الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

مساعي الناتو لتطويق المد الروسي

مقدمة

أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا تسليط الضوء على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعلى دوره واحتمالات أن تتسبب سيطرة موسكو على أوكرانيا بنهاية حقبة تمدّد الحلف شرقاً، وبروز الخلافات بين الدول الأعضاء، ففي العام 2019 وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن الحلف قد دخل في “حالة موت دماغي” (1)، فيما أعاد الاجتياح الروسي الأسئلة المتصلة بدور الحلف أوربياً وجهوزيته واستراتيجيته للدفاع عن الدول الأعضاء أمام التمدّد الروسي غرباً ووقف تمدد الحلف شرقاً، كما أعاد الحدث الأسئلة المتصلة باستجابة الدول الأعضاء للسياسة المركزية للحلف، وأهمية المادة الخامسة من ميثاق الحلف، فيما تبرز الخلافات بين الدول الأعضاء لاسيما تلك المتصلة بالعقوبات على قطاع الطاقة.

نهاية أولى لمشروع توسيع الناتو

قبل غزو أوكرانيا بوقت طويل، رأت روسيا في توسّع الناتو خطراً يهدّد أمنها القومي ويقرّب الحلف بشكل متسارع نحو حدودها الغربيّة، خاصّة بعد عملية الضم التي حصلت عام 1999 حين انضمت دول مجموعة “فيسغراد” وهي هنغاريا وبولندا وجمهورية التشيك إلى الناتو، أما في عام 2004 فقد انضمت إلى الحلف دول مجموعة “فيلنيوس” وهي بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا. وفي عام 2009 وافق حلف الناتو على انضمام ألبانيا وكرواتيا، وليبلغ عدد أعضائه 30 دولة مع انضمام الجبل الأسود عام 2017 ومقدونيا الشمالية عام  2020 (2).

وقد أنشأت الولايات المتحدة وجوداً عسكرياً دائماً على البحر الأسود في عام 2007 دون مشاورات مسبقة داخل الحلف ومع روسيا. فيما تزايد التصعيد حين اعتبرت موسكو انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية عام 2002 والتي اعتبرت بمثابة تهديد للاستقرار الاستراتيجي. وتكثف ذلك عندما اتفقت الولايات المتحدة بشكل ثنائي مع بولندا وجمهورية التشيك في عام 2007 على نشر أنظمة دفاع صاروخي هناك (3)، فبدا الأمر أقرب لمحاولة حصار روسيا، وأن عملية الضم كانت تؤذن باحتمال ضم أوكرانيا أيضاً. واعتبرت أوكرانيا دولة مقرّبة وشريكاً للناتو منذ العام 2014 وحتى الآن، إلّا أنها ليست عضواً في التحالف، رغم مساعي ضمّها التي بدأت في عهد جورج بوش الابن الذي سعى خلال مؤتمر بوخاريست إلى ضمها رفقة جورجيا للحلف عام 2008، غير أن مطالبة موسكو بأن يتراجع الحلف باعتبار هذا الضم “أمر غير واقعي” هو الذي تحقّق في النهاية.

اقرأ أيضاً: لاجئو أوكرانيا وأبواب أوروبا المفتوحة

لكن رؤية روسيا كانت تتجاوز أوكرانيا، إذ تهتم موسكو بالتكافؤ الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ومنع الأضرار الجيوسياسية التي قد تنجم عن توسع الناتو. وعلى وجه الخصوص، كان انضمام أوكرانيا إلى الناتو سيؤدي إلى قطع العلاقات التقليدية مع الجماعات العرقية الموالية لروسيا في شرق البلاد (الدونباس)، وإنشاء المزيد من مناطق تمركز الناتو على مقربة من مناطق وسط روسيا، وتوسيع الوجود العسكري الأمريكي في منطقة البحر الأسود إلى نهر الدون (4). وهو ما قد يعني إعادة تموضع القوة العسكرية الروسية، وإحياء حدود المعسكرين الشيوعي والرأسمالي وفق خطوط مختلفة هذه المرّة، لكنها حدود حادّة إذا ما تم إدماج أوكرانيا في الخريطة الجيوسياسية التي تسعى روسيا إلى إقامتها رفقة بيلاروسيا (الاتحاد السلافي).

وإذا كان المادة الخامسة لميثاق الناتو تنص على أن “أي اعتداء مسلح أو عسكري على أي دولة عضو في الحلف هو بمثابة اعتداء على كل الدول الأعضاء فيه”، فإن هذه المادة لم تُختبر سوى مرة واحدة إبان احتلال أفغانستان 2001، غير أن عدم انخراط الناتو بشكل مباشر في الأعمال العسكرية في أوكرانيا لا يعني تعطيل هذه المادّة الأساسية؛ فبعد ساعات من الغزو الروسي أعلن الحلف أنه سيفعّل “خططه الدفاعية” للدول الحليف، وإنه سيتخذ خطوات إضافية لتقوية تدابير “الردع والدفاع” (5)، وإذا كان الحلف قد عزّز من مواقعه عسكرياً إلّا أنه أخفق في الضغط على موسكو وإيقاف مشروع استعادة السيطرة على أوكرانيا، وقد يعني نهاية مشروع التوسّع. قد يكون الأهم بالنسبة لموسكو كشف مدى هشاشة التزام (الناتو) تجاه حلفائه الحاليين والمستقبليين (6).

الناتو الاتفاق والاختلاف الداخلي

في اليوم التالي للحرب أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فشل في تحقيق هدفه المتمثل في تقسيم الغرب، مشيراً إلى أن “حلف الناتو متحد كما كان دائماً وسيحافظ على بابه مفتوحاً أمام الدول الأوروبية التي تشاركهم قيمهم والتي قد تسعى يوماً ما للانضمام إلى التحالف.” (7)، وقد جدّد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في وقت لاحق رؤية بلاده  للناتو، إذ أنها ملتزمة بالدفاع “عن كل شبر” من أراضي الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (8).

  ورغم الإيحاء بالاتفاق والاتحاد في مواقف أعضاء الناتو فإن هناك صوراً للخلاف بين الدول الأعضاء بدت طافية على السطح، من ذلك: رؤية مجموعة الاتحاد الأوربي المنضوية في الحلف للأزمة الأوكرانية. هناك منافسة غير ضرورية بين الناتو والاتحاد الأوروبي، وللخلاف بين الدول الأعضاء تاريخ أسبق إذ كاد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أن يدمر الناتو، فقد اصطفت فرنسا وألمانيا مع روسيا لمواجهة الهجوم. وكادت موسكو أن تنجح في تحقيق هدفها طويل الأمد المتمثل في تقسيم التحالف عبر الأطلسي. ترك التدخل العسكري للناتو في ليبيا في عام 2011 وانسحابه الأخير من أفغانستان الحلف محبطاً (9).

في الأثناء، حذرت وزيرة الخارجية ليز تروس بالقول أنه “إذا لم نوقف فلاديمير بوتين الآن، فسوف يشن حرباً على المزيد من البلدان مثل دول البلطيق” (10)، بدا تحذير الوزيرة أقرب لمحاولة استنهاض الاتحاد الأوربي خاصة ألمانيا وفرنسا، غير أن هاتين الدولتين، على عكس الناتو، لا تأخذان وجهات نظر دول البلطيق وأوروبا الوسطى على محمل الجد (11).

لا يبدو أن الاختلاف في وجهات النظر قائم بين الدول وحسب، بل داخل مؤسسات اتخاذ القرار في الدولة الواحدة كذلك، كما في حالة التناقض بين مواقف البيت الأبيض والخارجية الأمريكية من جهة وبين موقف وزارة الدفاع (البنتاغون)، فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية أن واشنطن ترفض بشكل نهائي مقترح بولندا بشأن نقل مقاتلات إلى أوكرانيا،  فيما المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي صرّحت أن مسؤولين أميركيين ما زالوا على تواصل مع أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي بشأن نقل طائرات مقاتلة إلى أوكرانيا، بعد اعتراض البنتاغون على اتفاق يتعلق بطائرات بولندية(12).

وجه آخر للخلاف تمثّل في النظرة إلى العقوبات، لا سيما في مجال الطاقة والمواد الخام؛ ففيما أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن حظر “جميع واردات النفط والغاز من روسيا” في أقسى إجراء اتّخذته إدارته حتى الآن لمعاقبة موسكو على غزوها أوكرانيا. بدا أن بريطانيا ساعية إلى اتخاذ إجراء مماثل وأعلنت حظراً على واردات النفط الروسي بفارق  أنها ستسمح بدخول واردات الغاز الطبيعي والفحم من روسيا، في حين رفضت أوروبا الحظر حالياً، فقد رحبت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك بوقف الولايات المتحدة واردات النفط الروسي لكنها رأت أن مثل هذه الخطوة حسّاسة بالنسبة لبلادها (13).

خاتمة

رغم ما يبديه الناتو من صلابة في مواجهة الغزو الروسي لأوكرانيا، وفرضه عقوبات اقتصادية على روسيا، إلّا أنه حتى اللحظة فشل في حمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التوقّف عن التقدّم في أوكرانيا وإنهاء الحرب. ويشير فشل تلبية مطالبات الرئيس الأوكراني فلودومير زيلنسكي بفرض الحظر الجوّي بداية، ثم المطالبة بالتسليح (الطائرات الحربية)، إلى الحدود التي بلغها الناتو والتي لا يمكن تخطّيها، وإلّا اعتبرت  موسكو إجراءات الناتو تصعيداً وإعلاناً للحرب.

يبدو أيضاً أن غاية الناتو تتمثّل في تطويق التمدد الروسي بعد أن كانت روسيا هي التي تسعى لتطويق تمدد الناتو شرقاً، ويسعى الحلف كذلك إلى الحفاظ على بيته الداخلي، ذلك أن احتمالات تغليب الدول لمصالحها الاقتصادية قد يؤدّي إلى انعدام الثقة بين الدول الأعضاء وفي دور مؤسسة الناتو نفسها، ويظهر إلى السطح أيضاً عدم رغبة الناتو بأن لا يدخل في اختبار المادة الخامسة من ميثاقه والتي قد تعني الدخول في حرب وصفتها موسكو والولايات المتحدة بـ”حرب عالمية ثالثة”.

المصادر

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
قائمة بالمصادر المستخدمة

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa