اقتصادالرئيسيتقدير موقف

كردستان العراق: ملف النفط والغاز إلى الواجهة

مقدمة

ثمة حدثان أعادا ملف النفط والغاز في إقليم كردستان إلى الواجهة مجدداً، الحدث الأول كان إصدار المحكمة الاتحادية العليا في العراق حكماً بعدم دستورية قانون النفط والغاز الصادر عن حكومة إقليم كردستان، وإلزام الإقليم بتسليم النفط إلى الحكومة الاتحادية. فيما كان الحدث الثاني رغبة الإقليم بتصدير النفط والغاز  إلى أوروبا وفق ما أعلنه رئيس وزراء الإقليم، مسرور البارزاني، على هامش منتدى الطاقة العالمي في دبي، ويأتي كل ذلك على خلفية تصاعد أزمة الطاقة الدولية التي فرضتها الحرب في أوكرانيا، وما استتبعه من زيادة الطلب الأوربي على مصادر جديدة للطاقة لا سيما الغاز والنفط غير الروسيين وهو ما خلق حراكاً أوروبياً وأمريكياً لتفادي الأزمات الداخلية عبر التوجّه إلى المنتجين في العالم، ولأن إيران تشعر بأن اضطلاع إقليم كردستان بهذا الدور التزويدي لأوروبا بالغاز والنفط قد يهدد موقعها التفاوضي مع الغرب على اعتبارها واحدة من الدول التي قد تستفيد من أزمة الطاقة الدولية، وبما يساهم في إعادة تعويم نظامها لكونها مرشّحة لأن تصبح مزوّداً مهماً لأوروبا بالغاز.

العقبات القانونية الطارئة

بحسب البيانات الرسمية لوزارة الثروات الطبيعية  في حكومة إقليم كردستان العراق، فإن الإقليم يمتلك 200 تريليون قدم مكعب من احتياطي الغاز الطبيعي، ويتحكم بنسبة 3 في المئة من احتياطي الغاز في العالم. عضو في برلمان الإقليم قال بأن إقليم كردستان “يحتل المرتبة السابعة عالمياً في أكبر إحتياطي للغاز الطبيعي (1) ويستطيع إقليم كوردستان تصدير 30 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً إلى تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، لو باعت حكومة الاقليم المتر المكعب منها بـ( 2) دولار فقط، مع أن سعر المتر المكعب منها يباع في الأسواق العالمية بـ( 3,5 دولار)، فإن العائدات التي ستدخل إلى خزينة حكومة الإقليم ستصل إلى ( 60 مليون دولار) يومياً، والكمية المكتشفة( المثبتة) من الغاز الطبيعي في إقليم كوردستان تكفي لمدة ( 200 سنة) القادمة بحسب التقارير المختصة بهذا الشأن.(2)

وأما في مجال النفط، فتشير تقديرات إلى أن الإقليم ينتج يومياً من النفط نحو 620 ألف برميل -وفق بيانات رسمية- ويباع جزء منه بأسعار منخفضة جداً عن السعر العالمي. (3) في حين كشفت وثائق المسوّق المملوك للدولة (سومو) بأن إقليم كردستان أنتج 425 ألف برميل يومياً من النفط في يناير/كانون الثاني من هذا العام.(4)

اقرأ أيضاً: التبدّلات في العلاقات الإماراتية الأمريكية

وكانت حكومة الإقليم في 2007 سنّت قانوناً خاصاً بها أرست التوجيهات التي تدير من خلالها تلك الموارد الذي أتاح لها التعاقد مع شركات أجنبية لاستخراج وبيع النفط من حقول داخل محافظات أربيل والسليمانية ودهوك بالإضافة لاستخراجه من مناطق متنازع عليها في محافظات نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين من دون العودة لبغداد.(5) 

في آذار/مارس أصدرت المحكمة الاتحادية  العراقية العليا حكمها القاضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز واعتبرته بحكم المُلغى لمخالفته النصوص الدستورية وفق المواد 110 و111 و112 و115 و130 من الدستور، حيث إنه أوجب على حكومة كردستان تسليم واردات النفط بأثر رجعي من تاريخ إبرام العقود والسماح لوزارة النفط وديوان الرقابة المالية بالاطلاع على هذه العقود وفي حالة الأحجام سيتم استقطاع هذه الأموال من النسبة المخصصة للإقليم من الموازنة السنوية والتي كانت 17% وخفضت العام الماضي إلى 12% من إجمالي موازنة العراق (6).

ورفضت رئاسة إقليم كردستان حكم المحكمة الاتحادية بشأن أنشطتها في مجال النفط والغاز وقالت إن الإقليم سيواصل ممارسة حقوقه الدستورية في هذا الشأن.(7) فيما أعلن مسرور البرزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، في منتدى عن الطاقة بدولة الإمارات إن حكم المحكمة سياسي وإن كردستان تتفاوض مع الحكومة الاتحادية للحفاظ على ما سماه حقوقهم الدستورية. وأضاف أن كردستان قدمت تطمينات لشركائها التجاريين والمنظمات الدولية التي تعمل في المنطقة شبه المستقلة بأنها ملتزمة باحترام العقود التي أبرمتها.(8)

التصدير إلى أوروبا بين الرغبة والعقبات

في خطاب لمسرور البارزاني في أعقاب أزمة النفط والغاز الدوليين الناجمتين عن الحرب في أوكرانيا، أعلن رئيس حكومة إقليم كردستان العراق عن قدرات الإقليم في “تعويض جزء من النقص النفطي الحاصل في أوروبا على الأقل”، بيد أن هذا الاستعداد الكردي متوقّف على موافقة الشركاء فهو ممكن “إذا كان شركاؤنا في  بغداد مستعدين للعمل معنا”.(9)

يتم تصدير نفط إقليم كردستان عبر وسيلتين مختلفتين: الأولى عبر خط أنابيب ممتد من الإقليم إلى تركيا، والثانية من خلال الصهاريج التي تحمل النفط عن طريق البر إلى تركيا. وعند وصوله إلى تركيا يبيعه المشترون بدورهم إلى مختلف الزبائن من جميع أنحاء العالم حيث يتم شحنه بحراً.(10) ويسعى الإقليم إلى تطوير وسائل التصدير والنقل إذ أجريت محادثات مع الحكومة الاتحادية في العراق وتركيا ودول الخليج حول شبكة سكك حديدية إقليمية. يمكن أن يكون هذا المشروع تحولياً للعراق والمنطقة، ويخلق طرقاً تجارية جديدة ونافذة أخرى للتعاون الإقليمي.(11) وبطبيعة الحال يحتاج الاتفاق على مشروعات بهذا الحجم إلى سلسلة موافقات عراقية وإقليمية وهو ما قد يؤدّي إلى عرقلة هذه التطلّعات التنموية أو تأخيرها ما أمكن.

الرغبة في التصدير تصطدم بعقبات عراقية وأخرى إقليمية، فحكم المحكمة الاتحادية العليا يمثّل أبرز تلك المعوقات التي قد تثني الإقليم عن فكرة تصدير النفط والغاز إلى أوروبا خاصة وأن بغداد تطلب أن تمر كل صادرات النفط عبر الحكومة الاتحادية، ورغم عدم خلو قرار المحكمة من أبعاد سياسية تخصّ التوقيت الذي أعلنت فيه عن قرارها، إلا أن عقبات إقليمية أخرى تبدو أشدّ وطأة والتي بدأت تطفو إلى السطح مؤخراً، من ذلك القصف الصاروخي الإيراني الذي بدأ يطاول إقليم كردستان على نحو متواصل، فإيران قصفت في 13 آذار/مارس فيلا رجل الأعمال الكردي البارز باز كريم البرزنجي الذي يعمل في قطاع الطاقة بإقليم كردستان والذي تمتلك مجموعته النفطية “كار غروب” ثلث خط أنانبيب تصدير نفط خام كردستان، والتي تعمل على بناء خط أنابيب محلي جديد. مسؤولون عراقيون وأتراك وغربيون قالوا أن القصف الإيراني جاء بسبب غضب طهران من “الخطة الكردية لتزويد تركيا وأوروبا بالغاز بمساعدة إسرائيل”، والمسؤولون تحدثوا عن “اجتماعين” في الفيلا بين مسؤولين ومتخصصين إسرائيليين وأمريكيين، لكن أربيل والبرزنجي نفيا انعقاد مثل تلك الاجتماعات. (12)

يهدد تصدير الغاز إلى أوروبا مكانة طهران كمورّد أساسي للعراق وتركيا خاصة وأن صفقة تصدير الغاز إلى تركيا تنتهي في 2026، فضلاً عن قلق إيران من علاقات كردية إسرائيلية تؤجج مخاوفها بشأن ملف الأكراد فيها، في الوقت الذي تدور فيه أنباء عن رغبة أنقرة توقيع عقود استيراد الغاز من كردستان.(13)

خاتمة

لدى إقليم كردستان تجربة في انتاج وتصدير النفط، بمعزل عن بغداد، إلّا أن هذا الدور الذي يحظىى بدعم من أوروبا وأمريكا وتركيا يبدو مثيراً لحساسية إيران وكذلك الجماعات السياسية العراقية المقرّبة منها، فيما يتوقّع الإقليم التغلّب على العقبات القانونية التي تصفها أربيل بأنها عقبات ذات صبغة سياسية، بيد أن السؤال المهم هو: هل بمقدور حكومة الإقليم الكردي وسياسييها استيعاب الهجمات الإيرانية الصاروخية المتواصلة على الإقليم والرامية إلى ثني إقليم كردستان عن المضي في مشاريع التصدير، وما يستتبعه من تشبيك سياسي أقوى بين الإقليم وأوروبا والولايات المتحدة؟ ثم هل سيؤمّن التحالف المقبل بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والتيار الصدري بشأن تشكيل الحكومة المقبلة الغطاء القانوني اللازم لعمليات التصدير وتطويرها أم سيتحوّل قرار المحكمة الاتحادية إلى أمر واقع؟ في الغالب سيبقى ملف الغاز والنفط في إقليم كردستان مفتوحاً على الاحتمالات في الفترة المقبلة أيضاً، سواءً عبر استمرار الضغوط الإيرانية أو من خلال تحريك الشق القانوني للمسألة وما يستتبعه الأمر من محاججات دستورية وقانونية بين أربيل وبغداد، ولا يخفى إلى ذلك عزم الإقليم على مواصلة سياسة التصدير وتطوير قطاعي النفط والغاز وتشبيك العلاقات مع تركيا وأوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج لما لها من دور أساسي في هذا الملف الذي بات يتصدّر المشهد العراقيّ والإقليمي. 

المصادر:

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
قائمة بالمصادر المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa