الرئيسيترجمات

التجميد والبناء: نهج استراتيجي لسياسة سوريا

تشارلز ليستر

مقدّمة

قدّم أواخر عام 2021 وأوائل عام 2022 بعض الأسباب للتفاؤل المحتمَل فيما يتعلّق بالتحرُّكات الدبلوماسية التي تهدف إلى معالجة العملية السياسية المتعثرة منذ فترة طويلة في سوريا. ومع ذلك، فإن الغزو الروسي لأوكرانيا قد غيّر كل شيء. الدبلوماسية السورية كما نعرفها قد انتهت ويبدو أن أزمة إنسانية غير مسبوقة باتت وشيكة. وللتكيُّف مع هذه البيئة الجديدة يجب على المجتمع الدولي بالتأكيد، النظر في تغيير شامل في النهج، وإعطاء الأولوية لتجميد خطوط الصراع الحالية، واستخدام أكثر استراتيجية للمساعدات وتحقيق الاستقرار وإعادة البناء المستهدَف في المناطق الخالية من حكم نظام الأسد.

كان من الممكن أن تمثل الورقة التالية والسياسة الواردة فيها محوراً ذكياً واستراتيجياً لسياسة سوريا قبل الأحداث في أوكرانيا، ولكن في السياق الحالي اليوم، فإنها تقدّم الاستجابة الوحيدة ذات المغزى لبيئة مختلفة بشكلٍ ملحوظ وسلسلة من التحدّيات الناتجة. إذا ظل المجتمع الدولي على مساره الحالي بشأن السياسة السورية، فإن العدد الكبير من عواقب أسوأ الحالات والآثار الدولية المزعزِعة للاستقرار ستصبح شبه مضمونة. يجب أن يكون العقد الماضي من الأزمة السورية درساً للعالم أن تركها بمفردها لتتفاقم لا يؤدّي إلا إلى ارتفاع التكاليف.

مع دخول الأزمة السورية عامها الثاني عشر، تستمر التكاليف البشرية المرتبطة بأكثر من عقد من الصراع وعدم الاستقرار في الارتفاع. أكثر من نصف السوريين نازحون حالياً، وهو ما يجعل سوريا أكبر أزمة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية. يعيش ما لا يقل عن 90٪ من السوريين حالياً في فقر ويحتاج 11.1 مليونًاً إلى مساعدات إنسانية. يعاني أكثر من 12.4 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي (ارتفاع بنسبة 56٪ عن العام السابق)، بما في ذلك 1.3 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد، الأمر الذي يعني أنهم يفوّتون وجبات الطعام بانتظام، بسبب عدم توفر الغذاء بأسعار معقولة. يعاني 20٪ من جميع الأطفال داخل سوريا دون سن الخامسة من سوء التغذية المستمر. ما يقرب من 8 ملايين سوري يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى الأطباء أو الأدوية، وأكثر من مليوني طفل لا يحصلون على التعليم.

بعد ثلاث سنوات من الركود والصراع الكامن، من المرجّح أن يكون هذا الرقم أعلى اليوم. على الرغم من الاستحالة العملية لجمع مثل هذا المبلغ الضخم، فإن سوريا تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية حتى لبدء تنفيذ جهود إعادة بناء بهذا الحجم. في الواقع، أكثر من نصف البنية التحتية الأساسية في سوريا حالياً مدمّرة أو غير صالحة للاستعمال.

يقف على رأس هذه الكارثة بشار الأسد، مهندس الانحدار الكارثي لسوريا إلى العار. نجا الأسد بعد أن ارتكب كل جريمة حرب وجريمة محتمَلة ضد الإنسانية، لكنه يقف على أنقاض دولة. نظامه وأجهزته الأمنية الوحشية بمثابة رادع قوي لأيّ عودة مجدية للاجئين، كما تشير جميع استطلاعات الرأي باستمرار.

في الواقع، يواصل السوريون الفرار من مناطق النظام بحثًاً عن حياة أفضل في أماكن أخرى.

إن انتشار المعاناة واليأس والإحباط السائد الآن يبشِّر بشكلٍ سيء للغاية بالنسبة لاستقرار سوريا في المستقبل. في حين أنّ ما يقرب من ثلث البلاد لا يزال بعيداً عن سيطرة النظام، فإن الثلثين الذين يُزعم أنهم تحت سيطرته غير آمنين للغاية. بالإضافة إلى الإجرام المستمر وأمراء الحرب، ظهر أيضاً تمرُّد محلي وحركات احتجاج مناهضة للنظام. على الرغم من أنها كانت تهدف إلى تجسيد جهد روسي لـ “التوفيق” بين مناطق المعارضة السابقة، إلا أن جنوب غرب سوريا لا يزال المنطقة الأكثر اضطراباً في البلاد، بعد ما يقرب من أربع سنوات من الاخضاع العنيف في منتصف عام 2018.

ربما يكمن المثال الأكثر إقناعاً لما وعد نظام الأسد بتمثيله لسوريا في وضعها الجديد كدولة مخدّرات. في عام 2021 ، تمّ الاستيلاء على ما لا يقلّ عن 3.5 مليار دولار من الكبتاغون – تمّ إنتاجه في شبكة من المصانع التي يديرها إلى حدٍ كبير شركاء لشقيق الأسد القوي ماهر وفرقته المدرّعة الرابعة – من قبل السلطات في الخارج، من اليونان وإيطاليا إلى الأردن والمملكة العربية السعودية، و بعيدة مثل ماليزيا والسودان. يمثل هذا المبلغ وحده أكثر من خمسة أضعاف إجمالي الصادرات القانونية لسوريا في عام 2021. من المحتمَل أن يكون حجم المخدّرات السورية الصنع غير المصنّعة وفقاً لمصدَرين دوليين في مجال إنفاذ القانون والاستخبارات، أكبر بخمس مرات على الأقلّ، أي ما لا يقلّ عن 17.5 مليار دولار.

مثل هذه الأموال هي الآن حرفياً العمود الفقري لاقتصاد الظل، حيث تُبقي الأسد ونظامه واقفاً على قدميه مع ثراء شخصي، وشعب سوريا خاضع وأكثر فقراً من أي وقت مضى.

إن ظهور نظام الأسد كمصدَرٍ عالمي للمخدّرات هو مثال مناسب للدرس طويل الأمد من الأزمة السورية: ما يحدث في سوريا لا يبقى أبداً في سوريا. تأثر الاستقرار العالمي سلباً على مدى العقد الماضي، من جرّاء أزمة اللاجئين التي سبَّبها السوريون، والتي بدورها شجّعت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأثارت الشقاق في جميع أنحاء أوروبا وتحدّت العلاقات عبر الأطلسي كما لم يَحدُث من قبل. لقد شهد جيران سوريا اقتصاداتهم مشلولة بفعل اللاجئين الذين يبدو من المرجّح الآن أن يصبحوا مكوّنات دائمة في مجتمعاتهم.

استغلّت داعش عدم الاستقرار في سوريا لتتحوّل إلى حركة إرهابية عالمية. أصبح ثاني أكبر جيش دائم لحلف الناتو الآن على خلاف مع الحلف أكثر من كونه موحَّداً معه، لقد تمّ انتهاك القاعدة ضد استخدام الأسلحة الكيماوية أكثر من 340 مرّة من قبل نظام الأسد، ومات أكثر من 500 ألف شخص.

لا يمكن التقليل من شأن التكاليف الجيوسياسية للأزمة السورية على العالم خلال السنوات العشر الماضية. شعرت روسيا بالجرأة الكافية لغزو أوكرانيا في عام 2022، مما عجّل بأهم صراع شهدته أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، كان في جزء كبير منه نتيجة للدروس التي تعلَّمتها من سوريا.

يمكنكم/ن قراءة التقرير الكامل من خلال الضغط على علامة التحميل:

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa