الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

الرسائل التي حملتها الصّواريخ الإيرانيّة إلى أربيل

مقدمة

أعاد الهجوم الإيراني على أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، بصواريخ بالستيّة، في يوم الثالث عشر من شهر آذار/ مارس من العام الجاري، فتح ملفات عراقيّة عدّة، أبرزها ملف الانتخابات العراقيّة ونتائجها التي أدت/ تؤدي إلى تفكيك المنظومة السياسيّة الموجودة والموالية لإيران في العراق. فهذه المرة الأولى التي تستهدف فيها إيران بشكل مباشر إقليم كردستان العراق، دون تدخل من ميليشياتها العسكريّة في العراق؛ إذ تبنّى الحرس الثوري الإيراني مسؤوليّته عن الهجوم بالصواريخ البالستيّة  على الأحياء السكنيّة والقنصليّة الأمريكيّة في عاصمة إقليم كردستان، أربيل. وقالت دائرة العلاقات العامّة في الحرس الثوري الإيراني، أن “الهجوم جاء ردّاً على “الجرائم الأخيرة للنظام الصهيوني المزيف”، وأكّدت على أن “تكرار أي شر سيواجه بردود فعل قاسية وحاسمة ومدمرة (1) “. القصف الإيرانيّ استهدف تجمعات سكنيّة في محيط محافظة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، ولم تستهدف أيّ قاعدة عسكريّة محليّة أو أجنبيّة، بحسب تصريح مسؤولين من الحكومة الكرديّة في العراق (2).

هذا الهجوم، فتح باب التحليلات حول الأهداف الإيرانيّة المحتملة بالهجوم على إقليم كردستان العراق، وعلاقته بنتائج الانتخابات العراقيّة وتحالف الأغلبيّة الوطنيّة، ودور الأطراف السياسيّة والعسكريّة الموالية لإيران في مستقبل العراق السياسي والاقتصادي.

الانتخابات العراقيّة وثورة تشرين

في شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر من عام ٢٠١٩، خرجت مظاهرات حاشدة في العاصمة العراقيّة، بغداد، وجنوبي العراق، سمّيت لاحقاً بـ “ثورة تشرين”، بالضدّ من الفساد، والبطالة وسوء الخدمات العامة. كانت هذه الثّورة أكبر حركة ارتداد اجتماعيّ ضدّ السلطة في العراق منذ سقوط نظام صدّام حسين واحتلال العراق (3). واجهت السلطات العراقيّة الثورة بالقمع واستهداف الناشطين وقتل المتظاهرين (4).

مع أنّ ثورة تشرين الشّبابيّة في العراق لم تحقّق مقاصد الشّباب المنتفض، ولم تحقّق التغيير المطلوب؛ إلّا أنّها، بمقابل ذلك، أوجدت وعياً كبيراً لدى فئة الشّباب، بدت واضحة في تأثيرها لدى الأحزاب السياسيّة الإسلاميّة (5) “الشيعيّة منها”، فهذه الأحزاب التي كانت تسيطر على آراء وتوجهات الشباب، وأصواتهم الانتخابيّة، تحت الشّعار الأكثر تداولاً في العراق “حماية الأعراض”، وبحجّة مواجهة الإرهاب، والحفاظ على المكتسبات الوطنيّة بعد عام ٢٠٠٣، تحوّلت إلى أحزاب غير مقبولة لدى الشباب، وأصبحت تفتقد لعدد كبير من أصوات الشباب، وتراجع تمثيلها في البرلمان العراقي، وجعلها تعود إلى الخط الأوّل من خلال حكم الدّولة والمجتمع بقوّة سلاح الميليشيات. إذ إنّ ما امتلكته هذه الأحزاب/ الميليشيات، عبر الدّين/ الطائفة من دعم شعبي لم تعد تمتلكه بالزخم ذاته، وبدا أن الشباب يخترقون المناسبات الدينيّة ويواجهون بها هذه الجماعات، كما حدث في ذكرى عاشوراء عندما حوّلها الشباب إلى ذكرى لاستذكار ضحايا ثورة تشرين الشبابيّة (6).

اقرأ أيضاً: داعش والسويداء

أعلنت المفوضيّة العليا للانتخابات في الثلاثين من تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢١، النتائج النهائية للانتخابات العراقيّة، بعد مراجعة الطعون(7). التي أظهرت فوز الكتلة الصدريّة التابعة للزعيم الشّيعي مقتدى الصدر بالانتخابات (8)، حيث حصلت “الكتلة الصدرية” على 73 مقعداً، وحصل تحالف “تقدم” بزعامة محمد الحلبوسي على 37 مقعداً، ثم ائتلاف “دولة القانون”بـ33 مقعداً. بينما حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، على 31 مقعداً.

فيما بعد أصدر ما يُعرف بـ “الإطار التنسيقي” المقرّب من إيران، والذي يضم تحالف “الفتح- هادي العامري” و”دولة القانون- نوري المالكي” و”عصائب أهل الحق- قيس الخزعلي” وكتائب “حزب الله” وتيارات أخرى، بيانا يحمل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات “المسؤولية الكاملة عن فشل الاستحقاق الانتخابي”. جاء في البيان أيضاً: “كنا نأمل من مفوضية الانتخابات تصحيح المخالفات الكبيرة التي ارتكبتها أثناء وبعد عد الأصوات وإعلان النتائج، وبعد إصرارها على نتائج مطعون بصحتها، نعلن رفضنا الكامل لهذه النتائج ونحمل المفوضية المسؤولية الكاملة عن فشل الاستحقاق الانتخابي وسوء إدارته مما سينعكس سلباً على المسار الديمقراطي والوفاق المجتمعي”. 

رفض الإطار التنسيقي المقرّب من العراق، جاء، بسبب عدم تمكّنها من اختيار رئاسة الوزراء العراقيّ على أن يكون مقرّباً من إيران، والتحكم بالبرلمان العراقي وقراراته، والاستحواذ على الوزارات السياديّة في البلاد، وبدت هذه المخاوف حقيقيّة خاصّة مع رغبة مقتدى الصدر باختيار رئيس وزراء من الكتلة الصدريّة، والتحالف مع الحلبوسي والبرزاني في تشكيل حكومة أغلبيّة وطنيّة، الأمر الذي ترفضه إيران، وجعلتها تتجه نحو اتخاذ قرارات عنفيّة عبر موالييها في العراق، فقد زاد التصعيد  لأنصار الكتل المنضوية في الإطار التنسيقي  بالقرب من المنطقة الخضراء  وسط بغداد، الذي مثل محاولة تخطي بواباتها والتوجه نحو القصر الحكومي والبعثات الدبلوماسية، والمخاوف من اندلاع اضطرابات واسعة في البلاد(9). كذلك دعوة ميليشياتٍ في الحشد لمنتسبيها للالتحاق بمعسكراتهم وإلغاء إجازاتهم، وهددت بمعاقبة كل من يتغيب بالفصل الفوري. (10) إلى ذلك، تناقلت وسائل إعلام وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، أنباء عن زيارة قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني إلى بغداد للضغط على الفائزين في الانتخابات لإعطاء دور مهم لتحالف “الفتح” في الحكومة الجديدة(11).

زاد الضغط الإيراني، عبر الجماعات العسكريّة والسياسيّة الموالية لها في العراق، بعد أن قرّر البرلمان العراقي انتخاب، محمد الحلبوسي، رئيساً للبرلمان، في جلسة عمّت فيها الفوضى، ووقعت فيها مشادات كلاميّة وتطاول، أدت إلى تعرض رئيس الجلسة لاعتداء نقل على إثرها إلى المستشفى(12). إثر ذلك شهد العراق تصعيداً أمنيّاً خطيراً، إذ استهدفت ميليشيات يعتقد أنها تابعة لإيران منزل رئيس البرلمان العراقي، محمد الحلبوسي، في الأنبار، في يوم السادس والعشرين من شهر كانون الثاني/ يناير هذا العام، بعد ساعات على مصادقة المحكمة الاتحادية على إعادة انتخابه على رأس هذه الهيئة التشريعية.(13)

الأهداف المحتملة لـ الهجوم الإيراني على كردستان

ثمّة مجموعة من الأهداف والغايات التي سعت إليها إيران من خلال هجومها على كردستان، وهي متطابقة مع تطورات الأحداث في العراق على إثر نتائج الانتخابات العراقيّة الأخيرة، والتي أخرجت الكتل الموالية لها من دائرة الحصول على مناصب سياديّة في البلاد. لذا، يمكن تلخيص الأهداف الإيرانيّة في العراق على النحو التالي:

الهدف الأول: الضغط لأجل إحلال التوافق في البيت الشيعي؛

ويتمثّل ذلك عبر الضغط الإيرانيّ على الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، وفعه للتحالف مع الإطار التنسيقي لاختيار رئيس وزراء يمثّل كلّ الكتل السياسيّة الشيعيّة في العراق، وترضى عنه إيران، ويكون مقرّباً منها، ومنح حقائب وزاريّة للكتل السياسيّة الّتي تملك ميليشيات عسكريّة تابعة للحشد الشعبي الموالي لإيران في العراق.

الهدف الثاني: تفكيك التحالف الثلاثي (الصدر، الحلبوسي، البرزاني)؛

ويتمثّل بتفكيك التحالف بين الكتل السياسيّة الفائزة في الانتخابات، التي تخوّلها تشكيل حكومة أغلبيّة وطنيّة في العراق، والضغط على التحالف لتشكيل الحكومة مع الإطار التنسيقيّ.

الهدف الثالث: رئاسة العراق؛

ويتمثّل برفض إيران تعيين رئيس من كتلة الحزب الديمقراطي الكردستانيّ، والتلويح بورقة إعادة تقسيم إقليم كردستان إلى إقليمين إداريين (أربيل- السليمانية) في حالة عدم تعيين رئيس متّفق عليه من الاتحاد الوطني الكردستاني.

الهدف الرابع: رفض العراق العربي؛

ويتمثل بالضغط على الكتل السياسيّة العراقيّة غير الموالية لإيران، لعدم الوصول إلى توافقات سياسيّة واقتصاديّة واسعة تعيد العراق إلى محيطها العربي من خلال تحسين العلاقات مع الإمارات والسعوديّة.

الهدف الخامس: هديّة لـ بروباغندا المقاومة؛

ويتمثّل في التجييش الذي ترغب في تحقيقه إيران من خلال القول بأن الصواريخ استهدفت المقرات الإسرائيليّة في كردستان، لإرضاء جمهور “المقاومة”، في وقت انشغال الولايات المتحدة الأمريكيّة بالصراع القائم على أوكرانيا مع روسيا.

خاتمة

رغم ما يقدّمه التّيار الصّدري من قوّة وصمود أمام الموقف الإيراني الرّافض لتشكيل حكومة أغلبيّة وطنيّة تتشكّل من التحالف الثلاثي (الصدر، البارزاني، الحلبوسي)، دون منح أي صلاحيات وزاريّة أو برلمانيّة للإطار التنسيقيّ أو لعدد من الأطراف العراقيّة الأخرى، بينها الاتحاد الوطني الكردستاني، إلّا أنّ صمود الصّدر ينطلق من ضمان أن إيران لا تستهدفه بشكل مباشر وكتلته السياسيّة والعسكريّة، لمكانته الاجتماعيّة والدينيّة لدى الشيعة، وبالتالي فإن الهجوم الإيراني المحتمل والمنفذ يتجه نحو الجماعات السنيّة أو الكرديّة المتحالفة معه.

يبدو أيضاً، أن إيران ترى فائدة من الانشغال الأميركي في أوكرانيا، والتي تراها في صالحها لتحقيق مقاصدها السياسيّة في العراق، وتعيين حكومة موالية لها، كما الحكومات العراقيّة السابقة التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق، ما يعني أن احتماليّة تراجع الأغلبيّة المؤتلفة التي تعكس تنوع المجتمع العراقي عن تشكيل حكومة بمعزل عن الإطار التنسيقي أصبحت أكثر واقعيّة، مع التهميش الدولي والإقليمي للملف العراقي، وعدم اعتباره أولويّة.


(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
قائمة بالمصادر
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa