الرئيسيمقالات

“داعش” وسياسة غضّ الطرف تركياً

في صورة ما، يمكن اعتبار فصائل “الجيش الوطني” بأنها إحدى نتائج هزيمة تنظيم “الدولة الإسلاميّة” (داعش) في سوريا والعراق بأكثر من مسار؛ فمن جهة عمدت تركيا إلى جمع قادة الجماعات الإسلاميّة الأكثر تشدّداً في سوريا ودمجها في “الجيش الوطني”، من ضمنهم قادة التنظيم الجهادي الذين تواجدوا لسنوات في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، وكان بعضهم أمراء داخل التنظيم، ومن جهة ثانية، فإن وجود هذه الجماعة العسكريّة مرتبط فقط بمحاربة قوّات سوريا الديمقراطيّة “قسد”، القوّة العسكريّة المحليّة الّتي دعمتها التحالف الدولي لمحاربة “داعش” في سوريا، بدأتها من خلال الإسراع في إحكام السيطرة على المناطق التي سعت قوّات سوريا الديمقراطيّة تحريرها في ريف محافظة حلب “الباب- إعزاز- مارع- جرابلس”، لمنع احتماليّة توحيد المنطقة الكردية السورية، ولتوفر بذلك ملاذاً لقادة التنظيم القادمين من مناطق سيطرته في الرقة ودير الزور.

منذ نشوئه، عمد “الجيش الوطني” بدعم تركيّ على إقصاء وتصفية كل المجموعات غير الموالية للحكومة التركيّة داخل جغرافية الشمال السوري، وعمَدَ من خلال آلته العسكرية إلى تقويض الأمن داخل مناطق سيطرته وهو الأمر الذي كان له انعكاسات مباشرة على المناطق المتاخمة لها والتى تحولت الى ملاذات آمنة لعناصر تنظيم داعش، ووفرت مسارات للدعم اللوجستي للتنظيم وحافظت على وجوده الميداني في مناطق الشمال السوري ودعمت بقاء خلاياه النائمة وتجديد دمائها بالمقاتلين ومن ثم تنشيطها بشكل مستمر ومتواصل.

والحال، بات استهداف وإرهاق وتقويض مناطق الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية الهدف المباشر للجيش الوطني السوري والقوات التركية ومن خلفهم داعش، من أجل إحداث حالة من الاستنزاف المتواصل لها، من خلال احتلال المدن والبلدات الكرديّة في الشّمال السّوري، في عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، وأرسى حالة مباشر لانعدام الاستقرار والأمن في الشمال السوري.  

الرّديف “الميليشياوي” التّركي في سوريا

لعبت تركيا الدور الرئيس والحاسم فى تشكل الجيش الوطني السوري، في أكتوبر 2017، بعد أن دمجت فصائل عملية “درع الفرات” فى جيش نظامي على  مرحلتين؛ الأولى تكوّنت من  3 فيالق ليتم تقسيم كل فيلق إلى  3 فرق وكل فرقة إلى 3 ألوية وكل لواء إلى  3 كتائب فى المرحلة الثانية، لتشكل مناطق سيطرته مناطق المشروع الاستعماريّ التركيّ والملاذ الآمن لـقادة داعش.

اقرأ ايضاً: إشراك المرتزقة السوريين في المعارك خارج سوريا

كما قامت تركيا، في هذه الأثناء، بترسيخ علاقتها الضبابية مع داعش من خلال دعمها لانضمام العديد من عناصر داعش إلى الجيش الوطني السوري، وهو ما وثّقته تقارير حقوقية سورية  بمعلومات عن إنضمام 27 من قادة داعش وعناصره منهم 11 قائداً من قادات الصف الأول والثاني في الجيش الوطني (عسكريين وإداريين) و 6 مسؤولين أمنيين و 10 عناصر برتب ومناصب مختلفة و65 شخصية قيادية أخرى وبمعرفة الحكومة التركية، والأكثر من ذلك أنهم متهمون بارتكاب العديد من الجرائم خلال فترة مبايعتهم لداعش وبعد  انضمامهم لصفوف الجيش الوطني السوري.

التأمين الجغرافي لـداعش

تشكل مناطق سيطرة الجيش الوطني الممتدة من مدينة جرابلس وحتى إعزاز بريف حلب الشمالي والشمال الشرقي جغرافية آمنة ومساحة حركة ملائمة للتنظيمات الجهاديّة والمتشدّدة  فى سوريا أبرزها داعش فداخل  تلك المناطق والتى تشكل نسبة 10.98% من التراب  السوري تنتشر خلايا داعش النائمة وخاصة فى مناطق  إدلب وشمال حلب، وتل أبيض ورأس العين في الرقة والحسكة، و الزكف والتنف والمنطقة 55 في جنوب شرق سوريا، وتنطلق من تلك المناطق لتمارس نشاطها الإرهابي بمهاجمة  قوات النظام السوري  والقوات الروسية والإيرانية في البادية السورية ومنطقة السعن وجبل البشري وخناصر ومنطقة السخنة وفي محيط مدينة تدمر، وفي الريف الجنوبي لمحافظة دير الزور.

 وعلى الجانب الاخر تتوفّر داخل تلك المناطق مساحات تساهم في تأمين الدعم المتحرك لمقاتلي تنظيم داعش، والذي يوجّه عملياته بكثافة داخل  مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” شرق نهر الفرات، تحديداً  فى مناطق جنوب  وشرقي ريف دير الزور الشرقي والغربي خاصة فى بلدات مركدة وذبيان والبصيرة والشحيل والزر وبريهة والسوسة والكبر وقرى الصبحة والسعدة الغربية جنوب دير الزور وقرية جزرة ميلاج بمنطقة كسرة وبلدة هجين ومحيميدة وبلدة الكرامة بشرق الرقة ودوار الدله والحديقة البيضاء والجاسمي بمنطقة الصور بالرقة وبلدة أبو حمام وبئر دعاس وطرق هجين- البحرة والبصيرة – العتال وطريق الكورنيش جنوب الرقة وذلك وفق بيانات التنظيم الجهادي عبر وكالته الإخبارية “أعماق”.

ويمكن الاستناد على أن التنظيم لم يشن أيّ هجمات إرهابية داخل منطقة تبلغ مساحتها مساحتها  2055 كيلومتراً مربعاً من الأراضي شمالي سوريا الممتدة  بين مدن جرابلس وإعزاز المتاخمة للحدود التركية ومارع بريف حلب الشمالي ومنبج  والباب  اللذان كانا أحد معاقل داعش في سوريا قبل عام 2020، وهو ما يفسّره التجاهل شبه التام من قبل التنظيم الإرهابي وآلته الإعلامية.

تقويض الأمن لصالح العلاقة العضوية مع داعش

يمارس الجيش الوطني السوري حالة من التقويض المتعمّد للأمن داخل مناطقه في الشمال السوري والتي تشهد منذ 2019 حالة من الفلتان الأمني وعمليات الاغتيال الممنهجة، وسط حالة من الصمت التام من القوات التركية المنتشرة داخل مناطقه والتى تستفيد من تلك الفوضى فى ترسيخ وجودها وانتشارها على الأرض، هذا الأمر ساعد تنظيم داعش على استغلال مناطق الجيش الوطني كمسارات لتنقل عناصره على طول مناطق الشمال السورب بداية من أدلب ومروراً بدير الزور والرقة وصولاً للحسكة.

وبمرور الوقت شكل هذا التقويض علاقة عضوية، وإن كانت مستترة وغير معلنة، بين الجيش الوطني والقوات التركية من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى وكانت نتيجتها الطبيعة “غض الطرف” عن عمليات التسلل المستمرة من مناطقهم للقيام بعمليات إرهابية متتالية داخل المناطق التى تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور والرقة والحسكة والتى تبلغ نسبتها 25.64% من الجغرافية السورية، فى الوقت الذي لم تسجل فيه مناطق الجيش الوطني السوري ومناطق انتشار القوات التركية أي عمليات إرهابية قامت بها داعش وفق بيانات التنظيم الرسمية.

وبذلك تكون العلاقة بين الجيش الوطني السوري والقوات التركية التي تحتلّ أجزءاً من الشمال السوري قد تحوّلت من علاقة تعاون إلى ما يمكن تسميته “بوحدة حال” يجمعها المصالح والمنهج؛ وهدفها الأساسي استهداف الكرد والقضاء على الوجود الكرديّ في سوريا، والإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطيّة، وتسيّد الفكر السلفي الجهادي الإرهابي وشرعنة أنظمته تحت مسميات مختلفة وعناوين متنافرة، خاصة مع تنامي حالة الإحباط في الداخل السوري فى ظل عدم  جدوى النضال السلمي.

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa