الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

إشراك المرتزقة السوريين في المعارك خارج سوريا

حظي المرتزقة السوريون بسمعة سيئة جراء مشاركتهم في الحرب السورية أو من خلال إشراكهم في الحروب الخارجية، تحديداً في المعارك التي دارت بين أرمينيا وأذربيجان ووقوفهم إلى جانب الأخيرة بدعم تركي، وكذلك استخدامهم في الحرب الأهلية الليبية سواء في الاصطفاف إلى جانب تركيا أو روسيا، في حين أن الاحتمالات تشير إلى تورّط مرتزقة سوريين في الحرب الدائرة في أوكرانيا، إن بانضمامهم للجانب الروسي أو الأوكراني. ويشهد العالم إلى ذلك تنامي مخاطر ظاهرة المرتزقة السوريين الذين باتوا خطراً يتهدد الأمن الدولي مع تواصل إمكانية تشغيلهم التي قد تستمر طويلاً طالما أن الأوضاع في سوريا تسمح بذلك.

الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة أكدت على أن تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم ينبغي أن يعتبر جرائم موضع قلق بالغ لجميع الدول، وأن أي شخص يرتكب أيّاً من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم. في حين عرّفت الاتفاقية “المرتزق” بأنه هو أي شخص يجند خصيصاً، محلياً أو في الخارج، للقتال في نزاع مسلح. ويكون دافعه الأساسي للاشتراك في الأعمال العدائية هو الرغبة في تحقيق مغنم شخصي. ولا يكون من رعايا طرف في النزاع ولا من المقيمين في اقليم خاضع لسيطرة طرف في النزاع. وليس من أفراد القوات المسلحة لطرف في النزاع 1. يدلل هذا التعريف المقتضب على أن السوريين المشاركين في القتال الدائر خارج سوريا بأنهم مرتزقة رغم تسميتهم “متطوّعين” في بعض الأحيان.

المرتزقة السوريون على الجبهات الساخنة

سبق لتركيا أن جنّدت مقاتلين من فصائل المعارضة السورية “الجيش الوطني” لحسابها وأرسلتهم إلى جبهات القتال في الصراع الدائر بين أذربيجان وأرمنيا على إقليم ناكورني قرباغ التي دارت في سبتمبر/أيلول 2020، وإن كان نفي الدولتين لهذه المعلومات قد بدا مجافياً للواقع، إذ ذهبت التقديرات إلى أن ما بين 1500 و 2000 رجل بادروا بتسجيل أسمائهم ومن ثم سافروا إلى أذربيجان عبر تركيا، على متن طائرات نقل عسكرية تركية2. ليبلغ الرقم 2580 مقاتل في وقت لاحق، قتل منهم 514 وأسر عدد آخر فيما لايزال مصير 240 منهم مجهولاً، فيما عاد البقية إلى سورية بعد انتهاء دورهم هناك ورفض الحكومة الأذربيجانية توطينهم. وبلغ تعداد الجثث الواصلة إلى سوريا  340 3. في المقابل شهدت المعارك أيضاً عن إلقاء القبض على سوريين كانا في صفوف الجيش الأذربيجاني، وقد رفضت أرمينيا تسليمهما للأذربيجانيين وفق عملية تبادل الأسرى القائمة على مبدأ (الكل مقابل الكل)، فيما أيّد الجانب الأذربيجاني المبدأ 4.

تفاوتت المستحقات المادية التي تلقاها المقاتلون العائدون، فمنهم من حصل على مبلغ 600 ليرة تركية و3500 دولار أميركي، ومنهم حصلوا على 1000 ليرة تركية و1000 دولار أميركي، بينما حصل قسم آخر على 5000 ليرة تركية على دفعتين 5.

اقرأ أيضاً: لاجئو أوكرانيا وأبواب أوروبا المفتوحة

في ليبيا أيضاً قُدّر عدد السوريين بنحو 7000 مرتزق وهم يعملون مع الحكومة التركية وهم من الفصائل الموالية لتركيا، أو أولئك الذين انضموا إلى شركة “فاغنر” الروسية والذين هم من مناطق سيطرة النظام السوري ويقدر عددهم بنحو 3000 مرتزق، ليبلغ العدد النهائي أكثر من 18 ألف مرتزق سوري 6. وقد أوكلت مهمات التجنيد والإشراف، بالنسبة للفصائل، لشركة “صادات” الأمنية التركية، فيما تولّت شركة “فاغنر” مهمة تجنيد السوريين في مناطق سيطرة النظام.

ولا يزال ملف المرتزقة مفتوحاً في ليبيا، فالأتراك يحاولون تنظيم وجود المرتزقة التابعين لهم في الأراضي الليبية، وذلك بالرغم من اتفاق “5+5” الذي نص صراحة على ضرورة خروج جميع القوى الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية 7.

ولا يزال استخدام المرتزقة السوريون في ليبيا سارياً، ففي مطلع شهر فبراير شباط من العام الجاري استمرت عمليات تبديل المرتزقة السوريين في ليبيا، حيث عادت دفعة تتألف من نحو 250 مرتزق سوري ووصلت إلى الأراضي التركية، بعد مكوث العناصر في ليبيا أشهر طويلة 8.

أوكرانيا ومشاركة المقاتلين الأجانب في الحرب

دعم بوتين خطط السماح لمتطوعين، بما في ذلك أولئك القادمين من الخارج، بالقتال في أوكرانيا في وقت سابق الجمعة وذكر وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، أن أكثر من 16 ألفا، معظمهم متطوعون من دول الشرق الأوسط، طلبوا المشاركة في الحرب، فيما أكّدالناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحافيين إن وزير الدفاع الروسي لفت إلى أن “معظم الأشخاص الذين يرغبون وطلبوا (القتال) هم مواطنون من دول في الشرق الأوسط وسوريون”9.

قبل إعلان الكرملين ذلك، دعا الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الأجانب على التوجه إلى السفارات الأوكرانية في جميع أنحاء العالم للانضمام إلى “الفيلق الدولي” من المتطوعين للمساعدة في محاربة القوات الروسية الغازية10، وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مطلع شهر آذار/مارس إن 16000 أجنبي تطوعوا للقتال من أجل أوكرانيا ، كجزء مما وصفه بـ “الفيلق الدولي” 11.

 وبدا أن المملكة المتحدة شجّعت المضي في هذا الاتجاه، إذ قالت وزيرة الخارجية البريطانية، ليز تروس، إن بلادها تدعم دعوات توجه الراغبين بالقتال إلى أوكرانيا بما في ذلك الجنود البريطانيون12. على العكس من موقف بريطانيا، حذر وزير العدل الألماني، ماركو بوشمان، المواطنين من المشاركة في الحرب بأوكرانيا، وأن الأمر سيكون على مسؤوليتهم الخاصة، وأن من يشارك في أعمال قتال هناك، فإنه يتصرف حينئذ بشكل غير شرعي. في حين ترك الوزير الألماني الباب موارباً بقوله أنه يعد شرعياً فيما يتعلق بالمشاركة في حرب “بشرط ألا يرتكبوا جرائم حرب هناك”. 13

الأغراض العملية لتجنيد السوريين

ترد معلومات عن عملية تسجيل أسماء سوريين راغبين بالتوجه إلى أوكرانيا والمشاركة في العمليات العسكرية الدائرة هناك سواء من قبل فصائل “الجيش الوطني” أو من المرتزقة الموالين لروسيا في سوريا، إلا أن حتى هذه اللحظة لم يخرج أحد إلى جبهات القتال 14. في الوقت الذي زعمت فيه مواقع تابعة للحكومة الأوكرانية أن روسيا فتحت 14 مركزاً جديداً للتجنيد في جميع أنحاء سوريا، مع تحديد أن مقاتلي الدفاع الوطني والفيلق الخامس قد وقعوا بالفعل عقوداً وسيتم دفع 300-600 دولار لكل مقاتل15.

مع ترحيب موسكو بالراغبين في القتال إلى جانب قواتها بدأت التحذيرات تتالى، إذ يشير تقييم أمريكي إلى أن روسيا، التي تعمل داخل سوريا منذ عام 2015، قامت في الأيام الأخيرة بتجنيد مقاتلين من هناك، على أمل أن تساعد خبراتهم في القتال، في المناطق الحضرية، بالسيطرة على كييف وتوجيه ضربة مدمرة للحكومة الأوكرانية16، ويأتي ذلك في ظل إشارات تقول بأن “بوتين يتبع نفس الأسلوب الذي اتبعه في سوريا، والذي حول المدن السورية إلى أنقاض” وأن التكتيك اللاحق قد يكون باتباع سياسة “الأرض المحروقة”، التكتيك الذي استُخدم في مدينتي: حلب في سوريا وغروزني في الشيشان17. وهو أمر يدل على أن المعارك في أوكرانيا قد تطول وهو ما يعكس الحاجة إلى المزيد من المقاتلين، لا سيما المرتزقة والمقاتلين الأجانب.

خاتمة

تشير مسألة إشراك المرتزقة السوريين في الجبهات الخارجية إلى تنامي هذه الظاهرة، وإذا كانت جذور المشكلة مرتبطة بسوء الأوضاع المعاشية للمقاتلين المستعدين للقتال في أي مكان يختاره مشغّلوهم (تركيا وروسيا) فإن ذلك يعكس أيضاً تخطّي الدول المشغِّلة لنصوص القانون الدولي الواضحة وتجريمها لاستخدام المرتزقة. ويرتبط إشراك المرتزقة في العمليات القتالية بقدرتهم على ارتكاب جرائم الحرب لأن مشاركتهم في الأصل تعتبر “جريمة حرب” كما لا يثير مقتلهم على جبهات القتال مشاعر الدول المنخرطة في الصراعات المسلّحة على اعتبارهم مواطني بلد ثالث وهو ما يجعل من المرتزقة وقوداً لاستدامة المعارك. تلويح موسكو باستخدام المرتزقة السوريين، وفتح كييف الباب أمام مشاركة المقاتلين الأجانب، يدفع بالصراع إلى مستويات تنذر بالمخاطر التي تتهدّد الأمن والسلم الدوليين، حتى وإن تمّ تغليف اسم المرتزقة بأنهم “متطوّعون”.

المصادر

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
(14)
(15)
(16)
(17)
قائمة بالمصادر
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa