الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

التبدّلات في العلاقات الإماراتية الأمريكية

مقدمة

تذهب جميع الآراء والتحليلات إلى أن العلاقات الإماراتية الأمريكية تمرّ بتبدّلات هي الأولى من نوعها منذ أن خُطّت العلاقة بين البلدين في سبعينيات القرن الماضي، إذ بلغ تراجع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين مستويات غير مسبوقة ووصلت إلى حيث ينبغي إعادة التفكير بالمدى الذي قد تبلغه لاحقاً. والأسباب الفعلية التي دفعت أبو ظبي لإدارت ظهرها للسياسة الأمريكية في المنطقة والعالم جاءت مع تولّي الرئيس جو بايدن حكم الولايات المتحدة، الذي لم يبدِ الحساسية المطلوبة للمشكلات والقضايا التي تمرّ بها المنطقة وتعاني منها الإمارات، كالحرب في اليمن والدفاع عن أمن الخليج والإمارات في مواجهة الهجمات الحوثيّة، وطريقة تعامل وشنطن مع إيران دون الرجوع لشركائها في المنطقة. اختارت الإمارات توقيتاً جاء مع الغزو الروسي لأوكرانيا للإعلان عن مواقفها تجاه الإدارة الأمريكية التي ترى في كلّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة دولتين تتوافقان على طول الخط مع المواقف الأمريكية. بيد أن الوقائع أظهرت عكس ذلك من خلال إرسال البلدين الخليجيين رسالة مفادها أن الشراكة تعني التعاون المتبادل والمصلحة المشتركة لا التعالي وإدارة الظهر للمسائل الماسّة بالأمن القومي للبلدين.

تحوّلات العلاقة السريعة بين زمنين

منذ أكثر من عام من الآن، تحديداً في فترة رئاسة الرئيس السابق للولايات المتحدة، دونالد ترامب، كانت العلاقة بين الإمارات والولايات المتحدّة متقدّمة، وقوية كما في أي وقت سابق، وقد بلغت مستوى أعلنت فيه الولايات المتحدة عن صفقة أسلحة ضخمة بقيمة 23 مليار دولار من شأنها أن تشهد حصول الإمارات على طائرة مقاتلة متطورة من طراز F-35، والتي تعد إسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي حصلت عليها.(1) لكنها في الفترة الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً فقد أعربت الإمارات عن عدم ارتياحها لما تعتبره التزام واشنطن المتراجع لأمن شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، حيث لم يتم الانتهاء من صفقة F-35 بعد ، حيث ورد أن الإمارات تظهر إحباطاً بسبب الوتيرة البطيئة والظروف المتعلقة بالبيع. (2)

ورغم أن الإمارات ودول خليج عربية أخرى تعتمد في العادة على المظلة العسكرية الأمريكية للحماية، إلا أن تلك الدول لديها مخاوف من أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قد قلّصت من التزامها حيال المنطقة خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وتركيزها المتزايد على مواجهة الصين. فالخلافات كانت قد زادت بشأن الحرب في اليمن وسياسة واشنطن تجاه إيران وشروط أمريكا لتنفيذ صفقات مبيعات السلاح، ثم تفاقم الأمر بعد عدم دعم الإمارات لقرار صاغته الولايات المتحدة لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا بامتناعها عن التصويت، وهو ما أظهر أن واشنطن لا يجب أن تعتبر دعم الإمارات أمرا مسلماً به.(3)

كانت الإمارات تضغط مؤخراً على الولايات المتحدة لتصنيف المتمردين الحوثيين في اليمن كمنظمة إرهابية أجنبية – وهو تصنيف قدمه ترامب ولكن بايدن ألغاه. حتى الآن ، امتنع البيت الأبيض عن القيام بذلك ، وفرض بدلاً من ذلك عقوبات مستهدفة على شبكة تمويل الحوثيين.(4) في الوقت الذي أبدت فيه موسكو حساسية أعلى تجاه هذه المسألة، فقد أصدر مجلس الأمن الدولي في فبراير/شباط الماضي بدعم من دولة الإمارات، قراراً يوسّع الحظر على إيصال الأسلحة إلى اليمن ليشمل جميع الحوثيين المتحالفين مع إيران، بعدما كان مقتصراً على أفراد وشركات محدّدة. فسر دبلوماسيون تصويت روسيا المقرّبة من إيران الداعمة للحوثيين، لصالح قرار فرض حظر سلاح شامل على الحوثيين، بأنه “ثمرة اتفاق” بين موسكو وأبو ظبي هدفت الأخيرة عبره إلى ضمان امتناع الإمارات عن التصويت في مجلس الأمن ضد الغزو الروسي لأوكرانيا.(5)

أبو ظبي اختارت التوقيت

لعل لحظة الذروة في تبدّل علاقة البلدين تمثّلت في الأنباء التي تحدّثت عن رفض ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ونظيره الإماراتي محمد بن زايد ترتيب مكالمات مع الرئيس الأمريكي جو بايدن في الأسابيع الأخيرة حيث سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها لاحتواء ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الغزو الروسي لأوكرانيا.(6) جاء ذلك قبل امتناع الإمارات عن التصويت على مشروع القرار الأمريكي من الغزو الروسي، في حين كانت مسألة رفض الاتصال إشاراة واضحة إلى وجوب تدارك واشنطن مواقفها والحفاظ على شراكتها بالإمارات، لكن واشنطن لم تسعَ لإعادة الشراكة الأمريكية الخليجية إلى سابق عهدها، وقد كان هناك إشارات إلى رغبة أبو ظبي في ممارسة الضغط وتوجيه الرسائل عبر إجراءات بيروقراطية، إذ علّقت عمل مذكرة التفاهم مع الحكومة الأوكرانية بشأن الإلغاء المتبادل للتأشيرة، بالتالي إلغاء نظام الإعفاء من التأشيرات للأوكرانيين بعد أيام فقط من الغزو الروسي.(7)

في إزاء ذلك تسبب استقبال ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد، الرئيس السوري بشار الأسد، في إعلان الخارجية الأمريكية  عن شعورها بـ “خيبة أمل وانزعاج عميقين”(8)، فيما عبّرت الإمارات على لسان أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، إن زيارة رئيس النظام السوري بشار الأسد للإمارات تنطلق من توجه بلاده إلى تكريس الدور العربي في الملف السوري، وقناعتها بضرورة التواصل السياسي والانفتاح والحوار على مستوى الإقليم.(9) ولكن مهما يكن من أمر وجد مراقبون ترابطاً بين توقيت الزيارة والرسالة التي رغبت أبو ظبي توجيهها لواشنطن في ظل توتر العلاقة الإماراتية الأمريكية.

التعبير الأوضح لما تمرّ به العلاقة بين البلدين كشف عنه سفير الإمارات بالولايات المتحدة، يوسف العتيبة، ففي 3 مارس/آذار 2022، صرّح “أن العلاقات الإماراتية الأمريكية تمر باختبار ضغط”، مضيفاً أن بلاده منفتحة على الانخراط في أنشطة دفاعية مع جميع الشركات والدول، لكنها قلقة حيال واشنطن.(10) جاء هذا التصريح في توقيت كانت تحثّ فيه واشنطن الخطى لتوسيع تحالفاتها في مواجهة روسيا لا سيما الدول النفطية وخاصة تلك التي تجمعها بها علاقات شراكة استراتيجية كالمملكة العربية السعودية والإمارات. مع ذلك لم تتخلَّ أبو ظبي عن ما يمكن تسميته التمييز بين الموقف من الولايات المتحدة وبين إدارة بايدن إذ صرّح العتيبة إلى أن العلاقة بين البلدين “مبنية على الثقة.”(11)

خاتمة

لا يعني الجفاء الحاصل إلى قطيعة إماراتية أمريكية، والأقرب للتصوّر هو انتهاج أبو ظبي سياسة مفادها وجوب مراعاة المصالح الإماراتية في ضوء الشراكة مع واشنطن، وأن الإمارات تمتلك البدائل اللازمة من خلال مروحة علاقاتها الخارجية بالصين وروسيا بوصفهما قوّتين دوليتين يحسب لهما الحساب، في حين سعت أبو ظبي خلال هذا الشهر إلى عقد لقاءات قمّة إقليمية، فقد التقى ولي عهدها الشيخ محمد بن زايد في شرم الشيخ بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، في حين شهدت العقبة الأردنية لقاءً جمع العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، ولعل تكثيف اللقاءات يعكس قدرة الإمارات على التحرّك بمعزل عن الحضور الأمريكي، وإمكانية أن تحافظ أبو ظبي على علاقاتها الدولية والإقليمية حتى وإن مرّت علاقتها بواشنطن بفترة “اختبار ضغط” مبنية على طبيعة تعاطي إدارة بايدن مع المصالح الخليجية وتجاهل مطالبات الإمارات والسعودية الأمنية والدفاعية.

المصادر:

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa