الرئيسيمقالات

التنظيمات الإسلامية الأفغانية المسلحة (البدايات، والزعامات)

د. علي صالح حمدان حامد

أولا/ أفغانستان تحت وطـأة حملات القتل (1973- 1986)
تقع أفغانستان عند مفترق طرق آسيا الوسطى وجنوب آسيا وغربها والشرق الأوسط كما هو معلوم، وهي بلد غير ساحلي تحيط بمعظم أنحائه جبال وتلال وعرة، وتشترك أفغانستان في حدود مع طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان في الشمال، ومقاطعة كسنجيانغ الصينية في الشمال الشرقي؛ وجمهورية إيران الإسلامية في الغرب؛ وباكستان في الشرق، وتعد العاصمة كابول من أكبر المدن ويقدر تعداد سكانها بنحو 2.55 مليون شخص، وتشمل المدن الرئيسية الأخرى التي يزيد عدد سكانها عن 000 50 نسمة هيرات، وقندهار، ومزار شريف، وجلال آباد، وقندوز، ويتراوح تقدير سكان أفغانستان بين 24 مليون و28 مليون نسمة بمن فيهم اللاجئون في بلدان أخرى().
تمتعت أفغانستان بأطول فترة من السلام والاستقرار النسبي في عهد الملك ظاهر شاه (1933-1973)، إلا أنها شهدت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، تحديثًا تدريجيًا ولكن بمؤشرات اجتماعية منخفضة، وعاشت حالة من عدم الاستقرار المتزايد، أدى إلى انقلاب غير دموي من قبل ابن عم الملك محمد داود في عام 1973، والذي أقام جمهورية بدلا عن النظام الملكي المتوارث هناك ().
تطورت الأوضاع في أفغانستان بصورة متسارعة، عندما أطاح حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني وهو تحالف للأحزاب السياسية الشيوعية، بالنظام القومي بقيادة محمد داود في نيسان 1978، جنبًا إلى جنب مع ضباط في الجيش والقوات الجوية الأفغانية، ولكن في غضون فترة قصيرة، أثارت جمهورية أفغانستان الديمقراطية الجديدة، غضب الجماعات الأفغانية الرئيسية، التي شنت هجمات لإسقاط النظام الجديد().
من جهة أخرى، دفعت الاضطرابات المتزايدة، موسكو إلى تقديم المساعدة العسكرية لدعم الحكومة الضعيفة في كابول، ومع اتساع الاضطرابات، اتسع نطاق التدخل السوفياتي، وبدأ الاحتلال السوفيتي في نهاية عام 1979، وأدى إلى الصراع المنهك بين الأطراف المتنازعة يوما بعد يوم().
على الرغم من أن الحرب وقعت بشكل أساسي في الأرياف، إلا أن الحكومة الأفغانية واجهت معارضة من سكان الحضر أيضا، على سبيل المثال ثارت مدينة هرات وخرجت عن سيطرة الحكومة لمدة أسبوع كامل، وتسبب القمع الذي أعقب ذلك في مقتل ما بين 10000 و 20000 شخص، كذلك شهدت العديد من المدن تمردًا وإضرابات تجارية واحتجاجات طلابية، ففي كابول حشدت مختلف الفئات الاجتماعية ضد النظام، على الرغم من أن الوجود الكبير لأجهزة المخابرات وحظر التجمعات العامة، كانت تحد من التواصل والاحتجاجات في الاسواق بصورة واضحة، ففي المظاهرة الطلابية أقامتها مدرسة للبنات في زرغونة بمناسبة الذكرى الثانية للحكومة الشيوعية، أدت عملية إطلاق النار التي نفذتها الشرطة في وجه المتظاهرين، إلى مقتل العديد من الطلاب العزل().
زادت القوات القتالية السوفيتية من عملياتها المباشرة في أفغانستان، وانتشرت في أنحاء البلاد بحلول عام 1981، بسبب القتال العنيف مع المقاومة الوطنية، وازاء ذلك قامت التنظيمات الاسلامية المكونة من عدة كيانات متشظية منظمة حول شخصيات وغالباً على أسس عرقية، بتوسيع هجماتها ضد القوات المدعومة من السوفييت، اذ تشير الدلائل إلى أن العنف ازداد بين عامي 1983 و1986، عندما كانت الهجمات السوفيتية واسعة النطاق في ذروتها، بسبب استهداف القوات السوفيتية المدنيين بانتظام ونشر الألغام الأرضية في أنحاء البلاد بما في ذلك المناطق الحضرية، لذا تصاعد العنف أيضًا خلال هذه الفترة حيث زاد االمعارضون من أنشطتهم بأسلحة جديدة قدمتها الولايات المتحدة لهم()، مما أدى انسحاب 100000 جندي سوفيتي من أفغانستان، وكانت المرة الأولى التي ينسحب فيها الجيش الأحمر تحت نيران شعب احتلتهم منذ الحرب العالمية الثانية ().
عموما، تجاذب الحالة الإسلامية الدينية اتجاهان في أفغانستان منذ عام 1979، أولهما الاتجاه التقليدي المدارس الشرعية، والصوفية التقليدية()، لاسيما أن السوفييت تعاملوا بقسوة مع المتمردين وأولئك الذين دعموهم، فدمروا قرى بأكملها لحرمان أعدائهم من الملاذات الآمنة، إلا أن الدعم الأجنبي للمتمردين، تدفقت من إيران وباكستان والصين والولايات المتحدة، في الصراع الذي دام تسعة اعوام، وقُتل ما يقدر بمليون مدني، بالإضافة إلى 90 ألف مقاتل من المتمردين، و 18 ألف جندي أفغاني، و 14500 جندي سوفيتي ().
ساعدت عوامل كثيرة على تقوية الحركات الإسلامية المسلحة في أفغانستان، منها الدعم الأمريكي للمقاتلين الأفغان في الثمانينيات، فضلا عن كونها تشكل الهوية القومية الإسلامية التي نمت بقوة في العالم العربي في السبعينيات وبسبب منافسة النخبة بين الإسلاميين المنفيين في المنظمات الإسلامية الدولية والأنظمة الإسلامية، كما روج النشطاء لخطاب التهديدات الخارجية للأمة الإسلامية وأنشأوا شبكة عالمية من الجمعيات الخيرية الإسلامية، تمكنت من تجنيد مقاتلين باسم التضامن بين المسلمين على الدوام ().

ثانيا/ بدايات ظهور الحركة الإسلامية الأفغانية
امتد تأثير مدرسة الإمام المودودي الدينية()، في شبه القارة الهندية إلى أفغانستان مع مرور الوقت، وتأثر بها العديد من الشباب الأفغاني، لاسيما شاب أفغاني مميز، يعد مؤسس ومفكر الحركة الإسلامية في افغانستان بحسب مصادر عدة، ويقصد به غلام محمد نيازي، المولود في عام 1931 في قرية رحيم خيل بمديرية أندار بولاية غزنة، والذي أكمل تعليمه الثانوي والعالي في مدرسة أبو حنيفة في كابول وأرسل إلى مصر للدراسة في الأزهر، حيث واصل دراسته وحصل على شهادة الماجستير، وفي القاهرة، ارتبط بجماعة الإخوان المسلمين، وأصبح أحد أتباعها ().
لاحقا، تولى غلام محمد نيازي عمادة كلية الشريعة في كابل بعد عودته أيام حكم الرئيس محمد داود ()، وانخرط في أنشطة دعائية وسياسية في جامعة كابول، والتي تبلورت كحركة إسلامية، وكان لكتلته تلك تأثير واضح على شباب أفغانستان عبر إنشاء تيار جديد وأفكار جديدة تختلف عن الفكر الديني المعروف، وكان ممن تأثر به شخصيات لها القدرات والإمكانات الواضحة، عملت بقوة على الاستفادة من نموذج الجماعة الباكستانية، والإخوان فيما بعد ().
لقد كانت بداية الحركة الإسلامية الأفغانية في الفترة التي سبقت انقلاب محمد داود، عبر انفعالات الطلاب ومعلمي المدارس والجامعات ضد الأفكار والتصريحات والدعاية كانت روجتها الأحزاب الشيوعية في المنطقة ()، إلى أن قام غلام محمد نيازي بتأسيس أول كتلة إسلامية عملت على بث أفكار التنظيمات الإسلامية، وضمت كل من: م. حبيب الرحمن، غلام محمد نيازي، الشيخ حبيب الرحمن، د. محمد عمر، غلام رباني عطيش، أ. عنايت الله ()، ثم جرى تشكيل حزبي الجماعة الإسلامية والحزب الإسلامي داخل الحركة لاحقا، واعتقل غلام محمد نيازي في 5 شباط 1974 مع عدد من رفاقه من قبل حكومة محمد داود بتهمة التآمر لاسقاط الحكومة الافغانية ().
بدورها، تؤكد الجمعية الإسلامية في أفغانستان عبر ادبياتها المعروفة، أن تاريخ إنشاء الحركة الإسلامية يعود الى عام 1957، وانها ظهرت على يد غلام محمد نيازي وعدد من المقربين منه مثل: محمد موسى تافانا، وفي الله سميعي، محمد فاضل، عبد العزيز فروغ، أحمد مترجم وإرشاد، الا ان غلام محمد نيازي استقال من قيادة الحركة عام 1972 لأسباب أمنية ولكنه ظل الزعيم الفكري والروحي خلف الكواليس، وسميت قيادة الحركة الإسلامية بالجمعية الإسلامية في أفغانستان من قبل برهان الدين رباني عام 1972، في اجتماع ضم: برهان الدين رباني أمير عام ورئيس المجلس التنفيذي، عبد الرسول سياف نائب الامير، حبيب الرحمن أمين سر ومسؤول عن تنظيم ضباط الجيش، سيف الدين نصرتيار مسؤول تنظيم الشباب، مولوي حبيب الرحمن مسؤولا عن تنظيم العلماء، عبد الرحمن م مسؤول الشؤون المالية، مولوي عبد الباري مكلف بتنظيم الفلاحين والعمال، محمد موسى تافانا مسؤول الشؤون الثقافية، نورالله عماد مسؤول التنظيم في هرات، عبد القادر تفانة مسؤول التنظيم في بلخ، غلام محمد نيازي مسؤول الشؤون السياسية، وشارك في اللقاء عناية الله شدّاب، وغلام رباني عطيش ايضا ().
أما قلب الدين حكمتيار مؤسس الحزب الإسلامي ()، والذي كان طالبا في كلية الهندسة وقتذاك()، فيؤكد أنهم عقدوا الاجتماع القيادي الأول للحركة الاسلامية في ربيع 1965، في منطقة شاكاردارا بكابول تحت تسمية حركة الشباب المسلم، وتألف أعضاء الاجتماع من أحد عشر شخصًا، بقي قلب الدين حكمتيار وحده من بينهم حيا، وهم كل: عبد الرحيم نيازي، مهندس حبيب الرحمن، سيف الدين نصراتيار، قلب الدين حكمتيار، مدرس جول محمد، مدرس غلام حبيب، عبد القادر تافانا، سيد عبد الرحمن، د.محمد عمر، مولوي حبيب الرحمن، خواجة محفوظ().

ثالثا/ التنظيمات المسلحة السنية في أفغانستان
ظهر في فترة السبعينيات والثمانينيات عدد من التنظيمات المسلحة الاسلامية السنية في افغانستان من أبرزها:
– الجمعية الإسلامية بزعامة برهان الدين رباني
أعلن الإسلاميون الذين اكانوا عيشون في المنفى في بيشاور، أنشطتهم الحركية على الملأ بقيادة برهان الدين رباني مع انقلاب حزب الشعب الديمقراطي في ايار1978، اذ كان معظم هؤلاء ينتمون للمدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية والحكومة السابقة، لاسيما ان حزب الشعب الديمقراطي الحاكم كان قد استعد للانتفاضة الشعبية الأولى في وجهه منذ الأسابيع الأولى من استلامه للحكم، ونُفذ تحركاته العسكرية في بعض مناطق ولايتي بكتيا وكونار، بالمقابل نشطت مكاتب الحزب الإسلامي في بيشاور ضد حكومة كابول بدعم من قادة الأحزاب الإسلامية في باكستان وضباط المخابرات الباكستانية والمنظمات الإسلامية، وحققت نتائج إيجابية شجعت الأحزاب الإسلامية المسلحة لخوض هذا المضمار ().
-الحزب الإسلامي الأفغاني بقيادة قلب الدين حكمتيار
أسس قلب الدين حكمتيار الحزب الإسلامي في المهجر؛ حيث كان قد اتفق مع برهان الدين رباني عام 1974 على إعادة تنظيم الجمعية الإسلامية الأفغانية في المهجر في منطقة بيشاور الباكستانية، على أن يتولى رباني رئاسة الجمعية وشؤون العلاقات الخارجية بينما يتولى قلب الدين حكمتيار الشؤون الداخلية والعسكرية، ولكن سرعان ما تفجرت الخلافات بين الاثنين وتطورت حتى خرج قلب الدين حكمتيار من الجمعية ليؤسس الحزب الإسلامي عام 1976().
ضم الحزب الإسلامي الأفغاني عدد من الشباب المقاتلين الذين تأثروا بغلام محمد نيازي ()، وبرز من بينهم قلب الدين حكمتيار الذي ولد في 26 حزيران 1947 في منطقة الإمام صاحب في ولاية قندوز، اذ كان أسلافهم رؤساء قبائل، حيث هاجر والده غلام قادر من ولاية غزنة إلى قندز، والتحق قلب الدين حكمتيار بكلية مهتاب قيلا العسكرية عام 1968، ولكن في غضون عامين، وبسبب آرائه السياسية المثيرة للجدل، طُرد من تلك الكلية، والتحق بجامعة كابول لدراسة الهندسة من عام 1970 إلى عام 1972، لكنه فشل في إكمال شهادته، خلال ذلك الوقت، انضم إلى حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني، الى ان تم القبض عليه في عام 1972 بتهمة قتل زميل ماوي الطالب في جامعة كابول. ومع ذلك، أطلق سراحه في عفو عام، وبعد الإفراج عنه، انضم إلى منظمة الشباب المسلم، التي أصبحت قاتلت ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. ومع ذلك، وبسبب وجهات نظر قلب الدين حكمتيار المختلفة لم يسمح له شباب آخرون في الحركة، كانوا مقربين من أحمد شاه مسعود، بالحصول على موطئ قدم بينهم، اذ كان أحمد شاه مسعود يدرس أيضًا في جامعة كابول في ذلك الوقت ().
يؤكد المقربون من قلب الدين حكمتيار أنه أحد أهم مؤسسي الحركة الإسلامية الأفغانية وأول من بدأ الجهاد المسلح ضد حكومة محمد داود والحكومة الشيوعية، إلا أن طموحه جعله متغطرسًا، إذ كان من رسخ مفهوم أن حركة أفغانستان الإسلامية تناضل منذ البداية من أجل تحقيق الثورة الإسلامية، وأنه تم اتخاذ قرار إنشاء حكومة إسلامية بشكل حاسم، ويذكر أنه في إحدى مظاهرات الحركة الاسلامية في كابول، جاء إليه أحدهم وقال له أن صبغة الله مجددي يريد المشاركة في مظاهرتهم تلك، فهل يسمحوا له؟ إلا أنه أجاب: الحركة ليست سوى مكان للاشخاص الملتزمين والثوريين ().
-حركة الثورة الإسلامية بزعامة محمد نبي محمدي
هي إحدى التنظيمات المعروفة، حيث تأسست حركة الثورة الإسلامية الأفغانية (انقلاب إسلامي أفغانستان) بزعامة مولوي محمد نبي محمدي ()، في عام 1973، والذي كان رئيسا لجمعية خدام الفرقان سابقا، معلنا بذلك الكفاح المسلح ضد الحكومة القائمة()، حيث برزت نشاطات مولوي محمد نبي محمدي في محافظة لوجارتولد، ووالذي ينتمي إلى قومية البشتون، وكان قد أصبح عضوًا في الجمعية الوطنية، ثم لجأ إلى باكستان في ظل حكم حزب الشعب الديمقراطي، واصبح مدرسا في إحدى المدارس الدينية في الكويت، الى ان جرى إحضاره إلى بيشاور وأسس تحالفًا باسم الجماعة الإسلامية، لكن التحالف انهار ولم يحافظ على بقائه، لاسيما ان التنظيم الأهم في التحالف ومن الحركة الإسلامية، كان يتألف من علماء تقليديين من المجتمع الأفغاني (الملالي) ().
تركز عمل التنظيم المسلح في المقاطعات الأفغانية الجنوبية والشرقية في قندهار، وهلمند، وأروزكان، وغزني، وبكتيكا، ووردك. ومع ذلك، لم تكن جماعة قوية أو مؤثرة ، خصوصا ان الدعم له تناقص بحلول عام 1984، فضلا عن افتقاره إلى هدف سياسي واضح بعد وفاة زعيمه محمد نبي محمدي في باكستان، حيث تولى قيادة الحركة نجله أحمد نبي محمدي، وفي ظل قيادته، جرى تغييّر اسم التنظيم إلى حركة الثورة الإسلامية والوطنية في أفغانستان().
-الاتحاد الإسلامي الأفغاني بزعامة عبد الرسول سياف
يعد عبد رب الرسول سياف مؤسس تنظيم الاتحاد الإسلامي الأفغاني، والذي ولد في مدينة بغمان في كابل عام 1944()، وبدأ دراسته الابتدائية في مدرسة بغمان الشرعية للعلوم الإسلامية ثم أنهى دراسته هناك، وتم إرساله الى كلية الشريعة بجامعة كابول، ثم الى مصر وتابع دراسته في العلوم الإسلامية وتخرج بدرجة الماجستير من جامعة القاهرة، وعاد أستاذاً في كلية الحقوق بجامعة كابول، وفي عام 1974 تم سجنه وقضى بعض الوقت في سجن بول الشرقي وبعد الافراج عنه من السجن، لجأ الى باكستان وكان في استقباله مجاهدي الأحزاب الإسلامية في باكستان ()، ومع انه كان أحد تلامذة برهان الدين رباني، الا انه أسس الاتحاد الإسلامي بعد خروجه من السجن عام 1982، وكان قادة الاتحاد الإسلامي من حيث الانتماء العرقي والانتماء، ينتمون إلى قومية البشتون بالدرجة الاساس ()،
استفاد سـياف من مقدراته الخطابية في الترويج لحزبه منها أنه يتحدث بلغة الباشتو والداري والفارسية والعربية، ويمتلك الحجة القوية في الخطابة ويسحر المستمعين الى أقواله، ولكن وبالرغم من براعته في البلاغة لم يكن قادراً على تشكيل حزب فاعل، حيث غادر بيشاور بعد في ربيع 1992، وجاء الى كابول ().
-الجبهة الوطنية لإنقاذ افغانستان بزعامة صبغة الله مجددي
أسس صبغة الله مجددي جبهة الوطنية لإنقاذ افغانستان، ومعلوم أنه الذي ينتمي إلى عائلة مجددي ذات الاقطاعات والنفوذ الواسع في أفغانستان، وبسبب إجراء الحكومة ضد أسرته عاد وأسس حبهته التي ترفع الشعارات الإسلامية ()، لاسيما أن صبغة الله مجددي، يعد زعيما روحيا لطريقة صوفية في الوقت ذاته ().
-الجبهة الإسلامية الوطنية الأفغانية بزعامة أحمد جيلاني
أسس سيد أحمد جيلاني، وهو أيضا شيخ طريقة صوفية وكان مقرباً للرئيس السابق محمد داود، الجبهة الإسلامية الوطنية الأفغانية ()،في عام 1979 في بيشاور، ومن المهروف ان سيد أحمد جيلاني ولد وسط عائلة متصوفة، جاءت إلى أفغانستان من العراق قبل ولادته، واستقرت في الباغبار بإقليم ننكرهار، عاش والد سيد أحمد جيلاني في ننكرهار وكابول، وبعد وفاته، أصبح ابنه قائدًا لتلاميذ والده على الطريقة القادرية، وكان بالإضافة إلى قيادة اتباعه في القادرية كان وكيلا لشركة بيجو في كابول، كما أقام علاقات قرابة مع العائلة المالكة، وبعد انقلاب حزب الشعب الديمقراطي، سافر إلى باكستان وواصل أنصاره وأتباعه كفاحهم في مناطق شرق وجنوب البلاد ضد حكومة حزب الشعب الديمقراطي ، واصبح ابنه حامد جيلاني مسؤولاً مهما في الحزب لاحقا ().
-مجلس الرقابة (شورى النزار)
وضع أحمد شاه مسعود في اجتماع ضم قادة التنظيمات الإسلامية الأفغانية في باروان وكابيسا وتخار، بغلان وبدخشان وقندوز، الأساس المتين لتنظيم جماعة سياسية عسكرية في قرية شرشر ناحية عشقامش، سميت (شورى النزار) كحزب مستقل بين الأحزاب والجماعات الأفغانية الفاعلة الأخرى، حيث دخل المجلس عمليًا الى أفغانستان بدعم من السكان الذين رحبوا به، وكان احمد شاه مسعود القائد الوحيد الذي وضع استراتيجية فعالة للإطاحة بالسوفييت وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية لبلاده، حيث اشتهر كقائد أعلى للمعارضة المسلحة في الداخل، و على الرغم من عدم تخصصه في الشؤون العسكرية، إلا أنه أظهر مقدرة كبيرة في هذا الصدد ().
-الحزب الإسلامي بزعامة محمد يونس الخالصي
انشق عن الحزب الاسلامي الذي يقوده قلب الدين حكمتيار، إثر اختلاف قائده محمد يونس خالص وهو عالم كبير في السن مع قلب الدين حكمتيار على قيادة الاخير لحزبه في باكستان()، ومثل العديد من مؤسسي الجماعات الأخرى، ينتمي محمد يونس الخالصي إلى قومية البشتون وتحديدا لمنطقة خوجياني من إقليم ننكرهار، ولم يكن قد اكمل تعليمه الحديث، الا ان شخصيته كانت قريبة جدا من المحيطين به، لاسيما أنه يبدو مسنا بلحية طويلة يجسد الموروث الثقافي لقبائل البشتون، و عالمًا دينيًا تقليديًا ، وهو في كثير من الأحيان ظهر لاتباعه منسجما مع أفكار الإخوان في الحركة الإسلامية، كما انه يمتلك أفكار محافظة ومتطرفة ويعد الانتخابات غير شرعية، ولديه تحيز لغوي وعرقي وديني قوي في هذا المجال ().

رابعا/ الحركات المسلحة الشيعية في أفغانستان
ينحدر الشعية الأفغان من أقلية الهزارة التي جاءت من المرتفعات الوعرة في وسط البلاد، ويعتقد أنهم ينتمون لسلالة جنكيز خان الغازي المغولي الذي سيطر على أفغانستان في القرن الثالث عشر، ويشكلون ما بين 10 إلى 20 بالمئة من سكان افغانستان، وتشير بعض التقديرات إلى أنّه جرى القضاء على قرابة نصف الهزارة في نهاية القرن التاسع عشر، مع سيطرة البشتون، على معاقلهم التقليدية. وعبر قرون، تعرضت هذه الأقلية للعبودية والاضطهاد الديني والاقتصادي، بالإضافة إلى الترحيل والتطهير العرقي().
وجدت عدد من التنظيمات السياسية الشيعية في أفغانستان ضمن التنظيمات السياسية ذات التوجه الاسلامي، ففي عام 1979، شكلت المنظمات الإسلامية الشيعية ائتلافا يسمى (جبهة تحرير الثورة الإسلامية الأفغانية) في طهران، وكانت المنظمات المتحالفة هي: الحركة الإسلامية الأفغانية، منظمة نصر الأفغانية، رجال الدين الشباب بأفغانستان، القوات الإسلامية لأفغانستان، حركة مجاهدي خلق أفغانستان، حركة اتحاد العلماء الأفغان المحرومون في أفغانستان، ومجلس الوحدة الإسلامية في أفغانستان، وحزب الرعد أفغانستان الإسلامية، لكن التحالف سرعان ما تفكك وخرجت كل منظمة على حدا تحت التوجيه والوصاية من قبل دوائر مختلفة من الحكم الإيراني (). عموما أبرز التنظيمات كانت:
-جماعة النصر لأفغانستان
مؤسسها التاريخي هو عبد العلي مزاري الذي ولد في قرية صغيرة بمحافظة بلخ شمال أفغانستان، وسط عائلة ملتزمة و معروفة بالتدين عام 1943، وقد قتل والده واثنان من إخوته وعدد من أبناء عمه رمياً بالرصاص بتهمة تحريض الناس على الثورة ضد النظام والدعوة إلى الجهاد، أنهى تعليمه الابتدائي في قريته ثم انتقل إلى مزار شریف لإكمال، وبتشجيع من أساتذته هاجر إلى الحوزة العلمية في قم لإكمال دراسته عام 1971، و قد تتلمذ على يد علي الخامنئي و الشيخ المشكيني و الشيخ جوادي آملي و الشيخ خزعلي، لكنه اعتقل في طهران بتهمة التعاون مع المعارضة الإسلامية، و تعرض لتعذيب شديد في المعتقلات، وتم إطلاق سراحه وإبعاده قسراً من إيران إلى أفغانستان، وفي أفغانستان بادر إلى تأسيس مكتبة عامة في مزار شريف و مركز إسلامي ثقافي، و لكنه اضطر إلى الهجرة من جديد فاتجه إلى باكستان ومنها إلى سوريا، وفي لبنان كان على معرفة ب موسى الصدر و السيد عباس الموسوي فتوجه إلى لبنان والتقى بالإمام السيد الموسوي في عام 1978 عاد إلى البلاد و اجمتع بالعلماء والشخصيات الفكرية والثقافية والاجتماعية بهدف تشكيل جبهة مقاومة والتصدي للنظام الشيوعي، و في صيف عام 1980 أسس منظمة نصر الإسلامية الذي تحولت إلى واحدة من الفصائل الجهادية في افغانستان واستطاع بالتعاون مع الفصائل الإسلامية الأخرى تحرير مناطق هزارستان من القوات السوفيتية، وعندما تحالفت حركة طالبان مع قوات برهان الدين رباني لمحاربته، حاول التفاوض مع حركة طالبان، الا انهم قاموا باعتقاله وتعذيبه مع الوفد المرافق له أثناء فترة المحادثات وقتله مع مرافقيه ().
-حزب الرعد الإسلامي لأفغانستان
تأسس حزب الرعد الإسلامي في أفغانستان عام 1979 على يد زاده خزاعي، وكان من أوائل الجماعات الجهادية الشيعية التي قامت بعمل عسكري ضد النظام الشيوعي في أفغانستان في 15 اذار 1980، حيث وزع الحزب منشورات وملصقات متنوعة تدين النظام الشيوعي داخل وخارج هرات، كما أصدر منشوراً بعنوان “بيكار” أطلق عليه فيما بعد اسم “بيكار إسلامي”، وكانت هناك أيضًا كتيبات بعنوان “بايام نور” وكتابات السيد تابيش تحت اسم الحزب الإسلامي رعد. كان للحزب الذي يعتبر نفسه حزب الله في أيديولوجيته، مجلس مركزي من حيث التنظيم، و أعضاء المجلس المركزي ومسؤوليه على النحو التالي: المركزي، سعدات ملوك تبش مسؤول ثقافي، وكيل غول محمد، ضابط عسكري، سيد حسن روح الله بلخيبي، دانيش ساربول، يعقوب علي جوهاري، بارات علي جبرايلي، الحاج غلام رضا خزاعي، نور الله فوسوغ، فضل الله زرقوب، غلام حسين (عبد الحق) شفق سارهاغبول، سيد مير فضل الدين، محي الدين ساربول، قاري أحمد علي غور دروزي، أرباب غلام رضا، سيد محمد علي شاه سجادي، المتحدث باسم حزب رعد ورئيس مكتب الحزب في طهران().
– حزب الوحدة الإسلامية الأفغاني
تم تشكيل حزب الوحدة الإسلامية من الفصائل الإسلامية بعد جهود صعبة من العلماء والقيادات والوجهاء، في عام 1989 ()، وتم انتخاب عبد العلي مزاري أول أمين عام لحزب الوحدة الإسلامية، و قد حظي حزب الوحدة بدعم شعبي واسع و توحدت الوحدات العسكرية تحت قيادة واحدة، و كان لتشكيل حزب الوحدة الأثر الكبير في كسب الاعتراف بالمذهب الجعفري و حصوله على بعض حقوقه وإرسال وفود للدول الإقليمية و العالم و زار وفد رسمي من حزب الوحدة الإسلامية في أفغانستان، الأمم المتحدة والتقى بأمين عام للأمم المتحدة في نيويورك آنذاك().
ومن التنظيمات الشيعية المسلحة الاخرى، أن غلام ساخي مصباح وبارات علي جبريلي و نور الله فوسوغ ، كانوا قد انشقوا عن حزب رعد الإسلامي وأنشأوا (مدرسة الثورة) في مشهد في عام 1980، كما أسس قاري أحمد حزب الله، وأسس أرباب غلام رضا قلنداري الحركة الإسلامية، فيما أسس حجة فاضلي وسيد جعفر وزبط أحمد، منظمة النصر، في حين أسس شفق سار بولي حرس الجهاد الإسلامي، وأسس روح الله بلخيبي مدرسة التوحيد ().
كذلك اتحد السيد الخزائي وأنصاره مع حزب الدعوة الإسلامي في عام 1986، تحت اسم (تحاد الدعوة الإسلامية في أفغانستان) واستمر باقي أعضاء حزب الرعد الإسلامي، بقيادة سعدات ملوك تبش في العمل حتى عام 1988، فيما انضم ظاهر عظيمي، القائد العسكري للحزب الإسلامي رعد إلى الحركة الإسلامية الأفغانية، وتم حل حزب رعد في العام نفسه مع تشكيل جبهة فجر الإسلام الأفغانية().

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر/ العلاقات الدولية في جامعة زاخو – إقليم كردستان العراق

الهوامش
()الأمم المتحدة، الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، وثيقة أساسية تشكل جزءاً من تقارير الدول الأطراف، أفغانستان 27 نيسان 2007، على الرابط: http://docstore.ohchr.org
(2)William Byrd, Lessons from Afghanistan’s History for the Current Transition and Beyond, United States Institute of Peace,p.3. https://www.usip.org
(3)World Peace Foundation, Afghanistan: Soviet invasion and civil war, August 7, 2015, pp.1-2.
(4)William Byrd, Lessons from Afghanistan’s History for the Current Transition and Beyond, United States Institute of Peace,p.3. https://www.usip.org
(5)Gilles Dorronsoro, Kabul at War (1992-1996) : State, Ethnicity and Social Classes. https://journals.openedition.org
(6)World Peace Foundation, Afghanistan: Soviet invasion and civil war, August 7, 2015, pp.1-2.
(7)Steve Galster, afghanistan: the making of u.s. poliCY, 1973-1990, October 9, 2001. https://nsarchive2.gwu.edu
(8)Fred Halliday , Zahir Tanin, The Communist Regime in Afghanistan 1978-1992: Institutions and Conflicts, Europe-Asia Studies Vol. 50, No. 8 (Dec., 1998) , pp. 1357-1365.
(9)The Soviet War in Afghanistan, 1979 – 1989. https://www.theatlantic.com
(10)Thomas Hegghammer, The Rise of Muslim Foreign Fighters: Islam and the Globalization of Jihad, International Security Vol. 35, No. 3 (WINTER 2010/11), pp. 53- 67.
(11) اشتهر أبو الأعلى المودودي (1903 –1979) بنظريته في الحاكمية، التي تعني أنّ السيادة والسلطة العليا في يد الله وحده، وأنّ على كل المسلمين تطبيق حكم الله، في كل شؤون الدين والدنيا، وبالأخص في شؤون السياسة، ينظر: أشرف منصور، أبو الأعلى المودودي بين الحاكمية الإلهية والسيادة الشعبية، على الرابط: https://www.hafryat.com
(12) برهان الدين رباني، زندگي نامه شهيد استاد غلام محمد نیازی، على الرابط: https://www.eslahonline.net
(13)محمد سالم الراشد، الحالة الإسلامية في أفغانستان (النموذج الثالث)، مجلة المجتمع، على الرابط: https://mugtama.com
(14)المصدر نفسه.
(15) محمد اکرام اندیشمند، سالهای تجاوز ومقاومت، افغانستان، 1383، ص20.
(16) المصدر نفسه.
(17) برهان الدين رباني، زندگي نامه شهيد استاد غلام محمد نیازی، على الرابط: https://www.eslahonline.net
(18) المصدر نفسه.
(19)زيد الله عماد الدين نائل، السياسية الخارجية المصرية تجاه أفغانستان 1979 – 2007، تقديم: فهمي هويدي، د. مصطفى الفقي، القاهرة، 2010، ص11.
(20) المصدر نفسه.
(21) محمد اکرام اندیشمند، المصدر السابق، ص19.
(22) المصدر نفسه، ص24.
(23) الحزب الإسلامي” بأفغانستان.. القادم من المعارك للسياسة، على الرابط: https://ljazeera.net
(24) محمد اکرام اندیشمند، المصدر السابق، ص20.
(25)حکمت یار: متنازع جہادی، یکتا منتظم اور قسمت کا دھنی. https://www.urduvoa.com
(26) محمد اکرام اندیشمند، المصدر السابق، ص27.
(27)أختر منصور القيادي الذي تولى سلطة الحركة السياسية والعسكرية قبل زعامتها،، العدد (13691)، 23 مايو 2016.
(28). جميل عبدالله محمد المصري، حاضر العالم الإسلامي: وقضاياه المعاصرة، الرياض، 2018، ص4 44.
(29) المصدر نفسه، ص33.
(30)J. Bruce Amstutz, Afghanistan: The First Five Years of Soviet Occupation. Diane, 1994, p.5 .
(31)سياف لـ الشرق الأوسط: أعرف من اغتال عزام… وإيران تقف خلف طالبان، جريدة الشرق الأوسط، العدد [(14329)، 20 تشرين الثاني 2018 .
(32) محمد اکرام اندیشمند، ساله المصدر السابق، ص31.
(33)زيد الله عماد الدين نائل، المصدر السابق، ص11.
(34) المصدر نفسه.
(35) د. جميل عبدالله محمد المصري، المصدر السابق، ص 445.
(36)زيد الله عماد الدين نائل، المصدر السابق، ص11.
(37)المصدر نفسه.
(38) محمد اکرام اندیشمند، المصدر السابق، ص34.
(39)المصدر نفسه، ص35.
(40) د. جميل عبدالله محمد المصري، المصدر السابق، ص 445.
(41) محمد اکرام اندیشمند، المصدر السابق، ص30.
(42) أقلية الهزارة الأفغانية.. من هم؟ ولماذا يخشون حكم طالبان؟ على الرابط: https://www.alhurra.com
(43) محمد اکرام اندیشمند، المصدر السابق، ص40.
(44) زهير البغدادي، الشهيد مزاري رائد الوحدة الوطنية و العدالة الاجتماعية في أفغانستان، وكالة إيران اليوم الإخبارية، على الرابط: https://iranalyoum.com
(45) المصدر نفسه.
(46) د. مروه حامد البدري، د. ورده هاشم علي، اية احمد محمد محمود، نشأة وتطور الجماعات الجهادية في أفغانستان : حركة طالبان وتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام نموذجاً، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية كلية التجارة وإدارة اعمال، جامعة حلوان المجلد الرابع والثلاثون، العدد الاول، اذار 2020، ص ص 2-0-21.
(47) زهير البغدادي، المصدر السابق.
(48) المصدر نفسه.
(49) المصدر نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى