الرئيسيمقالات

تركيا تستعيد “صفر مشاكل” مع الدول العربية

تكتيك أم استراتيجية

مطلع تسلّم حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا عام 2002 تبنّت أنقرة سياسة “صفر مشاكل” فيما خص علاقاتها الخارجية. رائد تلك السياسة ومنظّرها وقتذاك أحمد داوود أوغلو غاب عن المشهد وترك صفوف الحزب، تبع ذلك مرحلة مليئة بالخلافات والتدخّلات الخارجية، والتي تطوّرت في مرحلة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي منح تركيا هامشاً للتوسّع والتدخّل بما في ذلك الإضرار بمصالح حلفاء واشنطن في المنطقة، لا سيما في الخليج والعالم العربي.

 كانت تركيا قد عادت إلى المنطقة بعد قطيعة تاريخية لأسباب مرتبطة بسياسات تركيا الكمالية والاتجاه غرباً، إلّا أن اتجاهها صوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فُسّر بأنه يحمل قراءة أكثر موضوعية مقرونة بالبحث عن أسواق جديدة للصناعات التركيّة الناشئة ورفعاً لعتلة العلاقات الاقتصادية والتجارية معطوفة على مساحات الثقافة والتاريخ المشتركين.

غير أن تلك السياسة الواعدة والمختلفة تغيّرت وبدت أكثر راديكالية مع قيام حركات الاحتجاج الشعبية عام 2010 فيما سمي بالربيع العربي والتي أسقطت عدداً من الأنظمة العربية، إذ تخلّت تركيا عن نهج وسياسة صفر مشاكل وباتت تتدخّل بشكل سافر في شؤون الدول العربية على المستويين الدبلوماسي والعسكري، محمولة بطموحين، تمثّل الأول في إمكانية فرض ولايتها على الدول التي نجحت فيها القوى الإسلامية، لا سيما جماعة الإخوان المسلمين، من الوصول إلى السلطة، وأما الطموح الثاني فتمثّل بالاشتغال على ما اصطلح تسميته “العثمانية الجديدة” والتي حملت معانٍ إمبريالية وفرضت أشكالاً من الوصاية وأفضت إلى تأليب دول ومجتمعات عربية على تلك السياسة، وكل ذلك في سياق السباق على ريادة المنطقة ورسم صورة مستقبلها.

ثلاثة دول عربية على رأس القائمة والإمارات أولاً

في الأثناء تخوض تركيا نهجاً مغايراً يسعى إلى تطبيع العلاقات مع دول المنطقة والتفاهم معها بدل السعي إلى التضييق عليها والتدخل في شؤونها، بيد أن هذا النهج يصطدم بسياسة تركيا الشرق أوسطية السابقة، وهو ما عنى فقدان الثقة بالسياسة الخارجية التركية، وهو ما استلزم تخلّي أنقرة عن تبنّي القوى الإسلاموية والإخوان المسلمين ووقف ابتزاز الدول بملفاتها الداخلية، والانسحاب التدريجي من التدخّلات العسكرية في دول عربية، كما في حالتي سوريا وليبيا أو حتى التدخلات السياسية كما في حالتي تونس ومصر.

اقرأ أيضاً: “داعش” وسياسة غضّ الطرف تركياً

من بين الدول العربية التي وقعت تركيا على خلاف معها كانت كل من مصر والإمارات والسعودية في رأس القائمة، وتعمّق  ذلك من خلال التحالف مع قطر وجماعة الإخوان المسلمين في المنقطة. وقد عكّرت سياساتها تلك صفو علاقاتها الدبلوماسية والتجارية والاقتصادية، فيما جاء كل ذلك في ظل أزمات حادّة عصفت بالاقتصاد التركيّ، وهو ما حدا بالأتراك اتباع سياسة أكثر مرونة من خلال استعادة مقولات “صفر مشاكل” و “خفض التصعيد” وقد دشّنتها أنقرة باستعادة علاقاتها مع أبو ظبي وزيارة أردوغان للإمارات في منتصف فبراير/شباط، كواحدة من الدول الخمسة التي تسعى إلى تطبيع العلاقات معها، وهي الإمارات والسعودية ومصر وأرمينيا وإسرائيل، في حين أعلن إبراهيم كالن، مستشار الرئيس التركي للسياسة الخارجية، بأن العالم “أمام حرب باردة جديدة وقد تخلق تحالفات جديدة”، وهو ما يعني أن تركيا تتحضّر لتحالفات باتت معالمها تتوضح شيئاً فشيئاً.

مصر والسعودية أقرب قليلاً

وتماشياً مع صيغة الانفتاح التركي، أعلن وزير الخارجية التركية، مولود جاويش أوغلو، أنه سيجتمع مع نظيريه المصري والإسرائيلي قريباً، وأنه سيجتمع إلى نظيره المصري، سامح شكري، على مأدبة خلال شهر رمضان في اسطنبول، ويأتي ذلك في سياق احتمال تعيين أنقرة سفيراً جديداً لها في القاهرة بعد غياب دام تسع سنوات من القطيعة الدبلوماسية، رغم أن الدولتين عقدتا العام الماضي لقائين دبلوماسيين على مستوى نائب وزير الخارجية في القاهرة وأنقرة خلال عام 2021، وجاء ذلك بعد أن تعقّدت خلافات البلدين على هدي الحرب في ليبيا والتحالفات المتضاربة شرق البحر الأبيض المتوسّط، وقد أفضى التقارب الأولي إلى إيقاف أنقرة الأذرع الإعلامية للإخوان وتخفيف الأنشطة السياسية والإعلامية الموجّهة ضد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. وعلى النقيض من استعجال أنقرة لترميم العلاقات يبدو أن القاهرة غير مستعجلة في إعادة العلاقات إلى سابق عهدها.

في إزاء ذلك تسعى أنقرة إلى التقارب مع السعودية بعد أن هاتف أردوغان العاهل السعودي مرتين العام الماضي، ويبدو أن زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، المزمعة للمملكة واللقاء بالعاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد محمد بن سلمان، ستكون ضمن مسعى دبلوماسي تسعى الرياض من خلاله وقف الابتزاز التركي في قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي فضلاً عن رغبة تركيا إنهاء المقاطعة التجارية لبضائعها والتفاهم حول جملة من القضايا الإقليمية والدولية، وقد سرّع توقيع دول الخليج على “إعلان العُلا”، الذي أنهى الخلاف مع قطر رسمياً العام الماضي، مضي تركيا في بذل جهد أكبر لعودة العلاقات في ضوء الأزمات الاقتصادية الحادة والتضخم وتراجع عائدات القطاع التجاري التركي.

ما الذي يسرّع الخطى التركية؟

تحث أنقرة الخطى صوب الترويكا العربية، الإمارات والسعودية ومصر، فالعوائد الاقتصادية تحتل مكانة مهمة، فضلاً عن أن التقارب العربي الإسرائيلي يخرج تركيا من موقع الأفضلية، على اعتبارها كانت الدولة الأهم في مسار العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع تل أبيب، وبدا أن القمة الأخيرة التي عقدت أواخر آذار/مارس في النقب واستضاف فيها وزير الخارجية الإسرائيلي نظراءه من مصر والإمارات والمغرب والبحرين بحضور وزير الخارجية الأمريكي، رسالة مهمة لإمكانية تشكّل تحالف بالضد من إيران لكنه إلى ذلك يعني احتمالات تهميش تركيا أو التقليل من دورها الإقليمي، وهو الأمر الذي دفع أنقرة إلى الإسراع في أن تكون الحاضر الآخر في الاجتماعات التي تكون تل أبيب جزءاً منها، بعد أن كانت أنقرة حرّضت ورفضت التطبيع الذي حصل بين الإمارات وإسرائيل في وقت سابق.

في مقابل ذلك يمكن أن يستشف من التقارب الإقليمي سعي العواصم العربية بالإضافة إلى تركيا تجنّب أي ارتدادات للحرب الدائرة في أوكرانيا، ذلك أن جميع الدول المتقاربة يجمعها الحرص على أن لا تصبح طرفاً إلى جانب الولايات المتحدة أو روسيا وهو ما يستلزم تشبيك العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية فيما القاسم المشترك الأكبر لهذه الدول هو رفضها السياسة الأمريكية في عهد الرئيس الحالي، جو بايدن، إضافة إلى العلاقات التي نسجتها مع موسكو مع دول المنطقة والتي تعمّقت خلال الفترة التي انخرطت فيها موسكو في قضايا الشرق الأوسط وقدّمت نفسها كبديلٍ أو كطرف مكافئ للولايات المتحدة في المنطقة مستفيدة من الفراغ الذي تسببت فيه واشنطن وتخلّيها عن مساعدة حلفائها في وجه التحديات التي تواجهها.

لأجل ذلك كله، تقف الحسابات الداخلية وكذلك الخارجية وراء السياسة التركية الراهنة، فالأزمة الاقتصادية والحاجة إلى روافد اقتصادية تساهم في تدعيم موقف حزب العدالة والتنمية قبل موسم الانتخابات العام المقبل، والحرب في أوكرانيا وما استتبعه من خروج تركيّ عن بيت الناتو وتفضيلها دور الوسيط على دورها الذي يقتضي الوقوف إلى جانب حلفائها، والأبعد من ذلك هو تخلّي تركيا عن فكرة ريادة المنطقة  والتي كان تستلزم منافسة السعودية والإمارات ومصر على الدوام إضافة إلى مناكفة إسرائيل على المستوى الإعلامي وفي سياق التصريحات الرسمية ذات الطابع الشعبوي. وإذا كانت استعادة سياسة صفر مشاكل في هذه الغضون قد عادت إلى متن الخطاب الإعلامي التركي إلّا أن هذه السياسة لم تعد تملك ذلك الإيحاء الاستراتيجي بعد ان فقدت دول المنطقة الثقة بمطلقيها، إلّا أنها قد تكون صيغة مفيدة لأجل التكتيات الجديدة التي تخوض فيها الدبلوماسية التركية.

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa