجة ممكنة لليوم؟ إذ من السهولة بمكان الغوص عميقًا في تاريخ سورية الحضاري وفسيفسائها المتنوع، ودورها في صناعة أولى أبجديات اللغة والحضارات المدنية التاريخية وتنوع ثقافاتها ودياناتها وتعايشها السلمي النسبي، وهذا حق مبدئي وتاريخي. كما يمكن الحديث عن أفكار التحرر والتعاقد الاجتماعي وآليات انتاجه والغوص عميقًا في أفكار الحداثة وروادها أمثال توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو في انتاج التعاقد المجتمعي ودولة الحريات والقانون، وهذه بوصلة عامة واستشراف مستقبلي دائم الحضور. لكن على ضروراته تلك بات لا يكفي، ولا يمكنه مواجهة تحديات اليوم منفردًا، حتى وان اجتمع مع التاريخي المزهر، اذ سيبقى مجرد أمان واحلام لا تمتلك مقومات القدرة والفاعلية والامكان في التحقق والإندراج في الواقع اليوم وربما في الغد القريب!
هل باتت كل الطرق مسدودة؟ وعلينا أن نقبل بسياسة الأمر الواقع المفروضة وليبحث كل فريق، كما لازال يحدث لليوم، عن هويته الوطنية التي يرغب، سواء في كانتون محلي، أو دولة لجوء، أو الاكتفاء بطرق الأحزاب الكلاسيكية وانغلاقها وتقوقعها على ذاتها أو منظمة عمل مدني تكفي حاجة فريق عملها المؤقت، أو تحت وصاية وحماية دولة أقوى . ولا أظن هذا أبدًا هو مسعى الوطنية السورية بوجدانها وفكرها وبحجم تضحياتها الجسام في حجم كارثة تعادل حرب عالمية تكثفت خلاصتها كاملة في رقعة جغرافية لا تتجاوز حجم مدينة من مدن الحرب العالمية الثانية! بل إن مسعى الوطنية السورية كان ولازال احداث دولة الحريات والحقوق، وتحقيق الازدهار والمكانة التي تليق بالسوري بتاريخه العريض، وبفكره وثقافته المتنوعة والمتعددة، وبانطلاقه الفعلي منذ 2011 للانفتاح والتحرر، محاولًا الخروج من عطالته التاريخية السياسية والعرفيّة والدينية والمجتمعية والفكرية. وعطالته هذه تكثفت خلاصتها في نظام حكم لا يقيم وزنًا لكل هذا، بقدر سلطته وحكمه الوحيد والمفرد، وسياسته اليوم سلطة الأمر الواقع…
مادام الواقع السياسي والعسكري لليوم لم ينتج خيرًا وهو جذر المشكلة، ومادام التاريخ والفكر لم يقدم حلًا فعليًا، فأي السبل المتاحة اليوم؟

محددات الواقع السياسي اليوم:
حتى لا نغرق في الفكر النظري كحالة هروب للأمام واستحقاقات الحاضر، لنقف على معطيات ومحددات الواقع السوري اليوم. فقد تغيرت أطوار المسألة السورية، وتبدلت معطياتها، اذ تنامت من ثورة تستهدف التغير المحلي السياسي وتحقيق دولة الحريات والحقوق، إلى عقدة عالمية كبرى استدعت تدخلات إقليمية ودولية كبرى. الوطنية السورية اليوم في مواجهة العقدة السورية ومعطياتها الواقعية بتداخلاتها المحلية والدولية كمعيقات حل لها بتراكمها السياسي والعسكري والذي يمكن تحديده بـ:
– المسألة السورية فوق سورية، عنوانها الأبرز أنها موقعة عالمية جيوبوليتيكية، تتعدد فيها مسارات التنافس العالمي وتتكثف وتتداخل بين مسارين: الأول دولي جيوبوليتيكي والثاني جيوعسكري، وما بينهما من صراع بالأدوات الضمنية منها السياسية والعسكرية بين نظامي العولمة بقطبيّته الأمريكية الوحيدة، والقوة المفرطة للجيوبوليتيكا الروسية العائدة للساحة العالمية بقوة. تتكثف خلاصتها بالتفارق بين مساري أستانة(1) الجيوعسكري الذي بلغ عدد جولاتها 17 ومن بعده مخرجات سوتشي السياسية بمرجعيته الروسية(2) ، لما سمي بـ “مؤتمر الحوار الوطني السوري”(3) في مدينة سوتشي الروسية بدايات العام 2018، والذاهب باتجاه الاستفراد الروسي بالحل السياسي السوري، وفق حكومة مصالحة وطنية مع تعديلات دستورية تسمح لروسيا لفرض شروطها منفردة على كل من السلطة السورية وقوى المعارضة بآن، وعلى المجتمع الدولي عامة، وتحتل من خلالها موقعًا متقدمًا على خارطة العالم الدولية وهي تقف على تقاطع خطوط الطاقة والغاز العالمي في سورية، وتشرف على البحر المتوسط وتثبت حضورها العالمي كقوة سياسية وعسكرية كقطب ثانٍ، إن لم يكن ندًا عالميًا للولايات المتحدة الأمريكية. في مقابل القرارات الأممية السياسية دوليًا عبر مواقع جنيف المتعاقبة، خاصة تلك المنبثقة عن مؤتمر جنيف-1 في 30/6/2012(4) بمرجعيته الأممية الدولية والتي أوصت بضرورة تشكيل هيئة حكم انتقالي سورية كاملة الصلاحيات؛ وما تلاه من القرار 2254/2015(5) والذي أوصى بحكومة انتقالية تضم (السلطة السورية وقواها المعارضة والمجتمع المدني)، والذي لم يحرز تقدمًا سياسيًا في الحل السوري لليوم، حتى في سلته الدستورية التي بدأت لقاءاتها منذ العام 2019(6).
– من التغيير السياسي إلى التفاوض الجزئي المرحلي، حيث تحولت المسألة السورية وفقًا لخطوط توازن القوة العالمية تلك لجملة من التفاهمات والنزاعات المتداخلة والمتباينة ومحطة صراع سياسي كبير ينذر شرًا عالميًا على أي خرق في خطوط التوازن الممكنة بينهما، تلك التي لم يتأخر هينري كيسنجر، وزير خارجية أمريكيا السابق وأحد أهم راسمي سياساتها الخارجية بقرع جرس انذار امكانية حدوثها مبكرًا، في حديث له مع الديلي سكيب(7) “اذا كنت لا تسمع طبول الحرب تقرع فأنت حكمًا مصاب بالصمم-If You Can’t Hear the Drums of War You Must Be Deaf”. فبين المركزية العالمية بإدارتها الأمريكية والفورة الروسية الساعية لتشكيل قطب موازٍ أو ما أسماه ألكسندر دوغين -المنظر الأكبر للنزعة الروسية هذه- بالمنظومة “الأوراسية”(8) ومركزيتها الروسية، خاصة بخلفيته النظرية السياسية الرابعة(9) التي تحكم التوجهات الروسية العسكرية بالبحث عن محيطها الحيوي الجيوبوليتيكي، الذي يقف في مواجهة النزعة الأمريكية في الهيمنة على العالم بشكل منفرد(10)، وذلك تحت شعار: توازن الرعب العالمي من خلال خطر الحرب المباشرة بين الدول الكبرى العالمية التي تؤدي لحرب نووية تفني الجميع، ما جعل إمكان التفاوض على حلول سياسية مرحلية دونه هو العنوان الأبرز، مترافق مع فرط التغوّل في العنف عندما تتدخل قوة عظمى في منطقة معينة كسورية، حتى لو لم يرض الطرف الأخر عنه، فيما يشبه الفعل الأمريكي سابقًا في افغانستان والعراق وأماكن أخرى عالمية، وتحاوله اليوم روسيا في سورية؛ ويمكن تتبع أحداث وتفصيلات هذا التوصيف للنزاع العالمي، دون الخوض في تفاصيله، بالدراسة المفصلة التي نشرها مركز حرمون للدراسات المعاصرة(11)، حيث أن الدراسة الحالية تذهب باتجاه مباشر للبحث عن الوطنية السورية الممكنة في مسار وأسس سورية مختلف.
– المراوحة بالمكان وانحسار الدور العسكري المعارض في الأرجحية التركية، فالخسارة العسكرية الكبيرة للمعارضة العسكرية السورية وانحسارها في ادلب وشمال حلب وتحت الوصاية التركية، جعلها في موقع متناقض ومتباين، فلا تستطيع الخروج من الوصاية التركية كونها ستخسر آخر مواقعها التفاوضية من خلال ادلب، في مقابل أن الطريق التفاوضي عبر استانة كموقعة تفاوض جيوعسكرية تلغي وتحد من شروط الحل السياسي الممكن الأممي. هذا مع بقاء تركيا في موقع المتأرجح وبشكل متوازي بين تناقضات متعددة أهمها التناقض الروسي والناتو من جهة، ومن جهة أخرى مصالحها كدولة تعمل من خلاله دون المستوى الأول لتلجم أي صدام مع احداهما، وتحافظ على محيطها الحيوي، ما يعني المراوحة بالمكان بالنسبة للمعارضة العسكرية السورية.
– عجز المنظمات العالمية المدنية والحقوقية عن تقديم فاعليتها المنوط بها في مجالات حقوق الإنسان والمواطنة، أمام تغول منظومة العولمة بمصالحها المادية وقوتها العسكرية المفرطة خاصة في جانبها الروسي وبقاء الأمريكان كضابط إيقاع مراقب يتدخل عند تهديد مصالحه الحيوية وأمنه القومي. فاكتفت المنظمات الأممية بالتوثيق ودعم الفكر المدني الهش والضعيف لليوم، وهي لليوم عاجزة عن تفعيل الاطار النظري والفكري والمحتوى الحقوقي لها في خطوات إجرائية تُلمس نتائجها الواقعية على الرغم من آلاف الوثائق المودعة لديها وتدين سلطات الأمر الواقع بجرائم الحرب (المعتقلين، التهجير القسري، الأسلحة المحرمة دوليًا)، مع الكثير من المغالطات في طرح أطر الحل السوري خاصة تقديم الحلول الاقتصادية كاقتراح “اقتصاد التعافي” من قبل الاسكوا(12) أو الدستورية على التغير الديموقراطي دون المساس بجذر الازمة السورية وأصل كارثتها، ما وضع الثقافة العالمية بمحرزها الكوني في الحرية والعدالة والمساواة أمام محك تاريخي ساهم في تعطيل القرارات الدولية المتعلقة بسورية.
– من التحول الديمقراطي الى الصراع على السلطة أيديولوجيًا وعسكريًا وسياسيًا، لدرجة أنها فاقت توصيف الحرب الأهلية لحرب عالمية بالأدوات المحلية. لتندرج تحت هذا التوصيف احتراب الكل السوري ضد بعض مع غياب إمكانية تشكيل تعاقد سوري على طرق الحل والفاعلية والقدرة، وحتى على شروط الحد الأدنى لتحديد الطرق الممكنة للوصول لسورية الدولة. مع بروز التباين الحاد بين مشاريع الأسلمة مقابل العلمنة الأيديولوجية السياسية، ووقوع كليهما بين فكي المراوحة السياسية العسكرية بخلفيتها التركية، والعطالة والعجز العام بخلفيته الأممية والمدنية، وفي الحالين دون فاعلية ترجى سوى المزيد من التشتت بين نماذج وهم القوة (عسكرة مقابل السياسي/ المدني، الأسلمة مقابل العلمنة، وسيل من الأيديولوجيات المتناقضة وغير القادرة على ضبط إيقاع عملها ومسؤوليتها التاريخية والراهنة).
– السلطة السورية تحكم الواقع الداخلي بسياسة الجبروت العام والمنتصر العسكري، ما يظهر سورية اقتصاديًا وسياسيًا خارج التصنيف العالمي بكل المعايير الاقتصادية والعلمية والتربوية والحريات والحقوق العامة (الموثقة بكل أدبيات الأمم المتحدة: 90% دون خط الفقر، وأكثر من نصف سكان سورية بين مهجر داخلي أو خارجي، وأكثر الدول قمعًا للحريات والصحافة وأكثرها انتهاكًا لحقوق الانسان وخارج التصنيف العالمي علميًا وتربويًا…)، رغم النصر العسكري الذي حققته سلطة الأمر الواقع في حدود سورية المفيدة التي تحكمها اليوم. لقد باتت سورية اليوم، وبحكم هذه النزعة العسكرية المفرطة بالتغول السياسي والأمني، ليست دولة بل مشاريع سطوة وهيمنة سياسة الأمر الواقع عبر القوة وفوهة البندقية وهذه لا تبني دولة ولا حلًا سياسيًا بل تقوضها من أساسها، فحسب حنة أرندت “من فوهة البندقية تنبع أكثر القيادات فاعلية، مسفرة عن أكثر أشكال الطاعة كمالًا. أما ما لا يمكنه أن ينبع من فوهة البندقية، فهو السلطة. السلطة تعني قدرة الإنسان ليس فقط على الفعل، بل على الفعل المتناسق، السلطة لا تكون أبدًا خاصة فردية، بل إنها تعود إلى مجموعة ومنتج سياسي يستلزم شرعية وجوده” (أرندت: 40-45-47)(13).

إن قتامة الوضع الراهن بمحتوياته القائمة على انتصار المحور الروسي عسكريًا النسبي يضع المسألة السورية اليوم أمام تساؤلات محورية:
– تلاشي مفاعيل الحل السياسي أمام شروط العسكرة وتغولها وتهجير معظم سكان الداخل السوري، مع بقاء جيب ادلب الوحيد لتواجد قوى المعارضة السورية، ما يضعف موقفها التفاوضي ويلغي كل مفاعيل قرارات جنيف المتعلقة بالمرحلة الانتقالية وينقلها قسريًا، لمرجعية سوتشي كما أرادتها موسكو من جانبها ما يفسر تصريحات لافرينتيف الأخيرة بعد جولة أستانة 17 باشتراطات روسية على اللجنة الدستورية وصلاحيتها.
– الثورة السورية حولت المعادلة العالمية من استفراد امريكي في قطبية نظام عالمي أوحد، إلى إمكانية استيعاب قطب روسي ثاني أثبت توحشه وتغوله وتهديده للسلم العالمي واستقوائه على مقومات الشعب السوري ومحاولة الاستفراد بقراره السياسي عبر طرق الوصاية والهيمنة ذات المضمون الاحتلالي العسكري المحدث.
– خلفت الحرب السورية مجموعة من الفوالق المجتمعية في النسيج السوري، سواء بشكله القومي (كردي- عربي) أو بشكله الديني (سني – علوي/شيعي) أو بشكله الطائفي والمناطقي (أقليات- أكثرية).
– أظهرت الثورة السورية عجز أوروبا عن الاعتداد بتاريخها الديمقراطي الأصلي مكتفية بدور الوسيط بين روسيا وأمريكيا، وربما هو الدور التي لازالت تبحث عنه القوى الوطنية السورية من حيث قدرة الاتحاد الأوروبي على لعب دور فعال في مجالي العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان، المبدئين الواجب تضمينهما في أي دستور سوري قادم.
– رغم التناقضات الدولية القائمة، وسياسة هيمنة القوة إلا أن العنوان الأوضح لليوم: إعادة الإعمار مقدمته الحل السياسي أمميًا، بينما العكس إعادة الاعمار ومن ثم الحل السياسي روسيًا، فروسيا لن تسمح بحل سوري إلا وفق طريقتها، والأمم المتحدة بقرارتها جميعًا لن تواجه روسيا إلا سياسيًا فيها، وطرقها التفاوضية مشروطة بالعقوبات الاقتصادية، ودول المحيط الإقليمي تبحث عن مصالحها المتوازنة من خلال العقدة السورية، والنتيجة السلطة والمعارضة السورية الممثلة شرعيًا تقع خلف هذه المصالح وتنفذ أجنداتها سواء عن حسن نية أو سوئها أو افتراضات حل واهمة، فهل يمكن للوطنية السورية ان تعبر بهذا البحر المتلاطم بطريقة مختلفة؟
– النقطة التي يجب إضاءتها أن روسيا تعتبر سورية بسلطتها وشعبها حقل لمحاربة الإرهاب الدولي فيها، وحقل تجارب لأسلحتها ومناوراتها العسكرية، ومواجهة كبرى دون الحرب الكبرى مع الناتو، فحسب تصريحات وزير دفاعها شويغو: “أفادت الوزارة بأن أكثر من 63 ألفا من العسكريين الروس، بينهم 26 ألف ضابط و434 جنرالا، نالوا خبرات قتالية عملية في سورية، فضلا عن الخبرات التي اكتسبتها 91% من طواقم الطيران الحربي و60% من طواقم الطيران الاستراتيجي الروسية))(14).

المقومات السورية والهوية الوطنية المجردة:
ربما آن الأوان لملامسة النتائج الفعلية، والنتائج أسبابها ذاتها تكمن في السطوة العسكرية والسياسية المنفردة التي تنتج هذه العطالة، بل الكارثة. وحيث لا يمكن حل مشكلة من خلال الأسباب التي أوجدتها حسب أينشتاين، فقد بات من الضرورة إدراك أن وحدانية العمل السياسي والعسكري وفروض شرعيته هي أصل الكارثة، سواء كانت بعثية سلطوية الطابع أو مقابلها علمانية أو إسلاموية أو أداليج (جمع أدلوجة بمعنى أنشوطة على وزن أفعولة) شيوعية أو قومية أو مدنية، وجميعها لا تقبل ببعضها البعض بل بقدر فرض ارادتها على البقية، ولا تقبل الاتفاق والتوافق، وتستمر بالخلط بين السلطة والدولة. وها هي النتيجة لا تخطئها عين أو قلب أم تنتظر أولادها المعتقلون، أو أنامل طفل ترتجف من البرد في مخيمات اللجوء أو قرينه الذي يستعطف المارة على قارعة شوارع دمشق العريقة! ولك أن تعد ولا تنتهي من حجم كوارثنا!
تتحقق الدولة عندما يساهم مجموعها العام توافقيًا على انتاج قوانينها ونظام حكمها وتشريعاتها التي تضمن الهوية الوطنية المجردة Naked Nationality من أي شبهة سلطوية أو نزعة استحواذية للاستفراد فيها سلطوية قائمة أو معارضة بديلة. إنها نموذج الانتقال من الترتيب الهرمي الذي تحكمه سلطة ما، من أعلى قمته بنظام مركزي تسلطي أسماه خلدون حسن النقيب بالدولة التسلطية، إلى مجتمع الحقوق الأفقية المتساوية Horizontal Rights، الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن الهيمنة السلطوية، فحسب تعريف شارلز تايلور “بأنه الانتقال من “الترتيب الهرمي للروابط الشخصية الى الترتيب غير الشخصي القائم على المساواة. من عالم عمودي العلاقات عبر وسيط إلى مجتمعات الوصول الأفقي المباشر” (تايلور، 158)(15) ، وهذا ما يتطلب تغير في العناوين السورية المطروحة، والعمل على إعادة احياء نموذجها الكامن سواء في الداخل السوري المسحوق سياسيًا واقتصاديًا وامنيًا، أو بالوجدان السوري المتضمن نزعته للحرية والكرامة الشخصية والانفتاح العالمي والتعايش السلمي مع المحيط والجيران، أو بطرق وأدوات العمل المتوازية Parallel Methods والمتكاملة فكريًا وسياسيًا واجتماعيًا مع ضرورات توضيح وتفنيد الكوارث التي أنتجتها السياسة العسكرية الانحيازية لجهة السطوة وحسب بكل كوارثها المعلنة داخليًا ومحليًا ودوليًا.
إن الوطنية السورية اليوم أمام مسؤوليتها المباشرة والتاريخية، كما وردت في كلمات أبرهام لينكولن عقب انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية داعيًا الأمريكيين للوقوف بحق أمام استحقاقاتهم التاريخية: “دعونا نقف بشكل فعال وبلا خوف إلى جانب واجبنا….. بفضل نبذ الحقد تجاه أي أحد، وبالإحسان للمجتمع، وبالحزم في الحق، لننجز العمل الذي نقوم به لتضميد جراح الامة، والعناية بمن تحمل عبء الحرب، وأرملته وابنه اليتيم، لنعمل كل ما يحقق السلام العادل والدائم، ورعايته فيما بيننا وبين الأمم قاطبة”(16)، هذه التي يمكن ترجمتها سوريًا بالعمل والتوافق على:
– الاعتدال السياسي وحق الكل السوري، والكل السوري بلا تصنيف ثوري أو سلطوي، ولنقل الوطنية السورية كهوية وطنية مجردة Naked Nationality، يقوم بها رجال دولة State Man من كل الشرائح السورية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والمدنية، البعيدون عن هوس السلطة وشرعيتها السياسية والعسكرية.
– تحيد نزعة الهيمنة والاستفراد السياسي أو العسكري بكل أصنافها الموالية والمعارضة.
– الحقوق المتساوية والأفقية Horizontal Rights لكل السوريين دون نزعات الفوقية أو الدونية السياسية أو الحزبية أو الأيديولوجية، بما تحتويها من عدالة انتقالية وحقوقية تشمل كل السورين دون تميز عرقي أو طائفي أو ديني أو سياسي وأيديولوجي.
– العدالة والحقوق والانصاف لكل مكونات الشعب السوري، والذي بات كل يحمل مظلوميته الخاصة دون مستوى الارتقاء للمظلومية العامة السورية وهويتها الوطنية.
– الدستور والتعاقد الرضائي التوافقي هو هوية الدولة، والدين والتدين ميراث ثقافي عام وممارسته جق مكفول للعموم ولا نزاع حوله.
– العمل على أسس مقومات الدولة ومحددات صناعة حدثها العام، والمحتوية تناقضاته، والقارئة لمشهده العام وعقده الدولية وكوارثه المحلية، وامتلاك القدرة على ملئ فراغه السياسي وحيد الاتجاه، وشق مسار لتوليد سلطة الكل السوري وحقه العام في الحرية والعيش الكريم، حسب كلمات جون لوك “ولِد الإنسان وله الحق في الحرية الكاملة ولكل فرد الحق في الحرية لشخصه؛ لا أحد لديه أي سلطة على هذا – إنه متاح بالكامل له لاستخدامه كما يشاء” (لوك: 190)(17)، كما اجازها الصحابي الفاروق عمر بن الخطاب قبله “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارًا”.
– ضرورة العمل على التمايز بين طرق الحل العسكري والسياسي، وإمكانية إيجاد نقاط التوازن والتحديد المرحلي بينهما، ما يقتضي خوض مفاوضات شاقة وطويلة مع الفاعل الروسي المحوري في المسألة السورية، مع الارتكاز لنقاط القوة الدولية والإقليمية متمثلة بالقرارات الأممية والادوار العالمية التي تحد من السطوة الروسية والعقوبات الاقتصادية وتحويل مسارها من ملفات تفاوض بين الدول إلى ملفات لمصلحة الشعب السوري وهذه خطوات إجرائية يحتاج بحثها ضمن قواعد الوطنية السورية أعلاه، وبطرق العمل المتوازيةParallel Methods والمتناغمة معًا.

سورية المستقبل دولة سلام:
سورية التي يريدها السوريين بعد طول استنزاف رغم قتامة المشهد القائم، وتباين المصالح العالمية فيها هي:
– دولة سلام واستقرار في محيطها الحيوي العربي والإقليمي.
– تلتزم بالمواثيق والمعاهدات الدولية والعمل على إرساء السلام مع دول الجوار كافة.
– تعمل وفق مرجعية الشرعة الدولية لحقوق الانسان وعلى أسس البرلمانية الدستورية وحرية الاقتصاد والتنافس والتجارة ومنفتحة على دول العالم المتقدم خاصة الاتحاد الأوروبي.
– تنبذ التطرف وأنظمة العسكر وكل أشكال الغلو السياسي أو الديني، ومنبر للحريات السياسية والتعددية الدينية والعرقية تسود فيها سمات التعايش السلمي تحت عنوان المواطنة وسيادة القانون.
– تحقيق الوطنية السورية هذه سيكون مولد للسلام العالمي، وتخفيف لوطئة المشاريع الجيوبوليتيكية العالمية وحدة تناقضاتها الروسية الأمريكية دوليًا، والتركية الخليجية والإيرانية اقليميًا، وستخفف الاحتقان العالمي على طرق الغاز ونقل الطاقة ولن تكون شرًا على دول الجوار ولاعبيه الخفيين خاصة الإسرائيليين. كما ان حل عقدتها بطريقة مختلفة عن السائد لليوم سيمهد لقرن جديد من إمكانية التعايش السلمي العالمي تحت عنوان عريض هو مصلحة الكوكب العالمي؛ مع أن السوريين بذواتهم وامكانياتهم لم يريدوا سوى حريتهم وكرامتهم كباقي شعوب الأرض، لكن عهر ومكر التاريخ أوقعهم في مأزق التناقضات الدولية وعصر “التحول الكبير” العالمي كما أسماه كارل بولاني(18).
هي سورية الهوية الوطنية التي قضى من أجلها، ملايين المهجرين قسريًا، ومئات آلاف الضحايا والمعتقلين وآلام فاقت ألام حرب عالمية، هي اليوم وطن منكوب عسكريًا وسياسيًا ومدنيًا واقتصاديًا، ولا يمكن استرداد مقومات وجودها بلا التخلص من الاستبدادين العسكري والديني، وترسيخ أسسها على القواعد والمعايير العامة لأية وطنية في العالم، هي الوطنية المجردة والحقوق الأفقية المتساوية وطرق العمل المتوازية والتي تخلص لتشريع محلي مفاده:
– الحريات العامة السياسية والشخصية مصانة ويكفلها القانون.
– حق المرأة في الحياة السياسية والمدنية كفرد مستقل لا كذات تابعة.
– حرية الاعتقاد والإيمان وممارسة الشعائر الدينية وحق ممارستها في دور العبادة.
– حرية الرأي والكتابة والنشر والاعتصام السلمي.
– الدولة هي دولة المواطنة الحيادية تجاه كل مكونات الشعب المدنية والأهلية، السياسية والدينية، وتقوم على حدود ثلاث: فصل الدين عن الدولة والحياة السياسية، وتحييد العسكر عن الحياة السياسية، والثقافة كما القضاء حالة مستقلة يجب استقلالها المادي والمعنوي.
– قيمة الفرد قيمة عليا تستمد مقوماتها من قيم العمل الثلاث: التخصص، الكفاءة، الإبداع.
– الحق والحرية والكرامة هي مصدر التشريع الدستوري والقانون الوضعي بما تتضمنه من عدالة اجتماعية وانتقالية، وتكافؤ الفرص.
– نظام الحكم برلماني لامركزي الإدارة الذي يحد من الصلاحيات المطلقة للسلطة ويفتح المجال لعمل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ويتيح المجال أمام التحالفات السياسية دون هيمنة سلطوية أو أمنية.
– استقلال القضاء عن أية سلطة سياسية كانت علمانية أو إسلامية. وتحديد دور الأجهزة الأمنية وحصرها في حماية القانون الوضعي وتنفيذ القرار القضائي.
– التنافس الاقتصادي وفتح البوابة للمواطن السوري في الداخل والخارج لحرية الاستثمار والادخار.
– هذا مع الاحتفاظ بجيش وطني موحد يتجاوز اللامركزية الإدارية ومهمته حماية الحدود فقط.

فهل هذا خطر على العالم؟ أم أبسط الحقوق الوطنية التي تنعكس على الجميع في الداخل والخارج السوري دون تصنيفات جزافية بين موال ومعارض، وعلى الدول في تشابكاتها وخلافاتها التي تصر على تصفيتها من وعلى سورية…

*كاتب وباحث سوري في الدراسات الفكرية والسياسية.. دكتوراه في الفيزياء النووية.. مستشار في مركز أسبار للدراسات والبحوث

المراجع:
بنود اتفاق أستانا RT-Arabic، 15/9/2017 . https://arabic.rt.com/middle_east/899088
مؤتمر_سوتشي https://ar.wikipedia.org/wiki/
مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري، https://www.alsouria.net/content
http://www.shrc.org/wp-content/uploads/2014/01/security-council.pdf
الأمم المتحدة، قرارات مجلس الأمن، https://undocs.org/ar/S/RES/2254(2015)
الأمم المتحدة، قرارات مجلس الأمن، https://news.un.org/ar/tags/lljn-ldstwry-lswry
http://www.dailysquib.co.uk/world/3089-henry-kissinger-if-you-cant-hear-the-drums-of-war-you-must-be-deaf.html
أوراسيا كلمة أريد الجمع فيها بين أوروبا وأسيا على المستوى الجيوبوليتيكي أو الجيوسياسي، وكانت هي الدائرة الثالثة في المجال الحيوي لروسيا والقاضية بوصل القارتين عبر سورية وبدءا من إيران وتركيا.
Alexander Dugin, “The Fourth Political Theory”, Translated by: Mark Sleboda & Michael Millerman, 1st edition, ARKTOS MEDIA LTD, London, 2012.
ألكسندر دوغين، “المشاكل الجيوبولتيكية وقوانين المدى الكبير والعولمة والمفارقة الروسية”، مركز كاتخيون للدراسات، 14/10/2016.
جمال الشوفي، جيوبوليتيكا الدوائر المتقاطعة، سورية في عالم متغول، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 26/4/2018.
سورية بعد ثمان سنوات من الحرب، الاسكوا، 2020، https://publications.unescwa.org
أرندت، حنة، في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، بيروت، دار الساقي، 2015، ص 40-45-47.
https://arabic.rt.com/middle_east/964958الدفاع الروسية الجيش السوري استعاد %96.5 من الأراضي السورية منذ بدء العملية العسكرية الروسية
Taylor, Charles. 2004. Modern Social Imaginaries. Durham: Duke University Press. P 158.
معدى، الحسيني الحسيني، موسوعة أشهر الثوار في العالم، 2012، دار النهار، القاهرة، ص 7.
لوك، جون، رسالتان في الحكم، بلا دار نشر، 1689.
Polanyi, Karl. 1994. The Great Transformation; the Political and Economic Origins of our Time. New York: Beacon Press.

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa