الرئيسيمقالات

علاقات إقليم كردستان مع الخليج وتداعياتها على المنطقة

   تمتع إقليم كردستان بالاستقلال الذاتي عام 1991م إثر صدور قرار مجلس الامن 688 الذي جعل تلك المنطقة من العراق محرمة على القوات العراقية جواً وبراً، وقد حاول الجيش العراقي اجتياحها بعد اندلاع انتفاضة عارمة في آذار/مارس 1991، مما أدى إلى نزوح ملايين السكان وتركهم مدنهم وقراهم ولجوئهم الى المناطق الجبلية الوعرة داخل تركيا وإيران والمحاذية لكردستان، ومنذ ذلك التاريخ أسست القيادات الكردية مؤسساتها القانونية بعد أن دعت إلى انتخابات عامة في حزيران/يونيو 1992 انبثق عنها برلمان وطني، وتشكلت بموجبه أول حكومة كردية تدير تلك المنطقة المحررة، وبذلك نشأ كيان سياسي مقبول من تركيا وإيران وأمريكا والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي شجع قيادة الإقليم على البدء في بناء منظومة علاقات خارجية بمستوى دبلوماسي، لتنتشر تدريجيا ًممثليات الإقليم في الخارج التي عملت كالسفارات في العديد من هذه الدول.

   اعتمدت تلك الممثليات طيلة عقد التسعينيات من القرن الماضي، العلاقات السياسية وتعريف العالم بقضية شعب كردستان ومراحل نضاله لغاية إجراء الانتخابات العامة، وانبثاق مؤسساته التشريعية والتنفيذية، معتمدة في ذلك على نشاط وحركة منظمات المجتمع المدني التي كان لها دور كبير خاصة في أوروبا بتمتين العلاقات مع الإقليم وتعريف الرأي العام والأحزاب السياسية في تلك الدول سواء ما كان منها في الحكم أو في المعارضة، ونجحت إلى حد كبير باستمالة الرأي العام الأوروبي وفعالياته الاجتماعية والسياسية، لكنها لم تنتشر بتلك السرعة في الفضاء العربي لأسباب كثيرة في مقدمتها علاقة تلك الدول ومصالحها  مع النظام العراقي، ناهيك عن الحصار الأممي المفروض على العراق عموماً من قبل مجلس الأمن الدولي، وقلة وجود أو ضعف تأثير ونشاط المنظمات المدنية في معظم الدول العربية، أما مع ايران وتركيا فقد أدارت القيادة الكردية وحزبيها الرئيسيين الحاكمين تلك العلاقة مستخدمة الجانب الاقتصادي والتجاري تحديداً، حيث تمر معظم تجارة تركيا عبر الإقليم الى العراق والخليج، ناهيك عن كون الإقليم سواء قبل عام 2003 أو بعده سوقاً مستهلكة وكبيرة للمنتوجات الإيرانية، مما دفع الدولتين إلى تقوية تلك العلاقات سواء عن طريق الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تتمتع قيادته بعلاقات خاصة مع الإدارة السياسية الإيرانية، والحزب الديمقراطي مع تركيا التي تمر تجارتها عبر الطريق الإستراتيجي ومعبره في “إبراهيم الخليل” وصولاً إلى العراق والخليج، والذي يهيمن عليه الديمقراطي ناهيك عن العلاقات السياسية الجيدة بين الطرفين.

اقرأ أيضاً: التجميد والبناء: نهج استراتيجي لسياسة سوريا

   بعد عام 2003 وتحول الإقليم إلى منتج مهم للنفط، ومن ثم الغاز بعده ببضعة سنوات، بدأت دائرة العلاقات تتوسع مع دول العالم، وبالتحديد مع الشركات النفطية الكبرى، ومع تركيا ودول الخليج حيث تشابكت المصالح والعلاقات التي رسمت العلاقة بين الإقليم وتلك الدول، فقد نجحت إدارة الإقليم في كسب تركيا إلى جانبها بتوقيع مجموعة اتفاقيات مهمة بينهما، أساسها التبادل المنفعيّ في موضوعة النفط انتاجاً وتصديراً، خاصة بعد مدّ الأنبوب الإستراتيجي للنفط، الذي يُعرف بـ”أنبوب كوردستان”، من حقوله في الإقليم إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط، والذي أسس لعلاقة غاية في الأهمية بين الطرفين، وفي الجانب الآخر وبعد تطور الإنتاج سواء في قطاع النفط أو على مستوى الاكتشافات الأخيرة للغاز التي تبشر بخزين هائل قد يضع الإقليم في مواقع متقدمة عالمياً في مجال إنتاج الغاز، حيث اتسعت دائرة العلاقات وتطورت بين الإقليم والمحيط العربي والإقليمي، من علاقات سياسية وتجارية بحتة إلى علاقات ذات طبيعة استراتيجية تتعلق بإنتاج وتصدير الطاقة مع الدول المنتجة مثل السعودية والإمارات وقطر التي  بدأت بتمتين علاقاتها مع الإقليم، خاصة  وأن العلاقة ببغداد تعاني ضعفاً كبيراً، إذ إن الحكومة الاتحادية واقعة تحت هيمنة ونفوذ إيراني يمنعها من تطوير علاقاتها مع هذه المجموعة بالذات، وهو ما حول الإقليم الى “بيضة قبان” وتوازن بين القوى المتنافسة والمتصارعة علناً او سراً.

   هذا التسارع في تطور العلاقات الخليجية مع الإقليم أقلق الإيرانيين كثيراً لسببين مهمّين، أولهما التأثير مستقبلاً على تصدير الغاز الإيراني سواء للعراق أو لتركيا وأوروبا، وثانيهما عرقلة التوسع الإيراني شمالاً في العراق، وفتح باب خليجي في المنطقة التي تعتبرها إيران مجالها الحيوي في صراعها مع الولايات المتحدة، الأمر الذي دفع أذرعها في العراق أو في الحرس الثوري لشن هجمات جوية وصاروخية على الإقليم بحجة ملاحقة مراكز مزعومة للإسرائيليين، رغم نفي حكومة الإقليم بشكل قاطع تلك الادعاءات بالاعتماد على لجان تقصي حقائق عراقية نفت أي تواجد إسرائيلي في المنطقة.

   هذه الأجواء واشتعال الحرب الروسية الأوكرانية دفعت الإقليم الى تكثيف زيارات مسؤوليه غلى دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات وقطر وتركيا، وتقوية العلاقات السياسية والاقتصادية في ملفات الطاقة التي تحدث عنها رئيس حكومة الإقليم، مسرور البارزاني، في منتدى الطاقة الدولي الذي عُقد في الإمارات مؤكداً بأن إقليم كردستان قادر بعد تطوير حقول الغاز بالتعاون مع بغداد والشركات العالمية من تجاوز الإنتاج الحالي والبالغ حجمه نصف مليار قدم مكعب إلى أضعاف هذه الكميات لكي تساهم في سد النقص الحاصل في أوروبا بسبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وشعور الأوروبيين بالهلع لفقدان الغاز الروسي والبحث عن بدائل، هذا الهلع أصاب الإيرانيين أيضاً لكنه أشاع شعوراً مغايراً لدى الأتراك الذين سيتمتعون بمزايا كثيرة وفوائد جمة من خلال مدّ أنابيبه عبر أراضيهم الى جانب أنبوب كردستان الذي ينقل قرابة مئات الآلاف من البراميل النفطية إلى الأسواق العالمية عبر ميناء جيهان. وبذلك حقّق الإقليم كتلة دبلوماسية اقتصادية وازنة أضافت لكيانه متانة أمام أي هجمة إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، ناهيك عن كونها عزّزت عنصر التوازن بين إيران والطرف الآخر من خلال كيان إيجابي بعيد عن العسكرة ومخاطرها مستخدماً قوة ناعمة لكنها غاية في الأهمية والتأثير الحاد، تلك هي قوة الطاقة واستخداماتها الدفاعية والهجومية معاً، التي تؤهل الإقليم لكي يكون بيضة القبان في منطقة الشرق الأوسط لما يمتلكه من موقع استراتيجي وموارد مهمة في مجالات الطاقة تُعزز من خلالها بناء علاقات دولية متزنة وإيجابية بعيداً عن الصراعات العسكرية والعنفية.

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa