الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

لاجئو أوكرانيا وأبواب أوروبا المفتوحة

مقدمة

يصعب التنبؤ بما ستبلغه أعداد اللاجئين الأوكرانيين إلى دول الجوار والاتحاد الأوروبي وروسيا وبيلاروسيا. الأرقام الأولية تشير إلى احتمالات تدفق موجات متزايدة من اللاجئين؛ فمن ناحية ترتبط المسألة بشدّة المعارك واتساع رقعتها، ومن ناحية أخرى فإنّ استعداد دول الجوار يساهم في أن يشكل اللجوء الخيار الأمثل للسكان الذين تعتبر مناطق سكناهم مسارح للأعمال القتالية، أو حتى سكان المناطق التي انعدمت فيها الخدمات الأساسية.

شكّلت دول الاتحاد الأوروبي ملاذات آمنة للاجئين الشرق أوسطيين، السوريين والعراقيين والأفغان، في حين تفتقر الدول الأوروبية المحيطة بأوكرانيا إلى الإمكانيات رغم إبدائها كل أشكال الدعم والجهوزية لاستقبال اللاجئين، كما تفتقر إلى ما يمكن تسميته ثقافة إيواء اللاجئين قياساً إلى الدول الأوروبية الأخرى كألمانيا وفرنسا والسويد، إذ برزت على السطح تقارير حقوقية وصحفية تتحدّث عن تمييز بين اللاجئين على أساس لون البشرة أو تبعاً للبلاد التي وفد منها بعض اللاجئين المقيمين في أوكرانيا والفارّين منها.

أرقام أوّلية مرشّحة للتصاعد

في تعليق إخباري صادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين خلال الأسبوع الأول للغزو الروسي نحو مليون لاجئ، فيما دفعت حركة النزوح  المفوّض السامي للشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، إلى التعبير عن صدمته من هول حركة النزوح واللجوء بالقول “عملت في حالات الطوارئ الخاصة باللاجئين منذ نحو 40 عاماً، ونادراً ما رأيت نزوحًا جماعيًا بهذه السرعة. يفر المزيد من الناس من الواقع المرعب للعنف”، إلى ذلك يتحدث غراندي عن النازحين داخلياً بأنهم “عدد لا يحصى داخل البلاد.”1

اقرأ أيضاً: روسيا وتركيا ـ ملفات متشابكة وصراع متواصل

من المتوقع أن يتضاعف الرقم ليصل إلى أربعة ملايين لاجئ في الأشهر المقبلة، وأما الوجهة الأوّلية للاجئين فهي بولندا ورومانيا وسلوفاكيا والمجر ومولدوفا، وذهبت أعداد أقل إلى روسيا وبيلاروسيا2 ، ويقع العبء الأكبر على كاهل بولندا التي يقيم فيها1,5  مليون أوكراني قبل بدء الحرب وتشترك بحدود برّية طويلة مع أوكرانيا، وقد أعلنت المفوضية الأوروبية استعدادها لتقديم الدعم الاقتصادي لبولندا عند الحاجة، وتوفير المساعدة لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء وللشرطة الأوروبية (يوروبول) وللوكالة الأوروبية للحدود (فرونتكس). 3

تقدّر الأمم المتحدة أن 12 مليون شخص داخل أوكرانيا سيحتاجون إلى الإغاثة والحماية، في الوقت الذي أعلنت فيه سعيها للحصول على 1,7 مليار دولار أمريكي مع تزايد الاحتياجات الإنسانية في أوكرانيا والدول المجاورة. 4

تضامن وترحيب أوروبيّ  

يحظى اللاجئون الأوكرانيون على اهتمام ورعاية كبيرين من دول الجوار الأوروبي ومن الهيئات الأوروبية. إذ يستعد الاتحاد الأوروبي لاستقبال “ملايين” اللاجئين الفارين من الهجوم الروسي لأوكرانيا، حسب تصريح لمفوضة الشؤون الداخلية في الاتحاد. واقترحت المفوضية الأوروبية تفعيل توجيه يعود إلى عام 2001 من شأنه أن يمنح أولئك اللاجئين “حماية مؤقتة” ما يعني أن اللاجئين سوف يحصلون على تصريح إقامة لمدة عام، وسوف يحصلون على فرص التعليم والعمل، وفقاً لبيان المفوضية ومن الممكن أن يتم تمديده لمدة عامين آخرين اعتمادا على قرار من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. 4

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين صرحت أن الاتحاد الأوروبي يأمل في تدفق عدد قليل من اللاجئين من أوكرانيا، لكنه مستعد بالكامل أيضاً لاستقبالهم والترحيب بهم، علماً أن دولاً مجاورة لأوكرانيا، مثل بولندا والمجر وسلوفاكيا ورومانيا، تتحضر منذ أسابيع لاستقبال مئات الآلاف من الأوكرانيين الهاربين. 5

ولم يخلو الترحيب باللاجئين من رسائل سياسية مباشرة ذلك أن فون ديرلاين أبدت استعداداً لاستقبال “جميع الفارين من قنابل (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، وأنهم مُرحّب بهم في أوروبا”. 7 وهو مايعكس رؤية أوربية واضحة داخل وخارج ملف اللجوء.

سبق للاتحاد الأوروبي أن استقبل عشرات آلاف اللاجئين القادمين من مناطق النزاع خارج أوروبا، وقد كان لألمانيا خبرة في تطوير سياسات اللجوء رغم الاعتراضات اليمينية داخل وخارج أوروبا على سياسة فتح الحدود، إذ صرّحت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر بأنه من المقرر أن يكون متاحاً للاجئي الحرب القادمين من أوكرانيا أن يقرروا بأنفسهم في الوقت الحاضر الدولة الأوروبية التي يرغبون اللجوء إليها. ورغم أنّ ألمانيا اضطرّت إبان استقبال اللاجئين في وقت سابق إلى سياسة توزيع اللاجئين على الدول الأوروبية ليصبح لكل دولة حصّتها من إجمال عدد اللاجئين الوافدين، فإن فيزر أعلنت “أنه ليس هناك ضرورة لتحديد حصص توزيع لاستقبال اللاجئين (الأوكرانيين)، إذا سارت عملية استقبالهم بشكل طبيعي.” 8. وبطبيعة الحال يبقى هذا الإعلان مرتبطاً بتطور الأحداث.

بدورها كانت المملكة المتحدة حذرة في سياسات استقبال اللاجئين، إلّا أن تصريح وزير الخارجية البريطاني إمكانية المملكة المتحدة يمكن استقبال 200 ألف لاجئ أوكراني 9، تعكس تضامناً مختلفاً عمّا كان إزاء لاجئين شرق أوسطيين.

تبقى تجربة الدول المحيطة بأوكرانيا ومواردها المحدودة حائلاً دون أن تصبح دولهم وجهة أخيرة للاجئين، إلى حين انتهاء الحرب، وإذا كانت بولندا والمجر ومولدافيا وسلوفاكيا الوجهات الأولية فإنه من المتوقّع أن تصبح تلك الدول أرض عبور أو منطقة لجوء مؤقّتة في ظل الترحيب الأوروبي العريض باللاجئين، وقد سمح للأوكرانيين الذين يحملون جواز سفر بيومتري السفر بحرية في الاتحاد الأوروبي لمدة 90 يوماً بدون تأشيرة 10

تمييز  بين اللاجئين

تركّز سياسة الاستقبال الأوروبية على اللاجئين من أصول أوكرانية، إذ ثمّة استعداد مقابل لاستقبال اللاجئين المقيمين في أوكرانيا، طلاب وعمّال ورعايا البلدان الثالثة اللاجئين في أوكرانيا، إلّا أن هذه الفئة لا تستفيد من القرارات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي فيما خصّ الأوكرانيين، وصرّحت المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا جوهانسون “إنهم غير مشمولين في وضع الحماية المؤقتة.” 11، على أن يتم التواصل مع بعض الدول القادرة على استعادة رعاياها الفارين من أوكرانيا.

ثمّة تخوّف من بعض السياسات العنصرية والتمييزية لا سيّما في الدول المجاورة لأوكرانيا التي قد تطال المقيمين الأجانب في أوكرانيا. ويبلغ عدد الطلاب الأجانب في أوكرانيا حوالي 75 ألفا من مختلف الجنسيات 12. تقارير إعلامية رصدت حالات وصفت بالعنصرية طاولت لاجئين أفارقة وآخرين من شرق أوسطيين عبر عدم السماح لبعض الأفارقة الخروج من أوكرانيا أو تعرّضهم للتمييز، وقد حضّت نيجيريا المسؤولين عن الحدود في أوكرانيا والدول المجاورة على التعامل مع مواطنيها من دون تمييز في ظل انتشار تقارير تفيد عن عنصرية يتعرّض لها أفارقة فارّين من الهجوم الروسي. أوكرانيا وعدت بالتحقيق فيما نفت بولندا ذلك.13

في المقابل استحضرت حالة الترحيب بالأوكرانيين الفارين صور لاجئين فرّوا من الشرق الأوسط وتعاملت معهم ذات الدول المجاورة لأوكرانيا بخشونة ومنعت بعضهم من التنقّل من بيلاروسيا إلى بولندا، فضلاً عن التعامل الفظ في بعض الدول الأخرى معهم، وهو ما دفع مثقّفين مثل المفكّر السلوفينيّ سلافوي جيجيك للحديث عن سياسات التمييز بين اللاجئين في بلاده “عندما حاول آلاف اللاجئين من آسيا الوصول إلى بولندا عبر بيلاروسيا، عرضت الحكومة السلوفينية على بولندا مساعدة عسكرية، مدعية أن أوروبا تتعرض هناك للهجوم. لذلك من الواضح أن هناك نوعين من اللاجئين: “لدينا” (أوروبي)، أي “اللاجئون الحقيقيون” وأولئك من العالم الثالث الذين لا يستحقون ضيافتنا.” 14

خاتمة

يصعب توقّع المدّة التي سيبقى فيها اللاجئون خارج ديارهم، أو الرقم النهائي للاجئين؛ فاللجوء والنزوح الداخلي يشكّل واحدة من أسلحة الحرب الضاغطة على دول الجوار وعلى المواطنين الأوكرانيين، وإذا كانت أوروبا تبدي استعدادها لتلقّي هذه النتيجة المتوقّعة للحرب في أوكرانيا عبر سياسات “غير بيروقراطية” على حد وصف وزير الداخلية الألمانية، فإنّ طول أمد الحرب سيجعل من ورقة اللاجئين ملفّاً مفتوحاً على عدّة احتمالات، قد يكون أبرزها مطالبة دول الجوار الأوكراني بالمزيد من المساعدة والأموال، وقد يتطلّب من الاتحاد الأوروبي التركيز على سياسات اللجوء الإنسانيّة ومحاربة العنصرية.

قد تكون الجهوزية الأوروبية مرتبطة بفكرة التضامن مع أوكرانيا بالضد من الهجوم الروسي، فإن بقاء أمد الحرب مفتوحاً سيقود إلى تبدّلات عميقة في ملف اللجوء وعلى خلافات بين الدول المتضامنة في هذه الأثناء.

المصادر

(1)

(2)

(3)

(4)

(5)

(6)

(7)

(8)

(9)

(10)

(11)

(12)

(13)

(14)

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa