الرئيسيتقارير بحثية

استمرار سياسة تصدير المرتزقة السوريين

مقدمة

على مرّ الأزمنة كان للحروب بالغ التأثير على القيم المجتمعية، سواء للمجتمعات الغازية أو التي تتعرض للغزو، وسواء كان ذلك عبر زيادة منسوب العنف وتقبله في المجتمعات الغازية، أو تشكيل ردة فعل عنيفة لدى الشعوب المغزوّة. وأدت الحروب إلى ظهور طفرات مجتمعية، ترجمت إلى فئات عدة، أعادت بذلك التقسيمة المجتمعية، فيصبح لدينا أثرياء حرب، وضحايا حرب، وحركات رافضة للحروب.

ولعل أكثر الحروب تعقيداً هي الحروب الأهلية، أيّاً كانت مبرراتها العرقية، أو الدينية، أو الإيديولوجية، فهنا لا مكان لقوانين الحرب والاتفاقيات الدولية التي تحكم العلاقات البينية للمجموعات المتحاربة فيما بينها.

افتتح النظام السوري الباب، بداية، لجلب المرتزقة من الخارج لدعمه، سواء الميليشيات الطائفية مثل حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني والميليشيات العراقية، أو مجموعة فاغنر الروسية. وفي المقابل، أدى دخول الحركات الإسلامية على خط النزاع، والدعم التركي وتيسيرها دخول الجهاديين عبر حدودها لسوريا، إلى تشكيل حالة من الفوضى وفرض فكرة القتال من أجل المال، والقتال خارج حدود الدولة كفكرة مقبولة لدى شريحة واسعة من المجتمع السوري.

فيما بعد، كان لتركيا الدور الكبير في تحويل هذه الشريحة المستقبلة لفكرة الارتزاق والقتال خارج الحدود، إلى شريحة منتجة للارتزاق، فالبداية كانت في ليبيا حين قامت أنقرة بإرسال مجموعات من الفصائل السورية المتطرفة الموالية لها، للقتال مع حلفائها في ليبيا[1]، ومن ثم إرسالها لمجموعات من ذات الفصائل إلى أذربيجان للقتال إلى جانب الجيش الأذربيجاني ضد الجيش الأرمني[2].

روسيا وسوريا واستخدام المرتزقة مجدداً

أعلن الكرملين مطلع آذار/مارس، أنه سيُسمح لمقاتلين من سوريا والشرق الأوسط بالقتال إلى جانب روسيا في أوكرانيا.[3]وجاء قرار الكرملين بعد أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دعمه لخطة إرسال مقاتلين “متطوعين” للانخراط في الحرب.

وأكد تقرير لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة أن” ضباط روس طلبوا من بعض الأجهزة الأمنية السورية البدء بتسجيل أسماء مقاتلين ذي خبرة عالية في حرب الشوارع”.[4]ونقلت المنظمة عن أحد مسؤولي لجان المصالحة المحليين في منطقة تقع في محافظة ريف دمشق، أن أحد الضباط في فرع المخابرات الجوية قال له:” أنهم سوف يعدون قوائم بأسماء مقاتلين لديهم خبرة قتالية جيدة من إخضاعهم لدورة تدريب صغيرة على يد ضباط روس تمهيداً لإرسالهم إلى روسيا ونقلهم للقتال إلى جانبها في أوكرانيا”.[5]

اقرأ أيضاً: إشراك المرتزقة السوريين في المعارك خارج سوريا

وقال الصحافي علي نمر لمركز أسبار الشرق الأوسط:” القضية ليست رد الجميل؛ وإنما تغيير في موازين القوى العالمية، وحتى بهذه النظام كان «أشطر» من المعارضة، حين أدرك أن التوازن الدولي الجديد، يتجه شرقاً أيّ نحو الصين وروسيا والهند، فيما انتقلت المعارضة من ضفةٍ لأخرى لتختار في النهاية تركيا التي حولتها لمرتزقة عابرين للقارات وما حدث في أرمينيا وليبيا ليس إلا الجزء اليسير الذي طفى على السطح”.[6]

ويجد الكاتب والباحث كريم شفيق أنه: “بحسب المعلومات المتواترة فهناك قائمة بنحو 40 ألف مقاتل سجلت أسماؤهم من مناطق سيطرة النظام السوري لأجل أن تنضم للقوات الروسية، وهذه المرة على ما يبدو يلعب نظام “الأسد” الدور الرئيسي في تعبئة المقاتلين السوريين لخارج البلاد وهو ما يبرز حقيقة ارتهان دمشق للقوى الخارجية بنفس درجة الاستقطاب والتقسيم الذي تقع تحت وطأته الخريطة السوري”.

وتابع شفيق لـ مركز أسبار الشرق الأوسط:” وفيما يبدو كذلك أنه مثلما يرد النظام السوري في دمشق الجميل لموسكو التي ساهمت في بقائه واستمرار حكمه فإن بوتين يسعى للاستفادة من تكتيكات واستراتيجيات عسكرية نفذتها خلال سنوات انخراطها في الحرب السورية”.

وأضاف شفيق: “وفي كل الأحوال تعمق هذه الحوادث من دلالات الوضع الإقليمي المأزوم وتداعياته في سوريا وخطورة ذلك من الناحيتين الأمنية والسياسية وغياب أي استقرار إقليمي بل سيتفاقم وينذر بتعقيدات متفاوتة ومتفلته مثلما جرى إبان استخدام السلفية الجهادية في الصراع مع السوفييت الذي ما لبث أن تحول إلى طاقة جهنمية ضد حلفائها السابقين”.[7]

المعارضة السورية الموالية لتركيا الدور الموازي

وثقت منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بدء فصيل السلطان مراد التابع لما يسمى “الجيش الوطني” التابع للمعارضة السورية المسلحة الموالية لتركيا، إعداده لقوائم مقاتلين ليتم إرسالهم إلى أوكرانيا ضد الجيش الروسي.[8]

وبحسب “سوريون” نقلاً عن ضابط في الفيلق الأول التابع للمعارضة السورية الموالية لتركيا فإن:”الأتراك يعلمون أن الفصائل تقوم بتسجيل أسماء المقاتلين، هناك أوامر تركية غير مباشرة لبعض الفصائل باستقطاب المقاتلين ذوي الخبر باستخدام الأسلحة الثقيلة في المرحلة الأولى. أيضاً تمّ التحدث عن الحاجة إلى 1300 مقاتل حالياً، وأنهم سوف يقسمون على مجموعات، كل دفعة منهم سوف تضمّ 210 مقاتل لنقلهم في وقت ما لاحقاً”.[9]

ويرى الباحث كريم شفيق:” توافر مؤشرات وجود عناصر من الجماعات الإسلاموية السورية في الصراع بين موسكو وكييف بعدة أمور من بينها الدور الوظيفي الذي تقوم به تلك الأطراف وهو أمر تقليدي ومتكرر وقد حدث في ليبيا وكذا في أزمة ناغورنو كاراباغ، ففي الأخيرة استخدمت تركيا ورقة الإسلام السياسي لحساب تحقيق مصالحها المتصلة بتوسيع نفوذها أو بالأحرى استعادته بناء على أحلام العثمانية المتوهمة والجديدة في جنوب القوقاز وهو الحلم والهدف المدفوع بالثروات النفطية والموارد الطبيعية”.

ويتابع شفيق:” وليس خافيا أن أرمينيا اتهمت أنقرة بشكل مباشر بنقل مرتزقة ومقاتلين داخل أراضيها، وبطبيعة الحال كان ما يعرف بـ”الجيش الوطني السوري” المدعوم من أنقرة في شمال شرق سوريا خزان الرئيس التركي لنقل العناصر المسلحة والتي تنتمي غالبيتها وتنحدر من تنظيمات إسلامية جهادية حيث تموضعت في ليبيا مرة ثم إقليم قره باغ مرة أخرى ومن المتوقع ظهورهم على متن أي حدث سياسي وميداني تؤدي فيه تركيا دورا وظيفيا كما هي العادة”.

الشباب السوري وقوداً للحرب

جاء في تقرير لصحيفة الشرق الأوسط أن: “الشباب السوريون الذي خاضوا حروبهم ثم حروب الآخرين في بلادهم، توقفوا منذ سنتين عن قتال بعضهم بعضاً، لكنهم باتوا يخوضون حروب الآخرين في أراضٍ أخرى. هذا ما حصل لدى نقل روسيا وتركيا آلافاً منهم منهم لـ«حماية المنشآت النفطية» في ليبيا أو ناغورنو قره باغ، باستثناء أن فترة «العمل» كانت ستة أشهر، فيما تستمر في أوكرانيا لسبعة أشهر، ما يؤشر إلى قناعة قاعدة حميميم الروسية، المظلة الرئيسية لعمليات التجنيد، بأن الحرب الأوكرانية ستستمر لأشهر أو سنوات، وليس لأيام”.[10]

ومن جانبه قال الصحفي السوري، علي نمر إن:” كل ما يتم تداوله يجري بثه ضمن الضخ الإعلامي الغربي، الذي سبق الحدث بأسابيع، والذي تلقفه المتشددون في النظام والمعارضة كل حسب توجهاته، والتي تصب في نهاية المطاف بالنهر ذاته!”.

ويتابع نمر:” أيّ أن الطرفان يظهران على أنهما مناصرين لأصدقائهما، بينما هما في الحقيقة ليسا إلا أداة لإحداثيات الحرب في أيّ مكان، كي يطيلا من عمر صراعهما على الأرض السورية، والوقوف ضد الحل السياسي وفق القرار الأممي 2254، عبر تطبيق أيّة حرب مشابهة على الحالة السورية، وبذلك يكون الإعلام الغربي نجح على قاعدة ضرب “عصفورين بحجر واحد”، الأول إظهار أن السوريين مجرّد مرتزقة ولا يمتلكون هدفاً حقيقياً في التغيير الجذري الشامل، وثانياً إظهار المظلومية الأوكرانية التي هي نقطة عبور لها لمواجهة الروس”.

وصف الصحافي علي نمر، ما يجري بأنه:” أخطر وأعقد وأعمق من الطريقة التي يتم فيها تناول الحدث من خلال أحكام مسبقة، التي تطابق تماماً وجهة نظر الإعلام الغربي، في الوقت الذي يتطلب فهماً عميقاً لأبعاد ما يجري، وتأثير ذلك على النظام الاقتصادي العالمي المسؤول عن جميع الأزمات وعلى رأسها الطاقة والغذاء، لذلك لفهم أيّة مشكلة يجب فهمها ودراستها من حركتها، حينها ستصل لنتيجة واحدة وهي أن المجتمع الدولي يمتلك الحلول لجميع القضايا العالقة سواءً على المستوى المحلي الوطني؛ أم على المستوى الإقليمي، أو العالم”.

وتابع نمر:” ومع ذلك لم يحل قضية واحدة منذ انتهاء الحرب الباردة؛ لا بل عمل على إطالتها تارةً بتقديم المساعدة تحت حجة «المظلومية» التي تُكيل فيها بمكيالين كما هي مع أوكرانيا، وتارةً أخرى بتخدير أحد طرفي النزاع والصراع، لتحقيق أهداف تلك القوى بدلاً عمّا خرجت من أجله الشعوب أملاً بالتغيير، من هنا فإن الأزمة الحالية قد تكون نقطة انعطاف حتى بتغيير المجتمع الدولي نفسه، أيّ تغييرٍ موضوعي للأمم المتحدة ومجلس الأمن أيضاً وفق التوازن الدولي الجديد”.

الخلاصة:

أدت عشر سنوات من الحرب الأهلية في سوريا، سواء بين المعارضة والنظام، أو بين فصائل المعارضة نفسها، ومن ثم استخدام تركيا للمعارضة السورية المسلحة لضرب الكرد في سوريا، وأيضاً جلب النظام للميليشيات من خارج الحدود لتدعيم موقعه في المعارك، إلى إنتاج شريحة من الشباب السوري الذي لا يجد سبيلاً لجني المال إلا عبر القتال، ولا يهم من أجل ماذا أو أين أو مع من؟

ولعل التجربة الأخيرة في أوكرانيا دليل واضح على ذلك. وهذا ما يصعّب المهمة على من يريد إعادة بناء البلاد التي أرهقتها الحرب، وإرساء الاستقرار فيها. في وقت لا يجد فيه المجتمع الدولي في سوريا والسوريين إلا ساحة حرب ومقاتلين تحت الطلب، وهذا ما يتسبب بتأزيم الموقف أكثر.


[1] الشرق الأوسط
[2] DW
[3] DW
[4] stj-sy
[5] stj-sy
[6] عبر واتس آب
[7] عبر واتس آب.
[8] stj-sy
[9] stj-sy
مصادر التقرير البحثي

 

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa