أمنية وعسكريةالرئيسيتقدير موقف

لغة الحصار بين النظام السوري والإدارة الذاتية

مقدمة

 منذ أن بسطت القوات الكردية المعروفة محلياً بـ”وحدات حماية الشعب”، والتي انضوت لاحقاً في تحالف أوسع حمل اسم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بُعيد تأسيسها في أكتوبر 2015، والعلاقة بينها والقوات الحكومية بعيدة عن الصدام المباشر، إلّا أن الطرفين يتبادلان حصار المناطق المتبقية تحت سيطرة كلّ منهما. بدوره يقوم النظام بفرض حصار دون معرفة الأسباب المباشرة لذلك على مناطق الشهبا بريف حلب وحيي الشيخ مقصود والأشرفية داخل مدينة حلب، فيما تردّ قوى الأمن الداخلي “الأسايش” التابعة لقسد بفرض حصار موازٍ على المربّعين الأمنيين في الحسكة والقامشلي الواقعين تحت سيطرة النظام، وفي أغلب حالات الحصار يلاحظ أنها تنتهي بوساطة روسية، وهو ما يعكس نفوذاً روسياً ممارساً على الجانبين وقدرة موسكو على تدوير الزوايا ورغبتها في الحؤول دون تصاعد التوترات.

حالات سابقة لعمليات الحصار  المتبادلة

خلال فترات متباعدة نسبياً فرضت قوات النظام حصاراً على مناطق الشهبا بريف حلب وحيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وقد استمر حصار تلك المناطق لفترات استمرت لأشهر من العام الماضي، وفي مقابل حصار النظام قامت قوى الدفاع الداخلي “الأسايش” التابعة للإدارة الذاتية بفرض حصار موازٍ على حيّ طي الواقع تحت سيطرة النظام آنذاك ولفترة امتدت على 23 يوماً. وجاء فك الحصار في إطار الاتفاق الذي جرى برعاية روسية، والذي نص على فك الأسايش لحصارها على مناطق تواجد النظام السوري في مدينتي الحسكة والقامشلي، والسماح بدخول وخروج الآليات والمواد، مقابل فك النظام السوري لحصاره على مناطق الشهباء والأشرفية والشيخ مقصود. فيما واصلت قوات الأسايش حصارها المربعات الأمنية الخاضعة لسيطرة النظام السوري في مدينتي الحسكة والقامشلي مع السماح للمدنيين بالخروج والدخول سيراً على الأقدام فقط.(1)

وخلال تلك الفترة وقعت اشتباكات مسلحة في 31 يناير/كانون الثاني 2021، بين عناصر الدفاع الوطني التابع للقوات الحكومية السورية، وقوى الأمن الداخلي (الأسايش) في مدينة الحسكة، خلال تفريق تظاهرة مؤيدة للحكومة، وقد كان حصار مناطق الحكومة في القامشلي والحسكة يهدف للضغط على حكومة دمشق التي تحاصر بلدات وقرى ضمن منطقة الشهباء بريف حلب الشمالي وفافين والمسلمية بأطراف حلب وحيي الشيخ مقصود والأشرفية ضمن المدينة ومنع دخول وخروج المواد الطبية والغذائية والمحروقات منذ أشهر طويلة، وفرض حاجز الفرقة الرابعة بمنطقة المسلمية، “مبالغ مالية طائلة على أهالي المناطق الراغبين بالتنقل إلى حلب من ريفها الشمالي ولاسيما أبناء عفرين”.(2)

وفي نهاية أبريل/نيسان من العام الماضي تمكّنت الإدارة الذاتية من السيطرة على كامل حي طي بمدينة القامشلي، الحيّ كان يمثّل أكبر المناطق الموالية للنظام داخل المدينة، وقد تحقّقت سيطرة الأسايش على الحي بعد عملية عسكرية توصّلت بعدها مع قوات “الدفاع الوطني” التابعة للنظام، وبرعاية من قوات روسية وقوات سوريا الديمقراطية، إلى هدنة دائمة مشروطة التزام قوات الدفاع الوطني بذلك، وقد حصل الأمر دون أي خروقات لهذه الهدنة.(3)

حصار وحصار مقابل في هذه الأثناء

منذ بداية شهر أبريل/نيسان الحالي فرضت قوات “الفرقة الرابعة” التابعة للنظام السوري حصارا على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، الخاضعان لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ما دفع الأخيرة لاتباع ذات السياسة شرقاً، حيث مناطق نفوذها في محافظة الحسكة.(4)

ردّاً على حصار الفرقة الرابعة، ردّت قوات الأسايش التابعة للإدارة الذاتية بحصار تدريجي للمربعات الحكومية والأمنية في مدينتي الحسكة والقامشلي شرق سوريا، حيث أزالت الحواجز على مداخل المربع الأمني وسيطرت قوى الأمن الداخلي “أسايش” التابعة لـقوات سوريا الديمقراطية، على الدوائر والمؤسسات الحكومية والخدمية التابعة للنظام. وانحصر تواجد النظام في كتل المقرات الأمنية الثلاثة وهي فرع المخابرات العامة “أمن الدولة” وفرع الأمن السياسي وفرع المخابرات العسكرية و “الفوج – 54” التابع للفرقة 17 والمعروف محلياً باسم فوج طرطب جنوب مدينة القامشلي.(5)

وعلى الرغم من الجولات التفاوضية بين الطرفين (النظام السوري، الإدارة الذاتية ) بحضور ضباط من الجانب الروسي، إلا أنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى أي اتفاق واضح لكسر الحصار المتبادل، والذي ألقى بتداعياتٍ سلبية بشكل خاص على المدنيين هناك.(6) وعلى وقع الحصار الخانق الذي تفرضه حواجز “الفرقة الرابعة” على حيي الشيخ مقصود والأشرفية الخاضعين لسيطرة قوى الأمن الداخلي “الأسايش” بمدينة حلب، خرج الأهالي بمظاهرة بالقرب من مشفى ياسين بحي الشيخ مقصود، مطالبين برفع الحصار عن أحياء الشيخ مقصود و الأشرفية و منددين باستخدام النظام السوري سلاح التجويع لاخضاع الأهالي.(7)

ويعاني حيي الشيخ مقصود والأشرفية أوضاعاً إنسانية صعبة، نتيجة لانقطاع أصناف كثيرة من المواد الغذائية وارتفاع أسعارها بشكل جنوني، فضلاً عن وصول سعر ربطة الخبز السياحي إلى 4000 ليرة سورية بعد أن كانت نحو 1500 ليرة قبل بدء الحصار، وتضييق من قِبل حواجز “الفرقة الرابعة” الخناق على الحيين الخاضعين لنفوذ “الإدارة الذاتية” ، الأمر الذي ينذر بوقوع كارثة إنسانية وشيكة، تهدد حياة نحو 200 ألف مدني يقطن في تلك الأحياء.(8)

في إزاء ذلك يقدّم النظام رواية مقابلة عن حصار مناطقه داخل القامشلي والحسكة، إذ قال محافظ الحسكة، غسان خليل، إن الحصار الذي تفرضه “قوات سوريا الديمقراطية” هو “حصار مطبق”، وإن المحافظة تقدّم من الاحتياطات التي ستنفد إن استمرت الظروف على حالها. و أن “قسد تمنع دخول الطحين والمواد الغذائية والمحروقات التي تشغل المخابز، وهذا الأمر يؤرق المواطنين في المحافظة ويزيد الضغوط عليهم في هذه الظروف الصعبة وفي شهر رمضان”.(9)

ومن خلال تتبّع حالات الحصار يظهر بأن كل حصار يفرض على المربّعين الأمنيين في القامشلي والحسكة يأتي كرد على حالات حصار يفرضها النظام والفرقة الرابعة على المناطق التابعة للإدارة الذاتية في حلب، ومن الملاحظ أن معظم حالات فك الحصار والسماح بدخول المواد المعيشية والمحروقات تتم بوساطة روسية مباشرة.

وتسعى موسكو إلى عدم حصول صدام مباشر وتخفيف التوترات التي تحصل بين النظام وقسد عبر تكتيكات الحصار، فهي وإن كانت حليفة النظام فإنها لا تسعى إلى تصدّع علاقتها بشكل كامل مع قسد، فذلك التصدّع قد يقوّي من مركز طهران في المنطقة الشرقية، وهو ما يخلق تنافساً داخل فريق حلفاء النظام، إذ تفيد المعلومات عن أن إيران تستميل أبناء العشائر في القامشلي لتشكيل مجلس عسكري، مستفيدة من انشغال الروس في حرب أوكرانيا، ووفقاً للمعلومات فقد تراوح عدد المشاركين في الاجتماع نحو 100 شخص. وناقش المجتمعون إنشاء مجلس عسكري يمثلها العناصر المشاركين في الاجتماع تحت إشراف مستشارين إيرانيين، للوقوف في وجه المشروع الأمريكي مع “قسد”.(10)

خاتمة

الفرضيات التي تقف وراء تتالي عمليات الحصار، دون وجود سبب مباشر لذلك،  يقود إلى  احتمال أن تكون هذا التصرّف ، الذي تقوم به الفرقة الرابعة، مدعوماً من قبل إيران التي تسعى إلى التضييق على الولايات المتحدة عبر استنزاف حليفتها قسد في مناوشات وتوترات أمنية مستمرة. ولعل ابتداء النظام في فرض الحصار ومنع المواد المعيشية والمحروقات من الدخول إلى المناطق الواقعة تحت نفوذ الإدارة الذاتية في حلب وريفها يبرر الحصار المقابل الذي يحصل في الحسكة والقامشلي، رغم ما يتسبّب به الحصار من سوء الأوضاع المعيشية والإنسانية، السيئة أساساً، في كل الجانبين.

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
قائمة بالمصادر المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa