الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

توترات بحر الصين الجنوبي وتأثيرها على مستقبل السلام العالمي

د. علي صالح حمدان حامد

أولا/ جزيرة تايوان بؤرة التوترات
يعتقد المهتمون بالسياسة الدولية، أن العامل الأهم لعدم نشوب الحرب العالمية الثالثة حتى الآن، يعود إلى: “لم تقع الحرب العالمية الثالثة، ولم يفقد العالم رشدَه، ربما تعلَّم من درسين سابقين وزَّعا الجثثَ والرماد والرُّكامَ على المدن والقارات. لا النزاع الكوري فاضَ عن حدودِه، ولا أزمة الصواريخ الكوبية أوقعت أميركا والاتحاد السوفياتي في إغراء المواجهة الساخنة، ولا حرب فيتنام اقتلعت كلَّ صمامات الأمان، لم يجرؤ أحدٌ على إضرام مثل هذا الحريق، ضبطت واشنطن وموسكو مراهقات الحلفاء، وحتى حين تداعَى جدار برلين كان قيصرُ الكرملين شبهَ مستعدٍ للعيش في بلاد أقل وبنفوذ أقل”().
ومع ما سبق، هناك احتمالات لنشوب الحرب العالمية الثالثة مستقبلا، ويظهر ذلك بصورة جلية في عدد من المناطق في العالم، ولعوامل عدة من بينها تطور الأسلحة بصورة متسارعة، إذ أن أضخم سلاح استخدم في الحرب العالمية الثانية كان القنبلة الذرية التي ألقتها قاذفة أميركية فوق مدينة هيروشيما عام 1945، بقوة 15 كيلوطن، لكن القوى الكبرى تمكنت من صنع قنابل نووية ذات أثر تدميري أكبر بمئات المرات بعد 13 عاما فقط من نهاية الحرب الباردة، كما خرجت المقاتلة الأميركية الشهيرة “فانتوم 4” إلى النور، والتي أصبحت قادر ةعلى حمل ذخيرة تقدر بنحو 8 آلاف كيلوغرام، وتستخدم الولايات المتحدة هذه المقاتلة بالإضافة إلى ألمانيا واليابان وإسرائيل وتركيا().
كانت بداية الأزمة، عندما جرى إنشاء حكومة على جزيرة تايوان موالية للغرب في أعقاب انتصار ماو تسي تونغ في الحرب الأهلية الصينية في عام 1949، بعدها تحولت تلك البلاد إلى جزيرة مزدهرة بسبب تقدمها في التكنولوجيا وصناعة أشباه موصلات والتي لا تقدر بثمن من الناحية الاستراتيجية، ويبلغ عدد أفراد جيشها 300 ألف فرد وأكثر من 400 مقاتلة نفاثة حاليا، ومع ما تقدم، كان الرادع الأساسي الذي منع الصين من الاستيلاء على الجزيرة بالقوة، هي القوة العسكرية للولايات المتحدة، على مدار أربعين عامًا، والتي نجحت في ردع الصين عن الاستيلاء على الجزيرة بالقوة بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية تعترف بجمهورية الصين الشعبية باعتبارها الدولة الصينية الوحيدة رسميًا، ولكنها تقدم الدعم العسكري والسياسي لجزيرة تايوان في الوقت نفسه، بموجب بنود قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979، والذي أوضح بجلاء أن الولايات المتحدة الاميركية “ستتعامل في أي عمل يستهدف مستقبل تايوان بمختلف الوسائل المتاحة، وعده تهديدًا للسلام والأمن في غرب المحيط الهادئ وتهديدا للولايات المتحدة”().

ثانيا/ أمريكا والصين العداء حول مصير بحر الصين الجنوبي
هناك من يعتقد بأن الصين تستفيد من الفوضى العارمة في مختلف أنحاء العالم وأنها تنفذ استراتيجيتها للحرب العالمية الثالثة، ومن أجل ذلك بدأت الاستعدادات لهذه الحرب العالمية منذ فترة طويلة، دون استخدام أي سلاح أو صواريخ أو قنابل ذرية ولكن من خلال وسائل أخرى أخطر من القنبلة النووية التي دمرت مدينتين رئيسيتين في اليابان هما هيروشيما وناغازاكي في الحرب العالمية الثانية في عام 1945 ().
يعزز ما تقدم، وصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر للصراع المحتمل بين الولايات المتحدة والصين، بأنه له عواقب وخيمة على كلا الجانبين وسيكون أكثر كارثية من الحرب العالمية الأولى، ولكن لتجنب مثل هذه النتيجة، يحتاج كلا البلدين إلى تطوير سرد جديد لمستقبل الكوكب يضمن الاستدامة العالمية والازدهار للجميع والمجتمعات المسالمة().
يبدو أن طبول الحرب، هي التي دفعت مجلة ناشيونال إنترست الأميركية، لنشر مقال للأستاذ بكلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية في جامعة كنتاكي روبرت فارلي في أواخر عام 2019، أشار فيه إلى خمسة أماكن يمكن أن تكون موقعاً لقيام تلك الحرب العالمية الثالثة، يأتي في مقدمة تلك الأماكن بحر الصين الجنوبي، إذ أن الصين ماضية قدماً في بناء جزر صناعية في بحر الصين الجنوبي، في حين ترى الولايات المتحدة أنها مياه دولية، مما يمكن أن ينتج عنه صدام عسكري، وبخاصة إذا اشتعل الملف التايواني بصورة أو بأخرى، وكذلك الشرق الأوسط والخليج العربي بسبب البرنامج النووي الإيراني وعدم قبول إسرائيل به، واستعدادها للقيام بضربات مكثفة للقضاء عليه قبل أن تصل طهران إلى سلاحها النووي، المكان الثالث هو شبه الجزيرة الكورية، ذلك البلد الذي يستورد الفحم من الصين لتشغيل مفاعلاته النووية، وتبقى منطقة الهند وباكستان من المناطق المرشحة بقوة لصدام نووي ().
في الحقيقة، يعد بحر الصين الجنوبي أحد أكثر الممرات المائية ازدحامًا في العالم وغنى بالموارد الطبيعية في الوقت ذاته كما هو معلوم، بل واحدة من أكثر المناطق البحرية المتنازع عليها أيضا، حيث تطالب دول مختلفة بما في ذلك الصين وفيتنام والفلبين بالسيادة عليها، ومع أن الولايات المتحدة ليست من المطالبين بها، إلا أن لديها مصالح استراتيجية في تلك المنطقة، ويقوم جيشها بدوريات منتظمة هناك منذ أعوام طويلة().
وبسبب ما تقدم، تعد منطقة بحر الصين الجنوبي مرشحة لأن تكون مسرحا محتملا للصراع الدولي، وعلى سبيل المثال اصطدمت طائرة استخبارات تابعة للبحرية الأمريكية EP-3 من نوع Aries، بطائرة مقاتلة صينية من طراز F-8 فوق المياه الصينية في نيسان 2001، ومع أن الخلاف حل سلميا، يبقى المنافسة على بحر الصين الجنوبي الأكثر تعقيدًا، لانها تنطوي على الأمن الاقتصادي والسياسي، ولان المنطقة تعد مصدرا للمأكولات البحرية وممرا بحريا للنقل وسلامة الممرات البحرية العالمي، كما تتأثر مصايد الأسماك بالنزاع على السيادة عليها بشكل أساسي ().
من أجل ذلك، أصدر مجلس العلاقات الخارجية الاميركي تقريرًا خلص فيه إلى أن تايوان أصبحت “أخطر بؤرة التوتر في العالم” في آذار 2012، وأنها قلقة من التطورات الجيوسياسية التي تدفع إمكانية إطلاق النار بين جمهورية الصين الشعبية والولايات المتحدة أكثر احتمالية من أي وقت مضى، كذلك أشار الأدميرال جون أكويلينو، قائد القوات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى أن الغزو المحتمل للتايوان من قبل جمهورية الصين الشعبية “أقرب بكثير مما نعتقد”().
من جهة أخرى، كانت تلك النظرة المتشائمة لامكانية اندلاع الحرب، العامل الأهم لقيام وزراء خارجية أوروبا وآسيا، بالاجتماع في لوكسمبورغ في 4-6 تشرين الثاني 2014، وبحث التوترات التي يشهدها بحر الصين الجنوبي، وفي بيان صدق عليه المشاركون في المحادثات صرحوا إن الوزراء “أكدوا من جديد التزامهم بالحفاظ على السلام، وتعزيز الأمن البحري والاستقرار والأمان والتعاون، وحرية الملاحة والعبور الجوي والتجارة المشروعة دون عوائق”، وأكدوا في الوقت ذاته على “لأهمية الشديدة للامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها، والامتناع عن اتخاذ إجراءات من جانب واحد، وحل النزاعات البحرية من خلال الوسائل السلمية، وذلك بما يتماشى مع القانون الدولي”، بحسب البيان().

ثالثا/ إدارة ترمب وتفجر أزمة العلاقات مع الصين
لايمكن إغفال أن جوانب التوتر بين الصين والغرب، تتمحور بصورة عامة في أربعة مجالات رئيسية هي: الاختلافات الأيديولوجية، والمنافسة الصناعية، والقوة العسكرية، والجغرافيا، إذ إن التوترات المتصاعدة بين الصين والاقتصادات المتقدمة الرئيسية يمكن أن تؤدي إلى تباطؤ التقدم العالمي، وإلى مستويات أعلى من التضخم وتقلبات أكثر على مدى السنوات العشر القادمة، مما يوسع هوة العلاقات بين الصين والغرب وتؤدي إلى حرب باردة جديدة ()، لاسيما أن النمو الاقتصادي السريع للصين يشكل تحديا للنفوذ الأمريكي المهيمن في شرق آسيا، بينما تكافح الولايات المتحدة والصين لتجنب “حرب باردة جديدة”، تضطر الدول الأصغر إلى تجاوز خطوط الصدع المتزايدة بين القوتين العظميين ().
ثمة حقيقة واضحة وهي أنه لا يوجد مكان تقترب فيه الجيوش الأمريكية والصينية من بعضهما بعض أكثر من بحر الصين الجنوبي، فضلا عن أن أكبر الاقتصادات في العالم تتنازع على كل شيء من التجارة إلى فيروس كورونا، لذا تزايدت المخاوف من أن سوء التقدير بين السفن الحربية قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية أوسع()، حيث يعتقد عدد من المحللين أن بحر الصين الجنوبي وباعتباره نقطة اشتعال أمنية رئيسية، يمكن أن تؤدي إلى اندلاع الحرب العالمية الثالثة، بسبب السلوك الصيني الساعي وراء السلطة والموارد وتعزيز مكانة الصين بشكل عام وبتكلفة كبيرة().
في ضوء ما تقدم، يلاحظ أن توتر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، بلغ الذورة في الاعوام الأخيرة، لاسيما في عهد إدارة الرئيس ترمب، على الرغم من القضايا المشتركة في مجال مكافحة فيروس كورونا والتهديد المتزايد في أفغانستان، وقطاع التكنولوجيا الذكية، حيث بدأت الحرب التجارية بعد أن اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الصين بالسلوك غير الأخلاقي، لاسيما أن كلا الاقتصادين يتغذيان في جزء كبير منه بالتكنولوجيا التي تعد قطاعًا متناميًا، اذ من المتوقع أن يربحا 70 في المائة من الأرباح المتوقعة لقطاع التكنولوجيا البالغة 15.6 تريليون دولار بحلول عام 2030 ().
في السياق ذاته، كثفت إدارة الرئيس ترمب جهودها لتسليط الضوء على حملة الصين المثيرة للجدل لبناء الجزر، في شهادته أمام الكونغرس قبل توليه منصبه الجديد كرئيس للقيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث أطلق الأدميرال فيليب إس ديفيدسون تحذيرًا صارخًا بشأن لعبة بكين القوية في بحر يتدفق من خلاله ما يقرب من ثلث التجارة البحرية العالمية، وقال: “باختصار، الصين قادرة الآن على السيطرة على بحر الصين الجنوبي في جميع السيناريوهات باستثناء الحرب مع الولايات المتحدة”، وهو تقييم تسبب في بعض الذعر في البنتاغون().
أكد الرئيس الأميركي ترمب في المؤتمر الصحافي اليومي إن “الولايات المتحدة ستوقف تمويل منظمة الصحة العالمية لسوء إدارتها والتعتيم على انتشار الفيروس” وأضاف من حديقة البيت الأبيض أن “دافعي الضرائب الأميركيين يقدمون من 400 إلى 500 مليون دولار، بينما تقدم الصين 40 مليون دولار وربما أقل”. وأعلن أن المنظمة عارضت قرار منع السفر إلى الصين الذي أصدرته إدارته مبكرا، وقال إنه “لم يكن مقتنعا بحديثها، وكثير من الدول التي استمعت إلى منظمة الصحة تواجه مشاكل حاليا لم تتوقعها” ().
على الرغم مما سبق، تصاعدت المخاوف من اندلاع الحرب العالمية الثالثة أكثر من أي وقت سابق في أعقاب التوترات مع الصين بشأن مضيق تايوان، عندما أرسلت الصين سربا من القوات الجوية الخاصة بها لتدخل المجال الجوي التايواني بأكثر من 140 طائرة، حيث أثارت تلك الخطوة المخاوف من اندلاع حرب شاملة، لاسيما أن تلك الخطوة تزامنت مع صفقة غواصات أوكوس بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، والتي يبدو انها تهدف إلى ضمان استعداد الغرب لمواجهة أسطول الغواصات الصيني المتنامي باستمرار ().
الجدير بالذكر هنا، أن النزاع حول بحر الصين الجنوبي، يعد النسخة الحالية من البلقان في أوائل القرن العشرين بحسب عدد من المصادر، ويمكن أن يؤدي إلى صراع عالمي مدمر دون سابق إنذار وتؤدي الى كارثة عالمية ضد فترة السلام والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ما بعد الحرب الباردة، وتظهر حقيقة طموحات الهيمنة الصينية بشكل كامل، مع عواقب وخيمة على الجيران الأصغر والاضعف والنظام الدولي الأوسع، لاسيما إن الصين اليوم هي أكبر من أن يتم احتوائها ().
كان من نتائج الصراع بين العملاقين، تعرض شركة هواوي الصينية التكنولوجية العملاقة لهجوم الحكومة الأمريكية، فقد جرى فرض المزيد من القيود عليها لتقليص ما تستطيع شراءه من المكونات الإلكترونية. كما هددت إدارة ترمب بضم شركات صينية تكنولوجية أخرى إلى قائمتها السوداء، وهي القائمة التي تحظر فيها شركات من العمل في الولايات المتحدة، إلى جانب تيك توك، ووي تشات، كما صعد ترمب حملته التي تستهدف الصين قبل الانتخابات، متهما شركاتها بسرقة الوظائف الأمريكية وحقوق الملكية الفكرية().

رابعا/ العلاقات مع الصين في عهد بايدن
تزداد احتمالية خطورة الأوضاع بين الطرفين، لاسيما أن مهمة إيجاد قاعدة لغواصات أمريكية نووية في أستراليا، تجري على قدم وساق لحصار الصين التي تطمح بتحقيق حلمها في ضم تايوان، حيث تستعد واشنطن لصد أي مغامرة من بكين، والإدارة الأمريكية باتت على وشك اتخاذ خطوات استباقية لصد هذه الهجمات عبر خطوات دبلوماسية واضحة. غير أن تايوان ستكون الدولة التي تشعل شرارة الحرب العالمية الثالثة في حال قررت بكين التهور وضمها للصين، حيث حذر الرئيس الأمريكي جو بايدن الرئيس الصيني شي جين بينغ من ذلك في لقاء افتراضي عقد بين الرئيسيين().
من جهتها، أكدت الصين أن الرفض الأمريكي لمطالب بكين بشأن بحر الصين الجنوبي يثير التوترات في المنطقة بجزرها ومصايد الأسماك وموارد الطاقة والقواعد العسكرية وطرق التجارة على الساحل الجنوبي للصين وبين تايوان ودول جنوب شرق آسيا مثل فيتنام وإندونيسيا والفلبين()، و كانت صحيفة ذا ناشيونال إنترست قد ذكرت بدورها إن بكين تنظر إلى الامتداد قبالة ساحل شرق آسيا على أنه منطقة ذات سيادة، بينما تعد واشنطن “عسكرة الصين للمنطقة بمثابة إعادة كتابة للقواعد الدولية”. و كان بايدن أجرى محادثات افتراضية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ الشهر للتأكد من أن المنافسة بينهما “لم تنجرف إلى صراع مسلح بسبب سوء تفاهم في نقطة ساخنة عالمية”().
بدوره، أوضح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين في قمة الأمم المتحدة للأمن البحري، في كانون الثاني 2021، إن الصين “لم تواجه أي عواقب” لتجاهلها القواعد في بحر الصين الجنوبي، حيث ألقت القوتان باللوم على بعضهما البعض في إثارة التوترات في المنطقة المضطربة. من خلال الانضمام إلى اجتماع الأمن البحري لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عبر الفيديو، إذ استهدف بلينكين ما أسماه “المواجهات الخطيرة بين السفن في البحر والأعمال الاستفزازية لدفع الادعاءات البحرية غير القانونية” في بحر الصين الجنوبي، وذكر أنه أوضح مخاوف الولايات المتحدة بشأن الإجراءات التي ترهب الدول الأخرى وتتسلط عليها من أجل الوصول بشكل قانوني إلى مواردها البحرية، وأنهم احتجوا مع دول أخرى، بما في ذلك المطالبون في بحر الصين الجنوبي، على مثل هذا السلوك والمطالبات البحرية غير القانونية في بحر الصين الجنوبي().
كما أدلى الأدميرال فيليب ديفيدسون قائد القيادة الأمريكية للمحيطين الهندي والهادئ، بشهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في آذار 2021، وكرر أنه يرى إمكانية انتقال الصين إلى تايوان في غضون ست سنوات، وأكد للولايات المتحدة تاريخ طويل من العمليات في بحر الصين الجنوبي منذ منتصف القرن التاسع عشر، وأضاف أنهم كانوا محظوظين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بإقامة علاقات إستراتيجية قوية وإيجابية مع دول مثل اليابان، لذا يعد بحر الصين الجنوبي نقطة دخول حيوية للولايات المتحدة، وهي مساحة مائية ضخمة مليئة بالنفط والغاز ومصائد الأسماك، ويمر عبره نحو 40 في المائة من التجارة العالمية، وكل ذلك أسباب إستراتيجية تقدرها الولايات المتحدة عبر تحالفاتها في آسيا، للرد على المزاعم الصينية، لاسيما أن الأمر لا يقتصر على بحر الصين الجنوبي فحسب، بل على بحر الصين الشرقي كذلك، حيث تقع جزر سينكاكو، وهو أمر حيوي للمصالح الأمريكية).
بالتزامن مع تلك التطورات المهمة، راقبت الصين بحذر المناورات العسكرية المشتركة في بين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا وفرنسا في بحر الصين الشرقي 14 أيار 2021، والتي كان الهدف الأهم وراءها، الدفاع عن جزيرة تايوان التي تهدد الصين بغزوها صراحة()، كذلك شهد منتصف تموز 2021، تصاعدا واضحا بهذا الخصوص، عندما عارضت الولايات المتحدة رسميًا ولأول مرة، مطالبة الصين بالسيطرة على بحر الصيني كله، ووصفتها بأنها “غير قانونية تمامًا” بموجب قانون البحار الدولي، كما أجرت القوات الجوية الصينية تدريبات بالذخيرة الحية في المنطقة مؤخرًا في تموز ردًا على تدريبات البحرية الأمريكية (). على الرغم من أن كبار مسؤولي الدفاع من الولايات المتحدة والصين قد حافظوا على التواصل حتى مع تدهور العلاقات الأوسع ().
من جهته، أعلن رئيس الصين في تموز 2021، أن أولئك الذين يقفون في طريق صعود الصين “الذين يعادون الصين إنما يضربون رؤوسهم بسور الصين العظيم”، كذلك حذر كبار مسؤولي البنتاغون من أن الصين قد تبدأ نزاعًا عسكريًا في مضيق تايوان أو غيره من النقاط الساخنة الجيوسياسية في وقت ما من هذا العقد، كما ذكر الرئيس جو بايدن إن أمريكا “لا تسعى إلى حرب باردة جديدة”().
يرى عدد من المحللين، أنه يجب على كل من الحكومتين الأمريكية والصينية البدء في فهم أن الجمع بين التعاون والمنافسة هو أفضل طريقة للمضي قدمًا، حيث يتمتع الرئيسان جو بايدن وشي جين بينغ، بفرصة حقيقية لعكس مسار العلاقات الثنائية، ومع وجود جو بايدن كرئيس لأمريكا، يأمل العالم أن تبتعد الولايات المتحدة عن نهج المواجهة التخريبي الذي يتبعه ترمب تجاه العلاقات مع الصين والشروع في مسار المشاركة البراغماتية على المحك ما إذا كانت هذه العلاقة الثنائية الحاسمة تعمل على تقوية أو تحطيم النظام العالمي().
كذلك أوضح أحد المحللين أمرا في غاية الأهمية بقوله ” يبدو أن الرئيس الأمريكي جو بايدن سلك نهجاً متشدداً يتشابه في طبيعته مع توجهات الإدارة السابقة بقيادة ترمب، ومع ذلك فهو يحاول اتباع طرق مختلفة في التعامل مع الصين؛ حيث يدرك الأميركيون صعوبة التعاطي العسكري المباشر مع القوة العظمى الأخرى، وبالتالي فإن استعادة استراتيجية التحالفات العسكرية والاقتصادية هي السبيل الأمثل وفقاً للمعطيات الجيوسياسية الحالية، إلى جانب دفع الشركاء التقليديين على اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً ضد الصين”().

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر/ العلاقات الدولية في جامعة زاخو – إقليم كردستان العراق

 

الهوامش
(1)غسان شربل، إنَّها الحرب العالمية الثالثة، جريدة الشرق الاوسط، العدد (15364)، 21 كانون الاول 2020 .
(2)شبح الحرب العالمية الثالثة يطل برأسه.. وهذه أبرز الأسلحة، على الرابط: https://www.skynewsarabia.com
(3)James A. Warren, Wonder Where World War III Might Break Out? Try Taiwan. https://www.thedailybeast.com
(4)China’s World War 3 plan using coronavirus to conquer and rule the world. https://zeenews.india.com
(5)Dr Patrick Schröder, US-China relations: Turning crisis into opportunity? https://www.chathamhouse.org
(6)اميل امين، هل يكون موعد الحرب العالمية الثالثة في 2029 أم 2034 أم 2050؟ على الرابط: https://www.independentarabia.com
(7)South China Sea: the dispute that could start a military conflict. https://www.scmp.com
(8)Timo Kivimäki, War or peace in the South China sea?. (NIAS reports ; no. 45) 1.International relations 2.South China Sea – Strategic aspects II.Nordic Institute of Asian Studies, p.4.
(9)James A. Warren, Wonder Where World War III Might Break Out? Try Taiwan. https://www.thedailybeast.com
(10)وزراء خارجية أوروبا وآسيا يبحثون توترات بحر الصين الجنوبي أكدوا التزامهم بالحفاظ على السلام.. وحل النزاعات البحرية بالوسائل السلمية، جريدة الشرق الاوسط، العدد (13493) 7 تشرين الثاني 2015 .
(11)China-West Tensions: A Global Economy Failing To Confront The Risks. https://www.fitchsolutions.com
(12)The New US-China Contest For Influence in Asia. https://egfound.org
(13)Karen Leigh, Peter Martin , Adrian Leung, Troubled Waters: Where the U.S. and China Could Clash in the South China Sea. https://www.bloomberg.com
(14)Lee Jones , Shahar Hameiri, State Transformation and the South China Sea. https://www.cambridge.org
(15)Kaisha Langton, Word War 3 Mapped: The SIX places where WW3 could break out in 2021. https://www.express.co.uk
(16)Hannah Beech, China’s Sea Control Is a Done Deal, ‘Short of War With the U.S.’. https://www.nytimes.com
(17)ترمب يوقف تمويل “الصحة العالمية” ويحمّلها والصين مسؤولية إخفاء الوباء، على الرابط: جريدة الشرق الاوسط، العدد (15115)، 16 نيسان 2020 .
(18)Kaisha Langton, Word War 3 Mapped: The SIX places where WW3 could break out in 2021. https://www.express.co.uk
(19)Richard Javad Heydarian , Will the South China Sea Spark the Next Global Conflict? https://thediplomat.com
(20)ترامب والصين: الإدارة الأمريكية تغري شركات بالمال لنقل مصانعها من آسيا، على الرابط: https://www.bbc.com
(21) سعد راشد، بايدن يستعد للحرب العالمية الثالثة، جريدة الوطن، 1 تشرين الثاني2021 .
(22)Evelyn Cheng, China says the latest U.S. move is aggravating tensions in the South China Sea. https://www.cnbc.com
(23)Is World War Three looming? Tensions at a number of geopolitical flashpoints means the threat of real conflict looms. https://www.theweek.co.uk
(24)U.S. says most of China’s claims in South China Sea, https://www.nbcnews.com
(25)interview: u.s. admiral warns against U.S.-China war in best-seller. https://www.asahi.comِ
(26)ماذا لو كانت الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل؟ على الرابط: https://www.aljazeera.net
(27)South China Sea: the dispute that could start a military conflict. https://www.scmp.com
(28)Karen Leigh, Peter Martin , Adrian Leung, Troubled Waters: Where the U.S. and China Could Clash in the South China Sea. https://www.bloomberg.com
(29)Michael Beckley , Hal Brands, What Will Drive China to War? https://www.theatlantic.com
(30)andrew sheng , xiao geng, A New Tone in US-China Relations? https://www.project-syndicate.org
(31)ماريا معلوف، بارانويا الصين.. بايدن في عامه الأول، على الرابط: https://www.skynewsarabia.com

 

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa